الحروب الإدراكية: الخوارزميات في خدمة الهيمنة
يتناول دانييل إريارتي في كتابه "الحروب الإدراكية: كيف تستخدم الدول والشركات والجواسيس والإرهابيون عقلك كساحة معركة" الجوانب غير المرئية للهيمنة الذهنية والتلاعب بالرأي العام، وكيف تُستخدم السرديات لتجميل الوجه البشع للحروب والتطبيع مع السطو على مقدرات الشعوب وقراراتها. كما يكشف الحياد الزائف للخوارزميات التي تحولت إلى أدوات للتأثير في محتوى المنصات الاجتماعية وتوجيه الانتخابات وزعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي بأقل كُلفة.
فكيف يقرأ عبد الرفيع زعنون[1] أطروحة الكتاب، وما حدود مقاربته في تفسير دور التكنولوجيا في الصراعات السياسية وتحولات المجتمعات؟
في الحروب، لا يتوقف الصراع عند حدود الميدان؛ فهناك معركة أخرى تدور على تفسير ما يحدث، وعلى الرواية التي تصل إلى الجمهور وتترسخ في أذهانهم. ومع اتساع نفوذ المنصات الرقمية، باتت الخوارزميات أدوات للتأثير في الرأي العام، وتوجيه الانتباه، وتعزيز روايات بعينها على حساب أخرى. في هذا السياق، يأتي كتاب "الحروب الإدراكية: كيف تستخدم الدول والشركات والجواسيس والإرهابيون عقلك كساحة معركة"[2] للكاتب الإسباني دانييل إريارتي، المتخصص في تحليل تحولات الأمن الدولي في ظل التضليل الإعلامي والحروب الهجينة (Hybrid Warfare).
يستعرض الكتاب، على امتداد اثني عشر فصلًا، تجليات "حروب الوعي"، من الجيوش والقوات السيبرانية والمنصات الافتراضية إلى حروب العصابات الرقمية (Digital Guerrillas) ومرتزقة المعلومات المضللة والتلاعب الخوارزمي بالانتخابات. كما يناقش تطور الاستخدامات السياسية والأمنية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ومسارات الانتقال من الشبكات إلى الشوارع، وآليات زعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي منخفضة التكلفة. وينطلق الكاتب في ذلك من تجربته السابقة مراسلا صحفيا في خمسين دولة، لإبراز الجغرافيا السياسية للبيانات، وكيف توظف القوى التوسعية أدوات الحرب الإدراكية ضمن استراتيجيات الهيمنة، مع تركيز خاص على إسرائيل.
الدول والجيوش والمنصات الافتراضية
تُعدّ "الحرب الإدراكية" الجيل الأحدث في سلسلة الحروب الهجينة، وتختلف عن سابقاتها في استهدافها البنية المعرفية للمجتمعات باعتبارها هدفًا استراتيجيًا مباشرًا، من خلال قوات سيبرانية (Cyber Troops) مدججة بأدوات تدخل مرنة، تسعى إلى احتلال العقول عبر سرديات توفر غطاءً معرفيًا للتأثير في الرأي العام المحلي والعالمي. وللاستدلال على هذا التحول الكبير، يشير الكتاب إلى نماذج عدة دالة؛ فقد بررت روسيا غزوها لأوكرانيا بالسعي إلى استئصال محاضن النازية الجديدة، ومنع حلف شمال الأطلسي (الناتو) من إنشاء حديقة خلفية تطوّق المجال الاستراتيجي الروسي. وفي المقابل، تبرر الولايات المتحدة نزوعها إلى السيطرة على غرينلاند بمسوغات "غير استعمارية"، من قبيل تثبيت توازنات السلم العالمي وكبح تمدد النفوذ الروسي والصيني. أما إسرائيل، فقد حاولت تبرير قصفها العشوائي لقطاع غزة بالادعاء أن القطاع لا يضم مدنيين "حقيقيين"[3].
ضمن محور فرعي لا يخلو من دلالة، يحمل عنوان "الإسرائيليون المبتكرون"، يرى الكاتب أن إسرائيل كانت سبّاقة إلى توظيف آليات الحرب الإدراكية في سعيها إلى إقناع العالم بالرواية الصهيونية للوقائع، عبر سرديات مخادعة. وقد تجلّى ذلك في محاولاتها المتعاقبة لتطوير منظومة الدعاية الإسرائيلية (Hasbará). غير أن محدودية هذه المساعي سرعان ما ظهرت أمام الإمكانات التي أتاحتها منصات التواصل الاجتماعي منذ مطلع الألفية، إذ وجّه تقرير فينوغراد الصادر عام 2007 انتقادات حادة إلى المستوى الحكومي بسبب إخفاقه في كسب التعاطف الدولي خلال سلسلة الهجمات على قطاع غزة وجنوب لبنان في الفترة الممتدة بين عامي 2002 و2006.
وفي إطار الاستجابة لهذا التحدي، أُنشئت المديرية الوطنية للمعلومات باعتبارها إدارة مركزية متخصصة في تأطير الأزمات وهندسة السرديات الرسمية. غير أن دورها ظل محدودًا في إدارة الجانب المعرفي للحرب خلال عملية "الرصاص المصبوب" عام 2009، إذ تضررت صورة إسرائيل بشدة جراء إخفاقها في حجب الأضرار المادية والبشرية الناجمة عن اعتداءاتها على الفلسطينيين. وقد دفع ذلك إلى تطوير أدوات مبتكرة لتحقيق التفوق الإدراكي في النزاعات المستقبلية، من بينها إنشاء وزارة الإدماج والهجرة جيشًا من المدونين اليهود حول العالم لاستهداف المواقع المناهضة للصهيونية. كما جنّدت وزارة الخارجية كتائب من "المرتزقة الإلكترونيين" لنشر تدوينات وتعليقات مؤيدة لإسرائيل عبر مختلف الشبكات. ومن بين هذه المجموعات فرقة "حرب الإنترنت"، التي ضمّت إسرائيليين راكموا خبرات عسكرية في وحدات الاستخبارات، وباحثين متخصصين في الاتصال والقانون والعلوم السياسية، فضلا عن مجموعات صهيونية متخصصة في التدريب على آليات التأثير في محتوى ويكيبيديا، بما يخدم الرواية الإسرائيلية[4].
وللإحاطة بتعقيدات النموذج الإسرائيلي للحروب الهجينة، يتطرق الكتاب إلى تطور الشراكة بين إسرائيل وشركات تقنية متخصصة في تطوير تطبيقات إلكترونية تستهدف طمس السرديات المناهضة للعدوان الإسرائيلي. ومن أمثلة ذلك تطبيق "ميغافون"، المخصص للرد الآلي على المحتويات المنتقدة، وأداة "كلمات من حديد"، التي تُستخدم لتضخيم الرسائل المؤيدة لإسرائيل ونسخ الردود ولصقها في حسابات المستخدمين، وقد استُخدمت على نطاق واسع خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة. وعلى مستوى أكثر تقدمًا، تمكنت إسرائيل من توظيف المنصات الاجتماعية الكبرى لفلترة المحتويات التي تمس صورتها وتكشف مظاهر التدمير والتهجير القسري والتجويع التي مارستها في القطاع بعد السابع من أكتوبر 2023، وذلك باستخدام تقنيات متطورة، مثل الحذف الصامت والحظر الظلي والحجب التلقائي[5].
حرب العصابات الرقمية
شهدت الدولة القومية خلال القرن العشرين تحولين جوهريين أثّرا في هويتها التاريخية؛ يرتبط أولهما بفقدان احتكار القوة أمام صعود قوى مسلحة عابرة للحدود، فيما يتصل الثاني بنهاية سيطرتها على تدفق المعلومات، إذ شكّل الويب 2.0 أساسًا لتفكيك التسلسل الهرمي لأنظمة الإعلام والتواصل.[6] وانطلاقًا من هذا التحليل، يرى الكاتب أن الشبكات الاجتماعية أوجدت فرصة سانحة أمام المعارضة لشن حروب عصابات افتراضية على القوى المهيمنة، مستفيدةً من البدائل المتاحة. ففي سياق مواجهتها عمليات حجب الحسابات المرتبطة بها من جانب منصات وادي السيليكون، نقلت حماس قواتها الافتراضية إلى منصة تلغرام الروسية، حيث ضخت باستمرار آلاف الصور ومقاطع الفيديو، في مسعى استباقي لتفكيك السردية الإسرائيلية والتأثير في المعنويات داخل الجيش.
أما الحوثيون، فقد وظفوا، بالتوازي مع هجماتهم على إسرائيل والسفن العابرة للبحر الأحمر، منظومة رقمية للدعاية تتكون من عشرات الحسابات والقنوات الرسمية وغير الرسمية على الشبكات الاجتماعية الأمريكية، مستفيدين، على خلاف حركات المقاومة الفلسطينية، مستفيدين من تخفيف القيود الذي أعقب إزالة حركة أنصار الله من القائمة الأمريكية للمنظمات الإرهابية عام 2021، قبل إعادة إدراجها في مطلع عام 2024. كما استفادوا من شبكة "ويراستي" الإيرانية. وفي الطرف الآخر من الطيف السياسي، يشير الكاتب إلى تجربة منظمة مجاهدي خلق، التي طورت مختبرات للتضليل الرقمي في ألبانيا، بدعم تقني من الولايات المتحدة ودول أوروبية، وبتمويل سخي من السعودية. وتضم هذه المختبرات شبكة معقدة من الحسابات المخصصة لمناهضة إيران ومهاجمة الصحفيين والباحثين والسياسيين الذين دعوا إلى تبني سياسة أمريكية أقل قسوة تجاهها. وفي المقابل، موّلت إيران عمليات إلكترونية للمنشقين عن المنظمة.
حاول الكاتب تبنّي موقف متوازن في تحليله لظاهرة " العصابات الرقمية"، مستعرضًا نماذج لشبكات التأثير الرقمي التابعة لفاعلين من غير الدول، من بينهم حماس وحزب الله. غير أن عدم تحديده بدقة نطاق هذه الظاهرة أخلّ بموضوعية التحليل. فهو يرى أن حزب الله وحماس يمتلكان شبكات متطورة وآليات دعائية تعمل عبر منصات متعددة، بما فيها منصات شركات وادي السيليكون. غير أن هذه الشركات، في إطار شراكتها مع إسرائيل، أسهمت في تحويل الأراضي المحتلة إلى مختبر دولي لتجريب تقنيات القتل الممنهج الموجّه بالخوارزميات. كذلك، لم يراعِ الكاتب التفاوت في أهداف الدعاية الرقمية وغاياتها؛ فبينما تسعى "التنظيمات المسلحة" التي يناقشها إلى تضخيم التأثير النفسي لعملياتها، يمتد أثر الدعاية الإسرائيلية إلى تلطيف الوجه البشع للإبادة، فضلًا عن تكريس ما يسميه أنتوني لوينشتاين "الاستشراق الرقمي" (Digital Orientalism)، باعتباره شكلا من أشكال التحيز في منصات التواصل الاجتماعي الغربية، التي تنظر إلى شعوب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من منظور تمييزي[7].
مرتزقة المعلومات المضلِّلة واستراتيجية الهدم منخفض التكلفة
أفضى تطور التقنيات الرقمية المستخدمة في تحليل البيانات الضخمة إلى ظهور شركات متخصصة في التلاعب الرقمي بالمسارات الديمقراطية. وبحسب الكاتب، تُعدّ إسرائيل من أبرز الجهات المنخرطة في التلاعب بالعمليات الديمقراطية حول العالم، من خلال شركات متخصصة عدة، أبرزها شركة أرخميدس، التي تدير آلاف الحسابات على منصات التواصل الاجتماعي بهدف توجيه خيارات التصويت لصالح دول وتيارات معينة. وتشرف على عمليات الشركة فرق خارجية تتمركز في الإمارات العربية المتحدة واليونان، إلى جانب فريق داخلي يرأسه الضابط السابق في المخابرات العسكرية الإسرائيلية طل حنان.
وبحسب المعطيات التي جمعها تحقيق استقصائي دولي، تمكنت الشركة الإسرائيلية من ترجيح كفة التصويت في 27 عملية انتخابية في دول أفريقية، مثل السنغال وتوغو والنيجر وتونس، ودول أوروبية، مثل البوسنة والهرسك، وأخرى آسيوية، مثل إندونيسيا. كما تحالفت عام 2016 مع شركة كامبريدج أناليتيكا للتأثير في خيارات الناخبين لصالح دونالد ترامب، وفي استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (Brexit).
تشمل حزمة خدمات "فريق خورخي" (Team Jorge) تلميع صورة المرشح الذي يتعاقد مع الشركة، وجمع المعلومات عن الناخبين المترددين واستهدافهم بمحتوى مخصص، واختراق اتصالات المنافسين لزرع اتهامات ومعلومات كاذبة تُستخدم لإثارة الفوضى في حملاتهم. وتمتد هذه الخدمات إلى التأثير التقني في الأنظمة الانتخابية، كما حدث في الاستفتاء التمهيدي بشأن استقلال إقليم كتالونيا في 9 تشرين الثاني/نوفمبر 2014، حين تمكنت الشركة من التأثير في سير الاستفتاء عبر تعطيل المنصة الرسمية المخصصة لتنظيم مشاركة المواطنين (participa2014.cat). غير أن أبرز أدوات الشركة يتمثل في برنامج حلول التأثير الإعلامي المتقدمة (AIMS)، الذي أتاح تخزين ونشر 30 ألف صورة تحمل تواريخ رقمية تعود إلى سنوات سابقة، إلى جانب إنشاء آلاف الروبوتات التي تتيح النشر التلقائي للرسائل الدعائية بلغات متعددة، ضمن عشرات العمليات الانتخابية.
وفي السياق الأمريكي، يناقش الكتاب تطور آليات التأثير الانتخابي للجهات الموالية لإسرائيل، من الحملات الإعلامية التقليدية إلى التعاقد مع شركات تقنية متخصصة. ومن أمثلة ذلك شركة ستويك (STOIC) للتسويق السياسي، التي أدت دورًا في التأثير في خيارات التصويت خلال انتخابات عام 2024، من خلال استهداف أعضاء الكونغرس المعارضين للحرب الإسرائيلية على غزة بنحو 600 ملف شخصي مزيف، في محاولة للتأثير في قراراتهم. كما أنشأت الشركة مئات الصفحات والحسابات المزيفة لنشر معلومات مضللة عن معاداة السامية في الجامعات الأمريكية، والترويج للمحتوى المؤيد لإسرائيل. كذلك، استهدفت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية، من خلال مشروع "الديمقراطية المتحدة"، مرشحي الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي الذين دعوا إلى ربط الدعم المالي لإسرائيل باحترام حقوق الإنسان[8].
خاتمة: ما وراء الخوارزميات
تكمن الإضافة النوعية للكتاب في تتبعه تحولات الحرب الإدراكية، التي أصبح العقل البشري مسرحها الرئيسي، وفي تحليله المستفيض لدائرة الفاعلين فيها، التي لم تعد تقتصر على الدول والجيوش بمفهومها التقليدي، وإنما امتدت لتشمل الشركات الخاصة العاملة في التسويق الرقمي والاستشارات السياسية والعلاقات العامة السوداء، والجهات المنخرطة في الاستخبارات الرقمية عبر ميليشيات الإنترنت والمرتزقة الرقميين. وتضاف إلى هؤلاء منصات التواصل الاجتماعي التي باتت توفر، بفضل البيانات الضخمة المجمعة والخوارزميات المستخدمة، أسلحة فتاكة قادرة على زعزعة استقرار الديمقراطيات، عبر أدوات متقدمة لاختطاف النقاش العام وتوجيه سلوك الجماهير. ويوضح الكتاب كيف تنتقل آثار هذه الأدوات من الشبكات الافتراضية إلى الشوارع وصناديق الاقتراع. ويتقاطع هذا الطرح مع أفكار الفيلسوفة الإسبانية أديلا كورتينا، التي ما فتئت تحذر من الاستخدامات السلطوية للخوارزميات والذكاء الاصطناعي في رسم خرائط انتخابية تعكس تفضيلات النخب المهيمنة على التكنولوجيا الرقمية، عوضًا عن الاختيارات الحرة للشعوب[9].
وعلى الرغم من شمول التحليل لأهم محاور الصراع حول العالم، فقد استبطن الكاتب، ضمنيًا، الرؤية الأمنية الغربية الأطلسية المعروفة بتوجسها الوجودي من الخطر القادم من الشرق، وهو ما يتجلى في إحالاته المتكررة إلى تطور آليات الحرب الإدراكية لدى روسيا وإيران والصين. وصحيح أنه خصص حيزًا مهمًا من فصول الكتاب للتأثير الإسرائيلي، فإنه كاد، في المقابل، يسوّي بين الضحية والجلاد عند المقارنة بين ضحايا هجمات السابع من أكتوبر وضحايا الإبادة الجماعية التي تنفذها إسرائيل بصورة منهجية منذ عقود. كذلك، لم يتناول، في سياق تحليله الفاعلية الرقمية للجهات الفاعلة من غير الدول (Non-State Actors)، مجموعات اليمين المحافظ في الولايات المتحدة الأمريكية وتيارات النازية الجديدة في أوروبا.
وقد أسهم هذا القصور في إغفال تفاعلات الحروب الإدراكية داخل المعسكر الغربي، في ظل التحالف الناشئ والمتنامي بين شركات التكنولوجيا الكبرى ومالكي المنصات والتيارات الشعبوية، وهو تحالف ساعد هذه التيارات على تحقيق مكاسب انتخابية واسعة في الديمقراطيات الغربية. ويتجلى ذلك في الدعم التقني الذي قدمه إيلون ماسك وغيره لأحزاب اليمين المتطرف في المجر وألمانيا وهولندا، وما يصاحب ذلك من تآكل النموذج الديمقراطي الليبرالي من الداخل، لمصلحة نظام "تكنو-شعبوي" (Technopopulism) يقوم على الانكفاء والإقصاء ومعاداة التعددية[10].
علاوة على ذلك، قد يُؤخذ على الكتاب ركونه إلى التفسير التقني والاستخباراتي للأحداث السياسية، المستند إلى معطيات مراكز الأبحاث والمختبرات الأمنية. فمن شأن هذا المنظور تكريس نوع من الحتمية التكنولوجية التي تبالغ في تقدير قدرة الخوارزميات و"مزارع المتصيدين" (Troll Farms) على صناعة الواقع السياسي، مقابل التقليل من شأن العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المحلية التي تدفع الناخبين نحو خيارات متطرفة. وينطوي هذا المنظور على نزعة قدرية (Fatalistic) تصوّر المواطنين متلقين سلبيين للمعلومات، يسهل توجيههم وبرمجتهم، وتتجاهل قدرة المجتمعات على مقاومة مختلف أشكال التنميط والإخضاع. وقد يفضي هذا التصور، تبعًا لذلك، إلى تفسيرات تبسيطية للتحولات الانتخابية، تختزل صعود التيارات الشعبوية في التلاعبات الخوارزمية أو التمويلات الخفية، بما يحد من القدرة على فهم الديناميات الاجتماعية المعقدة التي تُحدث تحولات مستمرة في اتجاهات التصويت، ومنها إخفاق النخب التقليدية، وتراكم الأزمات الاقتصادية، وتداعيات العولمة.