القارئات والقراء الأعزاء،
تبدو الغربة في مفهومها المألوف تحوّلًا في المكان، ومغادرة نترك فيها البيت والأهل والصِّحاب نحو وجهةٍ جديدة، هذه المغادرة لا شكّ تخلّفُ شعورًا بالفقدِ والحنين، أمّا في مفهومها المعنويّ فهي حالة جوّانيّة تعتري الإنسان وإن لم يبدّل مكانه، بأثرٍ من اختلافه الفكريّ والإنسانيّ مع محيطه، وعلى ما سبق تتفرّع الغربةُ في وجهين؛ وجهٍ نختاره بشيء من إرادتنا وإن لم تكن مُطلقة، وآخر يختارنا رغمًا عنا، فنصبحَ مرتهنين إلى مكان لا نُحسنُ الانتماء إليه.
في النفي، نتحوّل إلى ذواتٍ مهشّمة مبعَدة، إمّا إجبارًا تحت وطأة الملاحقة الأمنيّة، أو اختيارًا بحثًا عن مدياتِ حريّةٍ أرحب في عالمٍ جديدِ. وقد شهدت المنطقة العربية، لعقود، هجراتٍ بحثًا عن فرص أفضل للحياة والعمل، بيدَ أنّ هذه المنطقة لا تعدِم أن تقدّم لمواطنيها أسبابًا أكثر عنفًا ودفعًا ناحية اللجوء؛ فبسقوط بغداد بدأت موجة جديدة من هجرة العراقيين، تبعتها الثورات العربية، والحروب في سوريا واليمن والسودان، ليتحوّل مفهوم اللجوء من خيارٍ لتحسين شروط الحياة إلى حلّ أخير للنجاة والاستمرار.
وبهذا تتوزّع حيواتُ كثيرٍ من الناسِ، تروي جانبًا منها مقاعدُ الانتظار في المطارات، ومحطّات القطار، ومقعد في مقهى حيث النافذة يبحثُ فيه الغريبُ عن وجهٍ يشبهه يعيده من غربته ولو لِثوانٍ، قبل أن تصفعه وجوه المارّة إذ تومئ إليه بحقيقةٍ واحدة: "أنتَ دخيل!".
وعليه، لا تختزل المذكرات التي نقرؤها في هذا العدد في حكاية "بداية جديدة" في مكان آخر؛ فخلف الانتقال والهجرة والمنفى أسئلة أكثر تعقيدًا: ماذا يحدث للهوية حين تتغير الأمكنة؟ ماذا يبقى من البيت حين لا يعود الوصول إليه ممكنًا؟ وكيف يعيد الإنسان تعريف نفسه حين يطالبه الآخرون، مرة بعد أخرى، بأن يشرح اسمه وأصله ولغته ومكانه؟
تفتح كلمات محمود درويش عن إدوارد سعيد الباب على هذه الأسئلة، حين تتجاوز الغربة حدود المكان لتعيد تشكيل الإنسان من الداخل، بما يحمله من لغة، وما يخسره من ذاكرة، وما يُطلب منه أن يشرحه للآخرين باستمرار:
فاحملْ بلادك أَنَّى ذَهَبْتَ...
وكُنْ نرجسيّاً إذا لزم الأَمرُ
منفىً هو العالم الخارجيُّ
ومنفىً هو العالم الداخليُّ
من أَنت بينهما؟
لا أُعرِّفُ نفسي تماماً
لئلاّ أُضيِّعها.
يتتبّع ديفيد تريسيليان في مراجعته "الخروج من الهامش عبر التعليم" كتابين لأكاديميين فرنسيين بارزين من أصول شمال أفريقية، يرويان فيهما مسارهما من الهجرة إلى النجاح المهني، وما يكشفه هذان المساران عن علاقة الأصل الاجتماعي والعائلي بنظام التعليم والعمل في فرنسا. كتب إلموهوب موهود ومروان محمد مذكراتهما، جزئيًا على الأقل، ليكملا صورة ناقصة عن مسارات أبناء المهاجرين من شمال أفريقيا، وعن الطريق التي قادتهما إلى مواقع أكاديمية مرموقة.
يستعيد إلموهوب موهود، الاقتصادي من أصول قبائلية جزائرية، في كتابه "الاسم الأول: مسودة لسيرة ذاتية للهجرة الجزائرية" مساره الذي انتهى به إلى رئاسة إحدى أعرق الجامعات الفرنسية. أما مروان محمد، عالم الاجتماع من أصول مغربية، فيروي في كتابه "لم يكن الأمر محسومًا! من التعثر الدراسي إلى المركز الوطني للبحث العلمي: حكاية عودة إلى القمة" انتقالَه من التعثر الدراسي إلى العمل في المركز الوطني للبحث العلمي، إحدى أبرز المؤسسات البحثية في فرنسا.
لا يقدّم الكاتبان نجاحهما قصة صعود فرديٍّ تحقق بالإرادة وحدها. يشددان على دور المعلمين وشبكات الدعم ونظام التعليم الجمهوري المجاني في تشكيل مساريهما، وعلى أثر الظروف الاجتماعية والمؤسسات التي أتاحت لهما الوصول إلى ما وصلا إليه. ومع ذلك، لا يختفي الأصل الاجتماعي والعرقي بمجرد الوصول إلى قمة السلم الأكاديمي. يروي موهود أنه أراد أن يكتب تاريخًا اجتماعيًا وسياسيًا شخصيًا للهجرة الجزائرية، ويستعيد حادثة في عشاء برجوازي باريسي، حين سأله جنرال فرنسي متقاعد عن اسمه قبل أن يستنتج أن القبائل "أكثر ذكاءً وتحضرًا" من "العرب". تختصر هذه الحادثة، في بساطتها الظاهرية، استمرار تصنيفات ترجع إلى تاريخ استعماري طويل، وتكشف أن الشهادة الجامعية والمكانة الأكاديمية لا تمحوان بالضرورة الطريقة التي يُنظر بها إلى الاسم والأصل.
أما مروان محمد، فيستعير سؤال سارتر: "لمن نكتب؟"، ليجيب: لمن يشبهوننا. فيكتب أن تاريخه الشخصي هو تاريخ جماعي، يمنيّ ومغربيّ وفرنسيّ في آن واحد، عربيّ وأمازيغيّ، استعماريّ وما بعد استعماريّ، حضريّ وشعبيّ، تاريخ للجامعات والأفكار. من خلال هذه السيرة، يفتح نقاشًا حول الخلفية الاجتماعية والسيرية لإنتاج المعرفة في فرنسا، مستفيدًا من تجربته كباحث من أصول شعبية تعرض للتصنيف العنصري، ليطرح أسئلة عن الوسط الأكاديمي وعلاقات القوة داخله.

وإذا انتقلت السيرتان السابقتان بأسئلة الهجرة من فضاء المؤسسات، كالمدرسة والجامعة ومراكز البحث، فإن المذكرات النسائية الثلاث التي تتناولها رشا فائق في مراجعتها "البيت الذي لا نصل إليه" تنقل هذه الأسئلة إلى فضاءات أكثر حميمية: الجسد والذاكرة والإيمان والعائلة.
تستعيد الشاعرة والكاتبة الفلسطينية الأمريكية هالة عليان، في مذكراتها "سأخبرك عندما أكون في البيت"، تجربتها مع الهجرة والتنقل بين الكويت ولبنان والولايات المتحدة، في ظل إرث عائلي مثقل بالنكبة الفلسطينية وتاريخ طويل من التهجير. تتقاطع هذه السيرة مع تجربة شخصية شديدة الحساسية، هي محاولات الحمل المتكررة ثم اللجوء إلى الحمل البديل، وما رافق ذلك من فقد واضطراب عاطفي وإعادة نظر في معنى الأمومة. تتجاور في الكتاب أصوات الأمهات والجدات والقصص الموروثة مع بلدان تُعاش في الوجدان أكثر مما تُعاش على الأرض، فتتجاوز السيرة حدود التجربة الشخصية لتلامس معنى المنفى والنجاة وإرث الترحال بين الأجيال.
أما لميا هـ، فتستعيد في "حجاب بوتش بلوز" رحلة امتدت من الطفولة إلى الرشد، كامرأة/شخص غير مطابق للجندر، ومسلمة محجبة، ومهاجرة كويرية، تحاول فهم ذاتها عند تقاطع الدين والجندر والهوية والانتماء، في غربة من نوع آخر لا ترتبط بالمكان وحده. لا تسير الحكاية في خط سيرة تقليدية؛ إذ تتشكل الذات من خلال الانتقال بين بيئات مختلفة، وصولًا إلى الولايات المتحدة، حيث تواجه الكاتبة الإسلاموفوبيا والعنصرية وأشكالًا متعددة من الإقصاء.
وفي "الطرف الخطأ من الطاولة"، تستعيد آيسر سلمان انتقالها من بغداد إلى الولايات المتحدة في ثمانينيات القرن الماضي، بعد هجرة عائلتها هربًا من النظام العراقي. ومن خلال تنقل الأسرة، تروي محاولاتها المستمرة للاندماج في المجتمع الأمريكي، وسط شعور دائم بالاغتراب كامرأة عربية تحمل ملامح واسمًا يضعانها في موقع الاختلاف. ويشتد هذا الشعور بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حين تتحول الهوية العربية والمسلمة من اختلاف ثقافي إلى موضع اشتباه سياسي، فيغدو الاسم والجسد والمظهر محمّلين بدلالات يفرضها الآخر، ويصبح الاندماج تفاوضًا مستمرًا مع صورة جاهزة عن الذات.
وبين المذكرات الخمس جميعًا، يمتد خيط واحد: لا أحد يصل تمامًا، ولا أحد يعود كما كان؛ فالغربة لا تنتهي بمجرد الوصول إلى مكان جديد، والمنفى لا ينتهي بالعودة إلى المكان الأول؛ إذ تترك المسافة أثرها في صاحبها، فيغدو الوصول نفسه شكلًا آخر من أشكال الغربة، وتصبح العودة محاولة لاستعادة بيت تغيّر، أو ذات تغيّرت، أو كليهما. وتلتقي التجارب عند السؤال نفسه: كيف يحافظ الإنسان على حقه في تعريف نفسه حين يصرّ الآخرون على تعريفه من الخارج؟
هذا العدد لكل من حمل وطنًا لا يكتمل في حقيبة سفر، ولكل كاتبة وكاتب يحاول أن يوثّق تلك المسافة المعقدة بين الذاكرة والانتماء، وبين المكان الذي نغادره والمكان الذي نحاول أن نصير جزءًا منه. قد تكون هناك غربتان، وقد يكون هناك منفى، وقد لا يكون هناك بيت نصل إليه تمامًا. ومع ذلك، تظل الكتابة إحدى الطرق التي نحاول بها أن نقول: هذا ما بقي مني، وهذا هو المكان الذي أحاول أن أجد فيه نفسي.
دمتم بخير
رهام عمرو