القارئات والقرّاء الأعزاء،
ما الذي تفعله الأفلام بنا حتى تبدو قادرة على ملامسة أعمق ما فينا؟ سؤال تبدأ منه حكاية سينما ظلّت حتى الخمسينيات امتيازًا نخبويًا معزولًا عن نبض الناس. غير أنّ التحوّلات الكبرى، من المد الناصري إلى صدمة عام 1967، دفعتها إلى قلب الأسئلة، واقتربت من الإنسان العربي وهو يواجه هزائمه وأسئلته الوجودية. عند هذا المنعطف، تفتّحت موجة من الأفلام التي سعت إلى قراءة الواقع بدل الهروب منه، وتحويل الهزيمة إلى محاولة للفهم والبوح بالحقيقة.
وثّق كتاب "السينما في العالم العربي: تواريخ جديدة – مقاربات جديدة" هذا التحوّل، كاشفًا كيف تجاوزت السينما حدود الشاشة، وتحركت في فضاءات الرقابة والسياسة والتاريخ، وكيف أُعيد إنتاج سردية المنطقة بين تأثيرات الاستعمار، واللغة، وتمثيل الأقليات، وصولًا إلى محاولات كسر علاقة "العالم الثالث" بالمركز الأوروبي. وفي خلفية هذا المشهد، تتبدى صناعة تكافح قيودًا عديدة؛ مرةً عبر التحايل، ومرةً عبر الرمزية، وثالثة في المنفى، حيث تتحوّل الحرية الإبداعية إلى ضرورة وجودية.
وفي قلب تلك الفترة، يقف فيلم "زائر الفجر" بوصفه نموذجًا مبكرًا لتلك السينما التي دفعت ثمن قول الحقيقة. فقد مُنع الفيلم، وقُصّ، وشُوّه، وانتهت رحلة مخرجه ممدوح شكري بهزيمة شخصية تشبه ما كان يحاول الصراخ به من خلف الكاميرا: إنّ مواجهة السلطة مكلفة، وإنّ الهزيمة قد تكون هزيمة معنى قبل أن تكون هزيمة وقائع. هذا المثال، بكل ما يحمله من مرارة، يتردد صداه في كتاب "الفيلم السياسي في مصر"، الذي أعاد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا جديدًا: هل يمكن للسينما أن تكون غير سياسية أصلًا؟ يتتبّع الكتاب تحوّلات السلطة في مصر عبر أفلام روّجت لمبادئ ثورة يوليو، ثم تلك التي انتقدت الاستبداد والانفتاح الاقتصادي في عهد السادات، مرورًا بأفلام فساد السلطة في مرحلة مبارك، وصولًا إلى موجة أفلام ما بعد ثورة يناير. وبين هذه المراحل جميعًا، تقف الرقابة كحارس ثقيل الظلّ؛ لا تمنع السياسة من الظهور، إنما تدفعها إلى مسارات الالتفاف والرموز والتلميحات.

ولم يكن فيلم "البريء" أفضل حالًا؛ فقدّم رحلة أحمد سبع الليل من بساطة الفلّاح إلى ارتباك الجندي، ثم إلى يقظة المقهور في مواجهة سلطة لا ترى سوى أعداء محتملين. وظلّ مشهده الأخير محجوبًا لسنوات طويلة، حتى بدا كأنّ المنع نفسه صار جزءًا من الحكاية، وأنّ انكشافه لاحقًا كان محاولة لاستعادة قدرة السينما على قول الحقيقة. وكأن في صوت عمار الشريعي، وكلمات عبدالرحمن الأبنودي في "الدم اللي في ايديا"، صدى لسؤال معلّق:
آه يا عيون بريئة
مين بدّل الحقيقة؟
ومين قلب المعاني؟
قدّام عيني في دقيقة
وتزداد هذه الأسئلة عمقًا حين نقترب من التجارب التي استدعت "الواقعية الجديدة" بعد عام 1967، والتي تناولها كتاب "داود عبد السيّد: سينما الهموم الشخصية". هنا تتراجع الشعارات، ويقترب الفيلم من الهامش؛ من تفاصيل الحياة الصغيرة التي تكشف حقيقة الهزيمة حين تنعكس في وجوه الأفراد، لا فقط في كتب التاريخ. تتجاور هذه الرؤية مع سرديات شخصية كتلك التي قدّمها باسل رمسيس في كتابه "عين شمس 1995 وهزائم أخرى"، حيث تتقاطع السيرة الذاتية مع السينما، ليصبح الفيلم دفترًا يسجل تحوّلات جيل حلم بتغيير العالم، واصطدم بحدود السياسة وبشروخ الذات، من القاهرة إلى هافانا، ومن الثورات التي وُعدت بالتحقق إلى الخيبات المتراكمة حتى صارت جزءًا من الوعي اليومي.
ورغم كل هذا الثقل، ما تزال الكاميرا قادرة على شقّ طريق نحو الضوء. ففي أيلول/ سبتمبر عام 2025، حملت المخرجة التونسية كوثر بن هنية قصة الطفلة الفلسطينية هند رجب إلى مهرجان البندقية السينمائي لتذكّر العالم بأن الفن يمكن أن يكون مقاومة، وأن الصورة قد تُهزم مؤقتًا لكنها لا تُهزم أبدًا. وفي عام 2024، وثّق مشروع المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي "من المسافة صفر"، المكوّن من 22 فيلمًا قصيرًا، تفاصيل من الحرب الإبادية على غزة كما تراها أعين مخرجين وفنانين يعيشونها، قبل أن يُلغى عرضه في مهرجان كان، في مشهد يعيد إلى الأذهان فصلًا طويلًا من علاقة السينما بالمنع والحصار. لكن الأفلام عُرضت على شاشات عرض وخيم موزعة خارج مركز عرض الأفلام، تحت شعار "إذا قرّر المهرجان ألّا يذهب إلى غزة، فستذهب غزة إليه".
بهذه الروح، تأتي هذه النشرة، محاولة لجمع خيوط تتقاطع رؤاها في سؤال واحد: ما الذي تفعله الأفلام بنا؟
إنها تقرأ تاريخنا وهزائمنا، تحرس ذاكرتنا، تكشف ما نحاول نسيانه من أحلامنا، وتمنحنا القدرة، ولو للحظات، على أن نرى ما وراء الظلّ.
دمتم بخير،
رهام عمرو