القارئات والقراء الأعزاء،
تبدو المرأة في كثير من المشاهد التي تُروى عن لبنان والسودان وتونس وليبيا، وحتى سوريا وفلسطين، كأنها تقف في الخلفية؛ تفصيلٌ جانبي في صورة كبرى يتصدرها الحدث بثقله السياسي والعسكري والإعلامي والجندري. غير أن هذا الترتيب البصري يخدع النظر أكثر مما يعكس الحقيقة. فعندما تُبدَّل الزاوية قليلًا، يتبيّن أن ما يبدو خلفية هو في الواقع مركز الثقل نفسه: المرأة التي تنتظر خبر المفقودين في لبنان، والتي تعيد ترميم الحياة بعد السجن في ليبيا، والتي تحفظ ذاكرة النضال في تونس، والتي تبني عوالمها اليومية في السودان. في كل هذه الأمكنة، وغيرها من منطقتنا، لا تقف المرأة على الهامش فعليًا، لكنها تُدفع إليه داخل السرديات المتداولة، بينما تستمر الأحداث في الدوران حولها.
ترد في هذه النشرة قصص نساء من أربعة أزمنة وأربع جغرافيات مثقلة بالحرب والاستعمار والاستبداد والتهميش. حين تُقرأ هذه الكتب معًا، تتكشف خيوط مشتركة تتجاوز مجرد التقاطع الموضوعاتي. من شهادة وداد حلواني في "ذاكرة ليست تمضي"، التي تمسّكت بصورة زوجها المختطف في لبنان ورفضت تعليقها على رقبتها لأنها تريدها "محفورة في قلبها"، إلى سيرة منى الجرنازي "نساء في سجون القذافي"، حيث يُراد لهن أن يُجرَّدن من كل حقوقهن، لكنهن عثرن على إنسانيتهن في "الهامش داخل الهامش"، عبر سجينات جنائيات هرّبن لهن الرسائل في ما يشبه انقلابًا في التوقعات الأخلاقية. وفي "مناضلات تونسيات: مسارات استثنائية في تاريخ الحركة الوطنية"، تظهر نساء مثل مباركة عبد الملك وخديجة رابح التي شبّهت نفسها بـ"الخيالي على صهوة جواده". وصولًا إلى قصة آمنة بت عبود في "المرأة المتصوفة في السودان"، التي كانت تزرع القطن في أرضها لتكسو طالبات وطلاب خلوتها، ورفضت أن تُنفق على التعليم من مال زوجها العسكري في الجيش العثماني خشية أن يكون في ذلك شبهة.

يتكشف من هذه المسارات جميعها ما هو أعمق من التقاطع العابر: إنه تكوين مشترك لنساء واجهن أنماطًا متعددة من التغييب؛ غياب المختطفين، وجدران السجن، وقلم المؤرخ الذي يقفز فوق التجارب، وذاكرة اجتماعية تحفظ أسماء الرجال وتنسى أسماء النساء. ومع ذلك، ردّت كل واحدة منهن على هذا التغييب بما يناقضه تمامًا: بإعادة إنتاج الحضور من داخل مواضع الإقصاء نفسها.
لم تعقد هؤلاءِ النساء ميثاقًا مكتوبًا، ولم يعلِنَّ أيديولوجيا مشتركة. لكن تضامنهن كان ملموسًا وحيًّا: بسكويت يُهرَّب من يد سجينة جنائية إلى سجينة سياسية، وأمٌّ تخفي وجعها حفاظًا على توازن البيت وسكّانه حتى تفقد بصرها تحت وطأة الكتمان، وشيخة تفتح نصف منزلها خلوةً للناس، ومناضلات يتقاسمن العناء في توزيع المناشير ونقل الأسلحة دون أن تطلب إحداهن تعريفًا بالأخرى. تصف وداد حلواني هذا الميثاق بأبلغ عبارة:
"نحن نسوان الحرب شكّلنا طائفة عابرة للطوائف في بلد اقتتال الطوائف".
وإذا ما أُعيد النظر في هذه الكتب الأربع، أو في غيرها من الأعمال التي تناولتها مراجعات سابقة في الصالون، مثل "قصة حياتي" لفاضمة آث عمروش، و"دفاتر الحرب الأهلية اللبنانية 1975-1990" لدلال البزري، و"المغيبات: النساء والمدن الفلسطينية حتى سنة 1948" لمنار حسن، يتضح أنها، على اختلاف سياقاتها، تتقاطع عند نقطة واحدة: توترٌ بين الفعل النسائي الحيّ وغيابه عن السرد الرسمي. لتكون ذاكرة النساء بناء هشّ يُعاد تشكيله كلما نطقت امرأة بما لم يُرد له أن يُقال. من هنا، يصبح حضورهن أشبه بإعادة توزيع للضوء داخل الصورة، بحيث لا يبقى الظل هو الرواية الوحيدة.
دمتم بخير
رهام عمرو