ما وراء الثروة: قطر والإمارات بين صناعة النفوذ وحدود الاستقلالية الاستراتيجية
يقدّم كتاب إيما سوبرييه، "قطر والإمارات العربية المتحدة: مساران متباينان نحو القوة الإقليمية والعالمية"، دراسة مقارنة لمساري قطر والإمارات في بناء النفوذ الإقليمي والدولي، مركزًا على دور القيادة السياسية في تشكيل خيارات السياسة الخارجية والاستقلالية الاستراتيجية. وتتتبع سوبرييه اختلاف أدوات الدولتين، من القوة الناعمة والوساطة في الحالة القطرية إلى القوة الصلبة وبناء القدرات الدفاعية في الحالة الإماراتية.
فكيف تعيد مي درويش[1] قراءة أطروحة الكتاب، وما الذي تكشفه تجربتهما عن حدود الاستقلالية الاستراتيجية للدول الصغيرة؟
لطالما أثارت السياسات الخارجية للدول الصغيرة في الخليج العربي، ولا سيما الإمارات العربية المتحدة وقطر، اهتمام الباحثين والمحللين في العلاقات الدولية[2]. فقد تمكنت هاتان الدولتان، رغم محدودية حجمهما الجغرافي والديموغرافي، من التحول إلى فاعلين مؤثرين في العديد من القضايا والصراعات الإقليمية. وتعزز هذا الحضور بصورة خاصة منذ الانتفاضات العربية عام 2011، إلى درجة أصبح معها من الصعب فهم تطورات السياسة الإقليمية في الخليج ومصر وليبيا وسوريا والسودان من دون أخذ أدوار الإمارات وقطر في الاعتبار. وعلى الرغم من أن سياساتهما الخارجية تلاقت أحيانًا في بعض الملفات، فإنها اتسمت في أغلب الأحيان بالتباين والتنافس، ووصلت في بعض المراحل إلى مستويات من الصراع السياسي والدبلوماسي.
وسعى عدد كبير من الباحثين في العلاقات الدولية والسياسات الخارجية إلى تفسير هذه الظاهرة، المتمثلة في انتقال دول صغيرة من التركيز على ضمان البقاء والأمن في نظام دولي يُفترض أنه تحكمه اعتبارات القوة المادية، مثل الحجم السكاني والقدرات العسكرية والاقتصادية، إلى ممارسة أدوار إقليمية ودولية تفوق بكثير ما تتوقعه الأدبيات التقليدية للدول الصغرى[3]. ومن ثم، أصبحت تجربتا قطر والإمارات تمثلان تحديًا مهمًا للنظريات السائدة حول سلوك الدول الصغيرة، الأمر الذي جعلهما محورًا للعديد من الدراسات المقارنة الساعية إلى فهم مسارات صعودهما وتحولات سياساتهما الخارجية.
ولم يقتصر اهتمام الباحثين على تفسير اتساع نفوذ الدولتين، بل امتد إلى محاولة فهم أسباب الاختلاف العميق بينهما في صياغة السياسات الخارجية وتحديد الأولويات الاستراتيجية. فقد انعكس هذا التباين على مواقفهما من عدد من القضايا الإقليمية، وأفضى إلى فترات من التوتر والمنافسة الحادة. غير أن الهجمات الصاروخية الإيرانية التي استهدفت دول الخليج والقواعد الأمريكية في المنطقة أعادت طرح تساؤلات جوهرية حول حدود القوة الخليجية، ومدى قدرة الثروة المتراكمة والسياسات التوسعية على توفير الأمن في أوقات الأزمات. كما أعادت هذه التطورات إحياء النقاش بشأن فاعلية الاعتماد على الولايات المتحدة بوصفها شريكًا استراتيجيًا قادرًا على توفير مظلة أمنية وعسكرية لدول الخليج خلال فترات التوتر والحروب.
ولا يمكن مقاربة هذه الأسئلة من دون فهم السياقين التاريخي والجغرافي اللذين تشكلت في إطارهما السياسات الخارجية لكل من قطر والإمارات، إلى جانب تحليل العوامل الهيكلية الخارجية والمتغيرات الداخلية التي أسهمت في صياغة توجهاتهما الاستراتيجية. كما يتطلب الأمر فهم الكيفية التي سعت بها كل دولة إلى تحقيق قدر أكبر من الاستقلالية في القرار السياسي وتعزيز نفوذها داخل محيطها الإقليمي وفي النظام الدولي الأوسع.
في هذا السياق، يقدم كتاب إيما سوبرييه "قطر والإمارات العربية المتحدة: مساران متباينان نحو القوة الإقليمية والعالمية"[4] دراسة مقارنة لمسارات السياسة الخارجية في قطر والإمارات منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، مرورًا بمرحلة الانتفاضات العربية بين عامي 2011 و2013، ثم جائحة كورونا، وصولًا إلى أزمة حصار قطر (2017-2021) وتداعياتها. وتنطلق الكاتبة من فرضية مركزية مفادها أن النظامين السياسيين في الدولتين يجسدان نمطًا خاصًا من الحكم يمكن وصفه بـ"دولة الأمير" (Prince-State)، حيث تؤدي شخصية الحاكم وتفضيلاته وخياراته الفردية دورًا حاسمًا في توجيه السياسات الداخلية والخارجية، بما يتجاوز التفسيرات البنيوية التقليدية التي تركز على القدرات المادية للدولة وحجم مواردها.
ومن هذا المنطلق، تؤطر سوبرييه قطر والإمارات باعتبارهما "دولتين أميريتين متنافستين"، تواجه كل منهما تحديات أمنية متعددة وتسعيان في الوقت ذاته إلى تحقيق قدر متزايد من "الاستقلالية الاستراتيجية" (Strategic Autonomy) ضمن شراكاتهما مع القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة. وخلال العقدين الماضيين، نجحت الدولتان في تعزيز مكانتهما داخل نظام دولي وإقليمي متغير، مستفيدتين من موجات الاضطراب التي شهدتها المنطقة لتوسيع نطاق نفوذهما. إلا أن هذه الطموحات المتوازية قادت تدريجيًا إلى تبني سياسات متعارضة ومتنافسة، اختلفت في أدواتها ومقارباتها وأولوياتها، كما تباينت في كيفية تقديم صورة الدولة ودورها الإقليمي والدولي.
ومن أبرز الإسهامات التي يقدمها الكتاب تفسيره لاختلاف أنماط الإنفاق والاستثمار الاستراتيجي بين البلدين. فبينما أولت قطر أهمية كبيرة لأدوات القوة الناعمة، من خلال الاستثمار في شبكة الجزيرة الإعلامية والرياضة العالمية، خاصة كرة القدم، ركزت الإمارات على تطوير قدراتها العسكرية التقليدية وتعزيز حضورها الأمني والدفاعي. وترى سوبرييه أن هذا التباين لا يمكن تفسيره فقط من خلال اختلاف الموارد أو الحسابات الاستراتيجية، بل يرتبط بصورة مباشرة بتفضيلات القيادات السياسية في كل دولة. كما تقدم تحليلًا مفصلًا لموازنات الدفاع وصناديق الثروة السيادية في البلدين، لتخلص إلى أن جزءًا معتبرًا من الخطاب الرسمي المرتبط بالتحول الطاقي والخصخصة الاقتصادية يظل، في كثير من الأحيان، خطابًا "أدائيًا" (Performative) أكثر من كونه تحولًا جوهريًا ينعكس بصورة كاملة في السياسات والممارسات الفعلية.
نقطة التحول من دول صغيرة إلى قوى إقليمية ذات نفوذ
تُعدّ الأزمة المصرية بين عامي 2011 و2014 اللحظة المفصلية التي ظهرت خلالها بوضوح التوجهات المتباينة للسياسة الخارجية لكل من قطر والإمارات.[5] فبينما كانت الخلافات بين الدولتين في ملفات تونس وليبيا وسوريا قائمة بالفعل، فإنها ظلت أقل حدة وأكثر تحفظًا، قبل أن تتحول الساحة المصرية إلى أول ميدان للمواجهة المباشرة بين مشروعين إقليميين متنافسين.
وتقسم الكاتبة التدخل الخليجي في مصر إلى ثلاث مراحل رئيسية. تمتد المرحلة الأولى من سقوط نظام حسني مبارك في شباط/فبراير 2011 حتى انتخاب محمد مرسي في حزيران/يونيو 2012، حيث أعلنت كل من السعودية والإمارات عن حزم كبيرة من المساعدات الاقتصادية لمصر، انطلاقًا من إدراكهما لأهمية القاهرة بوصفها "قائدة العالم العربي"[6]، وفق توصيف وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل آنذاك. وفي الوقت نفسه، بدأت قطر في تعزيز علاقاتها بالقوى السياسية الصاعدة، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، من خلال الدعم المالي والتغطية الإعلامية المكثفة التي وفرتها شبكة الجزيرة.
أما المرحلة الثانية، التي تزامنت مع فترة حكم الرئيس محمد مرسي، فقد شهدت توقف المساعدات السعودية والإماراتية، في مقابل تصاعد الدعم القطري الذي بلغ نحو سبعة مليارات دولار في صورة قروض ومساعدات مالية عاجلة. وعكست هذه المرحلة بوضوح اختلاف الرؤى الخليجية تجاه التحولات السياسية التي أفرزتها الانتفاضات العربية، وتحديدًا فيما يتعلق بصعود الحركات الإسلامية إلى السلطة عبر الانتخابات.
وجاءت المرحلة الثالثة عقب الإطاحة بمرسي في تموز/يوليو 2013 وصعود عبد الفتاح السيسي إلى الحكم، حيث سارعت السعودية والإمارات والكويت إلى تقديم حزم دعم ضخمة قُدرت بنحو ثلاثين مليار دولار خلال الفترة الممتدة حتى عام 2016. في المقابل، وجدت قطر نفسها في موقف سياسي صعب بعد أن أعادت السلطات المصرية جزءًا من الأموال التي كانت الدوحة قد قدمتها، بالتوازي مع تصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية وتجريم أنشطتها داخل مصر.
وترى سوبرييه أن خصوصية الحالة المصرية لا تكمن فقط في حجم التدخل الخليجي، بل في كونها المرة الأولى التي سعت فيها كل من قطر والإمارات بصورة مباشرة إلى تقويض المشروع السياسي الذي تدعمه الدولة الأخرى. ومن هنا تطرح الكاتبة تفسيرًا مزدوجًا لسلوك الطرفين. فبالنسبة لقطر، لم يكن دعم جماعة الإخوان المسلمين تحولًا مفاجئًا أو استثناءً عن نهجها السابق، بل امتدادًا لشبكة علاقات تاريخية تعود إلى استضافة الشيخ يوسف القرضاوي منذ ستينيات القرن الماضي. كما انسجم هذا التوجه مع استراتيجية قطر القائمة على توظيف أدوات القوة الناعمة وبناء "العلامة التجارية للدولة"، من خلال الحفاظ على قنوات تواصل مع مختلف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، سواء كانوا حكومات أو حركات سياسية أو منظمات غير حكومية. وقد أسهمت هذه السياسة في بناء شبكة علاقات واسعة مكنت الدوحة من أداء أدوار الوساطة في عدد من النزاعات الإقليمية والدولية.[7]
في المقابل، قدمت الإمارات مواجهتها لجماعة الإخوان المسلمين باعتبارها استجابة ضرورية لمتطلبات الأمن والاستقرار الداخلي. غير أن سوبرييه تذهب إلى أبعد من هذا التفسير، إذ ترى أن السياسة الإماراتية يمكن فهمها أيضًا بوصفها سياسة استباقية ذات طابع هجومي، أقرب إلى "حرب الاختيار" منها إلى "حرب الضرورة". ومن هذا المنظور، اعتمدت أبوظبي على أدوات القوة الصلبة ودعم قيادة عسكرية قوية ممثلة في السيسي باعتبارها الوسيلة الأكثر فاعلية لضمان الاستقرار السياسي ومواجهة صعود الإسلام السياسي في المنطقة.
وتخلص الكاتبة إلى أن الأزمة المصرية لم تمثل نقطة تحول في العلاقات القطرية الإماراتية فحسب، بل شكلت أيضًا محطة مهمة في تطور علاقة دول الخليج بالقوى الغربية. فقد تصرفت الدول الخليجية خلال هذه الفترة بدرجة ملحوظة من الاستقلالية عن المواقف الأمريكية والأوروبية، ونجحت إلى حد كبير في الحلول محل هذه القوى بوصفها الشريك الاقتصادي والسياسي الأهم للقاهرة. وتفسر سوبرييه هذا التحول من خلال مفهوم "الريعية المعولمة" (Globalized Rentierism)[8]، الذي يشير إلى الكيفية التي وظفت بها دول الخليج فوائضها المالية واستثماراتها الضخمة في الاقتصادات الغربية لبناء علاقات اعتماد متبادل مع القوى الكبرى. وبحسب هذا الطرح، فإن التوسع المتزايد للاستثمارات الخليجية في الأسواق الأوروبية والأمريكية بعد عام 2011 جعل من الصعب على الحكومات الغربية تبني مواقف معارضة حادة تجاه السياسات الخليجية في المنطقة. كما ازدادت فعالية هذا النمط من النفوذ مع التحولات التي شهدها النظام الدولي خلال العقد الماضي، والتي أضعفت نسبيًا قدرة القوى الغربية على ممارسة الضغوط السياسية التقليدية. وتظهر هذه الديناميكية بوضوح في قطاع الصناعات العسكرية وتجارة السلاح، حيث أصبحت العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية المتشابكة بين دول الخليج وشركائها الغربيين أحد أهم العوامل المفسرة لاستمرار الدعم السياسي والأمني المتبادل رغم الخلافات القائمة حول بعض الملفات الإقليمية وحقوق الإنسان.
سياسات التسليح وبناء الشراكات مع القوى الكبرى
تخصص سوبرييه حيزًا مهمًا لتحليل سياسات التسلح في قطر والإمارات، معتبرةً أن سوق السلاح يمثل مدخلًا أساسيًا لفهم الكيفية التي سعت بها الدولتان إلى تحقيق ما تسميه "الاستقلالية النسبية" في بيئة أمنية تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين. فمنذ إبرام الاتفاقيات الدفاعية مع الولايات المتحدة خلال تسعينيات القرن الماضي، اتجهت كل من الدوحة وأبوظبي إلى تقليص مخاطر الاعتماد الحصري على المظلة الأمنية الأمريكية عبر بناء شبكات موازية من الشراكات الدفاعية مع قوى غربية أخرى. وفي هذا السياق، وقعت قطر اتفاقية دفاعية مع فرنسا عام 1994، بينما أبرمت الإمارات اتفاقية مماثلة عام 1995، قبل أن تتوسع الدولتان لاحقًا في التعاون العسكري مع بريطانيا خلال عامي 1996 و2006 على التوالي.
وترى الكاتبة أن هذا السلوك ينسجم مع ما تصفه أدبيات الخليج باستراتيجية "الموازنة الشاملة" (Omnibalancing)[9]، أي سعي الدول الصغيرة إلى تنويع مصادر الحماية والدعم لمواجهة التهديدات الداخلية والخارجية في آن واحد. إلا أنها تشير إلى أن تجربة قطر والإمارات تختلف عن الحالة السعودية؛ إذ لم يكن الدافع الرئيسي وراء تنويع مصادر التسليح هو القيود السياسية الأمريكية المرتبطة بالعلاقات مع إسرائيل، كما كان الحال بالنسبة للرياض، بل كان مرتبطًا برغبة الدولتين في توسيع هامش المناورة السياسية والدبلوماسية وتعزيز استقلالية قرارهما الاستراتيجي.
وتظهر بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، كما توضح سوبرييه، أن السوق الدفاعية القطرية ظلت حتى مطلع الألفية الجديدة تعتمد بصورة شبه كاملة على فرنسا وبريطانيا، في حين اتسمت السوق الإماراتية بدرجة أعلى من التنوع منذ سبعينيات القرن العشرين. كما تلفت الكاتبة الانتباه إلى أن اختيار باريس ولندن لم يكن مجرد قرار اقتصادي أو تقني، بل حمل أبعادًا سياسية واضحة، نظرًا لما تتمتع به الدولتان من مكانة دائمة في مجلس الأمن الدولي، وهو ما وفر للدوحة وأبوظبي أدوات إضافية لتعزيز حضورهما الدبلوماسي وحشد الدعم لقضاياهما في المؤسسات الدولية.
وتشير سوبرييه إلى أن مرحلة ما بعد الانتفاضات العربية عام 2011 شهدت تحولات مهمة في أنماط استيراد السلاح لدى الدولتين. فبعد أزمة الحصار الخليجي (2017-2021)، عززت قطر اعتمادها على شركائها الدفاعيين التقليديين، وخاصة الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، من خلال إبرام صفقات كبرى شملت مقاتلات "رافال" الفرنسية و"إف-15" الأمريكية و"يوروفايتر تايفون" البريطانية. وفي الوقت نفسه، اتجهت إلى توسيع قاعدة مورديها لتشمل ألمانيا وإيطاليا وتركيا، مع انفتاح محدود على الصين وروسيا، إلى جانب إطلاق محاولات أولية لتطوير قاعدة صناعية دفاعية محلية عبر شركة "برزان القابضة".
أما الإمارات، فتقدمها الكاتبة بوصفها حالة أكثر طموحًا وتعقيدًا؛ إذ تصف استراتيجيتها بأنها شكل من أشكال "توظيف التعددية القطبية عسكريًا" (Weaponizing Multipolarization)[10]، حيث لم يقتصر الهدف على تنويع مصادر التسليح، بل امتد إلى استخدام عقود السلاح نفسها كأداة للتأثير السياسي والضغط الدبلوماسي. وتورد سوبرييه أمثلة على ذلك، منها توظيف أبوظبي لعلاقاتها الدفاعية مع بريطانيا للضغط بشأن الموقف من جماعة الإخوان المسلمين، أو إلغاء بعض العقود العسكرية مع شركات تركية في سياق التوتر السياسي بين البلدين على خلفية الأزمة السورية.
وترى الكاتبة أن تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى منذ عام 2017 وفر للإمارات فرصًا إضافية لتطبيق استراتيجية "التحوط" (Hedging)،[11] من خلال توسيع علاقاتها العسكرية والتقنية مع كل من الصين وروسيا دون التخلي عن شراكتها الأمنية مع الولايات المتحدة. وبهذه الطريقة، سعت أبوظبي إلى زيادة هامش استقلاليتها الاستراتيجية والاستفادة من التنافس الدولي لتعظيم مكاسبها السياسية والاقتصادية.
غير أن الجانب الأكثر أهمية في التجربة الإماراتية، بحسب سوبرييه، يتمثل في الانتقال التدريجي من موقع المستورد للسلاح إلى موقع المنتج والمصدر له. فقد عملت الإمارات على دمج عدد كبير من شركاتها الدفاعية المحلية ضمن مجموعة "إيدج" (EDGE)، التي أصبحت تمثل ركيزة رئيسية لمشروع بناء صناعة عسكرية وطنية. كما نجحت في تصدير عدد من المنتجات الدفاعية، وفي مقدمتها المركبات المدرعة من طراز "نمر"، إلى دول أفريقية وعربية متعددة، من بينها الجزائر ونيجيريا ومالي وليبيا.
وتذهب الكاتبة إلى أن هذا التحول لا يعكس مجرد رغبة في تحقيق الاكتفاء الذاتي أو تقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين، بل يكشف عن طموح أوسع يتمثل في توظيف صناعة السلاح كأداة لبناء النفوذ الإقليمي. فالإمارات لم تكتفِ بتصدير المعدات العسكرية، وإنما مارست أحيانًا دور الممول أو الراعي لصفقات تسليح موجهة إلى دول حليفة، مثل مصر وبعض دول الساحل الأفريقي. ومن هذا المنظور، يصبح السلاح جزءًا من استراتيجية أشمل لبناء شبكات النفوذ والتحالفات، وليس مجرد أداة دفاعية أو وسيلة لتعزيز الأمن الوطني.
حدود الاستقلالية الاستراتيجية
في نهاية المطاف، تكشف المقارنة التي تقدمها سوبرييه بين قطر والإمارات عن مسارين مختلفين نحو هدف مشترك يتمثل في توسيع هامش الاستقلالية الاستراتيجية في مواجهة القيود التي تفرضها الجغرافيا والديموغرافيا على الدول الصغيرة. وتؤكد الكاتبة أن هذا التباين لا يمكن فهمه بالاعتماد على المتغيرات البنيوية وحدها، بل يتطلب النظر إلى دور القيادة السياسية والنخب الحاكمة في تشكيل تصورات التهديد والفرص، وفي اختيار الأدوات المناسبة لتحقيق الأهداف الاستراتيجية. فبينما راهنت قطر على توظيف القوة الناعمة وشبكات الوساطة وتنويع الشراكات العسكرية مع الحفاظ على مركزية التحالف الأمريكي، اتجهت الإمارات إلى تبني مقاربة أكثر اعتمادًا على القوة الصلبة، من خلال تطوير قدراتها العسكرية وبناء صناعة دفاعية محلية وتوظيف علاقاتها الأمنية والاقتصادية لتعزيز نفوذها الإقليمي.
غير أن السؤال الذي يظل حاضرًا بعد قراءة الكتاب هو ما إذا كانت هذه السياسات قادرة بالفعل على تجاوز القيود الأساسية التي تواجهها الدول الصغيرة، أم أنها تنجح فقط في إدارتها والتخفيف من آثارها. فالتجارب الإقليمية التي تستعرضها الكاتبة، إلى جانب التطورات اللاحقة، تشير إلى أن النفوذ الذي راكمته الدولتان لا يلغي بالضرورة هشاشتهما البنيوية. إذ تظل اعتبارات الجغرافيا، وحجم السكان، والاعتماد على البيئة الإقليمية المحيطة، عوامل تفرض حدودًا واضحة على مدى استقلالية القرار السياسي والأمني.[12]
وتبرز الحالة اليمنية مثالًا دالًا على هذه المعضلة. فرغم الدور العسكري والسياسي الواسع الذي أدّته الإمارات في اليمن، وما وفرته من دعم لقوى محلية متعددة، فإن مسار الصراع أظهر في النهاية أن قدرة أبوظبي على رسم مخرجات الأزمة ظلت مرتبطة بحسابات القوى الإقليمية الأكبر، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية. وهو ما يوضح أن امتلاك أدوات النفوذ لا يعني بالضرورة القدرة على التحكم الكامل في مسارات الصراعات أو فرض ترتيبات سياسية تتعارض مع مصالح الشركاء الأقوى.
كما أعادت التوترات الإقليمية الأخيرة تسليط الضوء على حدود الاستقلالية الخليجية. فمع تصاعد المواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى، وجدت دول الخليج نفسها أمام مفارقة استراتيجية لافتة: إذ إن الشراكات الأمنية التي شكلت لعقود مصدرًا للحماية والردع تحولت في بعض الأحيان إلى مصدر محتمل للمخاطر، بحكم استضافة قواعد عسكرية أجنبية أو ارتباطها الوثيق بالسياسات الأمنية للقوى الكبرى. وفي مثل هذه الظروف، تصبح الدول الصغيرة أكثر عرضة لتداعيات صراعات لم تكن طرفًا مباشرًا فيها، لكنها تجد نفسها متأثرة بنتائجها بحكم موقعها الجغرافي وشبكة تحالفاتها الدولية.
ومن هنا تبرز إحدى أهم الإشكاليات التي يثيرها الكتاب، وإن لم يعالجها بصورة كاملة، وهي ما إذا كانت الاستقلالية الاستراتيجية تمثل هدفًا قابلًا للتحقق بالنسبة للدول الصغيرة، أم أنها تظل مشروعًا نسبيًا وحدوده مرهونة ببنية النظام الدولي ذاته. فالتجربتان القطرية والإماراتية تظهران أن بإمكان الدول الصغيرة توسيع هامش حركتها، وتنويع شراكاتها، ومراكمة أدوات نفوذ تتجاوز ما تفترضه الأدبيات التقليدية للدول الصغرى. إلا أن هذه الإنجازات لا تعني التحرر الكامل من القيود التي تفرضها البيئة الإقليمية أو علاقات الاعتماد المتبادل مع القوى الكبرى.
وبهذا المعنى، فإن القيمة الأساسية لكتاب سوبرييه لا تكمن فقط في تفسير صعود قطر والإمارات بوصفهما فاعلين مؤثرين في الشرق الأوسط، بل في إثارته لسؤال أوسع يتعلق بطبيعة القوة والاستقلالية في النظام الدولي المعاصر. فالتجربتان اللتان تبدوان للوهلة الأولى قصة نجاح استثنائية للدول الصغيرة تكشفان في الوقت ذاته أن النفوذ لا يساوي الاستقلال بالضرورة، وأن توسيع هامش المناورة يختلف عن القدرة على تجاوز القيود البنيوية بصورة كاملة. لذلك يبقى التحدي الرئيسي أمام قطر والإمارات، كما أمام غيرهما من الدول الصغيرة، هو كيفية الموازنة بين الطموح إلى الاضطلاع بأدوار إقليمية ودولية متزايدة وبين متطلبات الأمن والبقاء في بيئة دولية وإقليمية لا تزال تحكمها بدرجة كبيرة اعتبارات القوة التقليدية وموازين القوى الكبرى.
مي درويش، أستاذة مشاركة في العلاقات الدولية بجامعة برمنجهام بالمملكة المتحدة.