يُعدّ كتاب "الهجرة القسرية في البلدان العربية" إضافةً نوعيةً إلى حقل دراسات اللجوء، إذ يعالج الظاهرة ضمن إطار تحليلي موزَّع على ثلاثة محاور مترابطة. يتناول المحور الأول الإطار القانوني الدولي لحماية اللاجئين والنازحين، كاشفًا أوجه القصور في منظومة اللجوء وانتقادات توظيفها سياسيًّا من قِبل بعض الدول المتقدمة. ويبحث المحور الثاني في إكراهات اللجوء وآفاق الاندماج من خلال نماذج تطبيقية، أبرزها تجربة اللاجئين العراقيين في هولندا. أما المحور الثالث فيحلّل تحوّلات سياسات الهجرة في أوروبا، ولا سيما تجربة اللجوء السوري في ألمانيا، وما أثارته من رهانات اقتصادية وثقافية حول مستقبل الاندماج.
سارة السناوي[1]
بلغ عدد النازحين قسرًا في العالم نحو 82.4 مليون شخص عام 2020، وكانت المنطقة العربية من أكثر المناطق تأثرًا بهذه الظاهرة؛ فعلى الرغم من أن سكانها لا يشكّلون سوى قرابة 5% من سكان العالم، فإنها تستضيف ما يقارب 32% من اللاجئين و38% من النازحين داخليًا، وهو ما يرتبط بتحديات متفاقمة، في مقدّمتها الفقر المزمن، وتصاعد الصراعات، ولا سيما الصراع مع الكيان الصهيوني، فضلًا عن التأثيرات المناخية والتحولات البيئية الحادة والضغوط الحضرية المتزايدة، مع تحمّل دول مثل الأردن ولبنان أعباء كبيرة بوصفهما من أبرز البلدان المستقبلة للاجئين. وفي هذا السياق، صدر عام 2022 كتاب "الهجرة القسرية في البلدان العربية"[2] عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وهو من تأليف مجموعة من الباحثين وتحرير غسّان الكحلوت.
وتكشف التقديرات الأحدث عن اتساع هذه الأزمة بوتيرة لافتة؛ إذ بلغ عدد الذين أُجبروا على الفرار من ديارهم عالميًا نحو 117.3 مليون شخص بحلول منتصف عام 2025، بينهم أكثر من 42.5 مليون لاجئ ونحو 67.8 مليون نازح داخليًا، وهي أرقام تفاقمت في سياق استمرار النزاعات، ولا سيما ما أسفرت عنه حرب الإبادة في غزة من موجات نزوح واسعة أسهمت في زيادة أعداد المهجّرين وتعميق حدّة الأزمة الإنسانية.
المنطقة العربية: بؤرة للهجرة القسرية
تتعامل الدول العربية مع الاتفاقيات الدولية الخاصة باللاجئين بحذرٍ شديد، إذ تعتمد معظمها على تطبيق سياساتها الداخلية في هذا الصدد. وقد أثار التدفق الهائل لملايين اللاجئين مخاوف عديدة في البلدان المستضيفة، ولا سيما في ظل ما قد يترتب على عبورهم للحدود من تحديات تمسّ سيادة الدولة. كما تتصاعد المخاوف الأمنية المرتبطة بصعوبة التحقق من هويات بعض الوافدين، وقد فاقم التنامي السريع في أعداد اللاجئين هذه الهواجس، وزاد من حدة القلق في المجتمعات المضيفة.
ولا يمكن إغفال أن الدول العربية تواجه تحديات إضافية في التعامل مع هذه الأزمة؛ فالبنية التحتية في العديد منها لا تملك القدرة الكافية على استيعاب هذه الأعداد الكبيرة، مما يفرض ضغوطًا متزايدة على الموارد والخدمات الأساسية، مثل الصحة والتعليم والإسكان. وإلى جانب ذلك، تبرز تحديات ثقافية واجتماعية تتصل باندماج اللاجئين في المجتمعات المحلية، وهو ما قد يفضي في بعض الأحيان إلى توترات بين السكان واللاجئين.
تبدّل الأهداف: تأثيرات التدخل الغربي في الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين
صُمِّمت منظومة حقوق الإنسان الدولية المعاصرة لتوفير حماية خاصة للفئات الأشدّ ضعفًا، مثل الأطفال والنساء المهمَّشات وذوي الإعاقة. ومن أبرز ما يتناوله الكتاب تحليل كيفية تعامل بعض الحكومات الغربية مع مسألة اللاجئين، إذ تعتمد نهجًا يقوم على تقاسم الأعباء بين الدول، وهو نهج يرى فيه عدد من الباحثين تكريسًا لنوع من التمييز العالمي، بالنظر إلى أن معظم اللاجئين ينتمون إلى دول العالم النامي، الأمر الذي يعمّق الفجوة بين الدول المتقدمة والنامية.
ووفقًا لما يورده الكتاب، فقد أفضت سياسات بعض هذه الحكومات إلى تشويه الهدف الأساسي لاتفاقية اللاجئين،[3] عبر تحويلها في الممارسة إلى أداة للتنصّل من المسؤوليات؛ إذ يُصار في كثير من الأحيان إلى نقل اللاجئين إلى دول أخرى بدل توفير الحماية المباشرة لهم، مما يعرّضهم لمخاطر متعددة، من بينها خطر الإعادة القسرية، ويزيد من معاناتهم الإنسانية والأمنية.
ويكشف هذا النهج عن فجوة واضحة بين المبادئ المعلنة لحقوق الإنسان والواقع الفعلي الذي يعيشه اللاجئون، وهي فجوة تتجلى بوضوح في سياق الأزمات المعاصرة، ولا سيما ما تشهده غزة من أحداث جسيمة وما يرافقها من موجات نزوح ومعاناة إنسانية متفاقمة. وفي ظل هذه الوقائع، تبدو بعض الاتفاقيات والمعاهدات الدولية عاجزة عن توفير الحماية الفعالة للفئات المتضررة.
كما يشير الكتاب إلى أن قانون اللجوء الدولي يُعد من أبطأ فروع القانون الدولي العام تطورًا؛ فمن الناحية التشريعية، لم يشهد تحديثًا جذريًا منذ وضع صكوكه الأولى في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وهو ما يعكس قصورًا في مواكبة التحولات العالمية والتحديات المستجدة. أما على مستوى آليات الحماية، فلم تُستحدث إجراءات شبه قضائية مماثلة لتلك المعتمدة في منظومة القانون الدولي لحقوق الإنسان، كما لم تُنشأ آليات قضائية على غرار ما هو معمول به في القانون الجنائي الدولي، الأمر الذي أوجد فجوات واضحة في الصكوك والآليات على السواء، ودفع في كثير من الحالات إلى الاستعانة بآليات حقوق الإنسان لسد هذا النقص.
وتبرز هذه الفجوات الحاجة الملحّة إلى تطوير منظومة قانون اللجوء الدولي، بحيث تصبح أكثر قدرة على الاستجابة للتحديات الراهنة وضمان الحماية الفعلية للاجئين في ظل الأزمات المتفاقمة. ويستدعي ذلك مراجعة استراتيجيات التعامل مع قضايا اللجوء، وتبني سياسات أكثر شمولًا وإنسانية تراعي الأوضاع المعقدة التي يواجهها اللاجئون، ولا سيما في مناطق النزاعات، فضلًا عن تعزيز التعاون الدولي وتوفير الدعم للدول المستضيفة، بما يسهم في ترجمة المبادئ الإنسانية إلى ممارسات ملموسة على أرض الواقع.
تحديات اللجوء وآفاق الاندماج
في المحور الثاني من الكتاب، يُسلَّط الضوء على واقع اللاجئين وأبعاد المشكلات المتعددة المرتبطة باللجوء والنزوح القسري، فضلًا عن الحلول الممكنة والإكراهات التي تواجههم في مسارات اللجوء وآفاق اندماجهم في المجتمعات المستضيفة. ويتناول الكتاب موجات الهجرة القسرية في العالم العربي، بدءًا من التهجير في مناطق "ج"[4] والأغوار الفلسطينية في ظل "الاستعمار والاستيطان الإسرائيلي"، مرورًا بالحروب الداخلية في السودان، وصولًا إلى الصراعات في اليمن، والهجرات العراقية والسورية بين العالم العربي وأوروبا.
كما يتطرّق إلى تهجير الأقليات الإثنية والدينية في المناطق المتنازع عليها، مثل تهجير الأيزيديين بعد عام 2014، وتأثير الطائفية السياسية في موجات النزوح، كما حدث بإدلب في سوريا. ويبيّن كيف تداخلت هذه العوامل لتنتج تحديات معقّدة أمام اللاجئين، سواء في البلدان المضيفة أو في سياق اندماجهم في مجتمعات جديدة تختلف ثقافيًا واجتماعيًا عن أوطانهم الأصلية.
ويعرض الكتاب نماذج تطبيقية لإكراهات اللجوء وآفاق الاندماج، من بينها تجربة اللجوء العراقي في هولندا، واللجوء السوري في لبنان. فقد شهدت هولندا خلال عقد التسعينيات تدفّقًا كبيرًا من اللاجئين العراقيين، حتى أصبحوا أكبر مجموعة وافدة جديدة حتى عام 2016، قبل أن يتجاوزهم السوريون عددًا. ومع ذلك، ظلّت تجربة العراقيين محورية في النقاشات المتعلقة بسياسات اللجوء والاندماج في أوروبا.
ويتناول أيضًا التحديات التي واجهها العراقيون في محاولاتهم للاندماج في المجتمع الهولندي، موضحًا أن العقبات لم تكن اقتصادية أو اجتماعية فحسب، بل امتدّت إلى أبعاد ثقافية ونفسية، إذ كان عليهم التكيّف مع بيئة جديدة وهم يحملون ذاكرة مثقلة بتجارب الحرب والاقتلاع. وعلى الرغم من صعوبة مسار الاندماج، تشير مؤشرات عديدة إلى تحقّق تقدّم تدريجي، إذ أظهر تحليل البنية الاجتماعية والاقتصادية للعراقيين في هولندا تقاربًا متناميًا، مع طول مدة الإقامة، مع بنية المجتمع الهولندي، ولا سيما في المجال التعليمي. كما أن استقطاب فئات شابة من العراقيين أسهم في إحداث تحوّل ملموس في البنية العمرية والتعليمية للجالية العراقية في المهجر، وهو ما يعزّز احتمالات اندماج أكثر رسوخًا على المدى البعيد.
مستقبل الاندماج: عوامل تحدّد الطريق
في المحور الثالث، يناقش الكتاب مسألة الهجرة غير النظامية في ليبيا، وسياسة الهجرة في الاتحاد الأوروبي وبرامجها، بالإضافة إلى برامج التعاون غير الحكومي الأوروبية-العربية، مع الإشارة إلى الهجرة بوصفها موضوعًا للتعاون اللامركزي، وصولًا إلى اللجوء السوري في ألمانيا وإعادة السجال حول سياسات الهجرة. وقد شكّلت الهجرة السورية نقطة تحول عالمية، خاصة للدول الأوروبية، لما لها من أثر ديموغرافي واجتماعي وسياسي ملموس.
في هذا السياق، يتعمق الكتاب في مسألة تدفق اللاجئين السوريين والمسلمين إلى ألمانيا خلال عامَي 2015 و2016، الذي شكّل تحولًا بارزًا في تاريخ الهجرة إلى هذا البلد، بعد موجة العمال الأتراك في ستينيات القرن الماضي. ومن المتوقع أن يصبح السوريون ثاني أكبر أقلية مسلمة في ألمانيا بعد الأتراك، ما يعكس تحولات ديموغرافية كبيرة، قد تؤدي إلى مزيج من الاندماج والصراع داخل المجتمع الألماني.
يُعزى السبب الرئيس لاستقدام اللاجئين إلى انخفاض نسبة المواليد، الذي يهدد نمو الاقتصاد الألماني، على عكس الوضع السابق الذي شهد نقصًا في اليد العاملة، مما دفع ألمانيا لاستقطاب العمالة التركية. هذا الواقع شكّل الدافع وراء قرار المستشارة أنجيلا ميركل بفتح أبواب البلاد أمام اللاجئين، مستندة إلى القوة الاقتصادية لألمانيا التي يُفترض أن توفر بيئة مناسبة لاستيعاب الوافدين بفعالية، مع الحرص على تجنب أخطاء موجة الهجرة السابقة عبر تطوير سياسات اندماجية أكثر وضوحًا وفاعلية.
يشير الكتاب إلى أن الرهان الاقتصادي للحكومة الألمانية يُنظر إليه من قِبل منتقدي سياسة الهجرة والاندماج على أنه رهان ثقافي، إذ يدّعي هؤلاء النقاد أن المسلمين لا يمكنهم الاندماج في المجتمعات الغربية بسبب الدين الذي يُعتقد أنه يتعارض مع القيم الحداثية. ويؤكد الكتاب أن مستقبل الاندماج يعتمد على عاملين رئيسيين: الأول استمرار قوة الاقتصاد الألماني، والثاني قدرة اللاجئين أنفسهم على التكيف والاندماج في المجتمع الجديد.
يقدم كتاب "الهجرة القسرية في البلدان العربية" رؤية عميقة حول قضايا اللجوء والاندماج، ويكشف عن واقع مرير يعيشه الكثيرون تحت وطأة النزاعات والأزمات، في الوقت نفسه، يفتح نافذة أمل لأولئك الذين تكبدوا معاناة كبيرة في سعيهم نحو حياة أفضل. فالكتاب لا يقتصر على استعراض التحديات، بل يعرض أيضًا إمكانيات للتغيير والتحسين، مؤكدًا أهمية التضامن الدولي وفهم أعمق لقضايا اللجوء، ويعكس بذلك الأمل في تحويل المعاناة إلى فرص، والإيمان بقدرة الإنسانية على تجاوز الأزمات نحو مستقبل أكثر إشراقًا.
[1] تعّبر وجهات النظر الواردة في هذا النص عن آراء كاتبها، ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر منصة "الصالون".