يسعى كتاب "السينما في العالم العربي: تواريخ جديدة – مقاربات جديدة" إلى إعادة رسم خريطة البحث في السينما العربية، متجاوزًا التركيز التقليدي على الحبكة والشخصيات، نحو دراسة الصناعة السينمائية في سياقاتها التاريخيّة والسياسيّة والاجتماعيّة. كما يسلط الضوء على السينما بوصفها ساحة للصراع الثقافي وأداة للمقاومة، ويكشف عن ديناميات الإنتاج والتوزيع والتلقي، داخل حدود العالم العربي وخارجه.
محمد عثمان خليفة[1]
لطالما شكّلت السينما في العالم العربي موضوعًا لعدد كبير من الدراسات الأكاديمية، إلا أن الغالبية منها انشغلت بالأفلام بوصفها نصوصًا سردية، مقدمة تحليلات معمقة لبنيتها الحكائية، أو أساليبها الفنية، أو حمولاتها الأيديولوجية، أو حتى السير الذاتية للمخرجين والممثلين البارزين. أما هذا الكتاب، "السينما في العالم العربي: تواريخ جديدة – مقاربات جديدة"،[2] فيتميّز بطرحه المختلف، إذ يركّز على أثر السينما خارج حدود الشاشة، وبتناول أبعادها التاريخيّة والسياسيّة، وظروف إنتاجها وعرضها وتوزيعها، وما يكتنف ذلك من قيود تؤثر في صناعة السينما العربية. من خلال هذا التوسّع في إطار الدراسة، تقدم لنا المقالات الأربع عشرة الورادة في الكتاب فهمًا أعمق للسينما بوصفها ساحة للتنافس الثقافي والسياسي في العالم العربي.
اشترك في تحرير الكتاب كلٌّ من إفضال الساكت، ودانيال بيلتريست، وفيليب ميرز، الذين اختاروا المقالات وصنّفوها ضمن قسمين، مسترشدين بتفرّعات التخصصات السينمائيّة والقضايا التاريخيّة والمعاصرة المرتبطة بتجارب السينما وصناعة الأفلام في العالم العربي. ويتناول القسم الأول من الكتاب ما يُعرف بـ "التاريخ الجديد" للسينما العربية، مركزًا على قضايا الإنتاج والتوزيع والعرض، وتجارب الجمهور في قاعات السينما. أما القسم الثاني، فينصرف إلى مناقسة القضايا السياسيّة والاقتصاديّة والأيديولوجيّة الأحدث في السينما العربية، إلى جانب تناول التلقي الدولي للأفلام العربية وفرص عرضها في المهرجانات السينمائية العالمية. تُقدّم مقالاتُ هذا الكتاب، مجتمعةً، إسهاماً نوعيّاً في تعميق فهمنا للسينما في العالم العربي، من خلال إبراز تداخل الفن السابع مع السياقات الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة التي تكتنفه، بما يرسخ مكانة هذا العمل مرجعًا رصينًا للباحثين والمهتمين بهذا المجال المتجدد.
منظور مختلف في أدبيات السينما العربية
يمثّل هذا الكتاب إضافةً قيمة لمكتبة السينما العربية، يقدّم قراءة معمّقة في البيئة الإبداعية المثيرة للجدل لإنتاج الأفلام في العالم العربي. ويتنقل بين موضوعات متعددة تبدأ بمؤثرات الاستعمار، مرورًا بالماركسية، وحضور الدين، ودور اللغة، وأسباب تنوع المدارس السينمائية، والرقابة، وصولاً إلى تمثيل الأقليات ومشاركتها في العمل السينمائي، خصوصًا في سياقات الشتات.
تقدّم المقالات المختارة مرجعًا لافتًا لأهم الأفلام وصانعيها ومنتجيها، إلى جانب كتّاب السيناريو والممثلين الذين أسهموا في تشكيل ملامح هوية الفيلم العربي منذ بدايات القرن العشرين. ويضع الكتاب، بشكل أكثر تحديدًا، صناعة السينما في سياقها السياسي والاجتماعي المركّب، مستعرضًا التيارات الفكرية والثقافية التي أثّرت فيها داخل العالم العربي وخارجه، والتي استلهمتها أفلام كثيرة كما استلهمتها الرواية وسائر الأشكال الفنية. كما يقدّم شرحًا للموضوعات التي يتناولها صانعو الأفلام العرب بوجه عام، وكيف أسهمت في تميز الفنانين عن بعضهم عبر اختلاف الجغرافيا والثقافات.
ومن المواضيع التي تعرج إليها مقالات الكتاب، ما بين مرور الكرام أو الاستفاضة في الشرح، حضور الفيلم العربي على الساحة الدولية وتنافسه مع غيره من الأفلام، مع التساؤل حول المعوقات التي تحول دون تحقيقه جوائز عالمية. وتعود أسباب ذلك إلى طبيعة القضايا التي يعالجها الفيلم العربي وصدامه مع الرقابة، وضعف المصداقية في تناول القضايا الإنسانية، إضافة إلى قلة التمويل، وصعوبة صناعة النجوم، وضعف التواصل مع المهرجانات الدولية.
الخروج بتنظير الصناعة من الإطار التقليدي
تهدف مقدمة الكتاب إلى تفكيك فكرة العالم العربي باعتباره كيانًا ثقافيًا صلبًا. ومنذ البداية، أفصح محرّرو الكتاب عن نيتهم في تبديد سردية "العالم الثالث" بوصفه حيزًا جغرافيًا على ارتباط مادي وثقافي بـ"العالم الأول" المتمركز حول أوروبا. ويعيد الكتاب النظر في تداعيات هذا التمييز على صناعة الأفلام السينمائية العربية، وهو موضوع يتكرر بين مقالاته. ويقدّم الكتاب عرضًا غير مباشر لتاريخ السينما العربية، التي واكبت فعليًا بدايات السينما عالميًا في عام 1895، حين عرض الأخوان سكلادانوفسكي، صانعا الأفلام الألمان، أعمالهما لأول مرة في برلين، ولاحقًا عرض الأخوين لوميير أعمالهما في الولايات المتحدة. وقد عُرض أول فيلم سينمائي في باريس في "غراند كافيه" في كانون الأول/ ديسمبر 1895، بينما عرض أول فيلم في الإسكندرية في كانون الثاني/ يناير 1896، أي بعد عرض باريس بشهر واحد. ومعلوم أن بدايات السينما العربية كانت في مصر، حيث سُجل أول فيلم مصري في عام 1907. لكن علاقة مصر بالسينما بدأت منذ انطلاقتها عالميًا، وافتتحت أول دار عرض سينمائي بالإسكندرية في منتصف كانون الثاني/ يناير 1897، وكانت الأفلام المعروضة في بادئ الأمر إخبارية وتسجيلية، ولم يُنتج فيلم روائي إلا في عام 1917، وكان إنتاجًا إيطاليًا- مصريًا. وفي ذلك العام، أُنتج فيلمي "الأزهار القاتلة" و"شرف البدوي"، حيث مثل فيهما المخرج محمد كريم، الذي يُعد أول ممثل سينمائي مصري.
وتزايدت شعبية السينما سريعًا في مصر، وتوقعت الصحافة نمو هذه الصناعة على المستوى الوطني، كما ازداد عدد دور العرض تدريجيًا. وبحلول الحرب العالمية الأولى، امتلكت المدن الكبيرة في مصر العديد من دور السينما، وسجّل زوار مصر في تلك الفترة انطباعاتهم عن ثقافة السينما المصرية في مطلعها وجمهورها. وفي المقابل، شهدت دول المغرب العربي، التي كانت تحت السيطرة الفرنسية، ظروفًا أقسى بكثير من "التثاقف القسري"، والمنع والصد، التي أدت إلى تأخير نمو الصناعة السينمائية في تلك الدول إلى حد كبير.
يتناول الكتاب، في مواضع متعددة من مقالاته، قضايا حياتية ومجتمعية مهمة عالجتها السينما العربية، مثل موضوعات الحب والزواج والطلاق والتحديات المعيشية، بما يعكس إدراك صانعي السينما منذ بداياتها للفيلم بوصفه وسيطًا لطرح مسائل إنسانية واسعة، وربما أداة للوعظ الاجتماعي. وفي منتصف الأربعينيات، حين كانت صناعة السينما نشاطًا خالصًا للقطاع الخاص، تناولت أفلام كثيرة قضايا الفساد وارتفاع الأسعار وضيق المعيشة. ويُبرز الكتاب جانبًا آخر مهمًا، وهو توظيف السينما بوصفها سلاح مقاومة في جميع أنحاء العالم العربي، وإن تباينت أساليب هذه المقاومة من بلد إلى آخر.
لاحقًا، ومع صعود الأنظمة ذات التوجه الاشتراكي، قدّمت السينما العربية أعمالًا لم تخرج عن الإطار السياسي والديني المرسوم لها، وحمل أبطالها، المتأثرون بالنموذج الغربي، سرديات الشعوب الواقعة تحت الاستعمار. وفي ظل تشديد الرقابة الرسمية، عمد صانعو الأفلام إلى ابتكار أساليب للتحايل على القيود لإيصال رسائل معينة، أو استغلّوا وجودهم في المنفى نتيجة القمع أو الحروب الأهلية، مستفيدين من الحرية الإبداعية التي أتاحتها مؤسسات الإنتاج الغربية. وفي العقود الأولى التي تلت تحرّر الدول العربية من الاستعمار الغربي، عالجت الأفلام موضوعات أزعجت الساسة آنذاك، فحُجبت بعض الأعمال أو اضطر مخرجون ومنتجون إلى تعديلها لتتمكن دور العرض من تقديمها للجمهور، بينما لجأ آخرون إلى الرمزية للتعبير عن قضاياهم. وفي الحقبة التي بلغت ذروتها في تسعينيات القرن الماضي، أتاح نقد القومية العربية في السينما مساحة أوسع لتمثيل الأقليات العرقية والدينية المهمَّشة اجتماعيًا.
تأثير متبادل بين السينما والسياقات الثقافية والاجتماعية والسياسية عربيًا
يعيد الكتاب النظر في تاريخ السينما العربية من منظور يقدّم تفسيرًا لنجاة الأفلام من هيمنة التفسير الديني المحافظ الذي حَكَم طويلاً على الفنون البصرية بالتحريم. ويكشف، في جانب آخر، عن تأثيرات الأدب الكلاسيكي والمسرح المعاصر في تطور الفيلم العربي، خصوصًا في مصر ولبنان. فعلى سبيل المثال، يوضح كيف تحوّل المكان من إطار ثنائي الأبعاد للمشهد السينمائي إلى عنصر مشحون بالدلالات النفسية والرمزية، بفعل التفاعل مع الأدب الغربي.
وتتوقف مقالات الكتاب عند البقاع الأكثر إشعاعًا في الخريطة السينمائية العربية؛ فقد كانت مصر الرائدة سينمائيًا، إذ بلغ متوسط إنتاجها نحو ستين فيلمًا سنويًا في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ثم تراجع العدد إلى ما دون الأربعين لاحقًا.
كما برزت تجارب سينمائية مميزة في بلدان عربية أخرى تمكنت من تطوير أدواتها السينمائية وأنتجت أفلامًا جيدة كان لها حضورها اللافت عربيًا ودوليًا، من مثل لبنان وسوريا وتونس والمغرب، بالإضافة إلى العراق التي شهدت إنتاجًا متقطعًا لعدد من الأفلام. وينوّه الكتاب بجودة الأعمال السورية والمصرية المنتَجة عبر شركات القطاع العام، لافتًا إلى أن السينما السورية—على الرغم من خضوعها الكامل للدولة—أنتجت أفلامًا مثيرة للجدل تناولت قضايا وطنية واجتماعية حساسة، فضلًا عن القضية الفلسطينية.
ومن الطبيعي أن تحظى السينما المصرية بالنصيب الأكبر من مقالات الكتاب، نظرًا لتنوع مدارسها وغِنى تاريخها وتجارب مخرجيها، ولأنها تشكّل مرجعًا مهمًا في مناقشة صناعة الأفلام وتطورها، بالإضافة إلى تقديمها إرشادات حول الأفلام التي صُورت في العالم العربي. وتستعرض المقالات منظومة توزيع النصوص السينمائية، وأبعادها الدرامية، وشبكات العرض، بالإضافة إلى المعاني المتعددة والغامضة التي طوّرتها السينما في فترات تاريخية مختلفة ومواقع جغرافية متباينة. إذ قدّم القسم الأول من الكتاب الأفلام وفق تسلسل زمني، بينما اعتمد القسم الثاني تصنيفًا موضوعيًا.
تناول الكتاب أيضًا ما يشغل السينما العربية قديمًا وحديثًا، بما في ذلك الاعتبارات السياسية والاقتصادية والفكرية التي ترافق عرض الأفلام في المهرجانات والمحافل الدولية. ويبرز التحدي الاقتصادي بوصفه أهم العقبات التي تواجه الصناعة، وهو لا يقتصر على تكاليف الإنتاج والتمويل، بل يشمل إمكانات التوزيع وتوفر دور العرض، إضافة إلى ما تفرضه التطورات التقنية الحديثة من تحديات اقتصادية جديدة.
وتُبيّن مقالات الكتاب، في مجملها، عمق التأثير المتبادل بين السينما والسياقات الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية في العالم العربي. وفي المقابل، لا خلاف على أن السينما العربية واجهت مشكلات عديدة، من ارتفاع التكاليف إلى الرقابة الصارمة والظروف السياسية المحيطة بالإنتاج.
تعد السينما العربية عدسةً نطل منها على قضايا شتّى، فنُعاينها ونتأمّلها ونخضعها للدراسة، بما في ذلك الخطابات والنظريات والسير الذاتية للمخرجين وأبرز الممثلين. ويأتي هذا الكتاب ليركز على السينما العربية من خلال خلفيتها التاريخيّة والسياسيّة، ومن زاوية تأثير الظروف الاقتصاديّة في مسار تطورها. وفي ظل المشهد السينمائي العربي الراهن، يكتسب الكتاب أهميةً خاصة، لما تشهده خريطة الإنتاج من تحولات كبرى، وانتقالٍ من مركزيةٍ طال أمدها إلى تنامي تجارب لم تكن يوماً بهذا الزخم. ومن خلال توسيع نطاق الدراسة إلى ما يتجاوز حدود الشاشة الفضية، يقدم الكتاب قراءةً أعمق للفن السابع، بوصفه فضاءً يتقاطع فيه التأثير الثقافي والسياسي، في الدول العربية التي تمتلك حضورًا سينمائيًا بارزًا.