يتناول كتاب "الفيلم السياسي في مصر" لمحمود قاسم تطور السينما السياسية في مصر عبر الحقب المختلفة، من الملكية وحتى ثورة يناير. ويكشف كيف تفاعل صُنّاع الأفلام مع التحولات السياسية والاجتماعية، رغم القيود الرقابية، من خلال الرمزية والتلميح.
أحمد وفيق[1]
ما هو الفيلم السياسي؟ قد يبدو، للوهلة الأولى، أن صوغ تعريف واضح ومحدد لهذا المصطلح أمر يسير، إذ يحضر إلى ذهن كلٍّ منا عدد من الأفلام بمجرد سماعه. غير أن هذا الافتراض بالذات هو ما يجعل الوصول إلى تعريف جامع أمرًا متعذّرًا؛ فلكلٍّ منا تصوّره الخاص لمعنى السياسة. ويظل الجدل حول المصطلح مفتوحًا، حتى عند محاولة حصر السينما السياسية في معنى ضيّق أو مباشر يشمل الأفلام التي لا تُخفي موقفها السياسي، أو توسيعه ليشمل جميع الأفلام بوصفها سياسية بطريقة ما؛ فحتى الأعمال التي تبدو غير سياسية، وتقدّم الترفيه بوصفه مهربًا من الحياة اليومية، يمكن النظر إليها باعتبارها تؤدي دورًا أو تُحدث أثرًا سياسيًا ما. وهكذا تُعدّ جميع الأفلام سياسية بدرجات متفاوتة، ويكمن الاختلاف في كيفية تقديم السياسة فيها ودرجة وضوحها. وللتمييز بين المفهومَين الضيّق والواسع للسينما السياسية، اقترحت الباحثة السينمائية إيوا مازيرسكا تصنيف هذه الأفلام إلى فئات: أفلام مؤيّدة تقبل الوضع السياسي القائم، وأفلام معارضة ترفضه، وأفلام مميّزة تكشف الأيديولوجيا أو الحزب الذي تروّج له، وأخرى غير مميّزة تُخفي ذلك.[2]
الفيلم السياسي في مصر: نشأته وتاريخه
يشير الكاتب محمود قاسم، في كتابه المهم "الفيلم السياسي في مصر"[3]، إلى غياب تعريف متفق عليه للفيلم السياسي. فقد أوضح في مقدمة كتابه أنّ معجم الفن السينمائي الصادر عام 1980 يخلو تمامًا من أي تعريف لهذا المصطلح، متسائلًا: هل يعود ذلك إلى صعوبة ضبطه؟ أم لمرونته واتساعه؟ ويقترح قاسم تعريفًا يرى فيه أن الفيلم السياسي هو الفيلم الذي يصوّر الواقع السياسي الراهن لزمن إنتاجه، أو يعرض سيرة أحد أبطال السياسة المعاصرة. وهو تعريف يفتح نقاشًا إضافيًا، لكنه ليس جوهر الأهمية في الكتاب.
يُعدّ محمود قاسم ناقدًا سينمائيًا مصريًا بارزًا، صدر له العديد من الكتب والدراسات حول السينما المصرية والعربية. ويُعدّ كتابه "الفيلم السياسي في مصر" من الأعمال البحثية اللافتة التي تقدّم دراسة موسّعة وتحليلية لمسار الأفلام السياسية في مصر، وتشكّل مرجعًا غنيًا لكل باحث في هذا المجال. يهدف الكتاب إلى إبراز أثر التحولات السياسية على الإنتاج السينمائي، وقراءة كيفية تناول الأفلام المصرية للقضايا السياسية والاجتماعية عبر مراحل تاريخية متعاقبة. وقد صنّف قاسم مئات الأفلام وفق القضايا التي تعالجها وأنظمة الحكم التي تدور أحداثها في زمنها، بدءًا من الحقبة الملكية، مرورًا بعصر جمال عبد الناصر وفترتَي محمد أنور السادات ومحمد حسني مبارك، وصولًا إلى مرحلة ما بعد ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني/ يناير 2011.
كيف تنشأ الأفلام السياسية في مصر؟
يعدّ السياق التاريخي والثقافي العامل الأساسي في نشأة الأفلام السياسية في مصر، كما يتضح ذلك عند قراءة صفحات الكتاب. ويشير هذا السياق إلى الظروف التاريخية والاجتماعية والسياسية التي تؤثر على صناعة الأفلام وتحديد موضوعاتها. وللفهم العميق لهذا السياق، من المهم الاطلاع على الأحداث الكبرى والتحولات الاجتماعية والسياسية التي مرت بها مصر، والتي شكّلت المحتوى السينمائي والسياسي في الأفلام المصرية.
في القسم الخاص بعهد الملك فاروق، يلفت الكاتب محمود قاسم الانتباه إلى أنه لم يُنتج فيلم مصري واحد يركز على شخصية الملك فاروق الأول، رغم ظهور شخصيته في العديد من الأفلام، بشكل مباشر مثل فيلم "امرأة هزت عرش مصر" أو غير مباشر مثل فيلم "قصة حبي". وتوضح هذه الحالة مدى تداخل السياسة مع السينما، إذ حُذفت صورة الملك الفعلي الأخير لمصر من أفلام عديدة مثل "غزل البنات" و"الأسطى حسن"، التي أُنتجت خلال حكمه، بناءً على تعليمات نظام ثورة يوليو الذي أطاح به.
وبعد صعود جمال عبد الناصر إلى السلطة على إثر ثورة 1952، شهدت مصر تحوّلات اجتماعية وسياسية كبيرة انعكست مباشرة على السينما. إذ ركزت الأفلام على تعزيز الروح الوطنية وترويج الأيديولوجيا الناصرية ومبادئ الثورة الست، والتأكيد على الأسباب التي دفعت الضباط الأحرار لإزاحة الملك فاروق عن العرش. ومن أبرز هذه الأفلام "الله معنا"، و"رد قلبي"، و"الأرض الطيبة"، إلى جانب مجموعة أفلام إسماعيل ياسين التي تناولت الجيش والشرطة. وحرص النظام السياسي على أن تعكس السينما التغيرات الاجتماعية والسياسية في تلك الفترة.
في عهد محمد أنور السادات، شهدت مصر تحوّلًا نحو الانفتاح الاقتصادي وتوقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل، ما انعكس على السينما المصرية. فقد بدأت الأفلام تتناول قضايا مثل الفساد والبيروقراطية والانفتاح الاقتصادي، مع نقد صريح للاستبداد السياسي الذي اتسمت به الحقبة الناصرية، كما يظهر بوضوح في فيلم "الكرنك". وتخلل هذه الفترة أيضًا إنتاج أفلام عن حرب أكتوبر 1973، إلا أن الكاتب صنفها أفلامًا حربية تقل فيها الصبغة السياسية بدرجة كبيرة.
أما خلال حكم محمد حسني مبارك، فقد بدأت الأفلام تركز على قضايا الفساد والاستبداد، من خلال تناول الوزراء أو نواب البرلمان، كما يظهر في أفلام مثل "معالي الوزير" و"طيور الظلام" و"هدى ومعالي الوزير" و"عمارة يعقوبيان"، إضافة إلى سلسلة أفلام "بخيت وعديلة". كما استحوذت قضية الصراع بين الحرية والقمع على اهتمام عدد من صناع السينما، حيث قدموا أفلامًا مثل "هي فوضى".
وبعد ثورة 25 كانون الثاني/ يناير 2011، ظهرت موجة جديدة من الأفلام التي تعبّر عن الحريات وتطلعات الشعب المصري نحو حياة أفضل، ومن أبرزها "بعد الموقعة" و"الخروج إلى النهار" و"فبراير الأسود". إذا كانت هذه هي السياقات التاريخية والسياسية والثقافية التي أنتجت عددًا كبيرًا من الأفلام التي يصنفها الكاتب محمود قاسم "أفلامًا سياسية"، يطرح ذلك تساؤلًا لا يمكن تجاهله عند الحديث عن السينما والسياسة: ما إمكانية إنتاج فيلم سياسي في دولة تتحكم تمامًا فيما يُعرض عبر جهاز الرقابة؟ فوفق تعريف قاسم للفيلم السياسي، بأنه العمل الذي يتناول النظام القائم في زمن إنتاجه، فهل يمكن أن يوافق أي نظام سياسي على تصوير وعرض فيلم ينتقد توجهاته أو رموزه؟
الرقابة والتحديات
أدت الرقابة في مصر دورًا محوريًا في صناعة الأفلام السياسية، إذ اضطر صناع الأفلام لمواجهة تحديات عديدة بسبب القيود الرقابية والسياسية التي فرضتها الحكومة. وقد أثّرت هذه القيود على حرية التعبير وحدّت من مساحة الإبداع في صناعة الأفلام، مع ذلك تمكن بعض المخرجين والمؤلفين من توجيه رسائل سياسية جريئة عبر الرمزية والتلميح.
ويذكر الكتاب واقعة ذات دلالة عن المخرج محمود ذو الفقار وأخيه عز الدين ذو الفقار، عندما راقبه البوليس السياسي بسبب إخراجه أفلامًا عن فلسطين، مخافة ميله المزعوم نحو الشيوعية، رغم أنه لم تُعرف عنه هذه الانتماءات يومًا. وتُظهر هذه الحادثة كيف كانت الدولة تنظر إلى صناعة الأفلام، إذ لم تكن تهتم بما يقدمه الفيلم فحسب، بل أيضًا بمن يصنعه والانتماءات الجماعية له، حتى لا يُعرض مستقبلًا أفلام تُروّج لأفكار لا ترغب الدولة في انتشارها.
وإذا كانت هذه حالة من المراقبة بمعناها الحرفي، فإن الرقابة الفنية الصارمة على السينما في مصر تُفرض عادة لضمان توافق الأفلام مع القيم المجتمعية والسياسية السائدة، ولمنع أي محتوى يُعد تهديدًا للاستقرار السياسي أو الاجتماعي. وقد أكّد كاتب السيناريو المصري البارز وحيد حامد ذلك، مشيرًا إلى أنه كان يتحايل على الرقابة بكتابة مشهد غير ضروري، يعرف أن الرقابة ستتوقف عنده، بينما يمرّ المشهد والرسائل المهمة دون اعتراض. ورغم ذلك، لا يبدو أننا توصلنا إلى إجابة حاسمة عن السؤال حول المنتصر في صراع الرقابة وصناع الأفلام السياسية، إذ إن الإجابة تتطلب مناقشة متعمقة من عدة جوانب.
يظهر الجانب التاريخي والسياسي بوضوح في جذور الرقابة في مصر، إذ كانت تُستخدم عبر فترات مختلفة من الحكم بوصفها أداة لضبط المحتوى الثقافي والإعلامي. إذ غالبًا ما تفرض الحكومة قيودًا صارمة على الأفلام التي تتناول مواضيع سياسية حساسة أو تنتقد النظام القائم. وقد تحد هذه الرقابة من حرية التعبير، لكنها في الوقت نفسه تُحفّز صناع الأفلام على ابتكار أساليب جديدة للتعبير والتناول.
أما الجانب الإبداعي والفني فقد تجلى في قدرة صناع الأفلام على تجاوز القيود، عبر استخدام أدوات الرمزية والتلميح كوسائل لتجنب التصادم المباشر مع الرقابة. وقد نجحت أفلام مثل "شيء من الخوف" و"هي فوضى" في التعبير عن قضايا سياسية حساسة دون تجاوز الخطوط الحمراء التي تحددها الرقابة، مما يعكس مرونة السينما المصرية وقدرتها على التكيف مع القيود المفروضة.
ويظهر الجانب الثقافي والاجتماعي في وعي الجمهور المصري بالتحديات التي تواجه صناع الأفلام، مما يسهم في تقبّل الأعمال التي تعتمد على الرمزية والتلميح لفهم الرسائل السياسية المعقدة. كما أن الأفلام السياسية غالبًا ما تُثير نقاشات مجتمعية واسعة وتعزز وعي الجمهور بالقضايا السياسية والاجتماعية، مما يحفّز المبدعين على ابتكار طرق جديدة للتحايل على الرقابة، حتى عبر تقديم أفلام ذات رسائل مُبطنة مثل "ظاظا رئيس جمهورية".
وبالنظر إلى هذه الجوانب، يمكن القول إن الفيلم السياسي قادر على الاستمرار والازدهار حتى في ظل الرقابة الصارمة، شريطة أن يتمتع صناع الأفلام بالقدرة على الابتكار واستخدام الرمزية والتلميح بفعالية. فالرقابة، رغم قيودها المباشرة على الإبداع، تدفع الفنانين لاستكشاف طرق جديدة للتعبير عن قضاياهم، مما يؤدي إلى إنتاج أفلام سياسية غنية وذات عمق.
نماذج بارزة في السينما: من "ميرامار" إلى "هي فوضى"
يعرض الكتاب مجموعة من نماذج الأفلام السياسية المهمة التي أحدثت تأثيرًا عند عرضها، معتمدة على الرمزية والإسقاط. فيلم "ميرامار" (1969) للمخرج كمال الشيخ، المقتبس عن رواية بنفس الاسم لنجيب محفوظ، يُعد من الأفلام البارزة التي تتناول التحولات الاجتماعية والسياسية في مصر بعد ثورة 1952. يعكس الفيلم التغيرات في البنية الطبقية المصرية والنضال من أجل العدالة الاجتماعية، ويُعد من أوائل الأفلام التي وجهت نقدًا للنظام الناصري في حياة جمال عبد الناصر.
فيلم "الإرهاب والكباب" (1992) للمخرج شريف عرفة، هو فيلم كوميدي سياسي ينتقد البيروقراطية والفساد الحكومي. يعبر الفيلم عن معاناة المواطن المصري العادي مع النظام البيروقراطي المعقد، مستخدمًا الكوميديا بوصفهل وسيلة لطرح قضايا سياسية حساسة بطريقة سلسة وفعّالة.
فيلم "الإرهابي" (1994) للمخرج نادر جلال، يتناول ظاهرة الإرهاب والتطرف الديني في مصر، مقدّمًا رؤية نقدية للتطرف والعنف. يستعرض الفيلم العوامل التي تؤدي إلى انتشار الإرهاب في المجتمع، كما يبيّن كيف يبرر المتطرفون لأنفسهم الجرائم التي يرتكبونها بحق الأبرياء.
فيلم "الآخر" (1999) للمخرج يوسف شاهين، يناقش موضوعات مثل العولمة والتطرف الديني، ويعكس الصراع بين التقليد والحداثة، مقدّمًا نقدًا للمجتمع المصري والعالمي على حد سواء.
فيلم "جميلة" (1958) للمخرج يوسف شاهين، يتناول الثورة الجزائرية ودور المرأة في النضال من أجل الحرية، معبّرًا عن توجهات النظام السياسي المصري في دعم الحركات التحررية في العالم العربي وتعزيز روح الانتماء إلى الوحدة العربية.
فيلم "شيء من الخوف" (1969) للمخرج حسين كمال، يُعد من أبرز الأفلام السياسية في السينما المصرية، مستندًا إلى قصة للكاتب ثروت أباظة. يتناول الفيلم قضايا السلطة والاستبداد من خلال قصة حب تتحدى الظلم الاجتماعي، مستخدمًا الرمزية والتلميح لتصوير النضال ضد القمع والطغيان، إذ اعتُبرت شخصية المستبد تجسيدًا للنقد الموجه إلى نظام جمال عبد الناصر.
فيلم "هي فوضى" (2007) للمخرج يوسف شاهين وخالد يوسف، يعكس الواقع السياسي والاجتماعي في مصر قبيل ثورة 25 يناير. يتناول الفيلم قضايا الفساد والاستبداد والظلم الاجتماعي من خلال قصة فرد شرطة فاسد يستغل سلطته، معبرًا عن الغضب الشعبي والاحتقان الذي سبق الثورة، كما يوضح طبيعة العلاقة بين المواطنين وجهاز الشرطة في تلك المرحلة.
من دراسة هذه الأفلام، يرى الكاتب أن قدرة الفيلم السياسي على التواجد في دور العرض أمام الجماهير تعود إلى مجموعة من الخصائص التي يتمتع بها، والتي تمكّنه من تجاوز الرقابة. فالفيلم السياسي يركز بشكل مباشر على القضايا السياسية والاجتماعية المهمة، مثل الفساد والاستبداد والحقوق المدنية والعدالة الاجتماعية، مسعىً لإثارة النقاش حولها وتقديم رؤى نقدية لها. وغالبًا ما يعتمد على الواقعية والتوثيق، مستندًا إلى أحداث حقيقية أو مستوحاة منها، ويحرص على تقديم تصوير دقيق للواقع السياسي والاجتماعي، مستخدمًا أحيانًا أساليب السرد الواقعي والتوثيق. كما يسعى إلى توصيل رسائل أيديولوجية محددة، من خلال الشخصيات والمواقف والسرد السينمائي، سواء كانت داعمة للنظام أو ناقدة له. وبسبب القيود الرقابية والسيطرة السياسية، يعتمد الفيلم السياسي على الرمزية والتلميح لتجنب التصادم المباشر مع السلطات، إذ تمثل الشخصيات والأحداث قضايا أو شخصيات حقيقية بطريقة غير مباشرة. ويحرص أيضًا على التأثير العاطفي للجمهور، مستفيدًا من الأحداث الدرامية والمواقف المؤثرة لتسليط الضوء على الظلم والمعاناة الاجتماعية والسياسية.
ختامًا، يوضح النص أن السينما السياسية هي مرآة للعلاقات المعقدة بين المخرج والجمهور والسلطة، حيث تتداخل الحرية الإبداعية مع قيود الرقابة والمواقف السياسية. ورغم الضغوط والتحديات التي تفرضها السلطة، تظل الكاميرا قادرة على توجيه رسائل نقدية، سواء عبر الرمزية أو التلميح أو التأثير العاطفي، لتسليط الضوء على الظلم والمعاناة الاجتماعية والسياسية.