الطائرات بدون طيار: من أفغانستان إلى غـزة وجنوب لبنان وإيران
في كتابه "نظرية الدرون"، يفكك غريغوار شامايو التحولات السياسية والأخلاقية والقانونية التي أحدثتها الطائرات المسيّرة في منطق الحروب الحديثة. إذ انتقلت الحرب من مواجهة بين مقاتلين إلى مطاردة بشرية واستهداف فردي عن بُعد، تقوم على المراقبة والتعقب والقتل مع إلغاء التبادلية والمخاطرة عن الطرف المنفّذ. ومن خلال مفاهيم مثل "تحليل نمط الحياة" و"صندوق القتل"، يناقش شامايو كيف تعيد المسيّرات تشكيل حدود ساحة المعركة، وقواعد الاستهداف، وعلاقة الحرب بالسيادة والديمقراطية والقانون.
وبعد أكثر من عقد على صدور الكتاب، كيف يعيد محمود هلال[1] قراءة أطروحة شامايو في ضوء تحولات حروب المسيّرات في غزة ولبنان وإيران، وتصاعد أتمتة الاستهداف والذكاء الاصطناعي وانتشار المسيّرات التكتيكية؟
يجادل غريغوار شامايو[2]، في كتابه "نظرية الدرون" الصادر بالفرنسية عام 2013 والمترجم إلى الإنجليزية عام 2015، بأن الدرون سلاح يلغي أي تبادلية في العنف المسلح، ويحوّل الحرب من مواجهة بين طرفين إلى مواجهة أحادية الاتجاه، بحيث "يستحيل على مستخدمه أن يموت وهو يقتل".[3] متبعًا منهج سيمون فايل في تحليل العنف من زاوية الوسيلة، بمعزل عن الغاية، يقترح شامايو النظر للمُسيرات بوصفها حاملة لمنطق سياسي خاص بها، بدلاً من الاكتفاء بمساءلة الغايات المعلنة لهذا السلاح.[4] عقد كامل مرّ على صدور هذه الأطروحة، فيما تتجدد مادتها الخام في سماء غزة وجنوب لبنان وإيران والخليج، بصورة تتجاوز أحيانًا خيال المؤلف نفسه.
يشتق شامايو مفهومه المحوري، "صندوق القتل" (Kill Box)، من عقيدة عسكرية أمريكية تفتّت ساحة الحرب إلى مكعبات متحركة، تُفتح وتُغلق تبعًا لموقع الهدف، خلافًا لما تفرضه الحدود الجغرافية الثابتة. بهذا التصور، يذوب مبدأ السيادة الإقليمية أمام ما يسميه إيال وايزمان "سياسة العمودية" (Politics of Verticality)، حيث تُدار الأرض المحتلة جوًا، دون احتلال بري مباشر.
هذا المنطق يجد اليوم تجسيدًا حرفيًا في جنوب لبنان. فاغتيال صالح العاروري في الضاحية الجنوبية لبيروت مطلع كانون الثاني/ يناير 2024 نُفّذ بضربة مسيّرة[5]، تمامًا كما وصف شامايو حق "الملاحقة" الذي يتجاوز حدود الدول الفاشلة أو الممتنعة عن ضبط أراضيها. وشهدت الأشهر التالية بدورها سلسلة اغتيالات ميدانية مماثلة بالمسيّرات، استهدفت قادة ميدانيين في حزب الله وحماس، غالبًا في لحظة تنقّل روتينية: على طريق سيارة، أو عند نقطة تفتيش، أو في الطريق إلى صلاة الفجر. هذا النمط يعيد إنتاج ما وصفه الكتاب بـ"تحليل نمط الحياة"((Pattern-of-Life Analysis ، أي رصد التكرار اليومي لتحركات الفرد لاستنتاج هويته وخطورته المفترضة، بدل التثبت المباشر من صفته القتالية.[6]
خرافة "الدقة"
يفكك شامايو خلطًا مفهوميًا شائعًا بين ثلاثة معانٍ مختلفة لكلمة "دقة": دقة الإصابة، ونطاق أثرها، وسلامة التعرف على الهدف أصلًا.[7] فصاروخ الهيلفاير، مثلاً، قد يصيب نقطة محددة بدقة متناهية، بينما يمتد نطاق قتله خمسة عشر مترًا حول تلك النقطة، فتغدو "الإصابة الدقيقة" مسألة إحصائية، بدل أن تكون ضمانة أخلاقية.[8] وما يجري اليوم فوق غزة يمنح هذا التحليل مادة تطبيقية مباشرة: مسيّرات صغيرة، يُطلق عليها محليًا اسم "الكوادكوبتر"، تحوّلت من دور الاستطلاع إلى القنص الفردي، وتُصيب أفرادًا عند نوافذ منازلهم أو أبواب مخيماتهم. ومن بين هؤلاء طفل قُتل برصاصة أُطلقت من مسيّرة عبر نافذة غرفة في مقر جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني.[9] وفي تقرير صادر عن معهد واطسون بجامعة براون، وثّق بدوره نمطًا جراحيًا في إصابات أطفال بهذه المسيّرات، بما يشي بتعمّد التصويب، خلافًا للعشوائية.[10] وتتجسد هنا المفارقة التي رصدها شامايو نظريًا: تظل "الدقة" التقنية عاجزة، بالضرورة، عن تحسين القدرة على التمييز بين مقاتل ومدني. فالمسيّرات كأداة قتل تزداد تصويبًا، بينما تتضاعف الإصابات بين المدنيين والأطفال تحديدًا.
من "ثلاثاء الإرهاب" إلى الخوارزمية
يصف الكتاب اجتماعًا أسبوعيًا سرّيًا كان يُعرف في واشنطن بـ"ثلاثاء الإرهاب"، حيث تُراجَع سِيَر مشتبه بهم ويُرفع اسم كل منهم إلى الرئيس الأمريكي للموافقة الشفهية قبل إدراجه في "قائمة القتل".[11] وما كشفته صحافة استقصائية إسرائيلية بعد صدور الكتاب بعقد كامل يمثل تسريعًا خوارزميًا لهذا المنطق ذاته. فنظام "لافندر" ولّد قوائم استهداف ضمت نحو 37 ألف اسم خلال الأسابيع الأولى من حرب غزة، فيما اقتصر التحقق البشري أحيانًا على تأكيد جنس الهدف قبل الموافقة على الضربة.[12]
وعمل إلى جانبه نظام آخر عُرف باسم "أين أبي؟" (Where's Daddy?)، وكانت وظيفته تعقّب الأشخاص المدرجين على تلك القوائم وتحديد اللحظة التي يعودون فيها إلى منازلهم تمهيدًا لاستهدافهم هناك، حتى مع وجود أفراد أسرهم داخل المنزل.[13] هذا هو المسار الذي يميّز فيه شامايو بين "الضربات الشخصية" و"ضربات التوقع" المبنية على مؤشرات سلوكية مجردة من التثبت من الهوية.[14] وتكشف الحالة الفلسطينية عن تحول آخر لم يكن حاضرًا في الأمثلة التي ناقشها الكتاب، إذ انتقل إنتاج قوائم القتل من مراجعة بشرية تستغرق وقتًا إلى عملية مؤتمتة قادرة على توليد آلاف الأهداف خلال فترة وجيزة، وهو تحول غيّر حجم الاستهداف وسرعته على نحو جذري.
"السلاح الإنساني" وحدوده الميدانية
يفرد شامايو فصلين لتفكيك خطاب "السلاح الإنساني"، الذي يصوّر الطائرات المسيّرة وسيلةً تجعل الحرب أكثر أخلاقية من خلال تقليص الخسائر البشرية، سواء بين الجنود والطيارين المنفذين للهجمات أو بين المدنيين الموجودين في مسرح العمليات. ويستند هذا الخطاب إلى مبدأ "المخاطرة غير الضرورية" الذي طوّره فلاسفة أخلاقيات الحرب، وفي مقدمتهم برادلي ستراوسر، ومفاده أن تعريض الجنود لمخاطر يمكن تجنبها يفتقر إلى أي مبرر أخلاقي متى توافرت وسيلة قادرة على إنجاز المهمة بدرجة مماثلة من الفاعلية.[15] يعارض شامايو هذا المنطق، ويرى أن هذه الطريقة في التفكير لا تنتهي إلى تقليص العنف، وإنما تُفضي إلى تطبيعه. فكلما انخفضت التكلفة السياسية والأخلاقية لكل ضربة على حدة، ازداد الميل إلى تكرار استخدامها، فتتسع دائرة العنف ويرتفع العدد الإجمالي للضحايا، رغم تراجع عدد الضحايا في كل عملية منفردة.[16]
بعد اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، جاء الرد الإيراني كاشفًا لحدود أطروحة شامايو بشأن اللاتكافؤ البنيوي في حروب الطائرات المسيّرة. فقد أطلقت إيران خلال الأسابيع التالية مئات الصواريخ وآلاف المسيّرات باتجاه إسرائيل والقواعد الأمريكية وحلفائها في المنطقة، وفق تكتيك "التشبّع" (Saturation)، الذي يقوم على إطلاق أعداد كبيرة من المقذوفات في وقت واحد بهدف إنهاك منظومات الدفاع الجوي ورفع احتمالات اختراقها. وأعاد هذا الأسلوب قدرًا من التبادلية العسكرية التي رأى شامايو غيابها في الحروب الأمريكية بأفغانستان واليمن وباكستان، حيث احتكرت الولايات المتحدة القدرة على الضرب من دون تعرضها لخطر مماثل. وانضم حزب الله إلى المواجهة في الثاني من آذار/مارس 2026، مطلقًا صواريخ ومسيّرات باتجاه شمال إسرائيل للمرة الأولى منذ هدنة تشرين الثاني/نوفمبر 2024، في الوقت الذي وسّعت فيه إسرائيل عملياتها البرية داخل جنوب لبنان.[17] وتشير تقديرات مرصد بيانات النزاعات المسلحة (ACLED) إلى امتلاك حزب الله ما يقارب ألف طائرة مسيّرة وخمسة وعشرين ألف صاروخ، مع تراجع ملحوظ في حرية حركته العملياتية نتيجة حملة اغتيالات مركزة استمرت قرابة عامين.[18]
وتختزل ضربة واحدة مفارقة السلاح الإنساني التي يناقشها شامايو بصورة لافتة. ففي 12 آذار/مارس 2026، نفذت مسيّرة إسرائيلية "ضربة مزدوجة" (Double Tap) على واجهة الرملة البيضاء في بيروت.[19] ويشير هذا المصطلح إلى توجيه ضربة ثانية إلى الموقع نفسه بعد الضربة الأولى بدقائق، تستهدف المسعفين أو المدنيين الذين هرعوا لإغاثة المصابين أو الفرار من المكان. وأسفر الهجوم عن مقتل أكثر من ثمانية أشخاص وإصابة ما يزيد على ثلاثين، من دون أي إنذار مسبق لسكان المنطقة. وتكشف هذه الواقعة اتساع مجال الاستهداف في حروب الطائرات المسيّرة، حيث لا تتوقف العملية العسكرية عند الضربة الأولى، لكنها تمتد لتشمل حركة الأشخاص الذين يستجيبون لها، سواء كانوا مسعفين أو مدنيين يحاولون النجاة.
واتسع نطاق الحرب ليشمل دولًا لم تكن طرفًا مباشرًا في القتال. فقد اعترض الأردن مسيّرات وصواريخ إيرانية عبرت مجاله الجوي في طريقها إلى إسرائيل، وهو تطور يعيد إلى الواجهة السؤال الذي تنقله هيومن رايتس ووتش، ويستحضره شامايو في كتابه، حول الحدود الفعلية لساحة المعركة. فأين تبدأ هذه الساحة، وأين تنتهي، وهل "تمتد إلى شقة سكنية في باريس أو محطة حافلات في آيوا سيتي؟".[20] ويكشف هذا المشهد أن "صندوق القتل"، أي المجال الذي يسمح باستخدام القوة القاتلة بداخله، لم يعد مرتبطًا بإقليم الدولة المتحاربة وحده، إذ امتد إلى أجواء دول أخرى لا تشارك مباشرة في المعركة.
وفي السياق ذاته، تعرضت الطائرات الأمريكية المسيّرة من طراز MQ-9 Reaper، التي تنفذ منذ عام 2023 مهام استطلاع وضرب فوق العراق وسوريا واليمن، لخسائر غير مسبوقة خلال هذه الحرب.[21] فقد أُسقط نحو اثنتي عشرة طائرة فوق إيران وحدها، إلى جانب خسائر متراكمة فوق اليمن بفعل صواريخ أرض-جو حوثية محدودة التكلفة نسبياً.[22] وتضيف هذه الوقائع بُعدًا نقديًا جديدًا لأطروحة شامايو حول اللاتكافؤ البنيوي. فاقتصاد العنف الذي يصفه يقوم على افتراض أن الطائرة المسيّرة تعمل في بيئة تخلو من أي تهديد جدي، وهو افتراض لم يعد صالحًا بالدرجة نفسها في النزاعات الراهنة بسبب إمكانية التصدي للمسيرات. ومع ذلك، يظل جوهر اللاتكافؤ قائمًا، لأن السكان المدنيين يفتقرون إلى أي قدرة مماثلة على الردع أو الحماية، ويظلون الطرف الأكثر تعرضًا للعنف.
مَلْء الفجوات
لمّا كان كتاب قد صدر عام 2013، في مرحلة كانت فيها حرب الطائرات المسيّرة تدور أساسًا حول التجربة الأمريكية في أفغانستان وباكستان واليمن والصومال، انصب اهتمامه على تفكيك المنطق الفلسفي والسياسي الذي يحكم هذا النمط من الحروب، من خلال مفاهيم مثل "صندوق القتل"، و"سياسة المطاردة"، و"اللاتكافؤ البنيوي"، مع إشارات محدودة إلى الحالة الإسرائيلية اقتصرت على استدعاء مفهوم "سياسة العمودية" عند إيال وايزمان، ومناقشة بعض أطروحات آشر ويادلين حول أخلاقيات الحرب الجوية. ولم يكن هدف الكتاب تحليل البنية التقنية أو المؤسسية لآلة الاستهداف الإسرائيلية، لأن كثيرًا من المنظومات التي أصبحت لاحقًا محور النقاش العام لم تكن قد كُشف عنها بعد. ولهذا بقيت أسئلة إنتاج قوائم الاستهداف آليًا، ودور الذكاء الاصطناعي في اقتراح الأهداف، وحدود الإشراف البشري على قرارات القتل، خارج نطاق التحليل الذي يقدمه شامايو.
في هذا السياق، يتجاوز المشهد الأحدث النطاق الأولي الذي حدّده غريغوار شامايو عام 2013، إذ يمتد التحليل النقدي المعاصر من البنية الفلسفية للقتال عن بُعد إلى تفكيك الشبكات التقنية والاقتصادية للحروب المؤتمتة. يظهر ذلك جليًا عند مقارنة "نظرية الدرون" بأعمال لاحقة تناولت نظام الرؤية والإدراك العسكري، إذ يوسّع أنطوان بوسكيه،[23] في كتابه "عين الحرب: الإدراك العسكري من التلسكوب إلى المسيّرة"، مفهوم "صندوق القتل" عند شامايو، معتبرًا أن التقنيات الحديثة ألغت الفاصل بين الإدراك والتدمير، بحيث أصبحت الرؤية الميدانية الرقمية تعني "المحو الفوري" (To see is to destroy).[24]
وفي حين ركّز شامايو على التجربة الأمريكية في أفغانستان واليمن، جاء كتاب أنتوني لوينشتاين[25]، "فلسطين بوصفها مختبرًا"، ليبيّن أن الأراضي الفلسطينية المحتلة تجاوزت وظيفتها كونها مسرحًا للعمليات العسكرية، لتتحول إلى بيئة لاختبار تقنيات المراقبة والتعرّف إلى الوجوه والطائرات المسيّرة، قبل تسويقها عالميًا بوصفها تقنيات مجرّبة ميدانيًا (battle-tested)، وهو ما يربط اقتصاد صناعة السلاح باستمرار الاحتلال.[26] علاوة على ذلك، أحدثت الطفرة الخوارزمية فجوة مفهومية أخرى لم يتطرق إليها شامايو. يقدم بول شار في كتابه "جيش بلا مجندين: الأسلحة الذاتية ومستقبل الحرب"، قراءة مقارنة تفكك وهم "التحكم البشري الفعّال" في قرارات القتل. [27]
وتجاوزت الكتابات الأحدث نمط "احتكار الدولة المتقدمة للسلاح الجوي" الذي حلله شامايو في 2013. يطرح جيمس باتون روجرز، في "دليل دي غرويتر لحرب المسيّرات"، أطروحة "العصر الثالث للمسيّرات" (Third Drone Age)، موضحًا كيف أدى الانتشار الواسع للمسيّرات التجارية الرخيصة، ومسيّرات الرؤية من المنظور الأول (FPV)، والتكتيكات المتبادلة في حروب أوكرانيا وغزة والشرق الأوسط، إلى كسر الاحتكار التكنولوجي للدول الكبرى.[28] وبالمثل، يحلل لارس سيلاندر، في كتابه "كيف تقاتل المسيّرات"، التحول من "المسيّرات الاستراتيجية الموجّهة عن بُعد" إلى "المسيّرات التكتيكية الانتحارية"، مما يفكك افتراض شامايو الأولي حول اللاتكافؤ البنيوي المطلق، ويرسم ملامح ميدان قتال أصبح فيه الطرف المعتدي نفسه عرضة للتهديد عبر مسيّرات منخفضة التكلفة.[29]
أما من ناحية أتمتة الاستهداف وتوليد قوائم القتل آليًا، فتتجاوز كتابات أخرى نموذج "تحليل نمط الحياة" الفردي واجتماعات "ثلاثاء الإرهاب" البشرية التي ارتكز عليها شامايو. يوضح كتاب "دليل البحث في الحرب والذكاء الاصطناعي"، المحرر من قِبل روبن غايس وهينينغ لاهَمان، كيف تحوّل قرار الاستهداف من عملية مراجعة بشرية متأنية إلى "مصانع أهداف خوارزمية" تعمل عبر التعلم الآلي.[30]
وفيما يخص شرعنة هذه الحروب والموقف السياسي منها، يقدم بول لوشينكو وشيام رامان في كتابهما "شرعية حرب المسيّرات: تقييم التصورات العامة"، دراسة مسحية مقارنة تفكك مفهوم شامايو حول "الفقدان الذاتي لشرعية الحرب" عند انتزاع عنصر المخاطرة البشرية. ويبيّن الباحثان كيف تعمل الدول والمؤسسات العسكرية بفعالية على إعادة إنتاج "سرديات الدقة والشرعية" لإقناع الرأي العام بأن الضربات المؤتمتة بالمسيّرات هي الخيار الأكثر ضبطًا وأخلاقية.[31]
تكمن النقلة بين أطروحة غريغوار شامايو والكتابات الأحدث في الانتقال من فهم المسيّرة كأداة معزولة تحتكرها الدول الكبرى لممارسة "عنف أحادي الاتجاه" يُلغي التبادلية ويستحيل فيه موت القاتل، إلى تحليلها بوصفها مجرد عقدة ضمن نظام بيئي خوارزمي أوسع. فبينما ارتكز شامايو على تفكيك البنية الفلسفية والسياسية لـ "المطاردة الفردية" وتتبع "نمط الحياة" عبر مراجعة وقرارات بشرية مباشرة، تكشف الكتابات الأحدث عن جوانب أخرى، منها تآكل فرضية "اللاتكافؤ المطلق" والتأمين الكامل للمعتدي مع انتشار المسيّرات التكتيكية والانتحارية رخيصة التكلفة لدى أطراف من غير الدول.