يوثق كتاب "المرأة المتصوفة في السودان" تاريخ النساء المتصوفات في السودان، متتبعًا أدوارهن في التعليم الديني والقيادة الاجتماعية والإنشاد الصوفي. ويستعرض الكتاب، عبر نماذج تاريخية متعددة، كيف أسست النساء الخلاوي ودور التعليم، وشاركن في تشكيل الحياة الدينية والاجتماعية داخل الطرق الصوفية، إلى جانب مساهمتهن في حفظ الثقافة الشعبية والمدائح الدينية.
فكيف تقرأ ويني عمر[1] حضور النساء المتصوفات في تشكيل الفضاء الديني والاجتماعي في السودان كما يقدمه هذا الكتاب؟
يمثل مؤلّف "المرأة المتصوفة في السودان، الإرث المنسي: دراسة تاريخية 1504-2023"[2] توثيقًا نادرًا لتجارب النساء المتصوفات في السودان، متتبعًا سير العالمات والرائدات اللواتي قدن مساحات التعليم الديني، وقُدمن للخلافة داخل بعض الطرق الصوفية، وأسهمن في إحداث أثر اجتماعي وثقافي امتد لقرون. وعلى امتداد 256 صفحة، يستعرض الكتاب هذا التاريخ الممتد عبر ستة أبواب تتحرك سياقيًا بحسب التسلسل الزمني؛ يركز أولها على مكانة المرأة في السودان القديم، ويناقش الثاني المرأة في الفضاء الصوفي، في حين يتناول الباب الثالث قبسًا من تاريخ المرأة المتصوفة في البلاد. وفي الباب الرابع، يتوسع في تتبع الرائدات تاريخيًا بدءًا من عهد الدولة الفونجية عام 1504 وحتى العام الذي سبق اندلاع الحرب في نيسان/ أبريل 2023، ليفرد الباب الخامس لاستعراض نماذج لشاعرات صوفيات، قبل أن يختتم الكتاب في بابه السادس بتقديم إضاءة على تجارب المادحات وفن المديح والإنشاد الديني، وهو الفن الذي يتعدد بتعدد الطرق الصوفية في السودان، ويحمل تنوعًا جغرافيًا وثقافيًا صبغ ملامحه وإيقاعاته.
ويأتي هذا العمل ضمن مشروع بحثي للدكتور عبد الجليل عبد الله صالح، أستاذ اللغويات في جامعة الباحة بالمملكة العربية السعودية، الذي يشتغل على تأريخ الطرق الصوفية في السودان ودورها كمؤسسات اجتماعية وثقافية، مع تركيز خاص على تداخل الصوفية مع أسئلة السياسة والسلطة داخل هذا السياق. وقد صدر له قبل هذا الكتاب، الذي نعرض له هنا، عمل آخر في دراسة تاريخية حول الصوفية والسياسة، عمّق فيه مقاربة مفاهيم السلطة داخل البنى الصوفية، ومدخلًا لفهم آلياتها داخل الطرق الأكثر انتشارًا في السودان. كما تناول في كتابيه "لمحات من الشعر الصوفي بأم عيدان" و"الحاج عبدالله: ملامح الحياة والناس عبر الحقب التاريخية" العلاقة بين المكان والتصوف وأثرهما المتبادل، مع تركيز خاص على الطريقة السمانية، التي أفرد لها عددًا من الدراسات. وفي إطار مشروعه البحثي، توسع كذلك في تقديم محتوى معرفي عبر قناة على يوتيوب، قدّم من خلالها مواد بصرية وتوثيقية حول الطرق الصوفية في السودان وروادها من الرجال والنساء، في محاولة لرفد هذا الحقل المعرفي بمصادر متعددة الوسائط.
موقع النساء في الطرق الصوفية
يوجد في السودان ما يقرب الأربعين طريقة صوفية، تتوزع جغرافيًا على امتداد البلاد، مع مراكز ثقل في مناطق محددة. تتمركز الطريقة السمانية في وسط السودان وغرب أم درمان، فيما تنتشر الطريقة التيجانية في إقليم دارفور، وكذلك في شندي والدامر والخرطوم، بينما يتواجد مريدوا الطريقة الختمية في شمال السودان وشرقه، في حين تنتشر الطريقة القادرية في وسط البلاد.
يسرد الكتاب ويترجم سِيَر اثنتين وثلاثين امرأة متصوفة قدن حركة التعليم والعلم في مجتمعاتهن منذ الدولة الفونجية وحتى عام 2023، كما يقدم نماذج لأشعار ومدائح نظمتها نساء متصوفات في حب النبي محمد ﷺ وذكره. ويبرز في هذا السياق حضور المرأة بوصفها فاعلًا منتجًا للمعرفة وللثقافة الشعبية في آن. وقد ورد في حديث بابكر بدري عن تاريخ تعليم البنات أن بداياته ارتبطت بالتعليم الديني داخل الخلاوي والمسايد،[3] وعلى يد الطرق الصوفية، مستحضرًا نماذج لنساء أسسن فضاءات للتعليم، من بينهن فاطمة بت جابر التي أنشأت دُورًا لتعليم البنات والبنين في مدينة شندي.[4]
وقد أشار الكتاب في مواضع متعددة إلى حضور النساء المتصوفات في قيادة التعليم، عبر الربط بين تعليم البنات ودور الطرق الصوفية ومساحات التعلم الديني. وتمثل الخلوة، باعتبارها مساحة دينية ينتظم فيها الأطفال لحفظ القرآن، إحدى أبرز هذه الفضاءات، حيث تعيد هذه النماذج قراءة تاريخ نساء أسسن هذه الدور وأنفقن عليها من أموالهن الخاصة.
ومن بين هذه النماذج الشيخة آمنة بت عبود، التي أسست مشروعها التعليمي من عائد زراعة القطن في ساقيتين خصصتهما لهذا الغرض، وكان يُنسج محصولهما لاحقًا لكسوة الطلبة والطالبات. ووفرت للبنات فصولًا وسكنًا خاصًا، كما أوجدت فضاءات مماثلة للأولاد، وبدأ نشاطها من قريتها قبل أن يقصدها طلاب من قرى أخرى، مستعينة بمشايخ ومعلمين من خارج المنطقة. كما استقبلت الحجاج القادمين من أفريقيا، وفتحت دارها لإقامتهم أثناء مرورهم في طريقهم إلى ميناء سواكن ثم إلى الحج عبر البحر الأحمر، إلى جانب ما تلقته من أراضٍ وهبها الأهالي دعمًا لمشروعها التعليمي ولخدمة الحجاج. ولم يثبت تاريخ دقيق لميلادها أو وفاتها، غير أنها عاشت في زمن "التركية"[5] في السودان، وكان زوجها سنجكًا، وهي رتبة عسكرية في الإدارة العثمانية تعني قائد نحو خمسمائة جندي. وقد دفعها ذلك إلى الامتناع عن استخدام ماله في الإنفاق على التعليم أو الحجاج، خشية أن يكون مالًا حرامًا.
أما فاطمة بت جابر، التي أشار إليها بابكر بدري بوصفها من رائدات التعليم، فقد ورد ذكرها في بعض كتب التاريخ ضمن سياق الحديث عن إخوتها الأربعة (أولاد جابر)، حين انتقلت من ديار الشايقية إلى "قوز العلم" جنوب شندي، حيث أسست خلوة لتعليم النساء القرآن وعلوم الفقه، وبلغ عدد من تعلمن فيها نحو ألف امرأة من مختلف مناطق السودان.[6]
وفي موازاة هذا الدور التعليمي، برز دور النساء في القيادة الدينية، إذ تولت الشيخة عائشة بت أبو دليق الخلافة عن والدها دون إخوتها الذكور. ويقارب الكاتب هذه التجربة بتجربة اللالة زينب القاسمية في الجزائر، التي ورثت زاوية الهامل القاسمية بعد خلاف مع ابن عمها الذي رأى نفسه أحق بالخلافة، فدارت شؤون الزاوية وأوقاف والدها لسبع سنوات، وفتحت فضاءها أمام المطلقات واليتامى.
وفي السياق نفسه، يوثق الطيب محمد الطيب في كتابه "المسيد" نماذج لنساء متعلمات في فصل خاص ضم إحدى عشرة سيرة لنساء انخرطن في مسارات التعليم الديني وخدمة المجتمع. بينما أشار ود ضيف الله[7] في سفره المعروف "الطبقات: في خصوص الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان" إلى ثلاث عالمات هن فاطمة بت جابر وعائشة بت القدال وعائشة الغبشا، غير أن ذكرهن جاء غالبًا ضمن تراجم مرتبطة بأبنائهن أو إخوانهن من الشيوخ، لا بوصفهن موضوعًا مستقلًا للتوثيق.
خلق الفضاء الاجتماعي
تنشط النساء المتصوفات في المسيد، وفي مساحات الحولية وزيارة الأضرحة، إضافة إلى مساحات التعلم التي تتقاطع فيها قراءة القرآن وحفظه، قبل أن تتسع لاحقًا لتشمل مهارات حياتية أخرى، في انعكاس واضح لتحولات اجتماعية متراكمة.
تُعنى الخلاوي، باعتبارها مؤسسات للتعليم الديني أيضًا، بوظائف أخرى تتصل بكسب العيش والمهارات اليومية، وهو ما رصدته دراسات متعددة تناولت الطرق الصوفية في السودان. وفي هذا السياق، توثق فريدريك سيفوينتيس في دراستها حول الطرق الصوفية، ضمن مادة مكتوبة وبصرية، تجربة مسيد الشيخة ليلى الصابونابي، حيث تحولت الخلاوي، على يد الشيخات، إلى مراكز اجتماعية متعددة الوظائف، فتقول: "تقوم الشيخة ليلى، بمساعدة أخواتها وبناتها، بإدارة البرنامج اليومي للخلوة. وقد حوّلت نصف منزل العائلة إلى مدرسة، لا تقتصر على التعليم الديني، إذ تُنظم فيه ورش لتعليم الطبخ والخياطة. تخرجت الشيخة ليلى في وزارة الصحة، وتقدم نصائح تتعلق بتنظيم النسل وتربية الأطفال. تأتي الملتحقات من الصابونابي والقرى المجاورة، ويغادرن بعد إنجاز أعمالهن المنزلية بحلول الساعة الثانية ظهرًا، فيما تستقبل الخلوة أيضًا طالبات من الخرطوم خلال عطلات مدارسهن الحكومية لإكمال تدريبهن الديني".[8]
ولدت الشيخة ليلى، ابنة الشيخ محمد الصابونابي، عام 1953 في قرية الصابونابي بولاية سنار، وقد تلقت تعليمها على يد والدها، وتقود خلوة نسائية منذ أكثر من خمسة عقود. "يسود جو من الاسترخاء في الخلوة، ويمكن للنساء اصطحاب أطفالهن معهن. تقسم الشيخة ليلى تدريبها إلى مجالات مختلفة تشمل الشؤون الدينية والمنزلية، إلى جانب توفير دخل للأسرة من خلال الحرف اليدوية. تعمل الخلوة كمركز اجتماعي، حيث تدعم النساء بعضهن بعضًا، ويعززن شعورًا قويًا بالتضامن. كما تصل هذه المؤسسة إلى النساء اللواتي يعشن في القرى الصغيرة، ليشاركن أيضًا في تجربة تحقيق أهداف اجتماعية جديدة".[9]
تبرز الخلوة التي تقودها الشيخة ليلى كفضاء نسائي مقاوم، شيدت النساء داخله حيزًا اجتماعيًا تتحقق فيه فاعليتهن واستقلاليتهن. وتعمل الخلوة كمؤسسة لمحو أمية النساء، ومساحة لتعلم مهارات جديدة كالصناعات اليدوية والحرف البسيطة. كما تفتتح خلوة الشيخة ليلى، من وقت إلى آخر، معارض تراثية وبازارات لعرض منتجات النساء التي يصنعنها.[10] وعبر هذه الأنشطة، تنتقل مهام كانت حبيسة الفضاء الخاص، مثل رعاية الأطفال والأعمال اليدوية، إلى فضاء مفتوح وتشاركي، بما يخلق صلة بين المجالين العام والخاص.
وهذا ما تقترحه سلمى نجيب في دراستها حول الأسلمة والفضاءات الاجتماعية والنساء في السودان، إذ ترى أن فضاءات مثل المسجد والسوق وغيرها تأثرت بسياسات الأسلمة، غير أن النساء استطعن تطوير استراتيجيات حولتها إلى مساحات مقاومة، يحققن فيها التضامن والتعلم وبناء تصوراتهن عن العالم.[11] وفي هذه الفضاءات تتفقد النساء أحوال بعضهن بعضًا، وينشغلن بمشكلاتهن اليومية، فتتوالى الزيارات للمريضات، وتُجمع الأموال لمن تحتاج إلى المساعدة، سواء لتزويج ابن أو ابنة، أو لمواجهة مرض أحد أفراد الأسرة. وهكذا يتشكل مجتمع أكثر حميمية داخل المجتمع الأكبر.
اتجاهات بحثية
أُبعدت سِيَر النساء عن التاريخ الرسمي، وغاب أثرهن داخل سرد يهيمن عليه تاريخ الرجال وبطولاتهم، وكأن الواقع الاجتماعي من صنع الرجال وحدهم. كما لم تُؤخذ تجارب النساء الحياتية مصدرًا للمعرفة، ولا فاعليتهن السياسية والاجتماعية مدخلًا لفهم التحولات التي تمر بها المجتمعات.
ينتمي هذا الكتاب إلى الكتابة التاريخية الاجتماعية التي تتتبع بُنى اجتماعية بعينها. وتكمن أهميته في أنه، عبر توثيق أدوار النساء الصوفيات والمتدينات في المجتمع، يطرح مسألة الفاعلية السياسية للنساء في سياقات صغرى (Micro-politics)، مقدمًا سياقًا تاريخيًا واجتماعيًا أدت فيه النساء المتصوفات أدوارًا قيادية وفاعلة، رغم أن كتب التاريخ لا تذكر منهن إلا القليل، مثل الست مريم الميرغنية التي لا تزال النساء يحججن إلى ضريحها في سنكات بولاية كسلا كل عام في ذكرى وفاتها.
كما تبرز أهمية الكتاب في التفاته إلى حقل طالما أُهمل في القراءات النسوية لواقع النساء وفاعليتهن، إذ لم تحظ الطرق الصوفية باهتمام بحثي نسوي يقرأها من الداخل، ويتأمل موقع النساء المتصوفات السودانيات داخلها. ويفتح الكتاب أفقًا لتتبع تواريخ النساء في المجتمعات الدينية، وعلاقتهن بأنظمتها وبالدين نفسه، وكيف حوّلن هذه البُنى إلى مواقع قوة اجتماعية وفاعلية سياسية. وما سمته نجلاء التوم بـ"الحق في النسوية"،[12] في دراستها لمساحات التضامن الروحي خلال الحرب في السودان، يشكل أحد المسارات البحثية المهمة التي تستحق مزيدًا من الاشتغال.
ما يفتقده الكتاب هو الفحص السوسيولوجي للنساء المتصوفات من داخل بنية الطرق الصوفية نفسها؛ أي دراسة مواضعهن داخل تراتبية الطريقة، وعلاقات القوة والتفاوض فيها، وموقع النساء اللواتي لا تربطهن صلات نسب أو قرابة بالبنية القيادية للطريقة. كما يظل سؤال نساء الحياة اليومية داخل المؤسسة الصوفية حاضرًا: كيف اخترن هذا المسار؟ وكيف فهمن الدين من خلاله؟
وهذا يفتح بابًا مهمًا أمام دارسي السوسيولوجيا لفهم الطرق الصوفية كبُنى اجتماعية، وتتبع التحولات التي طرأت على خطابها وفلسفتها وما تنتجه من أناشيد وقصائد، في علاقتها بالتحولات السياسية والاجتماعية عبر التاريخ. كما يظل البحث في تواريخ النساء داخل بُنى اجتماعية مختلفة، ومنها الطرق الصوفية، مجالًا مفتوحًا أمام الباحثين والباحثات، إلى جانب دراسة الطرق الصوفية نفسها كمؤسسات اجتماعية واقتصادية اضطلعت، منذ زمن بعيد، بأدوار عجزت الدولة عن القيام بها.