"الاقتلاع" لإيال وايزمان: كيف تُهندَس الإبادة في غزة؟
في كتابه "الاقتلاع: هندسة الإبادة الجماعية"، يتتبع إيال وايزمان مسار التدمير الاستعماري في فلسطين، من النكبة عام 1948 إلى الإبادة الإسرائيلية في غزة. وبالاستناد إلى الخرائط والصور الجوية والشهادات الفلسطينية، يكشف كيف يُستخدم تدمير المكان ومحو معالمه لاقتلاع السكان وقطع صلتهم بأرضهم وذاكرتهم. كما يوظّف أدوات العمارة الجنائية لإعادة بناء الأمكنة المدمرة وتوثيق الجرائم.
فكيف يناقش محمد نبيل[1] أطروحة وايزمان، وما الذي تكشفه مقاربته عن حدود توثيق الإبادة من خلال المكان وآثارها المادية؟
تفرض الإبادة التي شهدتها غزة علينا إعادة التفكير في المفاهيم والأُطُر التحليلية التي اعتدنا من خلالها فهم العنف الصهيوني؛ فحجم الكارثة التي حلّت بالقطاع وسكّانه يتجاوز قدرة المفاهيم المألوفة على الإحاطة بها. ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد توسيع قاموسنا لوصف ما حدث، وإنما بإعادة النظر في الإبادة نفسها على أنها سيرورةً تاريخيةً متجذّرة في صُلب الأيديولوجيا الصهيونية، وليست حدثًا استثنائيًا أو انحرافًا عابرًا عن مسارها. ومِن هذه الزاوية، تبرز الحاجة إلى مقاربة تتجاوز التركيز على القتل المباشر، لتفحص كذلك الكيفية التي يُعاد بها تشكيل المكان وتدمير شروط الحياة فيه.
في كتابه الصادر حديثًا، "الاقتلاع: هندسة الإبادة الجماعية"،[2] يقدّم المعماري والمنظّر الجغرافي إيال وايزمان إطارًا تحليليًا لفهم هذا النمط من التدمير، بوصفه عملية محوٍ منظّمة تتجاوز استهداف البشر إلى استهداف المكان ذاته، الحاضن للوجود الفلسطيني. ومن خلال الخرائط وصور الأقمار الصناعية، يتتبع وايزمان كيفية هندسة الإبادة في غزة عبر التدمير الممنهج لتراكمها العمراني وبنيتها المادية التي تقوم عليها الحياة، بما يحوّلها تدريجيًا إلى فضاء غير صالح للسكن، ويمهّد لاقتلاع ما تبقّى من سكانها وتهجيرهم.
يرى وايزمان أن الصراع في فلسطين، شأنه شأن صراعات كولونيالية أخرى، يتسم بالديمومة ولا يسير في مسار زمني متقطع؛ إذ تتلاشى الحدود الفاصلة بين الحرب والسلام، ويندمجان في مسار زمني ممتد تتصل فيه لحظات الصراع بعضها ببعض.[3] وينطلق الكتاب من المفاهيم التي طوّرها وايزمان في مؤلفاته السابقة حول جوفائية الأرض في السياق الاستعماري، ويمضي بهذه الفكرة خطوة أبعد، إذ يربط بين طبقات التربة وطبقات الاستعمار، حتى يغدو باطن الأرض سجلًا لتاريخ المكان، فيما تصبح طبقاته الاستعمارية سجلًا لتاريخ السيطرة عليه. وليس من المصادفة أن يستلهم وايزمان عناوين فصول كتابه من طبقات التربة؛ فعلى غرار علم الطبقات الجيولوجية، الذي يستقرئ تاريخ الأرض من تراصف طبقاتها وتراكمها، يستقرئ تاريخ الاستعمار في غزة من طبقاته المتراكبة؛ طبقة تفضي إلى أخرى، فيما تظل آثار الطبقات السابقة كامنة في الطبقات اللاحقة.
ويشكّل مفهوم "الاقتلاع" محور أطروحة الكتاب، ويقدّمه وايزمان إطارًا نظريًا لفهم ما تتعرض له غزة من تدمير ممنهج يستهدف البشر والمكان وشروط الحياة فيه. وينطلق من هذا الإطار للتمييز بين الدمار الذي تخلّفه الحروب كأثر جانبي للعمليات العسكرية، والاقتلاع الذي يجعل من التدمير غاية للحرب ذاتها. ففي الحالة الأولى، يعود السكان إلى مدنهم وقراهم بمجرد انتهاء القتال، ليشرعوا في ترميمها وإعادة بنائها. أما في الحالة الثانية، فإن منطق الاقتلاع يقوم على تحويل الأماكن المأهولة إلى صحارى من الأنقاض وتلال من الركام، تُمحى معالمها وتُدمّر بنيتها الأساسية اللازمة للحياة، حتى يغدو التعرّف إلى المكان أو العودة للسكن فيه أمرًا بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلًا. [4]ولا تتوقف عملية الاقتلاع عند فعل التدمير ذاته، وإنما تتسم بديمومة تجعلها عملية متواصلة، تتفاوت حدتها من مرحلة إلى أخرى دون أن تنقطع، وتهدف إلى إعادة تشكيل المكان على نحو يحول دون استعادة وظيفته أو ذاكرته أو هويته السابقة.
ماهية الاستعمار الاستيطاني في فلسطين
اكتسبت المعرفة بالمكان الفلسطيني أهمية مركزية لدى قادة الحركة الصهيونية، إذ نظروا إلى السيطرة على الأرض بوصفها شرطًا أساسيًا لتحقيق مشروعهم الاستيطاني؛ لذا أولوا اهتمامًا واسعًا بدراسة طبوغرافيا فلسطين وجغرافيتها الطبيعية، معتمدين على ما دوّنه الرحالة والمستشرقون من أوصاف وخرائط وصور خلال رحلاتهم في البلاد، وما أنتجته الإدارة البريطانية من دراسات ووثائق في هذا الشأن. ويربط ساري حنفي بين الاهتمام الإسرائيلي بالتقسيم المكاني والاجتماعي للفلسطينيين، وبين مفهوم "التطهير المكاني"، الذي يعدّه التوصيف الأمثل للمشروع الصهيوني منذ عام1948؛ والذي لم يقتصر على تهجير الفلسطينيين، فقد استهدف محو المجال المكاني الذي يعيشون فيه وإعادة تشكيله بما يخدم المشروع الاستيطاني. ولتحقيق ذلك، طوّرت إسرائيل استراتيجية متكاملة للتطهير المكاني، عبّأت لها مؤسسات الدولة كافة، وسخّرت أدواتها العسكرية والقانونية والتخطيطية، وجنّدت العسكريين والمستوطنين ومخططي المدن والمهندسين لتنفيذها، بما جعل التطهير المكاني سياسةً بنيويةً مستمرة تتجاوز حدود النكبة وتعيد إنتاج نفسها بأدوات وتكتيكات مختلفة عبر السياق التاريخي الاستعماري.[5]
احتاجت عملية نفي الوجود الفلسطيني في فلسطين التاريخية إلى اختراع جغرافيا متخيّلة تخدم الرؤية الصهيونية وتكرّس الواقع الاستيطاني الجديد؛ لذا أُعيدت تسمية المعالم الجغرافية الفلسطينية بأسماء عبرية، فتحوّل وادي الشريعة إلى "ناحال جرار"، وأُطلق اسم "ناحال هبسور" على وادي السبع ومصب وادي غزة. كما وُسمت القرى الفلسطينية على الخرائط بأختام تحمل كلمة "مهجورة"، في إطار عملية إعادة ترميز المكان ومحو دلالاته الفلسطينية وإحلال هوية مكانية جديدة محلها. ولم تقتصر هذه العملية على تغيير الأسماء، فقد شملت أيضًا إعادة ترسيم الحدود وتخطيط الحيّز المكاني بما يتوافق مع السردية الاستيطانية.[6] ويُطلق الباحث مجد أبو عامر على هذه العملية اسم "أَصْلَنَة المُستعمِر"، أي إضفاء صفة الأصالة والتجذّر التاريخي على الوجود الاستيطاني من خلال تثبيت ادعاءاته التاريخية وترميزها في الجغرافيا والخرائط وأسماء الأمكنة، بما يجعل المستعمِر يبدو أكثر أصالةً وتجذّرًا من الشعب الأصلي.[7]
وتمثّل قرية معين أبو ستة نموذجًا لما تعرّضت له مئات القرى الفلسطينية التي أُحرقت ودُمّرت وهُجّر سكانها خلال النكبة، تنفيذًا للرؤية الاستعمارية الصهيونية التي تمحورت حول نفي الوجود الفلسطيني كشرط أساسي لتأسيس إسرائيل. غير أن الأمر، كما يوضح وايزمان، لم يتوقف عند التدمير والتهجير؛ إذ ظل قادة المشروع الصهيوني منشغلين بهاجس عودة الفلسطينيين إلى قراهم وأراضيهم، وهو ما جعل إزالة آثار تلك القرى ومعالمها جزءًا جوهريًا من عملية الاقتلاع. ومن خلال إقامة المستوطنات والكيبوتسات على أراضي القرى المدمرة وأنقاضها، هدفت الحركة الصهيونية إلى إعادة تشكيل الحيّز المكاني والديموغرافي بما يرسّخ الواقع الاستيطاني الجديد، ويحول دون استعادة الفلسطينيين علاقتهم بالمكان. ولتحقيق ذلك، وظّفت جملة من الوسائل، من بينها تسوية الأراضي وتشجيرها وإعادة تنظيمها وفق أنماط زراعية جديدة. ويشير الكتاب إلى أن قادة المشروع الصهيوني شرعوا، عقب اتفاقية الهدنة عام 1949، في إنشاء مستوطنات زراعية بمحاذاة المواقع العسكرية وخطوط وقف إطلاق النار مع مصر، قبل أن يمتد النشاط الزراعي الاستيطاني إلى نحو مئتي كيلومتر مربع داخل المنطقة العازلة.[8]
ويحاول وايزمان، في الجزء الأول من الكتاب، عكس عملية الاقتلاع عبر استعادة معالم قرية معين الواقعة في قضاء بئر السبع، والتي ينحدر منها الباحث والأكاديمي الفلسطيني سلمان أبو ستة. معتمدًا على الصور الفوتوغرافية والخرائط، فضلاً عن الروايات الشفوية والذكريات التي قدّمها أبو ستة؛ يسعى وايزمان من خلال جمع هذه الشذرات المتفرقة وربطها في صورة متماسكة، إلى إعادة بناء المشهد المكاني للقرية واستعادة معالمها كما كانت قبل النكبة، بما يتيح إعادة إحياء حضورها في الذاكرة بعد أن مُحي وجودها المادي إلى حدٍّ بعيد، وتحولت أرضها إلى فضاء استيطاني أُقيمت عليه مستوطنتا نيريم ونير عوز. وبذلك تتحول إعادة بناء قرية معين إلى تطبيق عملي لفكرة "عكس الاقتلاع"؛ إذ لا تستهدف استعادة المكان بوصفه أثرًا ماديًا فحسب، وإنما تسعى أيضًا إلى استعادة صلته بسكانه وتاريخه وذاكرته، في مواجهة المشروع الاستيطاني الذي سعى إلى اقتلاعها جميعًا.

مستوطنة نيريم عام 1946. صورة للكيبوتس بعد تأسيسه بوقت قصير، في موقع "دانغور"، قبل انتقاله عام 1949 إلى أنقاض قرية معين أبو ستة الفلسطينية المهجّرة.
المصدر: Ungrounding: The Architecture of Genocide
الاقتلاع ممارسةً يومية
تستند فكرة الاقتلاع باعتباره هدفًا للاستعمار الاستيطاني إلى عاملين متضافرين: الأول إزالة أي وجود مادي للشعب الأصلي وتجريفه، والثاني إحلال بنى مادية جديدة تعبّر عن الواقع المستجد. ولكي تكتمل هذه الجدلية، شرعت القيادة الصهيونية، عقب النكبة، في إعادة تنظيم الحيّز المكاني للأراضي التي سيطرت عليها. ويشير الكتاب إلى المكانة التي احتلتها الزراعة في فكر قادتها؛ فقد تجاوزت أهميتها كونها نشاطًا اقتصاديًا فحسب، إذ اعتُبرت وسيلة للسيطرة على الأرض وأداة لإعادة تعريف حدودها وهويتها، بما في ذلك إعادة تسمية معالمها بأسماء عبرية. وقد لخّص المستوطنون هذا المنطق في الشعار الذي رفعوه إبان النكبة: "تقف الحدود عند آخر غرس نغرسه".[9] ومن خلال التوسع المستمر في استصلاح الأراضي وزراعتها، مُحيت آثار القرى الفلسطينية المدمرة، بعدما مرّت المحاريث فوق بقايا المنازل والطرق والحقول، طامسةً الشواهد المادية على الوجود الفلسطيني. ويرى وايزمان أن هذا المنطق لا يزال حاضرًا في الممارسات الاستيطانية المعاصرة؛ إذ تواصل الكيبوتسات والمزارع الاستيطانية التوسع باستخدام الجرافات والآليات الزراعية الحديثة، بما يؤدي إلى إزالة معالم المكان الفلسطيني وإحلال فضاءات زراعية واسعة ومؤتمتة محلها. وهكذا تغدو الزراعة أداة لإعادة تشكيل المشهد المكاني بما يخدم المشروع الاستيطاني، في امتداد لعملية بدأت قبل النكبة وما تزال مستمرة حتى اليوم.
ظلّ المخططون الصهاينة ينظرون إلى السكان الفلسطينيين الذين بقوا داخل حدود الدولة الجديدة بعد النكبة بوصفهم معضلة ديموغرافية وأمنية، وظلت مسألة إدارتهم وإخضاعهم إحدى القضايا المركزية في التخطيط الاستيطاني. وفي حالة غزة تحديدًا، انصبّ اهتمامهم على تطويق القطاع بشبكة من الكيبوتسات والمستوطنات الزراعية التي أُنشئت على امتداد حدوده. ورغم أن الكيبوتس قُدّم رسميًا باعتباره إطارًا تعاونيًا للإنتاج الزراعي والحياة الجماعية، فإنه كان أقرب إلى الحاميات العسكرية القروسطية؛ إذ أدّى في المناطق الحدودية وظيفة أمنية واستيطانية في المقام الأول. وأدت هذه الكيبوتسات دورًا مزدوجًا؛ فمن جهة، أسهمت في تنمية النشاط الاقتصادي واستيعاب المهاجرين اليهود، ومن جهة أخرى، شكّلت حلقات متصلة في منظومة هدفت إلى عزل غزة واحتوائها، وتحويل الحدود المحيطة بها إلى مجال خاضع للرقابة والسيطرة الاستيطانية. وقد صُممت تلك المستوطنات، التي سُمّيت "القنافذ"، لتعمل جيوبًا استيطانية مكتفية بذاتها ونقاطًا عسكرية وأمنية متقدمة. ويكشف تخطيطها الهندسي عن هذه الوظائف؛ إذ ينبغي ألا تزيد المسافة بين السياج الخارجي وآخر مبنى في المستوطنة على 120 مترًا، وتُقام أعمدة الإنارة على امتداد السياج الداخلي بفواصل محددة، فيما يُخصَّص ممر بين السياجين لدوريات الحراسة، وتنتشر فيه كلاب الحراسة. ويتولى ضابط أمن تنسيق أعمال المراقبة والحراسة والدوريات والكمائن وزراعة الألغام. كما جُهّز المستوطنون بأسلحة خفيفة وقاذفات هاون، وتلقّوا تدريبات عسكرية على استخدامها. أما المساحات الواقعة بين المستوطنات وخطوط التحصين والخنادق، فكان ينبغي استغلالها في زراعة المحاصيل الحقلية.[10]
ويميز الكتاب بين نمطين من المستوطنات الزراعية: الكيبوتس والموشاف. وإلى جانب اختلافهما في أنماط الملكية وإدارة الإنتاج، اختلفا أيضًا في وظيفتيهما الاستيطانية والاجتماعية. فقد كان الكيبوتس أقرب إلى حصن يسعى إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من خلال الإنتاج الجماعي المنظّم؛ ولذلك ارتبط باستيعاب المهاجرين اليهود القادمين من أوروبا الشرقية، الذين عُدّوا أكثر قدرة على إدارة هذا النموذج المعقد. أما الموشاف، فكان أقرب إلى قرية أو بلدة زراعية محصنة تقوم على الملكية الأسرية، واستُخدم أساسًا لاستيعاب اليهود القادمين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع التركيز على إنشائه في المناطق الحدودية والطرفية. وهكذا عكس التمييز بين الكيبوتس والموشاف تقسيمًا وظيفيًا واجتماعيًا داخل المشروع الاستيطاني نفسه، جمع بين اعتبارات الاستيطان والأمن وإدارة الهجرة.[11]
تفكيك المجال الفلسطيني
تؤدي مفاهيم المكان والزمان والذاكرة دورًا محوريًا في الأيديولوجيا الصهيونية؛ إذ تُعدّ الحالة الإسرائيلية من أكثر مشاريع الاستعمار الاستيطاني انشغالًا بهذه المفاهيم وتوظيفًا لها. ويتجاوز هذا الانشغال بُعدها الوظيفي المتعلق بإدارة السكان، ليصبح جزءًا من مشروع لإعادة تشكيل الجغرافيا والهوية والتاريخ. ومن هذا المنظور، يصعب فهم الإبادة الجارية في غزة بمعزل عن النكبة، بوصفها الحدث المؤسس لكل ما تلاها؛ ففلسطين قبل النكبة ليست فلسطين بعدها، لا بسبب الدمار المادي الذي لحق بها فحسب، وإنما أيضًا نتيجة تفكيكها كيانًا وجماعةً تمتلك هوية مكانية وزمانية تتسم بقدر من التماسك.
وتتقاطع هذه المقاربة مع أطروحة الباحث الفلسطيني إسماعيل ناشف حول صور موت الفلسطيني؛ إذ يرى أن الزمن الفلسطيني منذ النكبة لم يعد زمنًا واحدًا متجانسًا، فقد انقسم إلى زمانيات متشظية وغير متوازية. فزمانية الفلسطيني في غزة المحاصرة، التي تتعرض للإبادة، تختلف عن زمانية الفلسطيني في الضفة الغربية، وتختلف كلتاهما عن زمانية الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة عام 1948، كما تختلف هذه الزمانيات جميعها عن زمانية الفلسطيني في الشتات. ولا يُقصد بالزمانية هنا الزمن بوصفه تعاقبًا للأحداث، وإنما الكيفية التي يُدرك بها كل تجمع فلسطيني الحدث الفلسطيني، وهي كيفية تتحدد وفق موقعه داخل البنية الاستعمارية ودرجة اشتباكه المباشر معها. فخبرة الفلسطيني في غزة، حيث تتجسد المواجهة اليومية مع الاحتلال والحصار والإبادة، تختلف عن خبرة الفلسطيني في الضفة الغربية، الخاضع في آن واحد لسلطة الاحتلال ومنظومة الضبط التي تفرضها السلطة الفلسطينية. وتختلف هاتان الخبرتان عن خبرة الفلسطيني في الشتات، الذي يعيش اغترابًا دائمًا تقترن به ذاكرة الوطن وحق العودة.[12]

صور أقمار صناعية تُظهر نجوم داود حفرتها الجرافات في شمال قطاع غزة (أعلى) ومدينة غزة (أسفل).
المصدر: Ungrounding: The Architecture of Genocide
وفي حربها الأخيرة على غزة، بلغت هذه البنى الاستعمارية طورًا جديدًا مع دمج إسرائيل تقنيات الذكاء الاصطناعي في صلب آلتها العسكرية؛ إذ تجاوز استخدامها التجسس والاستطلاع إلى إدارة عملية القتل نفسها، عبر الاعتماد على الأنظمة الخوارزمية في جمع البيانات وتحليلها، وتحديد الأهداف، وترتيب أولويات استهدافها. وكما حوّلت النازية الإبادة إلى عملية بيروقراطية تُدار بمنظومة من الإجراءات الإدارية، حوّلتها إسرائيل إلى عملية مؤتمتة تُدار بالخوارزميات وتقنيات الذكاء الاصطناعي. وفي هذا السياق، يبدو الذكاء الاصطناعي منسجمًا مع المنطق الاستيطاني الذي يحلله وايزمان؛ إذ انتقلت تقنيات السيطرة وإدارة السكان إلى إدارة القتل الجماعي نفسه، مع بقاء الغاية واحدة: إنتاج فضاء استيطاني خالٍ من السكان الأصليين، وخاضع بالكامل لآليات السيطرة الاستعمارية.[13]
يعرض الكتاب في فصله الأخير الممارسة اليومية للإبادة في غزة، من خلال العودة إلى ليلة السابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر 2023، حين قصف جيش الاحتلال الإسرائيلي المستشفى الأهلي العربي (المعمداني)، مرتكبًا مجزرة بحق المرضى والنازحين الذين احتموا بالمستشفى. وبالاستناد إلى شهادة الجراح الفلسطيني غسان أبو ستة، الذي عاين المجزرة، يسعى وايزمان وفريقه إلى إعادة بناء تفاصيلها وتوثيقها. غير أن ترميم الذاكرة هنا لا يستهدف استعادة واقعة تاريخية لمقاومة الاقتلاع، كما في حالة قرية معين، وإنما تثبيت الحدث في الذاكرة بوصفه شاهدًا على الإبادة وهي تقع في الزمن الحاضر. وهكذا ينتقل الكتاب من استعادة مكان مُحي من الخريطة عام 1948 إلى توثيق الإبادة لحظة وقوعها، ليغدو ترميم الذاكرة، في الحالتين، فعلًا مضادًا للاقتلاع، يحفظ المكان والضحايا من السقوط في النسيان، ويقاوم محاولات طمس الجريمة وإنكارها.

غسان أبو ستة يدلي "بشهادة عن الانفجار في مستشفى الأهلي"، 17 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
المصدر: Ungrounding: The Architecture of Genocide
بدلاً من خاتمة: حدود المنهج
يندرج الكتاب ضمن حقل دراسات العمارة الجنائية، وهو حقل أسهم وايزمان نفسه في تأسيسه من خلال وكالة العمارة الجنائية (Forensic Architecture)، التي يرأسها في جامعة غولدسميث بلندن. ويتخذ الكتاب من دراسة المكان في تكوينه الطبوغرافي أساسًا لفهم آليات الضبط والمراقبة والقتل؛ إذ يقرأ الأرض بوصفها سجلًا ماديًا متراكم الطبقات، ويستعين بالصور الجوية والخرائط والمجسّمات الرقمية للكشف عن التأثير المتبادل بين المكان والمقيمين فيه. ويستند المنهج الذي يعتمده الكتاب إلى إعادة بناء المكان من خلال جمع الشواهد الأركيولوجية المتناثرة في نموذج رقمي ثلاثي الأبعاد، ثم يُستدعى الشاهد إلى هذا النموذج ليتنقل في تضاريسه ويستعيد ذاكرته من خلالها. وهكذا تغدو العمارة نفسها أداة لاستخراج الشهادة، لا مجرد خلفية لها.

المناطق العازلة التي أنشأها جيش الاحتلال الإسرائيلي في غزة.
المصدر: Ungrounding: The Architecture of Genocide
وتستمد هذه المنهجية أهميتها من الأدلة والتحقيقات التي تنتجها الوكالة لتوثيق الانتهاكات المرتكبة في غزة وأماكن أخرى من العالم. وقد عمل وايزمان وفريقه، منذ مطلع عام 2024، مع الفريق القانوني لجنوب أفريقيا في الدعوى التي رفعتها ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية. غير أن هذه المنهجية، على ما تتسم به من تفرد وتماسك، تنطوي على قدر من الالتباس؛ فمن جهة، يسعى الكتاب إلى استعادة الأواصر الممزقة للوجود المكاني الفلسطيني، ومن جهة أخرى، يتعامل مع هذا الوجود بوصفه مادةً توثيقيةً ذات طبيعة حقوقية. ويدرك وايزمان نفسه حدود موقعه، إذ يعلن صراحةً أن كتابه لا يستند إلى خبرة مباشرة بما جرى، ويحيل القارئ إلى الروايات المصوّرة والمسموعة والمكتوبة التي أتاحها الفلسطينيون. [14] لكن هذا الإقرار لا يبدّد الالتباس؛ فحضور الشاهد الفلسطيني يظل مشروطًا بقدرته على خدمة المادة التوثيقية، ولا ينفذ صوته إلا عبر المكان: يُستدعى ليتعرّف ويحدّد ويؤكّد، لا ليروي تجربته الخاصة أو ينازع الإطار الذي وُضعت فيه شهادته. وحتى حين يستحضر الكتاب أبناء عائلة أبو ستة، وهم شاهدان من جيلين مختلفين، فإن ما يُلتقط من شهاداتهم هو ما يمكن إسناده إلى أثر مادي أو مطابقته بصورة، فيما يبقى ما لا يترك أثرًا خارج حدود المنهج. فكأن الفلسطيني، ضمن هذا المنظور، ليس سوى "فم المكان": صوت يُستحضر لإسناد الدليل، لا ذات تاريخية تنطق بتجربتها وتقاوم محوها. وهنا تتبدى حدود أدوات التوثيق الجنائي؛ فعلى أهميتها، تعجز هذه الأدوات عن الإحاطة بالتجربة الفلسطينية المعاشة وبمقاومتها المستمرة لعملية التحجير التي تحوّل الوجود إلى أثر، والتاريخ إلى مادة قابلة للفحص والتوثيق، فيما تُقصى الذات الفلسطينية بوصفها فاعلًا تاريخيًا حيًا.

فلسطينيون يعبرون وادي غزة شمالًا باتجاه مدينة غزة خلال وقف إطلاق النار مطلع عام 2025، في مشهد نادر لعودة النازحين داخل القطاع.
المصدر: Ungrounding: The Architecture of Genocide
[1] تعبّر وجهات النظر الواردة في هذا النص عن آراء كاتبها، ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر منصة "الصالون".
محمد نبيل، باحث في الاقتصاد السياسي.
[2] Eyal Weizman, Ungrounding: The Architecture of Genocide (London: Penguin, 2026)
[3] إيال وايزمان، أرض جوفاء: الهندسة المعمارية للاحتلال الإسرائيلي، ترجمة باسل وطفه (القاهرة؛ بيروت: مدارات للأبحاث والنشر والشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2017)، ص 164.
[4] Weizman, Ungrounding, p. 13.
[5] ساري حنفي، "التطهير المكاني: محاولة جديدة لفهم استراتيجيات المشروع الكولونيالي الإسرائيلي"، المستقبل العربي، مج31، العدد 360 (شباط/ فبراير 2009)، ص 67–84.
[6] Weizman, Ungrounding, p. 67.
[7]مجد أبو عامر، "تمييز التضامن وتغيير المحاور: نحو إعادة التفكير في الأصلانية فلسطينيًا وفي فلسطين أصلانيًا"، في: سوزانا هينتي وغاري فولي (تحرير)، التضامن بين السكان الأصليين: شهادات ونصوص (غزة، فلسطين: مجلة 28، آب/ أغسطس 2021)، ص 23–28.
[8] Weizman, Ungrounding, p. 67.
[9]Ibid.
[10]Ibid, p. 94.
[11] Ibid, p. 92.
[12] إسماعيل ناشف، صور موت الفلسطيني (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص 7-21.
[13] Weizman, Ungrounding, p. 135.
[14] Ibid, p 23.