يقدّم كتاب "عصر الأفندية: ممرّات الحداثة في مصر خلال فترة الهيمنة الاستعمارية وبناء الأمة الحديثة" للوسي ريزوفا قراءةً اجتماعية وثقافية لتكوّن طبقة الأفندية ودورها في تشكيل ملامح الحداثة المصرية بين أواخر القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين. ومن خلال منهج "التاريخ من أسفل" تتتبّع المؤلفة نشأة هذه الفئة من المتعلمين والمهنيين، بوصفهم وسطاء بين الدولة الاستعمارية والمجتمع، وصانعي خطاب وطني حديث. وتجادل بأن الأفندية كانوا، من جهة، نتاجًا للإصلاحات والتأثيرات البريطانية، ومن جهة أخرى فاعلين أساسيين في صياغة الهوية القومية والتفاوض بين التقاليد والحداثة.
علي علاء[1]
حين شرعتُ في قراءة كتاب "عصر الأفندية: ممرّات الحداثة في مصر خلال فترة الهيمنة الاستعمارية وبناء الأمة الحديثة"[2] للباحثة لوسي ريزوفا، الصادر عن "الكتب خان" بترجمة محمد الدخاخني، استحضرتُ على الفور شخصية "الباز أفندي" التي أدّاها توفيق الدقن في فيلم ابن حميدو، تلك الشخصية التي تجسّد صورة الأفندي الحديث بمظهره الأنيق، وبدلته المرتّبة، وثقته العارفة بخبايا الأمور.
تناول باحثون، من بينهم يوآف دي كابوا وإسرائيل جريشوني، مفهوم "الأفندي" في دراسات سابقة، غير أنّ فرادة مشروع ريزوفا تتجلّى في تنوّع أدواتها المنهجية وسعيها إلى إعادة تركيب المفهوم عبر مراحله التاريخية المختلفة. فقد اعتمدت على ثلاثة مسارات رئيسة: الأرشيف غير الرسمي الذي تتبّعته في مكتبات الأزبكية، بما أتاح لها استعادة أصوات مهمّشة خارج الوثائق الرسمية؛ والأرشيف البصري، ولا سيما الأفلام السينمائية؛ ثم السير الذاتية التي دوّنها الأفندية أنفسهم.
لا يقدّم الكتاب سردًا تاريخيًا تقليديًا بقدر ما يتحرّك بين مقاربات متعدّدة، من التحليل السوسيولوجي إلى القراءات الأدبية، فيغدو نصًا نابضًا بالصور والحكايات، يتتبّع مسار تشكّل الحداثة في مصر، ويتساءل عن كيفية إنتاجها، وعن اختلاف الأجيال في تمثّل معنى "الأفندي". ويجدر التنبيه إلى أنّ هذا العمل كان في الأصل دراسة منشورة ضمن كتاب "رؤية جديدة لمصر"[3]، الصادر بترجمة المركز القومي للترجمة عام 2013، قبل أن يُعاد توسيعه وصياغته في صورته الحالية.
الثقافة الأفندية
تميل ريزوفا إلى مقاربة الأفندي بوصفه ظاهرة ثقافية تتجاوز التصنيف الطبقي الصرف. غير أنّ هذا الطرح يظلّ، في تقديري، بحاجة إلى إسنادٍ أوسع يراعي تشابك البعدين الثقافي والاجتماعي، ولا سيما دور الدولة في إعادة تشكيل البنى الطبقية. ويتتبّع الكتاب تطوّر المفهوم منذ ارتباطه بالنخبة البيروقراطية التي نشأت مع مشروع محمد علي، وصولًا إلى تبلوره بوصفه هوية ثقافية حملت لواء التحديث، خاصة عبر مؤسسات التعليم الحديثة.
وتعرض المؤلفة الحداثة بوصفها حصيلة ممارسات يومية تبنّاها الأفندية في مسار تحوّلهم الذاتي؛ فقد تشكّلت هويتهم من خلال التمسّك بثقافة عليا، والسعي إلى تجاوز ما عُدّ تخلفًا اجتماعيًا، وتبنّي أنماط عيش جديدة. وفي قراءتها للفصل الأول، تقدّم ريزوفا تصورًا مغايرًا للتعليم الحديث؛ إذ تنظر إليه باعتباره فضاءً لصياغة الذات وتكوين الأفندي، لا مجرد مؤسسة للضبط والانضباط.
وتُبرز الكاتبة أنّ تشكّل شخصية الأفندي كان ثمرة تفاعل متبادل بين المجتمع والدولة معًا؛ فالتاريخ لا تصنعه مؤسسات الحكم وحدها، وإنما تسهم فيه أيضًا الممارسات الثقافية والاجتماعية، من كتابة السير الذاتية إلى إنتاج الأفلام، بوصفها أدوات لإعادة تعريف المكانة والهوية في زمن التحوّل.
أصوات الأفندية
يكتسب الكتاب أهميته من إبرازه لأصوات الأفندية عبر مذكراتهم الشخصية، مثل مذكرات أحمد أمين وعالم الاجتماع سيد عويس، وغيرهم. يركّز الفصل الثاني على تصوير الأفندي بوصفه نتاجًا لسياقات اجتماعية واقتصادية متشابكة، من خلال ممارسات ثقافية عُرضت باعتبارها تعبيرًا عن صعود طبقة الأفندية، وليس مجرد واجهة اجتماعية.
تتعمّق لوسي ريزوفا في عقول الأفندية خلال سنواتهم المبكرة، مستكشفة رؤيتهم لما يحيط بهم، وأحلامهم وطموحاتهم. في هذا السياق، نلمس طبقة ظهرت في ظل الاستعمار، لكنها سعت لإيجاد فضاءات للعمل العام وصياغة حداثتها الخاصة. ومع ذلك، تغفل المؤلفة بعض التحولات الداخلية داخل طبقات الأفندية الناتجة عن أزمات الدولة في الثلاثينيات والأربعينيات، كما يظهر في نموذج سيد كريم الذي ناقشه محمد الشاهد في كتابه الحداثة الثورية.[4]
وينبغي الإشارة إلى أن مسألة الثروة لم تُطرح بوصفها وسيلة مباشرة للترقّي الاجتماعي، بقدر ما اعتُبرت جزءًا من رحلة الأفندي، بدءًا من التحاقه بالمدارس الحديثة إلى انخراطه في النسيج الحضري وأشكاله الاجتماعية. كما يقدم الفصل الثاني منظورًا جديدًا تجاه التعليم الديني، الذي غالبًا ما يُنظر إليه في السياق الحالي كعلامة على التخلف، بينما ترى ريزوفا أن اتقان التعليم الحديث والأزهري في ذلك الوقت شكّل رأس مال اجتماعي مهمًا.
ومن هذا المنطلق، تركّز منهجية ريزوفا على الممارسات الاجتماعية اليومية، معتبرة إياها جسرًا يربط بين التقليد والحداثة. فمثلاً، كان ارتداء البدلة وسيلة لإظهار الطابع الحداثي في سياق صعود المجلات التي مثلت رأس مال ثقافي يُستهلك ضمن طبقة الأفندية. أي أن إنتاج الأفكار والممارسات الاجتماعية بهذا المعنى يقدّم رؤية جديدة لمواجهة الاستعمار، إذ لم يقتصر الصراع على المظاهرات أو العمليات المسلحة، وإنما شمل مواجهات ثقافية وفكرية واجتماعية قادتها نخب محلية سعت إلى صياغة صوتها الخاص وبناء صورة الأفندي الحداثي المنتج للأفكار، لا مجرد مستهلك لها. من منظور ريزوفا، لم يكن الأفندي في صراع لإثبات جذوره الفكرية أو العودة إلى الريف، بقدر ما كان يسعى لاستيعاب العالم الجديد وتكييف مرجعياته لصالح حداثته الخاصة.
ممرات الأمل
يركّز الفصل الثالث على ثيمة الصراع، الذي يظهر في ظاهر الأمر مرتبطًا بخلافات بسيطة حول الملبس أو التصرفات الاجتماعية أو حتى لكنة النطق باللغات الأجنبية، بينما تكمن حقيقة الصراع في تحديد من يمتلك الحداثة وكيف يُعرّفها. يتجلّى هذا المنظور في الفصل من خلال وجود نوعين من الحداثة: الحداثة "الجيدة"، المنتجة عن جهود أولاد البلد الذين صعدوا سلم الترقّي الاجتماعي، والحداثة "السيئة"، التي رُوّج لها بعد الاستقلال بوصفها امتلاك الثروة والصفات الأخلاقية الضعيفة.
تقدّم ريزوفا رؤية مختلفة تجاه التعليم الحديث، إذ تراه فضاءً للمعرفة يمكن للجميع الوصول إليه، وليس مقصورًا على فئة محددة، مما يجعل هذا المعيار علامة مميزة لشخصية الأفندي. فالالتحاق بالتعليم الأزهري كان إعدادًا لوظائف محددة، بينما كان التعليم الحديث وسيلة لاكتساب معرفة وأنماط تفكير تمكن الفرد من تطوير نفسه وشق طريقه باستقلالية. ويؤكد الكتاب من خلال السير الذاتية التي درستها ريزوفا أنّ التعليم كان أحد علامات النبوغ، مع التحذير من أن الاعتماد على قصص النجاح الفردية قد يغفل الصعوبات التي حالت دون حصول فئات كبيرة على التعليم الحديث.
حياة كريمة
يتناول الفصل الرابع جيلًا جديدًا من الأفندية يختلف عن أسلافه؛ فقد تلاشى تأثير السلطة الأبوية، وأصبح بإمكان هؤلاء إيجاد مساحة مستقلة للعمل العام، وصارت الحداثة مرتبطة بسياق الطبقة الوسطى وممارسات الأفندية اليومية. تبدأ الكثير من السير الذاتية التي أنتجها هذا الجيل بإعلان وفاة الأب، دلالة على رحلة فردية من الصعود والصمود أمام صعوبات الترقّي، وانفصال كامل عن عالم القرية أو الحارة، كما يظهر في سيرتي سيد قطب وسيد عويس، حيث يتركز الاهتمام على قدرة الفرد على قراءة الواقع وبناء هويته بما يتناسب مع تجاربه الشخصية وكفاحه المستمر.
تُبنى هذه السير على مفهوم الرحلة، فتصبح قصص الصمود والكفاح معيارًا تقدّمه الطبقات الوسطى للتعبير عن نجاحها ومقاومتها للظروف القهرية. وسيرة طه حسين في الأيام نموذج بارز؛ فهي تقدم رؤية فردية دقيقة لمسار حياته، بعيدًا عن الاختزال الذي اعتمده التاريخ المصري، فتشكّل وثيقة فريدة عن المثابرة والاجتهاد في طلب العلم، وتحوّل الفرد إلى صورة لمجتمع يسعى للحرية والتحرر من الظلام عبر رحلة التحدّي.
يبرز الفصل الخامس كيف ساعدت عمليات الدمج بين الطبقات الوسطى والفقيرة على تكوين ثقافة أفندية موسّعة للنضال الوطني، بحيث شارك الجميع في مشروع تحرير الوطن، مع الحد من الخلافات الدينية والإقليمية. ويكتسب الفصل أهميته لقدرته على تفسير ما حدث لاحقًا في انقلاب الضباط الأحرار عام 1952، حيث كان المشاركون من أبناء الريف والصعيد، لكنهم امتلكوا رؤى برجوازية ومركزية.
وتستطيع الحداثة الوطنية تنظيم الموارد الطبيعية ضمن تراتبية عقلانية قابلة للقياس، وهو ما يتطلب وجود مركزية الدولة لإدارة الموارد وتحقيق النهضة التنموية. بالتالي، لم يعد لواء التحديث ناتجًا عن صراعات لإنشاء سلطة، كما حدث في فترات سابقة، بل أصبح مرتبطًا بإدارة مركزيّة واستراتيجيات تنموية واضحة.
ويعالج الفصل مسألة أوقات الفراغ بين النخب المثقفة الشابة، التي كانت تمثل مصدر قلق للدولة، فاستُحدثت الأندية الرياضية لامتصاص هذا الغضب، في مرحلة انتقالية شهدت تمردًا نسبيًا ضمن سلطة استعمارية ونظام ملكي مفكك، وبيئة سياسية فشلت في تلبية مطالب الديمقراطية والاستقلال. هنا، يظهر دور سياسة الدولة كأداة مركزية لتنظيم حياة الشباب، وسط صعود تيارات مثل حركة "مصر الفتاة" و"جماعة الإخوان المسلمين"، التي ركزت جهودها على توجيه الشباب.
ختامًا، يُعدّ كتاب "عصر الأفندية" مهمًا من حيث تقنيات الكتابة التي توظفها ريزوفا لتعقّب مفهوم وعالم الأفندي، وتتبع تطوره منذ نشأة الدولة الحديثة على يد محمد علي. وتتيح تعددية الأصوات وطريقة السرد المتنوعة تجربة قراءة غنية، وتكشف عن الدور المعقد للأفندية في مواجهة الاستعمار، والمشاركة في الإصلاحات التعليمية والثقافية، وصياغة خطاب قومي حديث، مع الاحتفاظ بالقدرة على النقد والمقاومة. كما يطرح الكتاب تساؤلات مهمة حول كتابة التاريخ نفسها، التي كثيرًا ما تتجاهل المنظور الأدبي والكتابات الذاتية، مؤكّدًا أن الكتابة التاريخية الناجحة تحتاج إلى مرونة، واستناد إلى مصادر متعددة، وليس الاقتصار على الوثائق الرسمية والأرشيف الصعب الوصول إليه.
[1] تعبّر وجهات النظر الواردة في هذا النص عن آراء كاتبها، ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر منصة "الصالون".
علي علاء كاتب مصري.
[2] لوسي ريزوفا، عصر الأفندية: ممرّات الحداثة في مصر خلال فترة الهيمنة الاستعمارية وبناء الأمة الحديثة، ترجمة: محمد الدخاخني (الكتب خان، 2024)
[3] رؤية جديدة لمصر 1919-1952، تحرير: آرثر جولد شميدت، إيمي ج. جونسن، باراك أ. سالموني، ترجمة: عايدة الباجوري (المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2013).
[4] محمد الشاهد، الحداثة الثورية: العمارة وسياسات التغيير في مصر 1936-1967، ترجمة: أمير زكي (المركز القومي للترجمة، 2021).