دينا عزت[1]
في الثالث من شباط/ فبراير، ودّع جمهور معرض القاهرة الدولي للكتاب نسخته السابعة والخمسين، التي عُقدت في مركز مصر للمعارض الدولية بمنطقة التجمع الخامس في القاهرة الجديدة، بعد أسبوعين تردّد خلالها الملايين على أروقته. حقّق الناشرون المصريون، إلى جانب نظرائهم القادمين من الدول العربية، مبيعات لا يمكن وصفها بالمرتفعة، لكنها لم تكن منخفضة أيضًا، رغم ارتفاع أسعار الكتب، لا سيما تلك الصادرة عن دور النشر الخاصة، وبدرجة أقلّ الإصدارات المعروضة لدى دور النشر الحكومية، مثل الهيئة العامة للكتاب، والهيئة العامة لقصور الثقافة، والمركز القومي للترجمة.
وبينما بدا الأدب طاغيًا في جديد إصدرات الناشرين المشاركين في هذه الفعالية الثقافية الكبرى، سواء تلك المكتوبة أصلًا باللغة العربية أو المترجمة إليها، حظيت إصدرات في السياسة والتاريخ والفلسفة بحضور واضح في المعروض من الكتب، كما شهد المعرض عودة ملحوظة للشعر.

وقد لفتت الانتباه كذلك مجموعة من العناوين الصادرة في عام 2025 وبدايات 2026، عكست تنوّعًا في الموضوعات والاهتمامات؛ من بينها كتاب "وليّ النعم: محمد علي باشا وعالمه" لخالد فهمي عن دار الشروق، ورواية "المعبود" لإبراهيم الكوني عن دار مسكيلياني، ورواية "جلسة شاي في أصفهان" لمرجان كمالي عن المركز الثقافي العربي، إلى جانب رواية "على سرير الكتابة" للأسير الفلسطيني المحرّر ناصر أبو سرور عن دار الآداب في بيروت، وهي سردية من أدب السجون تتّخذ من تجربة الاعتقال نقطة انطلاق لبناء عالمها الأدبي.
وبين مآسي غزة، وأسئلة الهوية والتاريخ السياسي لمصر، وصولًا إلى سير أدبية ومذكّرات ورسائل لرجال ونساء من الخليج والمشرق والمغرب، برزت عناوين لافتة في المعرض، الذي يصفه الناشرون بأنه من أهم معارض الكتاب في العالم العربي، رغم تراجع القدرة الشرائية لدى الجمهور المصري.
عن غزة... منها وإليها
أصدرت "الكتب خان" المصرية عام 2025 ترجمتها العربية، الممهورة باسم المترجم عبد المجيد المهيلمي لكتاب بيتر بينارت "أن تكون يهوديًا بعد تدمير غزّة: لحظة حساب". في كتابه يتحدث بينارت بإيجاز عن الدمار والقتل والتخريب المتعمّد الذي ألحقته إسرائيل بغزة خلال حربٍ استمرت عامين، قتلت فيها عشرات الآلاف من الأرواح، وأُصيب مئات الآلاف، وانهارت فيها مقومات الحياة من أبسطها إلى أكثرها تعقيدًا. لكنه يحاجج مطوّلًا بضرورة أن يكون هذا القتل والتدمير سببًا في أن يواجه كل يهودي، سواء كان يعيش في إسرائيل أو خارجها، ذاته، وأن يتساءل عمّا إذا كان ما حلّ بغزة يمكن تبريره من الناحية الدينية التي تطالب كل يهودي بالتحلّي بحسن الأخلاق وألّا يقع في خطيئة القتل، التي يذكر الكاتب أنها من أسباب حلول غضب الرب على الشعب اليهودي.
في مقدمة الطبعة العربية، يقول إنه يواجه في أحيان كثيرة اتهامات من بعض اليهود بأن كتبه تروّج لمعاداة السامية. ولبينارت العديد من المؤلفات من أشهرها "النضال الشريف" و"متلازمة إيكاروس" و"أزمة الصهيونية". ويضيف الكاتب في مقدمته أن ما يتحدث عنه لا يتعلق بالسامية أو، على وجه أدق، باليهودية، لأن الربط بين الاثنين، في نظره، لا يتمتع بدقة، كاملة وإنما يتعلق بإدانته لإسرائيل بسبب سوء معاملة الفلسطينيين، وتمكنها من الإفلات من العقاب بفضل قدرتها على الترويج لجرائمها بوصفها "دفاعًا عن النفس"، وبسبب شبكة العلاقات العامة التي استطاعت تأسيسها وإدارتها بكفاءة حول العالم، وخاصة في الغرب، وتحديدًا في الولايات المتحدة الأمريكية. "اليهودية كما أفهمها تضع الأخلاق فوق العلاقات العامة"، هكذا يكتب بينارت في نص كتابه، الصادر في أصله باللغة الإنجليزية في حزيران/ يونيو 2025، بينما كانت الحرب الإسرائيلية على غزة قد تجاوزت عامًا ونصف العام.
ويصر بينارت، في كتابه الذي لفت الكثير من الأنظار أثناء معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام، على أنه لا شيء في أي من النصوص الدينية اليهودية يبيح ما حدث في قطاع غزة، حيث تعرّض الناس للقتل، وأُجبر من نجا منهم على صنع الخبز من التبن، بينما يتضور الأطفال جوعًا ويموتون بردًا. كما يؤكد أنه لا شيء في هذه النصوص يبيح درجة التحكم التي تفرضها إسرائيل على غزة، حتى قبل "أحداث 7 أكتوبر"، والتي وصلت إلى حد التحكم في أنواع الخضروات التي يُسمح للغزّيين بتصديرها. وإضافة إلى ذلك، يرى بينارت أن عملية "طوفان الأقصى" ما كانت لتحدث، على الأرجح، لو لم تفشل عملية السلام التي بدأتها منظمة التحرير الفلسطينية باتفاقات أوسلو عام 1993، ولو تحلّى القادة في إسرائيل بقدر من الالتزام بالجوهر الأخلاقي والروحي لليهودية، عوضًا عن ليّ أعناق النصوص لتبرير ما لا يبرَّر.
إلى جانب إصدار "الكتب خان"، أصدرت "دار العربي" ترجمة عربية لكتاب بعنوان "لسنا أرقامًا : أصوات شباب غزة"، الصادر أولًا بالإنجليزية، وهو يضم شهادات جمعتها مؤسسات غير حكومية لروايات أهل غزة عن الحياة تحت الحصار المفروض منذ عام 2007، عقب فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية. وبحسب الناشر شريف بكر، فإن حرص "دار العربي" على تقديم هذا الكتاب لقراء معرض القاهرة الدولي للكتاب "يهدف إلى أن يعرف القارئ أن الحرب وتبعاتها تتجاوز ما تنقله القنوات الفضائية من مشاهد قتل، وسقوط منازل، واستخراج للجثث، إلى ما هو أكثر من ذلك بكثير في كل تفاصيل الحياة اليومية".
ويضيف: "إن مشاهدة التفاصيل الكبرى للمأساة لا تكفي وحدها للفهم؛ علينا أن نقترب من تفاصيل الحياة اليومية، وهذا ما يقدمه هذا الكتاب، الذي نقوم بتوزيعه مع فاصل مطالعة يحمل ألوان العلم الفلسطيني، وقد خُطّت عليه العبارة التي لا تنازل عنها: فلسطين عربية".
ولم يكن "لسنا أرقامًا" العنوان الوحيد الذي يتيح للقارئ النظر في تفاصيل الوحشية الإسرائيلية بحق المدنيين الفلسطينيين قبل حرب الإبادة التي بدأت في تشرين الأول/ أكتوبر 2023. فكتاب "غزة تقاوم بالكتابة: قصص قصيرة بقلم كتّاب شباب في غزة- فلسطين"، المترجم أيضًا عن الإنجليزية، يتيح للقراء أن يقتربوا من عمق الألم المتراكم في النفس الغزّاوية عبر تصفح أربعٍ وعشرين قصة قصيرة كتبها شبّان وفتيات من غزة بعد عدوان سابق شنّه جيش الاحتلال الإسرائيلي في نهاية عام 2008 وبداية عام 2009.

الترجمة العربية الصادرة عن منشورات تكوين ظهرت طبعتها الأولى في عام 2024، أما الطبعة الثانية فجاءت في عام 2025، بتحرير رفعت العرعير، الشاب الذي كان يدرّس الأدب الإنجليزي المقارن في الجامعة الإسلامية في غزة، والذي استُشهد في بداية حرب غزة عام 2023. ويفتتح العرعير الكتاب بكلمات: "ورغم حكم إسرائيل علينا بالموت المرة تلو المرة… سنظل نحلم ونصلي، وسنظل نتشبث بالحياة أكثر وأكثر".
القصص الواردة في الكتاب، والتي تقوم في معظمها على أصلٍ من الواقع، لا تتحدث فقط عن أثر الحرب على أهل غزة، وإنما أيضًا عن علاقتهم، كما بقية الفلسطينيين، بأرضهم، وعن تلازم حياتهم مع الموت بحضوره الطاغي في غزة على يد آلة القتل الإسرائيلية، وكذلك عن ذلك التوق الذي لا يبارح صدورهم إلى حياة أفضل، إضافة إلى الحديث عن الذاكرة الفلسطينية الجمعية وضرورة الحفاظ عليها بوصفها أداة من أدوات المقاومة.
وفي جناح "دار الآداب"، التي شاركت بعدد غير كبير من العناوين هذا العام، برز كتابان عن غزة: الأول رواية "غزة الناجية الوحيدة" للكاتبة اللبنانية غادة الخوري، والثاني سرديات مجمّعة للكاتبة السورية سمر يزبك، بعنوان "ذاكرة النُّقصان: روايات أهل غزّة عن الإبادة".
تبدأ الخوري روايتها باقتباس من الروائي الفلسطيني غسان كنفاني، صاحب الرواية القصيرة الباهرة "رجال في الشمس"، الذي اغتالته إسرائيل في مطلع السبعينيات: "نحن لا نتوقع، طبعًا، أن يتركنا أعداؤنا نغيّر تاريخ المنطقة ونزعزع مراكزهم الاستراتيجية والاستعمارية دون أن يبذلوا أقصى جهدهم لمنعنا من ذلك… وهكذا فإن المعركة قاسية".
تفاصيل الموت للشهداء، والإماتة الفعلية للأحياء الذين بُترت أنصاف أجسادهم أو أطرافهم، تنطق بها صفحات كتاب سمر يزبك، التي تنظر إلى هؤلاء المقعدين على الكراسي المتحركة في مشهد يجعلهم يبدون كما لو كانوا "أسرابًا من الطيور السوداء تحمل المعاناة المديدة للشعب الفلسطيني". وتتساءل الكاتبة: "هل يمكن حقًا وصف هؤلاء بالناجين" من الإبادة؟ ثم تتساءل أيضًا: "أين يذهب الألم حين تغيب العدالة؟".
تكتب يزبك عن ألمها وعجزها في مواجهة كل أشكال النقصان التي تملأ الفضاء في غزة، لكنها تصر على ألّا رجعة عن التدوين، لأنه "عندما لا تُجمع تجارب العنف غير العادية هذه معًا في قصة متماسكة فإنها تهرب منا"، في استكمال لفعل الإبادة، حيث تُمحى الذاكرة بعد محو البشر والحجر.
أما "دار الكرمة" فأصدرت أحدث روايات الكاتب محمد سلماوي، التي عنونها بـ"السماء الثامنة"، في عنوان يستدعي الفكرة الفلسفية لما بعد السماء السابعة. يضع الكاتب هذه الفكرة على لسان البطل عمر، وهو يتحدث إلى البطلة أماني أثناء حوار بين محبَّين يشاركان في مظاهرات الطلاب في الجامعات المصرية مطلع السبعينيات، للمطالبة بالحرب من أجل استرداد الأرض التي احتلتها إسرائيل، مع غيرها من الأراضي العربية، بما في ذلك ما تبقّى من الأرض الفلسطينية التي لم تُحتل عام 1948، ثم احتُلّت في حرب 1967 بعد هزيمة الجيوش العربية.
يصف عمر لأماني تلك السماء الثامنة بلغة تلامس الصوفية بوصفها رمزًا للمأمول البعيد، لكن حبهما ينتهي بمصير يشبه انكسار آمال التحرير بعد عام 1967؛ إذ يفترق الحبيبان، وينتهي الأمر باستشهاد عمر طبيبًا متطوعًا في غزة. ومن وحي تجربة جيل السبعينيات الذي ينتمي إليه محمد سلماوي، وعبر خلفيته النضالية الرافضة للصلح المنفرد، يوازي النص بين وجع المصريين وأوجاع الغزيين، راسمًا صورًا تبرهن على تلاحم المصير بالقضايا الكبرى للأوطان، والمفارقة الحادة بين التمسك بالحلم والارتطام بالواقع.
أقباط مصر: الماضي الملحّ والمكاشفة الآنية
بينما تراجع النهم الكبير لإصدار عناوين جديدة كثيرة عن يهود الدول العربية، وخصوصًا اليهود المصريين، وهو الموضوع الذي سيطر على كثير من الإصدارات في السنوات الخمس الماضية، شهد معرض الكتاب هذا العام إضافات مهمة إلى عناوين كانت قليلة نسبيًا حول أقباط مصر؛ تلك الكلمة الملتبسة التي تُستخدم عادة للإشارة إلى المسيحيين المصريين عمومًا، بدل معناها الأدق الذي يحيل إلى أتباع الكنيسة المصرية الأرثوذكسية، وهم الغالبية العظمى من المسيحيين في المجتمع المصري.
تشير إلى هذا الالتباس نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، وصاحبة كتاب "الشخصية القبطية في الأدب المصري" الصادر عن "دار العين" في معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام، والذي يجمع بين دفتيه تحليلًا معمقًا لتمثلات الشخصية القبطية في الأدب المصري الحديث والمعاصر، المكتوب على السواء بأقلام نساء ورجال في مصر، من الأقباط وغيرهم من المسيحيين المنتمين إلى الكنيسة الكاثوليكية، على تنوعاتها، والكنيسة البروتستانتية.
في مقدمته القصيرة للكتاب، التي كتبها الروائي المصري نعيم صبري، المولود في أسرة قبطية قاهرية، يذكر أن الكتاب يطرح عددًا من الأسئلة، أهمها: هل توجد بالفعل شخصية مسيحية تختلف عن الشخصية المسلمة؟ وما صفات هذه الشخصية، إن وجدت؟ وكيف تطورت، وإلى أي مدى تأثرت بالظروف المحيطة؟
أما مسعد فتشير في مقدمتها إلى أن السؤال الأول الذي انطلقت منه هو سؤال التنميط الذي طالما أحاط بالشخصية المسيحية، تلك الشخصية المنغلقة على ذاتها، التي تُنسب إليها صفات الأمانة والاشتغال بالصرافة والمال. وتضيف الكاتبة، التي أبحرت في صفحات عشرات من العناوين المكتوبة منذ مطلع القرن العشرين حتى الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، أن السؤال الآخر الذي شغلها كان أعمق: هل يوجد أدب قبطي غير مكتوب باللغة القبطية؟ وما ماهية هذا الأدب؟ لكنها تقرر منذ البداية أنها لا تميل إلى تصنيف كل ما يكتبه الأقباط ضمن "الأدب القبطي"، إذ إن هناك كتابات أدبية حديثة ومعاصرة تتناول الأقباط وغيرهم من المسيحيين كتبها مؤلفون غير مسيحيين.

أما "دار الديوان" فطرحت هذا العام كتابًا لكمال زاخر بعنوان "كنيستنا القبطية إلى أين؟ المسارات، الطموحات، المخاطر"، وهو كتاب يشتبك، بحسب زاخر، مع ما يقارب أربعة عقود من الإشكاليات الكنسية. ويحاجج في كتابه الذي يتسم بنبرة هادئة غير اندفاعية، بأن الكنيسة القبطية المصرية، التي عرفت في عقود سابقة جهودًا تنويرية لعدد غير قليل من القيادات الدينية والمدنية القبطية، تواجه اليوم أسئلة كبرى حول واقع الأقباط وحال اندماجهم المجتمعي، رغم ما يحملونه من إرث تاريخي جعلهم في حالة ميل، أحيانًا لا شعوري، إلى التخندق، نتيجة ما تراكم في الذاكرة القبطية الجماعية من إحساس بالحاجة إلى تفادي الآخر دفاعًا عن الهوية اللاهوتية الأرثوذكسية في مواجهة امتدادات كاثوليكية وبروتستانتية.
وفي كل الأحوال، يقول زاخر، إن الكنيسة المصرية ليست كيانًا منفصلًا عن المجتمع المصري، بل تتأثر حتمًا بما يحدث فيه. وفي هذا السياق يتطرق الكتاب إلى لحظات التوتر التي عاشها المجتمع المصري، وإلى مواجهات مع القيادات الرسمية، مثل تلك التي وقعت بين البابا شنودة الثالث والرئيس المصري الراحل أنور السادات، على خلفية توجهات السادات السياسية للتقارب مع الإسلاميين والذهاب بعيدًا في استرضائهم، وما تبع ذلك من حالة حشد وحشد مضاد على مستوى النخب الفكرية في المجتمعين القبطي والمسلم.
أما أحمد صبرة، ففي كتابه الصادر عن "دار العين" هذا العام بعنوان "الأقباط والدولة المسلمة الملتبسة (41هـ/642م – 217هـ/832م)"، يتطرق بصورة مباشرة إلى النقطة التأسيسية في علاقة المجتمع القبطي المصري بالمجتمع المسلم الذي قدم إلى مصر في القرن السابع الميلادي. وبحسب صبرة، فإن هذه النقطة التأسيسية تتجاوز لحظة وصول عمرو بن العاص إلى مصر، وما نُسب إليه، في كثير من الروايات، من قرارات تتعلق بمنح الأقباط حقوقهم دون تدقيق كافٍ في سياقاتها التاريخية.
ويذكر صبرة أن كتابه يمثل الجزء الأول من مشروع يعتزم استكمال دراسة حال الأقباط في مصر عبر ثلاث مراحل: الأولى، وهي موضوع الكتاب الصادر هذا العام، وتتعلق بالمائتي عام الأولى للحكم العربي لمصر؛ والثانية يخصصها لفترة الدولة الفاطمية حتى نهاية الحملة الفرنسية في مطلع القرن التاسع عشر؛ أما الثالثة فستتناول الفترة الممتدة من نهاية الحملة الفرنسية حتى عام 2013. والأصل في هذا المشروع، بحسب "دار العين" وبحسب الكاتب نفسه، هو النظر إلى العلاقة من منظور الأقباط الذين تمسكوا بديانتهم رغم ما كان يتيحه التحول إلى الإسلام، أحيانًا، من مزايا اقتصادية، وهو ما لم يكن محل تقدير كافٍ لدى بعض المؤرخين، على الأقل بصورة مباشرة.
ناصر والسادات: قراءات استرجاعية
شهد معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام صدور عدد غير قليل من الكتب التي تتناول حكم الرئيسين المصريين جمال عبد الناصر وأنور السادات، اللذين تواليا على حكم البلاد بعد حركة الضباط الأحرار التي استحالت ثورة في تموز/ يوليو 1952.
وبعض هذه العناوين حديث الصدور، فيما يعود بعضها الآخر إلى سنوات سابقة. ومن المجموعة الأخيرة وفّرت دار المحروسة نسخًا من كتابها الصادر عام 2015 تحت عنوان " تحت عنوان "قراءات في مذكرات ضباط يوليو 1952"، والذي يلتزم فيه طلعت رضوان بما يعد به العنوان؛ إذ يتجوّل في مذكرات عدد من شخصيات "يوليو 1952" ليقدّم مجموعة من الخلاصات شديدة الجدلية، من أبرزها القول إن تنسيقًا ما جرى بين الضباط الأحرار والولايات المتحدة لضمان نجاح إقصاء فاروق عن الحكم وانتقال الدولة إلى يد الضباط الذين قاموا بعزل آخر ملوك مصر. كما يذهب إلى أن جمال عبد الناصر مارس قدرًا من الخداع والانتفاعية السياسية، سواء مع الضباط الأحرار أنفسهم، وعلى رأسهم محمد نجيب، ليقصيهم بعد أن دانت له الأمور، أو مع الإخوان المسلمين الذين اعتمدهم سندًا في بدايات "حركة يوليو" قبل أن ينقلب عليهم ويرسل بقياداتهم إلى السجون والمشانق.
ويرى الكاتب كذلك أن عبد الناصر تحرّك في السنوات الأولى من حكمه، الذي بدأ فعليًا في ربيع 1954 وانتهى في خريف 1970، في إطار من التنسيق أو الاسترشاد بالولايات المتحدة، قبل أن يتصاعد الصراع بين الجانبين لاحقًا. وبشكل مباشر ومتكرر يصف رضوان حركة الضباط الأحرار عام 1952 بأنها "كارثة"، ويذهب بعيدًا في التحسّر على ليبرالية سياسية واعدة وصحافة متحققة كانت قائمة قبل أن يطيح بها حكم الضباط الأحرار في امتداده المتواصل حتى بدايات عام 2014، حين انتهى من مخطوطه. ويضيف أن حكم الضباط الأحرار كان سببًا في انتشار واسع للفساد والتردّي والتعذيب، كما أدى إلى تراجع كبير في مستويات التعليم والتفوّق في مصر، وهو ما جعل إسرائيل، في رأيه، تتقدم كثيرًا على مصر، بل وعلى دول عربية أخرى استلهمت تجربة 1952، في مجالات عديدة، خاصة البحث العلمي.

أما محمود الورداني، الروائي ذو الانتماء الماركسي، فقد صدر له عن "المحروسة" أيضًا، في هذه الدورة من المعرض، كتاب يمكن وصفه بسهولة بأنه واحد من أفضل إصدارات الدار، رغم أنه في الأصل إعادة إصدار لكتاب كان قد صدر قبل نحو عقدين عن "دار الهلال"، تحت العنوان ذاته: "حَدِتو: سيرة ذاتية لمنظمة شيوعية".
يتمتع النص الكبير بسلاسة ووضوح لافتين، ولا يُخضع الحركة الشيوعية الأشهر في التاريخ المصري للمحاكمة أو حتى للتمحيص الصارم، وإنما يقترب منها، كما يقول في مقدمته، من منظور الراوي لا المؤرخ، وبعيدًا عن الانحيازات السياسية التاريخية التي جعلته يومًا منتميًا إلى تنظيمات لم تكن على وفاق مع "حدتو" (الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني).
فعليًا يقدّم الورداني "حدتو" بوصفها جزءًا من السياق الوطني المناهض للاستعمار البريطاني لمصر، ذلك السياق الذي بدأ عام 1882، وتكرّس مع إعلان مصر محمية بريطانية أثناء الحرب العالمية الأولى، ولم ينتهِ إلا مع اتفاقية الجلاء بعد تموز/ يوليو 1952. و"حدتو"، بحسب رواية الورداني، هي أيضًا قصة سياسية بالمعنيين التقني والإنساني لكلمة "قصة"؛ فلها بدايات لافتة أطلقها يهود مصريون معادون للصهيونية وللاستعمار، لينضم إلى صفوفها بعد ذلك مصريون ومصريات من طبقات اجتماعية مختلفة، من الأرستقراطية إلى الفلاحين والعمال، حتى أصبحت بوتقة جامعة، بل ربما صاهرة، لمعظم الكيانات الشيوعية الموجودة على الساحة المصرية في نهايات النصف الأول من القرن العشرين، قبل أن تُحل في منتصف الستينيات بعد المواجهة العاصفة بينها وبين جمال عبد الناصر، الذي ألقى بكثير من قادتها في السجون، بالتوازي مع حملته على قيادات الإخوان المسلمين.
ويبدو، في الصفحات الأخيرة، أن هذا السرد يصدر عن وعي بالمتوالية الجيلية للحركات الشيوعية والماركسية في مصر، التي بدأت في الربع الأول من القرن العشرين، وكان جيل الورداني أحد تجلياتها اللاحقة، فيما يقف تكوينها الراهن في حال من الحيرة والالتباس بين الماضي والحاضر والمستقبل.
أما "دار المرايا"، التي مُنعت للعام الثاني على التوالي من المشاركة في المعرض، فقد فعلت ما فعلته في العام الماضي، وما سبق أن فعلته "مكتبة تنمية"، التي مُنعت من المشاركة خمس سنوات قبل أن يُسمح لها بالعودة؛ إذ أقامت معرضها الخاص في مقرها بوسط البلد، وقدّمت فيه جديد كتبها إلى جانب إصداراتها السابقة، فضلًا عن حفلات توقيع ونقاشات، يقول الناشر يحيى فكري إنها محاولة للمشاركة في واحد من أهم الأحداث الثقافية في مصر والعالم العربي، ولو عن بُعد.
والتزامًا بخطها التقدمي واهتمامها بتقديم قراءات مختلفة للتاريخ، طرحت "المرايا" هذا العام كتابًا لافتًا لشريف إمام بعنوان "السادات والمنابر وبرلمان 1976: دولة يوليو تفتح باب السياسة وتحتفظ بمفاتيحه!". يقترب هذا النص، بالتحليل، من مساعي المناورة السياسية التي أكثر أنور السادات من اتباعها في النصف الثاني من حكمه، الممتد عبر عقد بدأ بوفاة جمال عبد الناصر في أيلول/ سبتمبر 1970 وانتهى باغتيال السادات نفسه في تشرين الأول/ أكتوبر 1981.
ويروي إمام، بأسلوب مشوّق مدعوم باقتباسات من الصحف والمذكرات والخطب الرسمية والمواد الأرشيفية، كيف تحرّك السادات بهدوء لتفادي الحرب مع إسرائيل عبر رسائل سرية إلى الولايات المتحدة، ثم كيف سعى إلى استثمار "عبور أكتوبر 1973" لإغلاق ملف الحرب، بعد أن اقتنع هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي ثم لاحقًا مستشار الأمن القومي، بأن السادات لم يكن مجرد خليفة عابر لعبد الناصر.
وفي طرح إمام، تبدو الديمقراطية واستعادة الحياة السياسية أقرب إلى لعبة سياسية هدفها خلق مناخ جديد تنزوي فيه التيارات اليسارية التي حملت لواء الاشتراكية في زمن عبد الناصر، لتحل محلها تيارات يمينية، من بينها التيار الديني، بعد أن فتح السادات فصلًا جديدًا في العلاقة مع الإخوان المسلمين، الذين كانوا قد تعرّضوا في عهد عبد الناصر لموجات من القمع والسجن.
غير أن لعبة المنابر (الوسط واليمين واليسار) التي بدأها السادات داخل الاتحاد الاشتراكي قبل إلغائه، ثم تجربة الأحزاب لاحقًا، لم تسر على النحو الذي توقعه، خاصة بعد ما شهده أول برلمان منتخب في عهده عام 1976 من خروج نسبي عن السيطرة، وما صدر عنه من انتقادات لقرار السادات زيارة القدس في تشرين الثاني/ نوفمبر 1977، وما تلا ذلك من توقيع اتفاقية كامب ديفيد. وبعد تحذيره الشهير من أن "الديمقراطية لها أنياب"، قام السادات في 11 نيسان/ أبريل 1979 بحل البرلمان، وذلك في بداية مسار سياسي تصاعدت فيه حدة الغضب واتسعت المواجهات مع مختلف التيارات السياسية، وتزايدت الاعتقالات، قبل أن يُغتال السادات لاحقًا وهو يحتفل بذكرى انتصار أكتوبر.
وهكذا بدا معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته لهذا العام مساحة لاجتماع الأزمنة والموضوعات؛ من قراءات تستعيد تجربة محمد علي باشا وعبد الناصر والسادات، إلى شهادات وسرديات توثّق ما يجري في غزة، مرورًا بكتب تتناول تاريخ الحركات السياسية والفكرية في مصر، واستعادة تجارب فكرية وأدبية قديمة، وصولًا إلى إصدارات جديدة تحاول فهم منطقتنا التي تتغيّر بعنف وسرعة.
وليست العناوين التي وردت في هذه التغطية سوى أمثلة قليلة من بين عدد كبير من الإصدارات المهمّة التي شهدها المعرض هذا العام؛ إذ تفرض محدودية المساحة الاكتفاء بالإشارة إلى بعضها، فيما يبقى المشهد أوسع وأكثر ثراءً مما يمكن الإحاطة به في هذا السياق.
[1] تعبّر وجهات النظر الواردة في هذا النص عن آراء كاتبها، ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر منصة "الصالون"
دينا عزت صحافية مصرية.