يقدّم كتاب "ذاكرة ليست تمضي، ما لم أقله" لوداد حلواني شهادة عن الألم والخوف الذي خلّفه اختطاف زوجها عدنان حلواني عام 1982، وما تلاه من مسار طويل من النضال. ومن خلال هذه الشهادة الشخصية والجمعية، توثّق الكاتبة تجربة نساء مكلومات لكن مثابرات وجسورات، خضن مواجهة مفتوحة مع واقع سياسي مراوغ سعى لعقود إلى إسكات أصوات المطالبة بكشف مصير المفقودين خلال الحرب الأهلية اللبنانية.
كيف تقرأ عبير فؤاد[1] هذه الشهادة، وما الذي تكشفه عن تحوّل الخوف والألم الفردي إلى ذاكرة جماعية؟
تخوض النساء في العالم العربي كفاحًا مضنيًا ومتشعبًا لنيل حقوق مستحقة بات التمتع بها من البدهيات في الكثير من المجتمعات المتقدمة. وهنّ في سبيل ذلك يشتبكن في معارك تبدو لا نهائية، سواء على المستوى القانوني أو الاجتماعي أو الثقافي، وقد حققن خلالها قدرًا معقولًا من المكتسبات، واختبرن في المقابل كثيرًا من الإحباطات. لكنهن، في بلد كلبنان على سبيل المثال، فُرضت عليهن معركة من نوع آخر، يقاتلن فيها بشراسة للدفاع عن كرامة أحبتهن المفقودين والمختفين قسرًا، حتى لا تُطوى حقيقة مأساتهم من دون محاسبة.
تتحدى هؤلاء النساء في لبنان، البلد الذي قُدّر له أن يكون ساحة للاضطرابات السياسية والحروب، عنجهية منظومة سياسية عنيفة قادت لعقود المجتمع إلى الاحتراب، وتسببت بآلام وجراح لا تندمل. وقد حملن على عاتقهن رفع الصوت عاليًا للمطالبة بمعرفة مصير المفقودين خلال الحرب الأهلية اللبنانية، ومحاسبة المسؤولين عن اختفائهم. وهي مهمة تخلى عنها رجال الدولة وأصحاب القرار، في ظل تورط بعضهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في هذه الجريمة، بينما اختارت تلك المجموعة من النساء المضي فيها مهما طال الزمن، ومهما قوبل سعيهن بالتجاهل والتثبيط.
تضع وداد حلواني،[2] الناشطة المدنية السبعينية ومؤسسة "لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان"،[3] شهادتها "ذاكرة ليست تمضي: ما لم أقله"،[4] التي كتبت حروفها الأولى قبل أكثر من أربعين عامًا، حين بدأت رحلتها الأصعب في البحث عن زوجها عدنان حلواني، الذي اختُطف أمام عينيها على أيدي رجال مجهولي الهوية ادعوا تمثيل إحدى الأجهزة الأمنية. وهي شهادة لا تؤرخ لجهود الأهالي بقدر ما تكشف بوحًا بمكنونات قلبها الذي أثقلته مشاعر متناقضة على مدى عقود، وشاركته قلوب أخرى مكلومة "احترقت بالفقد"، فبادلته أملاً بأمل وشجاعة بشجاعة.
جاءت شهادة وداد في بنائها ومضمونها عفوية إلى حدّ بعيد. فهي وإن بدأت بما يشبه السيرة الذاتية، تتوزع بعد ذلك على موضوعات متفرقة تكشف من خلالها، وهي تتأمل نفسها والأشخاص الذين أحاطوا بها، مسارات شائكة شخصية وعامة، كان عليها دائمًا أن تجد طريقها وسط تعقيداتها بروح ترفض الانهزام، ما يجعل الكتاب بعيدًا إلى حد ما عن السرد المنظم أو التوثيقي.
الدولة تخطف أبناءها
شكّلت سيرة وداد الذاتية مدخلًا لفهم السياق الاجتماعي الذي خرجت منه تلك الفتاة القوية والمتمرّدة منذ الطفولة، والتي تمسّكت بما تريد وغالبًا ما حصلت عليه، وإن بالحيلة. وتسهب فيها بالحديث عن علاقتها بوالدها، حيث اختبرت قدرتها على مقاومة سطوة السلطة الأبوية، ونجحت في فتح مساحات أوسع للحوار بينهما. تقول: " مجمل ما رافق مراحل حياتي ساهم في إرساء أرضية مختلفة للتعاطي بيني وبينه. أرضية مهدت لنسج علاقة إيجابية، مغايرة للنهج المتبع الراسخ في قاموس العائلة... لقد أشهرت حالة الرفض في عمر مبكر عندما التقاطت أول إشارة وشت باختلاف طريقة التعامل بين الصبيان والبنات... استطعت في آخر المسيرة الصراعية ترسيخ علاقة شبه متوازنة خالية من التسلط المجاني ومصادرة أي حق من حقوقي الطبيعية".[5]
وفي سيرتها تحكي عن تحقق حلمها بالانتقال من طرابلس إلى الدراسة في الجامعة في بيروت، المدينة التي سكنها حبها قبل أن تسكنها، وفيها كبرت واتسعت أحلامها، وناضلت وقُمعت أكثر مما تخيّلت، على حد قولها. بيروت هي المدينة التي جمعتها بحبيبها المناضل في صفوف منظمة العمل الشيوعي، وزوجها لاحقًا عدنان.
ثماني سنوات قضتها وداد مع عدنان قبل أن يُختطف، أنجبت خلالها ولدين سيكونان من الأسباب القليلة التي تمنحها السعادة والصلابة في عالم متوحش تسوده الفوضى. زياد وغسان سيمنحانها لاحقًا أحفادًا تكتمل بهم عائلتها الصغيرة، حيث ظل عدنان، الأب والجد، حاضرًا فيها وإن كان صورة في إطار.

وداد وعدنان الحلواني، المصدر كاتبة المراجعة.
تحكي وداد كيف انقلبت حياتها في الرابع والعشرين من أيلول/سبتمبر 1982. قبل ذلك بأيام، اغتيل الرئيس اللبناني بشير الجميل، ووقعت المذبحة الأبشع في مخيمي صبرا وشاتيلا، وتولى أمين الجميل الرئاسة بعد أخيه، واعدًا بعهد جديد لا مكان فيه للميليشيات والسلاح المنفلت، ومتعهّدًا بحماية جميع اللبنانيين. وفي ظل هذه الأجواء، وصل مسلحان إلى منزل وداد وعدنان في رأس النبع ببيروت، وطلبا منه مرافقتهما للتحقيق في حادث سيارة. تقول وداد إنها لم تقتنع بحجتهما، فظلت ممسكة بعدنان بينما كانا يقتادانه إلى سيارة، تبيّن لاحقًا أن لوحتها مزيفة. أما عدنان فكان يحاول تهدئتها بالقول: "ما تخافي وداد، هيدي الدولة ورح أرجع، أنا بعرف".[6] لكن وداد لم تصدّق أن "الدولة لا تخطف أبناءها". وتقول: " عدنان كان صادقًا في إيمانه بالدولة ووجوب عودتها حتى تعود الحياة وتستقيم. ولم يسع في عمله السياسي- النضالي ليكون بطلًا أو ضحية؛ كان يريد أن يكون مواطنًا عاديًا في دولة عادية". لكن عدنان غادر المنزل في ذلك اليوم ولم يعد.
قوة استثنائية
منذ تلك اللحظة لم تترك وداد بابًا لمسؤول أمني أو عسكري أو سياسي إلا طرقته تسأل بإلحاح عن مكان زوجها والجهة التي تحتجزه، من دون جدوى. وكل من سألتهم كانوا ينفون المسؤولية عن اعتقاله، بل ويستغربون طريقة اختفائه. أما هي فكانت تدرك أنهم جميعهم يكذبون.
تكررت على مسامعها جملة واحدة من هؤلاء المسؤولين: "في غيرك مثلك إجوا تشكّوا"، فدفعتها إلى مسار آخر قادها إلى مفاجأة لم تتوقعها. قررت وداد التوجه إلى إذاعة "صوت لبنان العربي"، ووجّهت نداءً للقاء تعارفي أمام جامع عبد الناصر في كورنيش المزرعة لكل من فقد شخصًا. كانت تتوقع حضورًا لا يتجاوز عدد أصابع اليد، لتجد أمامها المئات من النساء مع أطفالهن. في ذلك اليوم بدأت وداد، ومعهن، مسيرة لم تتوقف للمطالبة بمعرفة مصير آلاف المفقودين، وأُعلنت ولادة "لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان". وتقول:
"نحن نسوان الحرب شكلنا طائفة عابرة للطوائف في بلد اقتتال الطوائف.. فداحة المصاب أخرجت النسوة من دورهن التقليدي كـ"ستات بيوت" فشكلن قوة استثنائية دافعة لتحركات مدروسة".[7] وتحكي لاحقًا كيف وُوجهت هذه "القوة" بردود فعل سلبية ومؤذية في معظم الأحيان، من المسؤولين في الدولة ومن المتضررين من هذا الحراك، بين التجاهل والتسويف والتهديدات المبطنة، وصولًا إلى الإساءة وتشويه السمعة والتحرش، وحتى القتل، كما في حالة أم نبيل، السيدة الفلسطينية التي استجابت لمعلومات مضللة عن إمكانية الوصول إلى ابنها مقابل مبلغ من المال، فسرقت وقُتلت بلا رحمة.
تمكّنت اللجنة التي أسستها وداد من أهالي المفقودين، بعد 36 عامًا، وفي عام 2018، من انتزاع قانون من الدولة يؤكد حق كل عائلة في معرفة مصير مفقودها حيًا كان أم ميتًا، ويلزم كل من يمتلك معلومات بالإفصاح عنها تحت طائلة المحاسبة الجزائية في حال الامتناع أو تقديم معلومات مضللة. غير أن هذا القانون جاء بعد محاولات متكررة لدفن القضية، مرة عبر إصدار عفو عام بعد انتهاء الحرب عام 1990، ومرة عبر مطالبة الأهالي بإصدار شهادات وفاة لمفقوديهم، ومرة عبر لجنة انتهت إلى تقرير يفيد بعدم وجود مفقودين أحياء. ويُذكر أن اللجنة الدولية لشؤون المفقودين تقدر أن 17,400 شخص فُقدوا خلال الصراع الأهلي في لبنان بين عامي 1975 و1990.
الصورة في القلب
تفرد وداد لرفيقات هذا الدرب جزءًا وازنًا من كتابها، حمّلته الكثير من مشاعر الامتنان والتقدير، وتحدثت فيه عن قسوة ما عانينه وحجم الألم الذي كان يلف أيامهن، وعن الحضور الشجاع لهن في كل مظاهرة أو مسيرة. وتتأمل في هذا السياق كيف انتشرت ظاهرة تعليق صور المفقودين على صدور أهاليهم، وهي ظاهرة لم تكن تعرف أنها شائعة في كل الدول التي عاشت ظروفًا مشابهة. هي التي لم تعلق صورة عدنان على رقبتها إلا عندما شاركت في مؤتمر خارجي، وبمجرد مغادرتها له خلعت تلك القلادة لأنها أرادت لها أن تظل "محفورة" في قلبها. تقول: " صور المفقودين دائمًا حاضرة، لا تغيب. كأنها بدل ضائع. أو كأن المفقودين لم يُفقدوا.. صارت هويات أهاليهم، يشهرونها للتعريف عن أنفسهم وعن الظلم المضاعف الذي طالهم وطال أحبتهم".[8] ومن بين هؤلاء سيدتان؛ أم عزيز وأم تيسير، "القاسم المشترك (بينهما) هو المعاناة المضاعفة جراء اختطاف مجموعة من أفراد عائلة كل منهما... وحدها لورا بونابرت -إحدى "مجنونات ساحة أيار"-[9] تخطّتهما وسجلت رقمًا قياسيًا بمفقوديها السبعة المتمسكين برقبتها وسنواتها الثمانين".[10] بونابرت الأرجنتينية كانت قد شاركت أهالي المفقودين إحياء ذكرى الحرب اللبنانية في نيسان/أبريل من عام 2003، تلبية لدعوة من اللجنة. تقول وداد إن الصور المحمولة على صدرها شكلت للأهالي "جرعة أمل إضافية بالخلاص، وجسر وعي إضافي بعبورهن إلى العالم".

لورا بونابرت مع أهالي المفقودين في لبنان، المصدر كاتبة المراجعة.
رفيقات وداد وشريكاتها في الفقد لم يكن وجودهن محصورًا في "اللجنة". أم عدنان ظلت تخفي ضعفها ووجعها، تمامًا كما فعلت وداد، حفاظًا على "توازن البيت وسكانه، خصوصًا زوجها، فقد كان الرجل شديد العاطفة والتأثر". [11] غير أن هذا الوجع المتطاول، متضافرًا مع المرض، أدى بها إلى فقدان بصرها. تعتقد وداد أن أم عدنان "هي من قررت إغماض عينيها احتجاجًا على عالم تستبيحه المظالم والتشوهات... لم تعد تطيق مشاهدة العالم دون عدنانها... اختارت أن تخفي نظرها، أن توفره لأيام أُخر، كي تنعم برؤية ابنها العائد من عتمة المجهول".[12]
في جزء آخر من (شهادتها) تنشر وداد بعض الرسائل التي واظبت على كتابتها لعدنان في غيبته الطويلة، ولم تنشر أيا منها حتى عام 1997. كانت تكتب لتبث له همًّا أرقها، أو شوقًا عذبها، وبين هذا وذاك تنقل له أخبار ولديه وأحفاده، وأخبار وأحوال البلد الذي يعيش صراعات وانهيارات لا تنتهي. كانت تكتب هذه الرسائل لتحتال على الوقت، وتتخفف من أحمال الحزن، وتشق بها طريقًا جديدًا للحلم. وتحت وطأة هذا الغياب تكتب أيضًا ردًا متخيلًا من عدنان على رسائلها، وأي شيء أقسى من تخيل وقوع هذه المعجزة أو "العجيبة" كما أسمتها.
ظلت وداد، على مدى أكثر من أربعين عامًا، حارسة لقضية إنسانية ووطنية، لم تترك ورقة رسمية أو مادة إعلامية توثق لهذه الرحلة إلا واحتفظت بها في أرشيف ضخم وضعت لبناته الأولى بنفسها، وأصبح ملكًا لـ"اللجنة" ومتاحًا للعامة. أرادت بذلك أن يفهم الأجيال الجديدة من اللبنانيين حكاية بلدهم، ويدركوا حجم المآسي التي مر بها، لعلهم ينقذون مستقبلهم من مصير مماثل لما عاشه آباؤهم وأجدادهم. وهي أيضًا تتحدى بهذا التوثيق كل من يحاول دفن القضية قبل أن يجيب الأهالي عن سؤالهم الوحيد: أين أبناؤنا. لذلك يمكن فهم عنوان كتابها "ذاكرة ليست تمضي" باعتباره تأكيدًا على الحق في هذا السؤال، بينما جاء الجزء الآخر من العنوان "ما لم أقله" ليضيء على عالم وداد الشخصي، الذي توارى لعقود خلف هموم القضية العامة. وهي تأمل أن يكون هذا البوح بابًا لأبنائها وأحفادها يلجون منه إلى عالم جدتهم وجدهم الغائب، العالم الذي لم يتسع إلا للقليل من الحب والأمل، واختنق بالكثير من الخوف وجنون الحرب.