تروي منى الجرنازي في "نساء في سجون القذافي" تجربتها مع الاعتقال السياسي داخل السجون الليبية، مستعيدة سنوات القمع والخوف والعزلة من خلال شهادة شخصية توثيقية. يعتمد الكتاب على السرد الذاتي لحفظ الذاكرة ومواجهة محاولات طمسها، ويسهم في إحياء شهادات النساء الليبيات في تلك المرحلة وإعادة فتح النقاش حول العدالة والذاكرة الوطنية.
فكيف تقرأ إيناس المنصوري[1] أثر هذه التجربة على حياة النساء داخل السجن وخارجه؟
في كتاب "نساء في سجون القذافي: سيرة سجينة ليبية"،[2] تقدم منى الجرنازي سيرة شخصية وشهادة حية عن تجربتها في السجن السياسي لمدة أربع سنوات، على خلفية أحداث الهجوم على باب العزيزية، مقر إقامة العقيد معمر القذافي (1969- 2011). تتجاوز هذه الشهادة حدود السرد الذاتي لتغدو وثيقة تاريخية تُدين حقبة من الاستبداد السياسي في ليبيا، وتكسر حاجز الصمت حول تجربة النساء الليبيات في الاعتقال السياسي، وتعزز حضور صوت المرأة في التاريخ السياسي للبلد. وهكذا تصبح الكتابة عن الاعتقال وما رافقه من اعتداءات معنوية ونفسية على النساء في السجون فعلاً من أفعال المقاومة ضد النسيان وتهميش معاناة الضحايا. وبعد عقود من القمع، ومع سرد هذه المأساة بصوت امرأة عاشتها، يتحول الكتاب إلى جزء من عملية تحرير الذاكرة، وتحدٍّ للمحاولات الرسمية لتجميل الماضي أو طمسه.
من عتمة بوسليم إلى دهاليز الجديدة
تستهل منى سرد ذكرياتها المثقلة بالألم من ليلة ترحيلها، ومن معها ، من سجن بوسليم سيّئ السمعة إلى سجن الجديدة، وهو سجن مدني مخصص للنساء من ذوات القضايا الجنائية. نُقلن في ساعة متأخرة برفقة مجموعة من السجينات السياسيات المعتقلات على خلفية الهجوم على باب العزيزية، مقر إقامة القذافي، على يد مجموعة مسلحة تتبع جبهة الإنقاذ في أيار/ مايو 1984، وهي العملية التي هزّت النظام ودفعته إلى تشديد قبضته واللجوء إلى الاعتقال على أدنى الشبهات.
بعد أن استقرت أوضاعهن في سجن الجديدة، روت كل واحدة حكايتها وما قادها إلى السجن. ومن خلال حديث منى عنهن، تتكشف خلفيات السجينات. فالثلاث نساء من بنغازي: فاطمة، وإيمان، وماجدة،[3] قُبض عليهن بسبب انتمائهن إلى جبهة الإنقاذ. أما الأربع الأخريات: تركية (طرابلس)، وزكية (الزاوية)، وسميحة (ورشفانة)، ووردة (القواليش)، فكن طالبات في الكلية العسكرية هربن منها رفضًا لما تعرّضن له من استغلال وممارسات غير أخلاقية.
وفي المقابل، كان مصير منى ووالدتها مباركة السجن، نتيجة ما اعتبرته منى "عملاً إنسانيًا" تمثل في مساعدتها لصالح المودّب، أحد عناصر جبهة الإنقاذ، والذي التجأ إلى صديقه خميس الجرنازي، شقيق منى، بعد فشل الهجوم، ليستقر لاحقًا في بيتها مع زوجها يوسف والي. هذا القرار، الذي رأت فيه منى عملاً إنسانيًا خالصًا، كلفها ثمنًا باهظًا من حريتها واستقرار أسرتها الصغيرة؛ فهي أم لأربعة أطفال، أكبرهم في العاشرة وأصغرهم في الثانية من عمره. ومع ذلك، تعود منى في نقاشاتها مع رفيقات الزنزانة في سجن الجديدة لتبرير تعاطفها ومخاطرتها بحريتها وأمن أسرتها، مستندة إلى ما جرى لكل من الصادق الشويهدي وعثمان زرتي،[4] ومن نُفذت فيهم أحكام الإعدام بطرق شديدة الدموية، في عروض بثها التلفزيون الحكومي الليبي، وأثارت موجة ذعر ممزوجة بتعاطف صامت لدى الليبيين.
أما الأم، مباركة العربي، فهي سيدة تونسية تزوجت من المهاجر الليبي الفيتوري الجرنازي، وأنجبت أبناءها في مسقط رأسها في قرية صغيرة قرب العاصمة، حيث عاشوا ودرسوا، قبل أن يقرر الأب عام 1968 العودة إلى سوق الجمعة في ضواحي طرابلس، حيث مسقط رأس العائلة. هناك ستعيش حتى يُقبض عليها مع أولادها وابنتها منى.
فترة التحقيق الأولي
بعد مداهمة بيت عائلة الجرنازي في حي الدريبي، ثم بيت منى في حي بن عاشور وتفتيشه بحثًا عن صالح إثر وشاية من أحد أقاربه، يُقبض على الأشقاء: خميس، ومحمد، وعلي، وعبد السلام، إلى جانب منى ووالدتها، اللتين تُنقلان إلى معسكر 28 أغسطس[5] في طرابلس، حيث أُلقي بهن في زنزانة صغيرة جدًا تضم فراشين تغيّر لونهما من شدة ما علق بهما من أوساخ، فيما تُرك الضوء ساطعًا على الدوام كجزء من العقوبة النفسية.
في اليوم التالي، يُقتدن إلى التحقيق معصوبات الأعين بخرق سوداء، قبل أن تُفصل الأم عن ابنتها، وتُحقق مع كل واحدة منهما في غرفة منفصلة. هناك تجد منى نفسها أمام خيري خالد، آمر الشرطة العسكرية، الذي يبدأ استجوابها بوصفها بـ"الكلبة الضالة"، وهو التعبير الذي كان النظام يستخدمه لوصم خصومه ومعارضيه وتجريدهم من إنسانيتهم. ثم ينهال عليها بالأسئلة الاستنطاقية حول مبررات إيواء صالح وعدم دفع زوجها إلى التبليغ عنه. وتتمسك منى بمبررها الأخلاقي، مؤكدة أنها قامت بما اعتبرته "مجرد عمل إنساني، ولا صلة له بالسياسة ولا العمالة ولا حتى بمعارضة القذافي"، لتمنح فعلها معنى أخلاقيًا واضحًا، وتؤكد أن "الخاص هو سياسي".[6]
تكتشف منى، شيئًا فشيئًا، ومع تكرار جلسات الاستجواب، أساليب الترهيب والتعذيب النفسي التي تستهدف الوعي والذاكرة والكرامة لدفعها إلى الانهيار؛ إذ تُنقل مع والدتها إلى زنزانة أخرى تضم أسرّة وبطاطين قديمة، وحمامًا مسدودًا يطفح بالقاذورات ويملؤه الناموس والذباب، ولا يكاد الهواء ينفذ إلى الزنزانة إلا عبر نافذة صغيرة تكاد تلامس السقف. وحتى الحصول على الماء كان يتطلب الدوس على القاذورات داخل الحمام. هكذا يتحول المكان، بظروفه القاسية، إلى أداة إذلال نفسي تُغرق الجسد في القذارة والعجز، وتزرع الشعور بالدونية. يضاف إلى ذلك تشغيل الموسيقى والأغاني الثورية بصوت مرتفع طوال الليل، واقتحام الحرس للزنزانة بين ساعة وأخرى، في عنف يستهدف القدرة على التماسك النفسي.
ومع تكرار الاستدعاء إلى الاستجواب لأيام متواصلة، بحضور خيري خالد ومحققين آخرين، كانوا يرهقونها بطرح الأسئلة المتلاحقة دون انتظار إجاباتها، دفعًا لها للانهيار، ثم اعتقادًا منهم أنها تخفي المزيد من المعلومات عن باقي عناصر الخلية الفارين. ويُعد هذا النوع من العنف شائعًا في تجارب سجن النساء؛ لأنه يضعف ويُنتج الانهيار بصمت. كما تروي منى كيف استُخدم وجود والدتها معها في مكان التحقيق وسيلة للضغط عليها؛ إذ فُصلت عنها، ثم لُوّح بإمكانية إطلاق سراح الأم قبل التراجع عن ذلك، فتحول وجودها إلى أداة ابتزاز عاطفي وتحميل لمنى مسؤولية ما تعانيه والدتها. وبعدها يبدأ استخدام الشتائم البذيئة، فتُصدم من واقع سلطة قمعية تلجأ إلى هذا النوع من اللغة لتجريد المرأة من إنسانيتها.
أما لحظة مقاومتها خلع "الفراشية"[7] بنفسها، قبل أن يعمد المحقق بعنف إلى نزع الجزء العلوي منها وتعرية رأسها، فتكشف استهداف الجسد الأنثوي بوصفه مساحة للهيمنة السلطوية الذكورية. كما أن معايرتها بكونها ابنة أسرة عائدة من المهجر في تونس، عبر القول: "لولا الفاتح لما استطعتم العودة، أيتها التونسية الخائنة لبلد احتضنك، فخنتِ ثورة الفاتح وأصبحتِ عدوة للثورة وعميلة لأمريكا"، يكشف تداخل العنف القومي والجندري؛ فهي لا تُتهم بالخيانة السياسية فقط، وإنما بخيانة الوطن أيضًا، بوصفها امرأة يُفترض منها الامتنان والطاعة والولاء الصامت.
سجن الجديدة وإنسانية التعايش
تجد منى نفسها في سجن الجديدة محشورة داخل زنزانة صغيرة، معزولة عن باقي عنابر السجينات من ذوات القضايا الجنائية. ولا يزول سريعًا شعور منى ورفيقاتها بصدمة وجودهن في ذلك المكان، إذ ترى في هذا الوضع عقابًا رمزيًا لهن، عبر وضع السجينات السياسيات وسط ما تعتبره السلطة "انحرافًا جنائيًا". ولا تخفي منى قلقها من نظرة المجتمع إلى أبنائها؛ فخوفها لا يتركز على تجربة السجن ذاتها، وإنما على ما قد يترتب عليها اجتماعيًا بالنسبة إلى أطفال لم يرتكبوا ذنبًا، ولم يختاروا موقعهم داخل منظومة القمع. ومن خلال ذلك تكشف عن هشاشتها وتناقضاتها وخوفها المشروع مما يُعرف نسويًا بالوصمة العابرة للأجيال.
في السجن، تنال منى ورفيقاتها تعاطف سارة، الممرضة الهندية المسيحية، التي كانت تقدّر مواقفهن وتعاملُهن باحترام، كما أصبحت مصدرًا للأخبار عما يجري داخل السجن وخارجه. كذلك حاولت السجانة هلالية مساعدتهن بما تستطيع من توفير بعض الاحتياجات. وعبر ثقب في باب الزنزانة، تنجح منى ورفيقاتها في التواصل مع السجينات الأخريات، والتعرف على أنواع التهم التي يقضين بموجبها أحكامًا في قضايا تتعلق بـ "فاحشة الزنا"، وهي التهمة الأكثر انتشارًا، إلى جرائم الاتجار بالمخدرات وتعاطيها، ثم السرقة والقتل، وهي الأقل حضورًا.
تقدم الجرنازي ما يمكن اعتباره مادة ثمينة، لندرة الشهادات حول هذا النوع من تجارب السجن في ليبيا. فهي تتجاوز كونها مجرد سرد لذكريات شخصية لتصبح وثيقة تاريخية واجتماعية تدين فساد السلطة الحاكمة واستخدامها للتوظيف الجندري في استغلال النساء من ذوات السجلات الجنائية. فالمحكومات في قضايا الاتجار بالمخدرات يحصلن على تسهيلات لتأمين ما يحتجن إليه من خارج السجن، كالمواد المخدرة أو المشروبات الروحية، إضافة إلى تواطؤ بعض القضاة والمحامين الفاسدين في تخفيف الأحكام. وفي المقابل، تُحرم منى ورفيقاتها من أبسط الحقوق، مثل المحاكمة العادلة، وحق الزيارة للسجينات السياسيات، والحصول على ملابس جديدة أو مواد تنظيف، إمعانًا في إذلالهن ومعاقبتهن. وحتى كتابة الرسائل تتحول إلى امتياز تمنحه السلطة أو تمنعه وفق منطق العقاب السياسي لا القانون. وسرعان ما تتحول الزنزانة إلى مساحة لإعادة تشكيل الوعي النسوي للجرنازي، إذ يغدو السجن مرآة مكبرة تكشف عيوب النظام الحاكم والمجتمع الليبي خارج الأسوار.
ورغم سعي النظام القمعي إلى عزل منى ورفيقاتها عن محيطهن داخل السجن، إلا أنهن ينجحن في الحصول على دعم السجينات الأخريات، اللواتي قدّمن أشكالًا مختلفة من التضامن المعنوي، من تقديم الحلوى وقطع البسكويت، إلى توفير معلومات حول ما يجري خارج زنزانتهن، وصولًا إلى المخاطرة بتهريب رسائلهن إلى أسرهن خلال الإجازات القصيرة خارج السجن. وهنا تنقلب التوقعات الأخلاقية، فالإنسانية تأتي من سجينة جنائية، أي من الهامش داخل الهامش.
خارج الأسوار ...داخل الحصار
حرصت منى، منذ وصولها إلى سجن الجديدة، على تدوين تفاصيل تجربتها داخل السجن على أوراق علب الحليب. وهي لا تكتفي بالتوثيق، وإنما تكشف كيف يصنع القمع وعيًا نسويًا يتشكل تدريجيًا، من وهم "الإفراج القريب" إلى فهم أعمق لطبيعة المنظومة الأمنية، وصولًا إلى صياغة شهادة أكثر نضجًا.
بعد عام من الاعتقال، تعود منى مجددًا إلى غرف التحقيق، وقد كسرت حاجز الخوف واكتسبت خبرة بأساليب الضغط والترهيب. ومع فشل خيري خالد في انتزاع مزيد من المعلومات عن خلية الهجوم، أخضعها لنوع آخر من التعذيب النفسي، حين سمح لها بزيارة أبنائها داخل السجن. تحولت الزيارة إلى عقوبة قاسية وهي ترى ليليا ووسام في حالة بكاء وانهيار نفسي، ونفور طفليها الصغيرين منها، أحمد (3 سنوات) وفريال (4 سنوات)، وعجزها عن التواصل معهم جسديًا وعاطفيًا رغم وجودهم معها في الغرفة نفسها. هنا تظهر الكلفة الباهظة للسجن على العلاقات الأسرية التي أصابها التصدع.
في الأسبوع الأول من آذار/ مارس 1988، وبعد أربع سنوات على اعتقال منى ووالدتها والسجينات الثلاث الأخريات، يزورهن خيري خالد في السجن ليبلغهن بقرار الإفراج عنهن ضمن ما عُرف بـ"أصبح الصبح". وهي الخطوة التي لم تكن سوى مناورة لجأ إليها القذافي لامتصاص الاحتقان الداخلي، بعد تدهور الأوضاع المعيشية، وفشل مشاريع التنمية، وخسائر المغامرات العسكرية الخارجية للنظام. ولتفادي انفجار الغضب الشعبي، أطلق النظام سلسلة إجراءات استعراضية شملت الإفراج عن مئات المعتقلين السياسيين في عفو واسع، وتمزيق قوائم الممنوعين من السفر، ودعوة المعارضين إلى العودة الآمنة، في محاولة لإعادة إنتاج ولاء جديد تحت شعارات الإصلاح والحريات.
لكن تلك الانفراجات جرت من دون أي سند قانوني أو قضائي، واعتمدت على تعليمات شفوية يصدرها القذافي، وهو ما دفع منى، بعد الإفراج عنها مع والدتها وباقي رفيقات الزنزانة، إلى مواجهة واقع جديد لا يقل قسوة عن تجربة السجن نفسها. فحاولت التأقلم خارج الأسوار، وإعادة بناء حياتها من الصفر، واستعادة علاقتها بأبنائها الأربعة، في ظل استمرار اعتقال زوجها.
إلى جانب ذلك، سعت لاستخراج أوراقها الشخصية التي ضاعت بعد مصادرة منزلها عقب اعتقالها وزوجها، والبحث عن عمل تنفق منه على نفسها وأطفالها، ومحاولة العثور على منزل يأويها، لكن دون جدوى. وجدت نفسها تدور في حلقات مفرغة من الإجراءات الإدارية والرقابة الأمنية المستمرة، ما جعلها في حالة قلق دائم وعدم استقرار قانوني، وبالتالي تكتشف أن الخروج من السجن لا يعني الخروج من منظومة السيطرة التي ستظل تهيمن على حياتها حتى سقوط نظام القذافي عام 2011. وهكذا يتحول سعيها إلى الاندماج في الحياة اليومية إلى عملية شاقة مرهقة لإثبات الوجود.
في الختام، تنبع أهمية الكتاب من ندرة "أدب السجون النسوي" في المكتبة العربية، وخصوصًا الليبية. فالسرد التاريخي الرسمي غالبًا ما غاب عنه صوت المرأة، أو جرى التعامل معها كعنصر هامشي في الأحداث السياسية والاجتماعية. أما هذا الكتاب، فيمنح النساء مساحة لرواية تجاربهن بأنفسهن، ويقدم مادة تاريخية ووثائقية مهمة للباحثين والمهتمين بتاريخ ليبيا في عهد العقيد معمر القذافي.
وفي السياق العربي الأوسع، تظل الروايات النسائية التي توثق تجربة السجن السياسي من منظور المرأة نادرة، ما يمنح هذه الشهادات أهمية خاصة في فهم أشكال القمع التي طالت النساء. وهو ما يذكّر بتجربة نوال السعداوي في كتاباتها عن سجن النساء في مصر، حيث كان السرد أداة مقاومة ورؤية نقدية تجاه السلطة.