القارئات والقرّاء الأعزاء،
لم تكن الحربُ في منطقتنا يومًا حدثًا طارئًا؛ فقد ظلّت دائمًا على موعدٍ من خديعة، وما كان لنظام الدولة أن يتشكّل كيانًا مستقرًّا، ولا أن تُرسم الحدود اعتباطًا ثم تستقرّ؛ فمنذ أن أدار موظفون أجانب خرائط المنطقة على طاولات سايكس وبيكو، مرورًا باتفاقية العقير، وليس أخيرًا إلى الخطوط التي تتجاوزها إسرائيل يوميًا في جنوب لبنان، أو ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" في غزة، الذي يتمدّد دون أن يعبأ الباغي فيه باتفاقات وقف إطلاق النار، ويواصل رسم خطوط جديدة تفصل الشمال عن الجنوب، وتحاصر ما تبقّى من أرض فلسطينية. لتتحوّل الحدود التي خُطّت بأقلام رصاص في لندن وباريس بكلِّ وحشيّة اليوم إلى مواقع نفوذ غير شرعيّ بالدبابات والطائرات المسيّرة. في كلّ ما سبق في هذا المشهد، ظلّت الحدود أداة الحكم الأولى؛ ترسم الدولة، وتعيد تعريف الأرض والهوية والسيادة.
تكشف الكتب التي نعود إليها في هذه الرسالة، والتي صدرت مراجعاتها في العام الماضي، أنّ للحرب مفاهيم متعدّدة، وأن الدولة ليست نتاجًا طبيعيًا لتطوّر داخلي. وكما يوضح محمد جمال باروت في دراسته للعلاقات العربية–التركية، فإن تصفية الدولة العثمانية قانونيًا واقتسام تركتها في معاهدة لوزان 1923 أسهما في "تغيير النظام الدولي برمّته"، ونشأ عنهما الشرق الأوسط الحديث، الذي تتوسطه البلاد العربيّة. غير أنّ هذه المنطقة لم تُبنَ على إرادة شعوبها، وإنما على أساس المصالح الاستعمارية. وكما تُظهر إليزابيث تومبسون في دراستها عن المملكة العربية السورية، فقد جرى إجهاض التجربة الديمقراطية الأولى عبر التلاعب بمفاهيم "حق تقرير المصير" و"الانتداب" من قبل القوى الغربية الاستعمارية؛ أي إن الإخفاق لم يكن حتميًا، بل صُنِع عبر إجهاض تجربة دستورية واعدة، وتقويض الصلة بين العدالة والقانون.

في سياق مشابه، أكد آدم مستيان في كتابه "النظم الملكية العربية الحديثة" أن مفهوم الدولة الحديثة في منطقتنا، كما في مثيلاته في الجنوب العالمي، لا يخلو من شيء من التعقيد والتركيب؛ فهي وإن نشأت في المرحلة الاستعمارية، وفي سياق تاريخي فصل بين حربين عالميتين، إلاّ أنّها تستند إلى تقاليد تراثية وعمليّات إعادة إنتاج وإعادة هيكلة معقّدة لبنى سياسية تاريخية وعناصر رمزية تجعلها مادّة خصبة للدرس والبحث.
وكما تُظهر دراسات الحروب من الجنوب، لا تُفهم الحرب دائمًا باعتبارها فشلًا للسياسة أو لحظة استثنائية، بل كثيرًا ما تُعاش بوصفها حالة وجودية ممتدّة، دفاعًا عن الأرض والسيادة والهوية. في المقابل، ظلّت الدول الاستيطانية والإمبريالية تنظر إلى الحرب بوصفها وسيلة دائمة لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا، لا ملاذًا أخيرًا . هذا الفهم يفسّر كيف تصبح الحدود "لدِنة"، قابلة للتوسّع والانكماش احتكامًا لميزان القوة، كما حلّل إيال وايزمان في دراسته المعمارية للاحتلال الإسرائيلي "أرض جوفاء" التي يصف فيها كيف رسّخ أرييل شارون منذ بداية عمله العسكري سياسة "الحدود اللدنة" للاستعمار الصهيوني، تحت مقولة "الاستيطان حيث نستطيع".
في جنوب لبنان، حيث تُظهر سرديات الحياة تحت القصف أنّ الحرب لا تُلغي المجتمع، وإنما تعيد تشكيله، وأن الأرض شريك حيّ في المقاومة. هذا ما تكشفه منيرة خياط في دراستها "مشهد الحرب" من كون أن الحرب في الجنوب ليست حدثًا استثنائيًا، وإنما حالة دائمة تُعاش، تُظهر كيف يفهم أهله الحرب بوصفها صراعًا عسكريًا ودفاعًا مستمرًا عن الوجود.
يقف هذا الفهم للحرب في مواجهة ضديّة مع الفهم الإمبريالي الذي يراها أداة لتحقيق مكاسب جيوسياسية واقتصادية؛ فالدول الاستعمارية التي رسمت الخطوط تتعامى عن فكرةٍ مفادها أنّ الحرب، بالنسبة إلى أصحاب الحقّ هي صراع مستميت للبقاء وتقرير المصير، وأن تلك الخطوط التي شتّتت العائلات والقبائل والمجتمعات وفصلت بينهم قد أحالت حياتهم إلى حالة دائمة من الانتظار والمقاومة.
لقد تمخضت هذه الخطوط الاستعمارية التي شكلت الحدود عن نشوء دول هشّة. يصف نزيه الأيوبي الدولة العربية بأنها "دولة ضارية" لا "دولة قوية"، لأنها تبني علاقتها بالمجتمع على القسر لا على التوافق. وهذه الدول، كما يشير غسان سلامة، هي إنتاج أوروبي بامتياز، جرى تصديره إلى العالم عبر التوسّع الاستعماري، فأفضى إلى قيام دول وطنية تفتقر إلى جذور اجتماعية وسياسية متينة.

غير أنّ مأزق الدولة لا يتجلّى فقط في مواجهة عدو خارجي؛ ففي السودان، يقدّم محمد أبو القاسم حاج حمد في "السودان: المأزق التاريخي وآفاق المستقبل" واحدة من أكثر المحاولات جدّية لفهم العلاقة بين الحروب الداخلية وأزمة الدولة، رابطًا بين التاريخ الاجتماعي للمجموعات، وصراعات السلطة، والموقع الجيوسياسي للبلاد. ورغم مرور أكثر من عقدين على صدور كتابه، لا تزال أسئلته حول الهوية ووحدة الثقافة، والحاجة إلى قيادة مركزية قادرة على إعادة بناء قاعدة إنتاج حديثة، شديدة الراهنية في بلدٍ ما زال يدفع ثمن دولة لم تُحسم علاقتها بمجتمعها بعدُ.
وفي ليبيا، كما يبيّن علي احميدة، لم تكن أزمة الدولة نتاج غياب الحداثة، بل نتيجة تفاعل معقّد بين إرث استعماري دموي، وثقافة محلية متشككة في الدولة المركزية، ونظام وظّف خطاب مناهضة الاستعمار ثم فرّغه من مضمونه. هكذا، انقلبت رموز المقاومة ذاتها إلى أدوات لنزع الشرعية، حين انفصلت الدولة عن المجتمع وتحولت إلى سلطة شخصية.
أما تونس، فتقدّم استثناءً نسبيًا؛ إذ تبدو الثورة، كما يحلّل عادل اللطيفي، ثورة داخل الدولة لا ضدّها، مستندة إلى تقاليد دستورية وثقافة قانونية أتاحت انتقال السلطة، ولو جزئيًا، من دون انهيار الكيان. هنا، يبدو الخط الفاصل بين الحرب والدولة أقلّ دموية، وإن ظلّ هشًّا.
ما يجمع هذه القراءات كلّها هو سؤال واحد يتجدّد: هل الدولة في منطقتنا نتاج مجتمعها، أم أثر جانبي للحرب والحدود المصنوعة؟ في هذا السياق، لا تبدو الحروب التقليدية، ولا الحروب بالوكالة، سوى أعراض لأزمة أعمق؛ أزمة دولة لم تُحسم هويتها، ولا حدودها، ولا علاقتها بمن تحكمهم.
بين خطّ رُسم في لندن وباريس قبل أكثر من قرن، وخطّ يتقدّم اليوم تحت جنازير الدبابات، تظل المنطقة العربية مائجةً في فضاء حدودي مفتوح؛ حدود لا تهدأ، ودول تتآكل أو تتقسم، وحروب لا تنتهي. يأتي ذلك عقب مرور خمسة عشر عامًا على انطلاق الانتفاضات الشعبية العربية التي حملت وعد التغيير السلمي لواقعٍ مثقل بالأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. غير أنّ التدخلات الخارجية، والحروب الأهلية أو الحروب بالوكالة، في ظل وهن القوى الثورية وانقساماتها، بدّدت ذلك الوعد، وقادت المنطقة إلى مشهد معقد نعاينه اليوم.
وإذ بدا هذا المسار مألوفًا في منطقتنا، فإنّ ما يجري في العالم من حولنا يشي بأنّ منطق القوّة ذاته لا يزال يحكم العلاقات الدولية، وإن اختلفت الجغرافيا. فمن فنزويلا، حيث يُعاد تسويق اختطاف رئيس منتخب بوصفه "نجاحًا خاطفًا"، إلى إيران، حيث يتكرّس مناخ المواجهة المفتوحة، تتكشّف حدود الخطاب الأميركي نفسه حين يُسأل وزير خارجيتها ماركو روبيو عمّا إذا كانت واشنطن تخطّط لانتقال للسلطة في كاراكاس، فيأتي الجواب فاضحًا: "هذا ليس الشرق الأوسط؛ المهمّة هنا مختلفة تمامًا... هذا نصف الكرة الغربي!".
لكنّ التجربة، كما يذكّرنا الصحافي كريس هيدجز، تقول عكس ذلك تمامًا؛ فالعنف الإمبريالي لا يخلّف سلامًا، إنه في حقيقة الأمر يُنجب "وحوشًا فرانكشتاينية" من صُنعه، ويفتح دوّامات من الفوضى في العالم، ومعاناة لا تنتهي للشعوب العالقة في قلب هذه الصراعات. وهو منطق لا يختلف كثيرًا حين تجتمع الولايات المتحدة الأمريكية مع دولة عادية "إسرائيل" فنشهد في غزة، انتهاكًا صارخًا للقوانين الدولية والمعايير الإنسانية.
ورغم محاولات تسويق ما جرى في فنزويلا بوصفها لحظة عابرة، فيبدو من غير الممكن إخفاء حقيقة أنّ هذا المسار هو حصيلة أكثر من خمسة عشر عامًا من الاستهداف المنهجي، وأنّ كلفته، ولا سيما العسكرية منها، تبقى باهظة في مجتمع جرى تحويله إلى فضاء مُعسكر إلى حدّ بعيد. هكذا تتقاطع حكايات منطقتنا مع حكايات العالم؛ وعود تغيير تُختطف، وشعوب تُترك لمواجهة الفوضى باسم إنقاذها.
لعلّ إعادة قراءة هذه التجارب بوصفها سردية واحدة عن الحرب والدولة والحدّ والسياسات الإمبريالية، هي الخطوة الأولى نحو إعادة التفكير في هذا العام الجديد، لا يكتفي بتشخيص المأزق، بل يجرؤ على تخيّل إمكانية الخروج منه.
دمتم بخير،
رهام عمرو