القارئات والقرّاء الأعزاء،
في الرابع من أيلول/سبتمبر 2026، صوّتت الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح قرار يشجّع على استخدام إسقاطات جغرافية تُظهر المساحات النسبية للقارات بدقة أكبر، في خطوة لإعادة النظر في الطريقة التي تُمثَّل بها خريطة العالم. حظي القرار بتأييد 164 دولة، استجابةً لحملة قادها الاتحاد الأفريقي وتوغو، فيما عارضته الولايات المتحدة، معتبرةً أنه يصرف الانتباه عن قضايا أكثر إلحاحًا.
في إسقاط مركاتور، الذي يعود إلى القرن السادس عشر وما زال واسع الاستخدام، تبدو غرينلاند قريبة في حجمها الظاهري من أفريقيا، مع أن مساحة الأخيرة أكبر بنحو أربعة عشر ضعفًا. أما الإسقاطات البديلة، فتُظهر القارات بأحجامها النسبية على نحو أدق، وتحدّ من المبالغة في أحجام المناطق القريبة من القطبين. لم تتغير الأرض؛ الذي تغيّر هو الطريقة التي نراها بها. وكما أوضح وزير خارجية توغو، روبرت دوسي، فإن الخرائط المسطحة لا تمثّل سطح الكرة من دون تشويه، واختيار الإسقاط يشكّل تصوراتنا عن العالم وقدرتنا على مقارنة أجزائه.

خريطة تُظهر المساحات النسبية للدول والقارات
بعد أقل من ثلاثة أسابيع، في 24 أيلول/سبتمبر، صعد بنيامين نتنياهو إلى منبر الجمعية العامة. غادرت وفود عدة القاعة حين بدأ خطابه، وأحصى مسؤولون إسرائيليون لاحقًا سبعة وسبعين وفدًا غاب ممثلوه عن الجلسة أو انسحبوا منها. وصف نتنياهو المنسحبين بأنهم "جبناء أخلاقيًا"، ونفى ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية في غزة، ثم رفع جهاز "بيجر" مستحضرًا عملية تفجير أجهزة الاتصال في لبنان عام 2024، في سياق حديثه عن الإنجازات العسكرية. وهكذا، تحوّل جهاز ارتبط بعملية أودت بحياة أشخاص وأصابت آخرين إلى أداة للاستعراض السياسي، في المكان الذي يُفترض أن تتقدم فيه مساعي السلام والمساءلة.

تُظهر الخريطة باللون البني الدول التي غادرت القاعة وفودها خلال خطاب نتنياهو، وباللون الرمادي التي بقيت لمتابعة كلمته.

بنيامين نتنياهو يرفع جهاز "بيجر" خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة
كان "البيجر" الذي رفعه نتنياهو تجسيدًا لمنطق شبيه بما حلله غريغوار شامايو في كتابه "نظرية الدرون": سلاح يقتل عن بُعد، فلا يتعرض مستخدمه لخطر مماثل لما يُلحقه بالآخرين. ويستعير شامايو من العقيدة العسكرية الأمريكية مفهوم "صندوق القتل"، الذي يقسّم المجال العملياتي إلى مكعبات تُفتح وتُغلق بحسب موقع الهدف، بمعزل عن الحدود الثابتة. بهذا المنطق لا تبقى ساحة المعركة جبهةً يقف عندها المتحاربون؛ تصير خريطةً تُدار من بعيد، يمكن أن تتسع إلى شارع في الضاحية، أو سوق شعبي، أو غرفة نوم، أو جيب حمله صاحبه جهازًا إلى بيته. وعلى هذه الخريطة، تتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى مادة للمراقبة والتعقّب، فيما تعجز "الدقة" التقنية عن ضمان التمييز بين المقاتلين والمدنيين.
أما مشهد المقاعد الفارغة فيستدعي عنوان كتاب عمر العقاد "يومًا ما، سيدّعي الجميع أنهم كانوا دائمًا ضد ما حدث". يقرأ العقاد ما جرى في غزة كاشفًا زيف ادعاءات الليبرالية الغربية، ويعيده إلى ثنائية "الحضارة والهمجية" التي برّرت الاستعمار البريطاني والفرنسي، ثم إلى منطق "الحرب على الإرهاب" في أفغانستان والعراق. ومن زاوية أخرى، يسأل ديدييه فاسان في "التخلّي الأخلاقي" كيف قبلت حكومات تعلن التزامها بحقوق الإنسان تدمير غزة أو تغاضت عنه، ويقيس المسؤولية بما تفعله الدول وبما تعرفه وتملك القدرة على تغييره، لا بما تعلنه عن نفسها.
على أي خريطة للعالم، قديمة أو جديدة، تكاد غزة لا تُرى: شريط ساحلي ضيق لا تكفي مساحته لكتابة اسمه. لكنها على خريطة الاستهداف مرئية حتى آخر بيت فيها. مقياس الرسم يقيس الكيلومترات، ولا يقيس ما يحدث فوقها، فكل مساحة فارغة في صورة جوية كانت مكانًا للحياة، وكل مبنى اختفى كان جزءًا من شبكة من العلاقات والذكريات والعمل والتعلّم.

في كتابه "الاقتلاع: هندسة الإبادة الجماعية"، يتتبع إيال وايزمان، بالخرائط وصور الأقمار الصناعية والشهادات وإعادة بناء المواقع، كيف يتجاوز التدمير المباني إلى محو الشروط المادية التي تسمح باستمرار الحياة. فالتربة والطرق والعمران جزء من المكان الذي تستهدفه السيطرة الاستعمارية، وتدميرها وسيلة لجعل الأرض غير صالحة للسكن. ويميّز وايزمان بين دمار تخلّفه الحرب أثرًا جانبيًا، يعود الناس بعده إلى بيوتهم لترميمها، واقتلاعٍ يجعل التدمير غاية في ذاته، فلا يبقى المكان على هيئته، ولا تبقى العودة إليه ممكنة بالمعنى الذي عرفه سكانه. ومن خلال قراءة طبقات الأرض بوصفها طبقات للتاريخ الاستعماري، يبيّن أن الحرب لا تبدأ من نقطة منفصلة عما سبقها، ولا تنتهي آثارها بانتهاء القصف.
امتد تدمير المكان في غزة إلى أكثر لحظات الحياة والموت خصوصية. حين دُمّرت المقابر مع البيوت، جمعت عائلات الحجارة والبلاط من الركام لتصنع لموتاها قبورًا. صار الحجر الذي كان جزءًا من منزل علامةً على قبر، والبلاط الذي فرشته عائلة في غرفتها شاهدًا على من فقدته تحت أنقاضها. وبقي الناجون أمام مهمة تثبيت مواضع قبور موتاهم وأسمائهم في أرض تتغير معالمها باستمرار.
في المكان نفسه، وفي كانون الثاني/يناير من هذه السنة، احتفل أكثر من مئتي طالب من كلية الطب في الجامعة الإسلامية بتخرجهم أمام ما تبقى من مجمع الشفاء الطبي، لأن قاعة جامعتهم لم تعد موجودة لاستضافة الحفل. كشفت تلك اللحظة ما لا تُظهره صور المباني المهدّمة: مختبرات ومكتبات مفقودة، وتدريب طبي معطّل، وسنوات من العمل الأكاديمي ضائعة. وعن مصير التعليم والمعرفة في الضفة الغربية وغزة خلال الإبادة، تدور الحلقة الأولى من "بودكاست مسلك"، الذي أطلقته الشبكة العربية للعلوم السياسية مؤخرًا. تعود الحلقة إلى تجارب أكاديميين يحاولون مواصلة التدريس وسط حياةٍ تقبع تحت العنف الاستعماري المستمر على المؤسسات التعليمية، وتسأل عن مصير المعرفة حين تُدمَّر الجهات التي تنتجها، وعن حق الطلبة في التعلّم من دون أن يضطروا إلى تحويل الأنقاض لحاضنة تعليمية أو احتفالية لتخرجهم.

حفل تخريج "فوج العنقاء 2025" من أمام أنقاض مجمع الشفاء الطبي في غزة
ولا تبقى أسئلة المكان والعودة محصورة في غزة. فوفقًا لتحليل نشرته "نيويورك تايمز" في تشرين الأول/أكتوبر، هدمت إسرائيل 48 قرية وبلدة في جنوب لبنان، معظمها بعد هدنة أحادية الجانب أُعلنت في نيسان/أبريل. لا تتطابق السياقات السياسية والعسكرية في غزة وجنوب لبنان، لكن مشاهد تدمير القرى والأحياء وإزالة معاملها وحرمان أهلها من مقومات العودة تطرح سؤالًا مشتركًا: من يملك الحق في البقاء على الأرض، ومن يقرر ما إذا كان سيظل لأهلها مكان يعودون إليه؟ في صورة "قبل"، شوارع ومنازل وأشجار؛ وفي صورة "بعد"، غبار وأنقاض. وبينهما يختفي ما لا تلتقطه الصور الجوية: بيت ورثته عائلة عن أجيال، ومدرسة درس فيها الأطفال، وطريق يعرفه السكان من دون علامات إرشادية.

صورة تُظهر حجم الدمار في جنوب لبنان بعد وقف إطلاق النار، ضمن تحقيق نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"

صور جوية تكشف حجم الدمار في غزة
تساعدنا الخرائط والصور الجوية في رصد ما تغيّر، وقد تصير، إلى جانب الشهادات، أدلةً على ما جرى. لكنها لا تستطيع وحدها أن تنقل ما يعنيه اختفاء حيّ كامل لمن عاش فيه، ولا أن تستعيد ما ينقطع بتدمير جامعة أو مقبرة أو قرية.
ولا تقتصر الحرب على استهداف الأجساد والأماكن؛ فهي تمتد إلى الروايات واللغة التي تحدد ما يُرى وما يُتجاهل. في كتاب "الحروب الإدراكية"، يتناول دانييل إريارتي كيف تحولت المنصات الرقمية والخوارزميات إلى أدوات لتوجيه الانتباه وتعزيز روايات بعينها، وكيف يتقاطع ذلك، في الحالة الفلسطينية، مع تقييد تداول صور الدمار والشهادات. ويتتبع آدم جونسون في "كيف نُسوّق لإبادة جماعية؟" تغطية وسائل إعلام أمريكية كبرى، من بينها "نيويورك تايمز"، محللًا اللغة التي استخدمت لوصف الضحايا، وما ظهر في التغطية وما غاب عنها. هكذا تتصل الحرب في السماء بالحرب على الشاشات: في الأولى، تُجمع البيانات وتُحلّل لتحديد الأهداف؛ وفي الثانية، تُنتقى الصور والكلمات وترتّب الوقائع لتوجيه الانتباه. متى يُقدَّم القتل ضرورةً عسكرية، ومتى يُختزل التدمير في "أزمة إنسانية" أو "أضرار جانبية"؟ ومن يُمنح فرصة الرواية، ومن تُختصر حكايته في رقم؟
وفي مفارقة أخرى، في التاسع من تشرين الأول/أكتوبر، مُنحت جائزة نوبل للسلام لعام 2026 للقاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي، إحدى أبرز المدافعات عن القانون الدولي والمساءلة عن جرائم الحرب والإبادة الجماعية، والتي ارتبط اسمها بالجهود الدولية لمساءلة إسرائيل عن أفعالها في غزة. قالت بيلاي بعد إعلان فوزها: "آخر ما فعلته هو تقديم التقرير عن غزة، الذي وصف ما يحدث هناك بأنه إبادة جماعية. ومن أبرز ردود الفعل على هذا التقرير الإشادة بشجاعتي. لماذا يحتاج المرء إلى الشجاعة ليقول الحقيقة؟". وبعد ساعات، هاجم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اللجنة النرويجية ووصف قرارها بأنه "مشين ومحرج"، فيما أعلنت الإدارة الأمريكية فرض عقوبات جديدة على المحكمة الجنائية الدولية.
تحاول الكتب التي يضمها هذا العدد، كلٌّ من موقعه، أن ترسم الخريطة الأخرى: خريطة الأرض المقتلَعة، والسلاح الذي يقتل عن بُعد، واللغة التي تمهّد للقتل، والإعلام الذي يسوّقه، والضحايا الذين لا تتسع لهم الأرقام. احتاج العالم قرونًا ليعترف بأن خريطته كانت تكبّر الأقوياء وتصغّر الآخرين. صوّت على تصحيح أحجام القارات في أيلول/سبتمبر، ثم جلس في القاعة نفسها يستمع إلى شخص يرفع جهاز "بيجر" متباهيًا بجريمته. والسؤال الذي تطرحه الخريطة الجديدة لا يتعلق بالمساحات: كم من الوقت سيحتاج العالم ليرى حجمه الحقيقي بمقياس غزة؟
دمتم بخير
رهام عمرو