يوثق كتاب "مناضلات تونسيات" سِيَر خمسين امرأة تونسية شاركن في مقاومة الاستعمار، من المظاهرات ونقل السلاح والرسائل، إلى توفير الدعم للمقاومين والمشاركة المباشرة في الكفاح المسلح. ويعتمد الكتاب على وثائق أرشيفية وشهادات تاريخية وصحف تعود إلى الفترة الاستعمارية لإعادة الاعتبار لدور النساء الذي غُيّب طويلًا من السردية الوطنية الرسمية. كما يكشف أشكال القمع والتعذيب التي تعرضت لها المناضلات، ويقدم قراءة توثيقية لتاريخ النضال النسوي في تونس.
فكيف تقرأ عبير كوكي[1] حضور النساء في مرحلة الاستعمار ودورهن في مسار بناء الدولة التونسية الحديثة كما يقدمه هذا الكتاب؟
صدر عن مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة، عام 2024، المصنف التاريخي "مناضلات تونسيات: مسارات استثنائية في تاريخ الحركة الوطنية (1881-1961)".[2] وجاء في إطار عمل جماعي لفريق من الباحثات المنتميات إلى الجامعة التونسية، برئاسة فاطمة شلفوح، وعضوية سلاف بن فريخة وفرح منكبي وبثينة الغريبي. وعلى امتداد 310 صفحات، عكفت ثريا بالكاهية وفاطمة شلفوح، المتخصصتان في تاريخ تونس المعاصر، على توثيق سيرِ عينةٍ تضم خمسين مناضلة تونسية تميزن بمسارات استثنائية، واضطلعن بأدوارٍ محورية خلال الحقبة الاستعمارية.
يبدو البحث عن الحقيقة التاريخية، والتنقيب في المصادر، وجمع الأدلة، ومساءلة المسلمات، مهمة نبيلة يدعو إليها هذا الكتاب. ويتبلور من خلال طرح هذا الموضوع تحديدًا، وما يرافقه من تدقيق وبحث رغم عنائه، أن هناك إيمانًا واضحًا بهذا المشروع المعرفي في واقعنا الراهن، لا سيما وأننا إزاء فترة حرجة من تاريخ تونس هي الحقبة الاستعمارية، وما يطبعها من صعوبة بالغة في الحصول على المواد الأرشيفية والوثائق والمستندات. فليس من المقبول تغييب أسماء مناضلات قدّمن الكثير في سبيل تحرير الوطن. لذلك يُعد هذا العمل سردية منصفة لنساء كتبن أسماءهن بالدم في ساحات المعارك، ومحاولة جادة لتصحيح مسار روايات تاريخية كُتبت من منظور المنتصر. فالتاريخ، في كثير من الأحيان، يكتبه من يمتلك القوة ويمسك بزمام السلطة، ما يخلق روايتين: رواية المنتصر، ورواية أخرى جرى تهميشها أو إعادة صياغتها.
يعتمد الكتاب على تقنية البورتريه، التي أتاحت للباحثتين تناول سير المناضلات بشكل فردي، وتتبع مساراتهن النضالية انطلاقًا من النشأة والمحيط الاجتماعي، وصولًا إلى مشاركتهن في النضال ضد المستعمر. واستند الكتاب إلى مواد أرشيفية متعددة، من بينها أرشيفات وطنية تونسية تتعلق بملفات نساء ثائرات خلال الحرب العالمية الأولى، بهدف تتبع التاريخ النضالي التراكمي للمناضلات الواردات في الكتاب. كما اعتُمد على صحف صادرة خلال الفترة الاستعمارية، أسهمت في تحديد أسماء عدد من النساء اللواتي خضعن للرقابة الاستعمارية. ويضم الكتاب كذلك مجموعة مهمة من الوثائق، تشمل خرائط وصورًا وتقارير، ما يمنح الكتاب قيمة إضافية ويتيح للقارئ إمكانات أوسع للتأويل وإعادة القراءة انطلاقًا من المادة الوثائقية.
سير المنسيات: إرث الدم
يقول ابن خلدون عن التاريخ: "في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والأُول ... وفي باطنه نظر وتحقيق". وتبدو هذه المقولة منسجمة مع هذا المنجز الذي يحاول إعادة صياغة التاريخ بقدر أكبر من الإنصاف، بحيث تكون المرأة حاضرة في المدونة التاريخية كما كانت حاضرة على أرض المعركة. ويكشف التأمل في الكتابات التاريخية الخاصة بالفترة الاستعمارية عن بتر واضح لجزء مهم منها، يتمثل في النضال النسوي، وهو ما يشكل إنكارًا لدور المرأة التي تقاسمت ساحة القتال مع الرجل، وربما تفوقت في جرأتها باقتحام فضاء عام ظل طويلًا حكرًا على الذكور.
يتناول الكتاب أشكالًا متعددة من النضال النسوي خلال تلك المرحلة، من بينها المشاركة في التعبئة الجماهيرية عبر الاتصال المباشر بالجماهير، وتوزيع المناشير، وقيادة المظاهرات، وتوفير المؤونة والملبس للمقاومين، ونقل الرسائل وكتابة الشعارات، وصولًا إلى حمل السلاح ومواجهة المستعمر في محطات نضالية مختلفة. وعلى امتداد صفحاته، يبرز الدور المحوري للمناضلات اللواتي واجهن أشد أنواع التعذيب نتيجة صمودهن في مواجهة جهاز استعماري يمارس القمع ضد الأرض والشعب. يعكس هذا الحضور النسوي رغبة واضحة في تغيير الواقع والثورة على المستعمر، في تحدٍّ للقيود الاجتماعية التي حصرت المرأة في أدوار محددة، ليغدو النضال فعل تمرد على الصورة النمطية ودفاعًا عن الأرض.
قيادة المظاهرات والمشاركة فيها
شاركت النساء في قيادة المظاهرات، وذكر الكتاب عددًا منهن مثل: فطومة النملة، نادرة كمون، دوجة بحلوس، شريفة السعداوي، خديجة الطبال، شاذلية بوزقرو، عائشة بالاغة، حبيبة الجبالية، منوبية الشابي، السيدة الدو القايد، مجيدة بوليلة. إضافة إلى خديجة رابح، التي تقول في شهادة شفوية: "شاورت راجلي قتله: اسمع يا ولد عمي، توّا كيف باش تولي حركة وطنية، راني باش نخشها، وسامحني كان متت والا عشت والا تربطت، واللي يصير عليّ".[3] كما يذكر الكتاب ليليا باش حانبة، وجميلة بن جاب الله، وخديجة شعور التي وصلتنا صورتها وهي تتصدر مظاهرة يوم 8 آذار/ مارس 1952.
إعداد اللافتات وكتابة المناشير وتوزيعها
كما تولّت أخريات إعداد اللافتات وكتابة المناشير وتوزيعها، مثل دوجة بحلوس، ومدللة المطوسي، وزبيدة بدّة، وخديجة رابح، وفاطمة بن عبيدي، ومبروكة القاسمي، ومجيدة بوليلة، وفاطمة البشّالي. ويكشف هذا الحضور النسوي دخول النساء ساحة الفعل السياسي تحديًا للنواميس الاجتماعية السائدة آنذاك، واقتحامًا للفضاء العام، ما جعل منهن قوة داعمة للحركات المناهضة للاستعمار. كما تشير المعطيات إلى دور البنى الاجتماعية والمرجعية الأيديولوجية العائلية في تشكيل الشخصية النضالية، إذ تنحدر أغلبهن من عائلات ذات تاريخ سياسي ونضالي، مثل دوجة بحلوس التي كان زوجها منخرطًا في الحزب الحر الدستوري، وهي والدة زبيدة بدّة التي شاركت في توزيع المناشير وكتابتها.
الاستيلاء على الذخيرة وإخفاء الأسلحة ونقلها وحمل السلاح
لم تكتفِ النساء بأدوار تقليدية، بل خرجن إلى ساحة المواجهة المباشرة، في تحول واضح عن الصورة النمطية التي حصرت أدوارهن في التموين والعلاج حتى في سياقات الحروب. فقد اقتحمت نساء هذه البلاد الفضاء العام وفرضن حضورهن في فترات شديدة القسوة، وحملن السلاح في وجه المستعمر شأنهن شأن الرجال. ويذكر الكتاب عددًا منهن، مع الإشارة إلى أن القائمة تبقى مفتوحة مع كل ما قد تكشفه مصادر جديدة. ومن بين الأسماء الواردة: فاطمة بو ذيبّ، عائشة بن حمودة، أم السعد يحي، جميلة بن جاب الله، مهنية الإينوبلي، حبيبة النابلي، خديجة شعور، هنية الزواري، أمطيرة بن عون، خديجة رابح، فاطمة المحرزي، حسينية عمّيد، وسعيفة النيفر، كما حملت مباركة عبد الملك السلاح إلى جانب مجموعة من النساء مثل حليمة بن عبودة الغول، مبروكة الشنكاوي، وآمنة براهم.
يستند الكتاب، إلى جانب الشهادات الشفوية، إلى المدونة الشعرية الشعبية التونسية، وهو عنصر يثريه، إذ يضطلع هذا الشعر بدور توثيقي عبر تمجيد بطولات المناضلات في ساحة المواجهة، وحتى في نقل الجرحى وعلاجهم. ومن ذلك ما قاله جريح في مباركة عبد الملك:
"بكيتش وقت طحت يا مانيّة *** فرّغ مسندي ولاذوا الحراير بيا".[4]
توفير المؤونة والملبس
يذكر الكتاب 17 امرأة أسهمن في توفير المؤونة والملبس للمقاومين، وهن: هنية الزواري، خديجة شعور، نفيسة شاكر، فاطمة بوذيب، ربح الأنصاري، مريم بن سالم، ليليا باش حانبة، شريفة الفياش، فاطمة المحرزي، حفصية العبروقي، منوبية الشابي، جميلة بن جاب الله، ربح الورتاني، مهنية الإينوبلي، حسنية عمّيد، فاطمة النيفر، وسعيفة النيفر. ويُلاحظ من خلال تكرار أسماء بعض المناضلات في أكثر من شكل من أشكال النضال أن منهن من شاركن في المظاهرات وحملن السلاح وساهمن في توفير المؤونة في آن واحد، وهو ما يعكس إقدامهن وتحملهن للمسؤولية وامتلاكهن وعيًا نضاليًا عميقًا.
كما كان للمناضلات دور مهم في نقل التعليمات وتنظيم الاجتماعات داخل منازلهن، إضافة إلى جمع التبرعات وتوجيهها. في المقابل، واجهت هذه الأدوار ردود فعل عنيفة من الجهاز الاستعماري، تمثلت في غضب وبطش وأشكال متعددة من التعذيب، طالت حتى عائلاتهن، في محاولة للحد من تحركاتهن وثنيهن عن مواصلة نشاطهن النضالي وإجبارهن على التراجع.
أشكال القمع والتعذيب
قابلت السلطات الاستعمارية النضالات النسوية بقمع وتعذيب تعددت أشكاله، من العنف الجسدي والنفسي والتنكيل، إلى الإيقاف والسجن والمداهمات الليلية واقتحام المنازل. وطالت هذه الممارسات أفراد عائلات المناضلات أيضًا. ويذكر على سبيل المثال: فاطمة بوذيب، دوجة بحلوس، ربح الورتاني، فاطمة النيفر، وحسينية عمّيد، وغيرهن ممن تعرضن للتعذيب والتنكيل داخل السجون. كما سقطت في عدد من المظاهرات وداخل السجون شهيدات عديدات، من بينهن مجيدة بوليلة، نادرة كمّون، آمنة براهم، حبيبة الجبالية، وغيرهن ممن تعرضن للنفي والإبعاد.
"زي الخيالي الي سيبوه يجري يلهد في الشارع"[5]
اخترت عنونة هذا القسم بهذه الجملة المفعمة بالرمزية وروح النضال والتوق إلى الحرية، وهي شهادة للمناضلة خديجة رابح، تشبه فيها نفسها بالفارس على صهوة جواده في ساحة المعركة. ففي هذا التشبيه تبدو خديجة رابح امرأة انفلتت من القيود الاجتماعية والسياسية معًا، تركض نحو الفعل والمواجهة من دون خوف، كما لو أن الحرية نفسها أصبحت اندفاعًا لا يمكن إيقافه. وهي في تقديري صورة تلخص لكل المعاني التي يحملها هذا الكتاب.
يمكن اعتبار هذه البيوغرافيا صيغة تراكمية ناضجة، جمعت بين البحوث السابقة والمواد الأرشيفية والتراث الشفوي الذي تحول إلى مادة تاريخية علمية، تليق بسِيَر نساء مشين على الجمر وكتبن أسماءهن بالدم في زمن كان فيه صوت القبيلة أعلى من صوت الرصاص. ولا بد أن يُستعاد حضور هؤلاء النسوة في المناهج الدراسية والبرامج الجامعية، وأن تُخلَّد أسماؤهن في الفضاء العام بدل تغييبها، لعلها تكون رسالة إلى الأجيال الجديدة التي لم تعرف من المناضلين سوى ما تغنت به الأغاني الشعبية، مثل هذه القصيدة التي تحولت إلى أغنية مشهورة:
"جو خمسة يقصوا في الجرّة *** وملك الموت يراجي
ولحقوا مولى العركة المرة *** المشهور الدغباجي"
تتجاوز أهمية هذا الكتاب بعده التوثيقي إلى توعية الجيل الحالي بدور النساء في بناء الوطن، وتحفيزهم على الانخراط في العمل الوطني. كما يتميز هذا المنجز بدقته المنهجية واعتماده على الأرشيف والوثائق التاريخية، مقارنة ببعض الأعمال السابقة التي، رغم قيمتها، مالت أحيانًا إلى التمجيد أو الاكتفاء بالشهادات الشفوية. ويُذكر هنا كتاب ليليا العبيدي "قاموس السير للمناضلات التونسيات 1881-1961"، وهو عمل مهم ضم عددًا من السير والشهادات، لكنه لم يستند بالقدر نفسه إلى المقارنة بالمصادر الأرشيفية والدراسات التاريخية، إضافة إلى وجود بعض الترجمات التي أخلّت أحيانًا بالسياق التاريخي والبناء المنطقي للشهادات.[6]
لذلك لا يقتصر ما أنجزه "الكريديف" على جمع الوقائع وتوثيقها، وإنما يمتد إلى إعادة إحياء ذاكرة جمعية طالما جرى تهميشها، والاعتراف بنساء أفنين أعمارهن في مقاومة الاستعمار ومواجهة مجتمع محافظ وثقافة لم تنصف حضورهن في صناعة التاريخ.