عالم من الرِّمال، عالم من هوس الخطوط الحمر
يسعى كتاب ديفيد أندلمان "خط أحمر في الرمال: الدبلوماسية والاستراتيجيا والحروب المحتملة" إلى تشريح منطق ظاهرة الخطوط الحمراء، وبيان كيفية إسهامها في تشكيل الجغرافيا السياسية الحديثة، وتتبع استخداماتها في الماضي والحاضر، واستجلاء أسباب نجاحها وإخفاقها. فالدول والجماعات ترسم هذه الخطوط أداةً لتحقيق مطامحها، ثم تعجز، غير مرة، عن صونها أو حسن توظيفها، فيتحول الردع إلى ارتباك في خرائط السياسة ولغاتها.
فما الذي تكشفه قراءة الحكم الخَوْلاني[1] للكتاب عن المفارقة بين رسم الخطوط الحمراء والقدرة على فرضها، وعن دور هذه المفارقة في اندلاع الصراعات أو احتوائها؟
كأن المآل حاضر في كلِّ بدء، لولا أنّ عالمنا يفيض بانطباعات متناقضة؛ تارةً يوحي أنّنا أسياده ويسهل علينا تخيّله، وفي أخرى يوحي أنّنا عاجزون عن ذلك. والمشهد من حيث التباساته أشبه بلوحة كاسبر ديڤيد فريدريك "طوّاف فوق بحرٍ من الضباب"؛ لا نرى وجه الشاب الواقف أعلى الهضبة مطلقًا بصره في الأُفق وامتدادات الأرض، ويستحيل علينا أن نعرف أيّ الاحتمالات تحقّق فيه: أيفزعه ما يرى، أم يستولي عليه الجذل، أم يجمع بين الشعورين؟ إنه مشهد تاريخي ضبابي الجهتين: من جهة يَتسيَّدُ على المشهد، ومن أخرى ليس إلّا ضئيلًا أمامه.
ومثل هذا الانطباع تلقاه عند قراءتك كتاب ديفيد أندلمان[2] "خط أحمر في الرمال: الدبلوماسية والاستراتيجيا والحروب المحتملة"[3]؛ إذ العالم المعاصر يفيض بخطوط حمر أكثر من سالف أوقاته: حدود جغرافية، ومجالات نفوذ، ومحرمات عسكرية، وممنوعات دبلوماسية، واشتراطات وجودية؛ وهي ليست بذاك الرسوخ، مع دلالةِ كثيرها على هشاشتها. فالخط الأحمر عند أندلمان يتجاوز رسمه على الخارطة إلى ماهية وعده بالقوة إن اعتدي عليه، وهو امتحان صِدقيّة الدولة.
ومن هنا تتجلى الأهمية الفكرية للكتاب؛ إذ يردّ كثيرًا من الحروب والأزمات إلى ما هو أبعد من الشرّ، أو تفاهته كما عند حنّة آرنت، إلى سوء تعريف الخطوط الحمر، مع إفراط في رسمها وتوسعتها، ثم التردّد في الدفاع عنها، أو الجهل بعواقبها عند تجاوزها كما يُرى ونعتاشه غالبًا. وهذا بعينه يوسع نظرية الفوضى والتعقيد في قضية الاستشراف التاريخي، ومأزق الخطوط الحمر بانتمائها إلى خيال هندسي يتوهم أن العالم يرسم استقامًا، وأن القوى الكبرى أقدر على التحديد بدقة أين يبدأ الردع وأين ينتهي؛ بينما التاريخ كما توحي بذلك نظريات التعقيد والفوضى، لا يتحرك تبعًا لهذه الطمأنينة الرياضية. إذ تكفي حادثة صغيرة كانفعال قائد مثلًا، حتى تنفرط سلاسل كاملة من التوازنات، وتتحول الحدود التي يُفترض أن تردع الحرب إلى عوامل تُفضي إلى اندلاعها.
من ميونيخ إلى الجوار الروسي القريب
من هنا، وبينما ينتقل أندلمان في كتابه من الخاص إلى العام في تسعة فصول، على مذهب الرحالة الصحافيين، في بؤر توترات وصراع، من ميونيخ وما قبل الحرب العالمية الثانية، إلى الحرب الكورية، فسوريا، وبحر الصين الجنوبي، وشبه الجزيرة الكورية، وإيران، وأفريقيا، وامتدادات النفوذ الروسي في "الجوار القريب". يغزل صورة لعالم بئست ملامحه ودلالاته، تتكاثر فيه الخطوط الخطرة مع انهيار النظام الدولي القائم. والجامع بين أمثلته المسرودة أن المؤلف يعتبرها حلقات في سلسلة واحدة، هي سلسلة اختبار الإرادة السياسية، وكلفة التهديد والرد. وليس أندلمان غريبًا عن هذا المضمار؛ فهو الصحافي المخضرم الذي كتب لـ"سي إن إن"، وعمل مراسلًا لـ"نيويورك تايمز" و"سي بي إس نيوز"، وطاف أكثر من ثمانين بلدًا عبر عقود من التغطية الدولية. هذه الخبرة الميدانية طبعت الكتاب بطابع مزدوج؛ فهو من جهة عمل تاريخي تحليلي، ومن جهة أخرى شهادة مراقب خبر خرائط القوة ومواضع اختلالها.
يرى أندلمان أن الخط الأحمر "مفهوم متجذر في عمق تاريخ البشرية، يعود إلى العصور التوراتية. ومنذ ذلك الحين، رُسم الخط في الرمال الذي يُضرب به المثل بازدياد، وغالبًا ما كانت النتائج كارثية في كلّ قارة".[4] قد يكون الخط جغرافيًا، دبلوماسيًا، سياسيًا أو عسكريًا، فكرة أو موقفًا سياسيًا، أو حتى اتفاقًا تجاريًا. وترجع رسومه إلى المناورة السياسية والدبلوماسية التي فرضتها الهيمنة العسكرية غالبًا، على مقتضى تصوّر تجريدي للفضاء، أو نزوة تتوسّل التبسيط القسري لعالم متشعّب.
وهذا ما يفسّر به أندلمان حالة الاضطراب الدائمة في كثير من الأقاليم؛ فحيثما رأيت أزمة، أو مواجهة عسكرية، أو قتلى بسبب الحرب، فهناك خط أحمر: في آسيا، من كوريا الشمالية وبحر الصين الجنوبي، يعبر باكستان وكشمير، وجبال هندوكوش حيث انتهت الإمبراطورية البريطانية عند "خط دوراند"؛ وفي أنحاء الشرق الأوسط كافة، حيث مات عشرون مليونًا أو شُرّدوا من ديارهم، من العراق وسوريا جنوبًا إلى اليمن، وغربًا خلال المغرب العربي، وأُجبر بعضهم على القيام برحلات لا نهاية لها، بينما أُبقيت الخطوط خلفهم موضع نزاع؛ ثم عبر دول البلطيق، والقوقاز وشبه جزيرة القرم؛ ولأفريقيا أيضًا حظها الخاص من الخطوط في الرمال، من جيبوتي إلى الكونغو والصومال، والقوس العريض في أواسط أفريقيا، وما هبت رمال على آثار الحضارة في الصحاري الشاسعة لتشاد والنيجر ومالي. وكل هذا من صنيعة الولايات المتحدة الأمريكية التي وصلت بين هذه الخطوط بشكل معقد، وبدورها الذي يصفه أندلمان بالخبيث وغير المفاجئ.[5]
فنُّ المشي على الحدود
لعل أخطر ما في الخرائط السياسية أنها تقنع أصحابها بصلابة ما ليس بصلب؛ فالإمبراطوريات، منذ القدم، تتفكك حين تتعامل مع الحدود كحقائق نهائية. ولهذا كانت المدن الكبرى، في الأدب كما في التاريخ، تميل إلى هلاك من نوع خاص: هلاك الثقة الزائدة، كما في رواية "القلعة" لفرانز كافكا، إذ تتحول السلطة إلى متاهة لا يعرف أحد مركزها الحقيقي، لكن الجميع يواصل التطواف بها يقينًا مقضيًا. وفي السياسة الدولية أيضًا، كثيرًا ما تُسن الحروب على هذا النحو؛ أنظمة لا تفهم العالم إلا بخرائطها الخاصة، ثم تفاجأ بأن الواقع قد لا يعترف بهذه الخرائط أصلًا، إلا تيهًا في رمال متحركة لا قرار لها.
وعلى أن أندلمان فكك في تسعة فصول نماذج منطق الخط الأحمر، ودوره في صناعة التاريخ ورد الكارثة أو تعجيلها، كان الفصل المعني بالصين وبحرها الجنوبي أكثر فصول الكتاب راهنية، بالنظر إلى مركز الصين في موازين القوى اليوم. وتجَلّت براعة أندلمان هنا في الانتقال من الخطوط المرسومة بالحروب الكبرى القديمة إلى الخطوط التي تُفرض اليوم بالتدرج، وبالتآكل البطيء للمعايير الدولية.
يصور أندلمان الصين باعتبارها قوة تقفز فوق الخطوط، ودولة أتقنت فن "حراسة" الخطوط الحمر وصناعتها في آن واحد. إذ الشعب الصيني ليس جديدًا "على الخطوط الحمر أو النزاعات الحدودية الشديدة. في الواقع، وبصورة أو بأخرى، كانت النزاعات جزءًا لا يتجزأ من تاريخهم منذ القرن الثالث قبل الميلاد، عندما وضعت اللبنات الأولى من سور الصين العظيم"[6]. وقد كانت الأنشطة الصينية من أمهر أمثلة المشي الحذر على الحدود الدقيقة بين الحرب والسلام، وهذه تربأ بنفسها عن الملاحظة العابرة إلى رؤية ما يحكم العالم من الصدامات المباشرة والمساحات الرمادية التي تُختبر فيها القدرة على الإنفاذ.
وفي هذا الفصل بالذات تظهر قيمة الكتاب في زماننا؛ إذ تبدو قضايا الشّعاب، والممرات، والدوريات البحرية، وبناء القواعد، شيئًا هينًا إذا قيست بالحروب الشاملة، غير أن أندلمان يبين أن هذا "الهين" هو عين ما يصنع موازين الغد؛ فالسيادة الحديثة تُختبر في قدرة الدولة على تثبيت معنى وجودها في الخرائط المائعة. ومن هنا يُجلّي السؤال الذي يطرحه عن مدى قابلية إحقاق هذه الخطوط الحمر مستقبلًا، سؤالًا يتجاوز الصين ذاتها إلى مجمل النظام الدولي: من يملك حق تعريف الخط وحمايته وتوسيعه واختباره؟[7]
إيران: المعمل الأصفى للخطوط الحمر
ومن بين الفصول التي تكتسب أهمية خاصة، إلى جانب فصلي الصين وروسيا بوصفهما بؤرتين للتوترات العالمية، يبرز فصل إيران، لما يتقاطع في سعة مع شؤون المناطق المجاورة. تكاد إيران تكون المعمل الأصفى الذي تتكاثف فيه معاني الخط الأحمر جميعًا، عسكريًا، ونوويًا، ومذهبيًا، وإقليميًا، وملاحيًا. فإذا كانت الصين قد أتقنت فن التسلل البطيء إلى الخطوط وتوسيعها في الفضاءات الرمادية، فإن إيران تبدو عند أندلمان موضعًا آخر، أشد صراحة وأقسى كثافة؛ إذ بالخط الأحمر تصير شبكة من المحظورات المتداخلة، لكل طرف فيها تعريفه الخاص للعتبة التي لا يجوز تجاوزها. فيقرأ الملف الإيراني بمنظار أوسع من التقنية النووية والخصومة الأمريكية الإيرانية في صورتها المباشرة، فيراها اختبارًا دائمًا لسيكولوجيا الردع: متى يكون التهديد أداة لكف الحرب، ومتى يغدو، على النقيض، دعوة إليها؟[8]
حين يعبر الفيروس كل الحدود
أتت الخاتمة، حيث يبدو العالم وقد دخل مرحلة جديدة من الاضطرابات، مثقلة بسؤال قدرة النظام الدولي كله على الاستمرار بمعاييره القديمة. ومن هنا يلتفت أندلمان إلى أثر الجائحة في الجغرافيا السياسية من جهة كشفها هشاشة الخطوط التي ظنت الدول أنها مَنّاعة لكل اختراق؛ فإذا كان الفيروس يعبر كل الخطوط الحمر، فقد ضاعف منطق الكتاب بما أظهره من شأن عالم يبالغ في تقديس حدوده الرمزية، مع ما يواجهه من عجز عن مواجهة الخطر الذي لا يعترف بهذه الحدود أصلًا. وفي هذا المعنى تتخذ الخاتمة طابعًا وجعيًا لعالمنا، صدّرها أندلمان بلباب كل الحكايات التحذيرية: "قبل أي شيء، احذر من القادة الذين لم يتعلموا أيًا من دروس الماضي، ويسعون بدلًا من ذلك إلى شق طريقهم الخاص نحو مستقبل مظلم"[9].
ثم بعد جولة بين ساحات الردع الطويلة، دعا إلى التفكير في جدوى الخطوط الحمر نفسها، مشيرًا إلى أنه "في حين أننا ما زلنا نثبت، حتى الآن، أننا نوع آخر يندفع بتهور نحو تدمير نفسه، فقد نكون أيضًا النوع الوحيد الذي يتمتع بالذكاء الكافي من أجل هندسة بقائنا، إذا استطعنا الخروج على النهج الذي نسلكه"[10].
سعة الكتاب مزيَّتُه ومأخذه
كانت السعة التي هي من أعظم مزايا الكتاب، هي أيضًا بعض موضع المأخذ عليه. فأندلمان، وهو يطوف على هذا العدد الكبير من البؤر، يربح من جهة اتساع الأفق وتشابك الصورة، لكنه يخسر أحيانًا شيئًا من الصرامة المفهومية تحت غواية التعميم والتباس انتظام الصورة. والخط الأحمر عنده يتسع تارة حتى يشمل الحدود المادية والمصالح الحيوية، وتارة الأعراف الدولية، من غير تعريف واحد محكم يقيم الحجة على القارئ من أول الطريق. وعلى أن الكتاب ازداد طموحه التفسيري، وهذا بالضرورة يعني ازدياد الحاجة إلى عدة نظرية وآلات أكثر ضبطًا، يبدو للقارئ أن تعقيد العالم واشتحانه بالحدود المتوترة ولغات التهديد المتلونة في خارطة كلها رمال، يشفع لأندلمان رؤيته الواسعة للخط الأحمر، وكثافة اشتغاله في الواقع.
ويبدو أنّ العالم السياسي، بابتكاره كل هذا القلق والحسرات، ليس إلا تنظيمًا للغطرسة والنزوات، تُقفل فيه الأمم إلى إعادة مشهديات ملاحمها القديمة بأدوات أحدث فتكًا، مع إسراف في الثقة، ثم عمى في حدود القدرة. أما خطوطه الحمر التي ابتكرها، فتشبه لعنة كساندرا[11]؛ الجميع يسمع النذر، الجميع يراها، لكن تصديقها لا يأتي إلا متأخرًا، ككل مصائب الدهر.
حكم الخَوْلاني، كاتب وباحث يمني يشتغل على تقاطعات السياسة والفلسفة واللغة في المجال العربي المعاصر.