القارئات والقراء الأعزاء،
في الخامس عشر من نوفمبر حلّت ذكرى ميلاد عميد الأدب العربي طه حسين، المولود عام 1889، والذي فقد بصره في طفولته المبكرة قبل أن يشقّ طريقه في الأزهر، ثم في جامعة السوربون في باريس، ليغدو أحد أبرز رموز النهضة الفكرية الحديثة في العالم العربي. وبعد أكثر من قرنٍ على ميلاده، ما تزال كتبه وسيرته حيّة تفيض بأسئلة متجدّدة، فيما تظلّ الدراسات التي تتناول أثره وإرثه مصدر إلهام دائم للقرّاء والباحثين.
ولعلّ ما يميّز "الأيام" عن سائر ما ألّفه طه حسين أنّه وإن كتب كتبه للناس جميعًا، فإنّ هذا الكتاب بالذات يبدو موجّهًا إلى فئة بعينها؛ فئة يشعر أنّها وحدها ستفهم ما مرّ به، وأنّ معرفة ما واجهه من مصاعب وتحدّيات تعنيها قبل غيرها. ويكاد القارئ يلمح ذلك في مقدمته للكتاب حين يقول: "وليس أحبّ إلى نفسي ولا أحسن موقعًا في قلبي، من أن يُقدّم هذا الكتاب إلى زملائي وأصدقائي في هذه المحنة... وأنا أتمنى أن يجد الأصدقاء المكفوفون في قراءة هذا الحديث تسلية لهم عن أثقال الحياة كما وجدت في إملائه وأن يجدوا فيه بعد ذلك تشجيعًا لهم على أن يستقبلوا الحياة مبتسمين لها … فالحياة لم تُمنح لفريق من الناس دون فريق".
بهذه النبرة، يكشف طه حسين عن جانبٍ شديد الخصوصية في سيرته؛ جانبٍ يدرك القارئ معه أنّ "الأيام" لم تُكتب لتوثيق سيرة فحسب، بل لتكون مساحة يبوح فيها بما لا يقوله في كتبه الأخرى، موقنًا أنّ مَن عاشوا المحنة نفسها سيقرأون ما بين السطور أكثر مما يقرأه غيرهم.

في هذه النشرة، نستعيد أثره الممتدّ عبر التذكير بقراءات جديدة في سيرته ومشروعه الفكري. إذ يعرض أحمد عبدالحليم في مراجعته لكتاب "النهضوي الأخير: طه حسين وبناء المؤسسات في مصر" الذي يقدّم سيرة طه حسين، في قراءة مغايرة تستند إلى ما يُسمّى "السيرة الاجتماعية"، متجاوزةً الصورة النمطية المستقرّة عنه. ويبيّن كيف يعيد الكتاب وصل سيرة الرجل بسياقها الاجتماعي والسياسي، كاشفًا عن دوره في بناء المؤسسات التعليمية والثقافية، وعن اللحظات التي التقت فيها مثاليته الفكرية بمحدّدات الدولة الحديثة. كما تكشف المراجعة كيف يضيء الكتاب اللحظات الحاسمة التي تَشابكت فيها اختيارات طه حسين مع التحوّلات الثقافية والسياسية في مصر، من معاركه من أجل الجامعة والتعليم المجاني إلى رؤيته لمكانة الدولة وحدود دورها.
كما نعيد نشر مقالة دينا عزّت المعنونة بـ "بسالة رياض وكلمات طه حسين: أيّام مصر مع جسارة القتال والتنوير"، التي تستعرض فيها عددًا من الكتب التي صدرت في الذكرى الخمسين لرحيله، وظهرت في معرض القاهرة الدولي للكتاب لعام 2024.
ختامًا، يبقى مشروع طه حسين شاهدًا على أن النهضة خيارٌ متجدّد لا ذكرى بعيدة، وأن الحياة لا تُمنح لفريق دون آخر. ونأمل أن تستعيد ثقافتنا ولغتنا إشراقهما، حاملتين من جديد روح الحرية والكرامة وقوة الكلمة.
دمتم بخير
رهام عمرو