بين صفحات الكتب: كيف تُروى الإبادة؟
نُسلّط الضوء في "بين صفحات الكتب" على إصدارات حديثة تتناول قضايا المنطقة العربية ومحيطها الجغرافي، إلى جانب أعمال تقترب من تجارب عالمية تتقاطع معها ثقافيًا وأدبيًا. وفي كل عدد، نقدّم قراءات أولية لكتب يجمعها محور أو ثيمة مشتركة، وتفتح نقاشات تمتد إلى السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة والتاريخ.
ماهد جمهور[1]
بعد ثلاث سنوات على بدء الإبادة في غزة، اخترنا لكم ستة كتب حديثة بالعربية والإنجليزية والعبرية، صدرت خلال العامين الماضيين، وتحاول، من مواقع مختلفة، قراءة ما حدث ويحدث في غزة: كيف وصلت الأمور إلى هذه اللحظة؟ وما الذي سبق الإبادة ومهّد لها؟ ومن يتحمل مسؤولية استمرارها؟ وكيف قُدّمت إلى العالم بالكلمات والصور والأخبار؟ وماذا نسمع حين نصغي إلى أصوات من عاشوها؟
تبدأ بعض هذه القراءات من التاريخ والسياسة لفهم الطريق الذي قاد إلى اللحظة الراهنة. يضع جلبير الأشقر الإبادة ضمن تاريخ أطول للقضية الفلسطينية والتحولات السياسية في إسرائيل والمنطقة، متوقفًا عند دور القوى الدولية في الوصول إلى الحرب. ويتناول ديدييه فاسان مسؤولية القوى والمؤسسات الغربية، وما يسميه "التخلّي الأخلاقي"، متتبعًا كيف تحولت المواقف السياسية إلى قبول بتدمير غزة، وما رافق ذلك من مواقف وخطابات تجاه الأصوات المعارضة.
وتنتقل الكتب إلى سؤال السردية: كيف قُدمت الإبادة إلى العالم؟ يحلل آدم هـ. جونسون تغطية الإعلام الأمريكي للحرب، وما تكشفه اللغة والعناوين والمصادر من أنماط في تقديم العنف وتهميش بعض أبعاده. أما آدم راز وآساف بوندي، فيفحصان اللغة العبرية المتداولة في إسرائيل، وكيف أسهمت المصطلحات المستخدمة في الحديث عن الحرب في تطبيع العنف وإعادة تشكيل معناه.
ومن اللغة التي أحاطت بالإبادة، تقترب الكتب من التجربة نفسها، ومن الأصوات التي عاشت تفاصيلها. في "غزة: قصة إبادة جماعية"، تتجاور الشهادات والشعر والفن والتقارير الصحفية لتوثيق حيوات وأسماء وتجارب قد تضيع خلف الأرقام والصور المتكررة. وفي "الإبادة الجماعية: مقاربة نسوية فلسطينية"، تظهر تجارب النساء وما تكشفه عن الرعاية والنزوح والعمل والعنف والذاكرة، وعن الحفاظ على شروط الحياة وسط تدميرها.
تختلف هذه الكتب في لغاتها ومناهجها ومواقع أصحابها، لكنها تلتقي عند محاولة النظر إلى الإبادة من أكثر من جهة: تاريخها وشروطها السياسية، ومسؤولية من يملكون القدرة على التأثير فيها، واللغة التي أحاطت بها، والأصوات التي تحاول روايتها وحفظ أثرها. ومن هذه الزوايا المتقاطعة، نحاول أن نسأل: كيف تُروى الإبادة؟
كارثة غزة: تتويج لمسار استعماري ممتد ومنعطف في التاريخ العالمي

Gilbert Achcar, Gaza Catastrophe: The Genocide in World-Historical Perspective, Oakland, Universit of California Press, 2025.
يقرأ جلبير الأشقر، في كتابه "كارثة غزة: الإبادة الجماعية من منظور تاريخي عالمي"، الحرب على غزة باعتبارها تتويجًا لمسار امتد لعقود، تزامن مع انزياح إسرائيل المطّرد نحو اليمين المتطرف، ويرفض اختزالها في كونها ردًا على هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. كما يرى أنها تمثل أسوأ فصول المحنة الفلسطينية، وتتجاوز، من حيث حجم آثارها، نكبة 1948؛ "فالنكبة مفتاحها التطهير العرقي، أما الكارثة الراهنة فمفتاحها الإبادة". ويضم الكتاب مجموعة من النصوص التي تعود إلى فترات مختلفة، تمتد من عام 1994 إلى 2024، إلى جانب نصوص كُتبت خلال السنة الأولى للحرب، ومقدمة وخاتمة أُنجزت في شباط/فبراير 2025.
وفي تتبعه للسياق الفلسطيني، يبدأ الأشقر من الأصل الاستعماري للمشروع الصهيوني، ومن علاقته بالقوى العظمى، متوقفًا عند التناقض بين إقامة دولة يهودية والادعاء بإمكان الجمع بينها وبين الديمقراطية في أرض كان الفلسطينيون يشكلون غالبية سكانها. ثم يضع حرب غزة ضمن سياق أوسع يتعلق بأزمة النظام الدولي الليبرالي الأطلسي، متتبعًا تحوّلاته وتدخلاته العسكرية وازدواجية معاييره، ويرى في الحرب لحظة تكشف حدود هذا النظام، بالتزامن مع صعود اليمين المتطرف عالميًا وما يصفه بـ"عصر الفاشية الجديدة:.
ويتوقف الكتاب عند الدعم الأمريكي لإسرائيل، رابطًا استمرار هذا الدعم بعوامل أيديولوجية إلى جانب المصالح السياسية، ويناقش دور المسيحية الصهيونية، وتوظيف ذاكرة الهولوكوست ومعاداة السامية في الخطاب السياسي. كما ينتقد مواقف الأنظمة العربية ومسار التطبيع مع إسرائيل، ويضع السابع من أكتوبر ضمن تاريخ أوسع لنضالات الشعوب الواقعة تحت الاستعمار.
تكمن أهمية الكتاب في أنه ينتزع الحرب على غزة من القراءة التي تختزلها في أحداث السابع من أكتوبر، ويعيدها إلى مسار تاريخي وسياسي أطول. وفي الوقت نفسه، يجعل من غزة مدخلًا لقراءة تحولات أوسع في النظام الدولي، وفي علاقة القوى الكبرى بإسرائيل، وفي موقع القضية الفلسطينية ضمن التاريخ العالمي.
الموقف الدولي والمسؤولية الأخلاقية تجاه تدمير غزة

Didier Fassin, Moral Abdication: How the World Failed to Stop the Destruction of Gaza, London, Verso Books, 2025.
يطرح ديدييه فاسان سؤالًا أساسيًا في كتابه "التخلّي الأخلاقي: كيف فشل العالم في وقف تدمير غزة": كيف أمكن لحكومات تعلن التزامها بحقوق الإنسان والقانون الدولي أن تقبل، أو تتغاضى عن، تدمير غزة، وتستمر في دعم إسرائيل، أو تمتنع عن اتخاذ خطوات قادرة على الحد مما يحدث؟ من هذه المفارقة ينطلق مفهوم "التخلّي الأخلاقي" الذي يمنح الكتاب عنوانه. فالمشكلة، في نظره، لا تقتصر على التناقض بين المبادئ المعلنة والممارسة السياسية، وإنما تكمن أيضًا في تعليق هذه المبادئ عندما يصبح تطبيقها على الفلسطينيين مكلفًا سياسيًا.
يميّز فاسان بين الموافقة السلبية على التدمير، من خلال عدم معارضة فعل يمكن محاولة منعه، والموافقة الفعالة التي تظهر في الدعم السياسي أو الدبلوماسي أو العسكري. ومن هنا يقيس المسؤولية بما تفعله الحكومات والمؤسسات، لا بما تعلنه فقط، ويربطها بما تعرفه عن الأفعال الجارية، وما تملكه من قدرة على التأثير، وما تختار فعله بهذه القدرة.
ويتناول كذلك اللغة التي صيغ بها الموقف من الحرب، متوقفًا عند تعبيرات مثل "الأضرار الجانبية" و"الأزمة الإنسانية"، التي قد تحوّل الانتباه من الأفعال التي تنتج التدمير إلى آثاره، ومن المسؤولية السياسية إلى تقديم المساعدات. كما يناقش دعوى جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، وما تكشفه عن الفجوة بين الالتزام المعلن بمنع الجرائم الخطيرة وسلوك الدول حين تملك وسائل للضغط والتأثير.
ويبحث الكتاب في أسباب الموقف الغربي، من التحالفات والمصالح الجيوسياسية والعسكرية إلى الذاكرة الأوروبية للمحرقة والسياسة الداخلية والصور النمطية تجاه العرب والمسلمين. كما يتناول الرواية الرسمية للحرب، وتهميش الأصوات الفلسطينية، والرقابة والتضييق على بعض أشكال التضامن مع فلسطين، وتوظيف تهمة معاداة السامية في مواجهة الدعوات إلى وقف الحرب واحترام القانون الدولي.
في النهاية، يحاول فاسان تحويل مواقف الحكومات الغربية إلى "أرشيف للتخلي الأخلاقي": سجلّ لما فعلته الدول والمؤسسات والنخب، وللكيفية التي استُخدمت بها اللغة والقانون والإعلام لتبرير مواقفها تجاه تدمير غزة أو الحد من الاعتراض عليها. ومن هنا ينتقل السؤال من المسؤولية عن التدمير إلى المسؤولية عن الطريقة التي جرى بها التعامل معه، وما تكشفه عن القيم التي تعلن هذه الجهات الالتزام بها.
تواطؤ الإعلام الأمريكي في صناعة سردية الحرب

Adam H. Johnson, How to Sell a Genocide: The Media’s Complicity in the Destruction of Gaza, London, Pluto Press, 2026.
يفحص آدم جونسون، في كتابه "كيف نُسوّق لإبادة جماعية؟ تواطؤ الإعلام في تدمير غزة"، الطريقة التي أسهم بها الإعلام الأمريكي في تشكيل صورة الحرب على غزة، من خلال تحليل اللغة المستخدمة في وصف الأحداث والضحايا، وما يظهر في التغطية وما يغيب عنها، ومن يُذكر اسمه ومن يُختزل في رقم. ويستند الكتاب إلى تحليل قائم على البيانات لتغطية وسائل إعلام أمريكية كبرى، من بينها The New York Times وCNN وMSNBC، متتبعًا أثر هذه الاختيارات في فهم الجمهور للحرب والمسؤولية عنها.
يبدأ جونسون بتتبع انتشار رواية "الأطفال الأربعين مقطوعي الرؤوس" في الأيام الأولى بعد السابع من أكتوبر، وكيف انتقلت من ادعاءات غير موثقة إلى التغطية الإعلامية وخطاب الرئيس الأمريكي جو بايدن. ويضعها ضمن نمط أوسع من تكرار روايات رسمية إسرائيلية لم تخضع، في رأيه، للتدقيق الكافي. كما يقارن بين طريقة تقديم "الضحايا الإسرائيليين" والقتلى الفلسطينيين، متوقفًا عند ما يسميه "التعاطف الانتقائي"، حيث تحظى حياة طرف بحضور إنساني أكبر، بينما تُختزل حياة الطرف الآخر في أرقام وإحصاءات وتُبرَّر وفاته بالإشارة إلى "الدروع البشرية" أو الضرورات العسكرية.
ويتناول الكتاب كذلك اللغة التي تُستخدم في تغطية جرائم الحرب، معتبرًا أن تقديمها ككارثة طبيعية، من خلال التركيز على آثارها من دون إظهار الفاعل بوضوح، يبعد المسؤولية عن مركز التغطية. كما يناقش تغطية الادعاءات الإسرائيلية ضد مؤسسات مثل الأونروا ومستشفى الشفاء، وتغطية إدارة بايدن والبرامج السياسية الأمريكية، حيث يرى أن النقاش انشغل بإدارة الحرب وعدد الضحايا أكثر من استمرارها والدور الأمريكي فيها.
تكمن أهمية الكتاب في أنه يتتبع أثر التفاصيل الصغيرة المتراكمة في تشكيل صورة الحرب: عنوان، وصياغة، ومصدر، وتفصيل يُحذف، وتعاطف يُمنح لطرف ويحجب عن آخر. ومن خلال التحليل الكمي للتغطية وأمثلتها الصحفية، يحاول جونسون إظهار كيف أسهم الإعلام الأمريكي، في نظره، في جعل تدمير غزة أكثر قابلية للتبرير والقبول لدى الجمهور الأمريكي.
كيف تُسوّغ اللغة الحرب على غزة؟

Assaf Bondy and Adam Raz, הלקסיקון של הברוטליות: מונחים מרכזיים ממלחמת עזה, Haifa, Pardes Publishing, 2025.[2]
ينطلق آساف بوندي وآدم راز في كتابهما "معجم الوحشية: مصطلحات مركزية من حرب غزة" من سؤال عن الطريقة التي يتحدث بها المجتمع الإسرائيلي عن الحرب، وما يحدث حين تصبح مفرداتها مألوفة في الحياة اليومية. اختار المؤلفان شكل المعجم، فجاء في الكتاب أكثر من 200 مدخل بالعبرية، يضم أسماء أشخاص وأماكن ومؤسسات، إلى جانب مصطلحات وعبارات مثل "الأضرار الجانبية" و"لا يوجد غير متورطين في غزة" و"الهجرة الطوعية" و"النصر المطلق" و"تسوية غزة بالأرض".
يرى المؤلفان أن "جبهة اللغة" تمثل ساحة للصراع داخل المجتمع الإسرائيلي؛ إذ يمكن للكلمات أن تبرر العنف، أو تخفف من وقع نتائجه، أو تجعل بعض الأفعال تبدو طبيعية ومقبولة. ويكشف تحليل المصطلحات العسكرية والإنسانية، مثل "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها" و"الجيش الأكثر أخلاقية في العالم" و"قصف استراتيجي" و"الأضرار الجانبية" و"المناطق الإنسانية"، كيف تمنح اللغة التقنية للأفعال العسكرية صياغات قد تحجب آثارها البشرية، فيما تضع تعبيرات مثل "الهجرة الطوعية" و"اليوم التالي" تصورات مسبقة عن سكان غزة ومستقبل القطاع.
ولا يتوقف المعجم عند الخطاب الرسمي والسياسي، وإنما يتتبع حضور هذه اللغة في الثقافة الشعبية، ومن ذلك أغنية "حَرْبو دَرْبو" (חרבו־דרבו)[3]، التي يقرأها المؤلفان ضمن الخطاب العنيف الذي رافق الحرب. ويعتمدان في إعداد المداخل على مواد صحفية وبحثية وحقوقية، من بينها أعمال هآرتس ومنظمات "يش دين" و"كسر الصمت" و"أطباء لحقوق الإنسان"[4]، ثم يعيدان قراءتها من خلال المفردات المستخدمة في الحديث عن الحرب.
حين تستهدف الإبادة شروط الحياة
أميرة سلمي، وهمّت زعبي، ولينة ميعاري، وعرين هوّاري، ورامي سلامة (تحرير)، الإبادة الجماعيّة: مقاربة نسويّة فلسطينيّة، حيفا، مدى الكرمل ومعهد دراسات المرأة في جامعة بيرزيت، 2026.
يقرأ الكتاب الإبادة من داخل حياة النساء اللواتي يواجهنها، من خلال دراسات ومقالات تتناول النزوح والتهجير، والأمومة، والعنف الإنجابي، والكتابة، والذاكرة، والخطابات التي تتحدث عن النساء الفلسطينيات. وتنطلق المقاربة من تجارب النساء لفهم الطريقة التي يطال بها العنف البيت والجسد والعلاقات وشروط الحياة اليومية، من دون اختزالهن في صورة ضحايا صامتات أو بطلات قادرات دائمًا على الاحتمال.
توضح أميرة سلمي في المقدمة أن المقاربة النسوية لا تفصل الفلسطينية عن أرضها وعائلتها ومجتمعها، وإنما تنصت إلى تجاربها اليومية وما تحمله من خوف وفقد ورعاية وعمل، وتربطها بالبنية الاستعمارية التي تشكل حياتها. وتتناول لميس فرّاج وأشرف أبو عرام أوضاع المهجّرات من مخيمات شمال الضفة الغربية، وتظهر دراستهما أن فقدان المنزل لا يعني خسارة مكان السكن وحده؛ فالمخيم شبكة من العلاقات وسبل العمل وتبادل الموارد والتعاون بين الجيران. ومع تدمير البيوت والمشاغل الصغيرة واضطرار العائلات إلى دفع الإيجار، تتزايد أعباء النساء في تأمين الطعام والرعاية. وتكشف المقابلات مبادرات في الإنتاج المنزلي وتبادل المساعدة، إلى جانب القيود التي تحد من قدرة النساء على العمل، مثل شح الموارد واكتظاظ المنازل وبعض القيود الأسرية. فيما تتناول جوانا جبارة الأمومة والأبوة في غزة في ظل القصف والتجويع والنزوح، وتوضح كيف تقلص الحرب قدرة الأهل على حماية أطفالهم وتلبية احتياجاتهم. كما تتناول دراسات أخرى العنف الإنجابي، من تدمير خدمات الرعاية الصحية واستهداف مراكز الإخصاب إلى ظروف الحمل والولادة.
ويناقش الكتاب كذلك اللغة المستخدمة في وصف تجارب النساء الفلسطينيات، وكيف يمكن للخطاب الإنساني أن يفصل العنف عن جذره الاستعماري ويحوّله إلى "مأساة إنسانية" عامة. وفي المقابل، تؤكد المقاربة النسوية الفلسطينية أهمية إعادة النساء إلى سياقهن السياسي والتاريخي، وإنتاج المعرفة انطلاقًا من تجاربهن. وتحتل الكتابة والذاكرة مساحة أخرى في الكتاب؛ فتبحث بسنت الغنيمي في إمكانية تشكل ذاكرة جمعية نسائية في غزة أثناء إبادة لم تنتهِ بعد، من خلال نصوص كاتبات غزيات وتفاصيل الحياة اليومية التي تحفظها كتاباتهن. أما هداية شمعون فتتوقف عند الكتابة من غزة والمنفى، وما تتيحه الكلمات من مقاومة للنسيان، وما تفرضه في الوقت نفسه من مواجهة للفقد والاقتلاع.
تكمن أهمية الكتاب في تعدد أصواته ومقارباته، وفي رفضه تقديم "المرأة الفلسطينية" باعتبارها تجربة واحدة. فهو يجمع بين البحث الميداني والتحليل والكتابة التأملية والشهادة الشخصية، ويضع حياة النساء في قلب قراءة الإبادة، ويكشف كيف تستهدف الإبادة شروط الحياة نفسها، فيما تحافظ الكتابة والشهادة على تعقيد التجارب الإنسانية التي تختفي خلف أرقام الضحايا وصور البطولة.
غزة: بأصوات أهلها وآخرين

Fatima Bhutto and Sonia Faleiro (eds.), Gaza: The Story of a Genocide, London, Verso Books, 2025.
يجمع كتاب "غزة: حكاية إبادة جماعية" شهادات شخصية وتقارير صحفية وقصائد وأعمالًا فنية تروي الإبادة من خلال أصوات متعددة. ولا يكتفي بشرح ما يحدث سياسيًا أو تاريخيًا، وإنما يقترب من أثره في الحياة اليومية: في البيت والطعام والتعليم والعمل والفن والذاكرة. ومن خلال هذه الانتقالات بين التحليل والشهادة، تصبح الأحداث الكبرى مرئية في تفاصيل حياة أشخاص بأسمائهم وتجاربهم وذكرياتهم.
تضع مشاركات يارا هواري وطارق بقعوني ومريم البرغوثي الحرب في إطار تاريخ أطول من الاستعمار الاستيطاني والمقاومة والعنف في فلسطين. وتتناول البرغوثي، على وجه الخصوص، عنف المستوطنين في الضفة الغربية، فيما يقدم بقوني تاريخًا للمقاومة الفلسطينية. ويطرح مصعب أبو توهة، في المقدمة، سؤالًا عن جدوى الكتابة في مواجهة العنف المستمر: كم قصة وقصيدة نحتاج إليها حتى يُفهم ما يحدث؟ يظل السؤال حاضرًا خلف بقية النصوص، التي تجعل من الكتابة وسيلة لحفظ التجربة وتثبيت أسماء أصحابها وذاكرتهم.
في نصها عن البحث عن الطعام في غزة، تنقل نور اليعقوبي تجربة الجوع من مستوى الأرقام إلى تفاصيل الحياة اليومية: البحث عن الطعام، الانتظار، وتقسيم ما يتوفر بين أفراد الأسرة. وتوسّع نينا لخاني هذا المشهد من خلال تتبع أثر تدمير الأراضي الزراعية ومصادر الغذاء، لتربط بين الجوع وتدمير البيئة ومقومات الحياة.
ويمتد الكتاب إلى التعليم والطب والفن. تكتب إيمان بشير عن التعليم في غزة، وعن طالباتها وما يعنيه استمرار التعليم في ظل الحرب. وفي "من المهد إلى اللحد"، تروي الطبيبة تانيا حاج حسن تجربتها مع الأطفال المصابين والمرضى في نظام صحي يواجه ظروفًا تفوق قدرته على الاستيعاب. أما الفنان شريف سرحان فيكتب عن "شبابيك"، المساحة التي وفرت لفناني غزة مكانًا للعمل والعرض واللقاء. تذكّر هذه النصوص بأن ما تعرض للتدمير لم يكن مباني وبنى تحتية فقط؛ كانت هناك أيضًا مؤسسات وأماكن للتعلم والعلاج والإبداع.
وتستعيد ليلى العريان قصة هند رجب ضمن مادة تستند إلى تسجيلات برنامجَي The Night Won’t End وStarving Gaza. تمنح القصة للاسم الذي عرفه العالم بعد مقتل هند سياقه الإنساني والعائلي، من خلال تفاصيل رحلتها مع أسرتها واتصالاتها الأخيرة وطلبها النجدة. وفي شهادة أخرى، يروي مصعب أبو توهة اعتقاله خلال محاولته عبور غزة إلى مصر، مقدمًا تجربة النزوح والاعتقال من موقع الشخص الذي يعيشها، لا باعتبارها مجرد انتقال جغرافي بين مكانين.
ويمنح الكتاب مساحة للفن والشعر والكتابة باعتبارها طرقًا أخرى لتسجيل ما يحدث. يضم قصيدة لهبة أبو ندى، التي قُتلت في غارة إسرائيلية على منزلها في خان يونس في تشرين الأول/أكتوبر 2023، كما يضم رسومًا لمونا شلبي وجو ساكو. وتبحث هدى فخر الدين في القتل المتعمد للكتّاب والصحفيين ورواة القصص وناقلي الحقيقة، وفي ما يعنيه استهداف من يحاولون نقل التجربة وتوثيقها.
ولا يقتصر الكتاب على غزة وحدها؛ إذ يمتد أحد فصوله إلى جنوب لبنان، فيما تتناول فصول أخرى السجون الإسرائيلية، وحركة المقاطعة، والاحتجاجات الطلابية في الجامعات الأمريكية. ويمنح هذا التنوع الكتاب مساحة أوسع لقراءة الحرب ضمن شبكة من التجارب الفلسطينية والعربية، من دون أن يفقد مركزه الأساسي: حياة الفلسطينيين وما أصابها من تدمير.
تكمن قوة المجموعة في أنها لا تجعل هذه الأصوات متطابقة؛ فالشهادة الشخصية تختلف عن التحقيق والتحليل والقصيدة، ولكل شكل منها طريقته في الاقتراب من التجربة. وفي مجموعها، ترفض هذه النصوص اختزال الفلسطينيين في أعداد القتلى أو صور الضحايا، كما لا تطلب منهم الظهور في صورة أبطال لا يتعبون. إنها تترك مساحة للجوع والخوف والفقد والحب والعمل والفن والذاكرة، وتمنح الشهادة قيمتها كمعرفة تحفظ تفاصيل الحياة في لحظة تسعى فيها الحرب إلى محوها.