يسعى بدر السّماوي في مؤلّفه "نشأة الحماية الاجتماعية بتونس وتطوّرها (1898-1960)" إلى تتبّع جذور الحماية الاجتماعيّة في تونس وظروف نشأتها خلال الفترة الاستعمارية، مع إبراز الدور الذي أدّته السلطات الفرنسية في إرساء أسس هذا النظام، مستفيدةً من خبرتها السابقة في الجزائر منذ سنة 1830. وقد اعتمدت فرنسا الحماية الاجتماعية كأداة لتعزيز حضورها الاستعماري عبر تشجيع الموظفين الفرنسيين على الاستقرار في تونس، بينما ظلّت استفادة التونسيين من هذه القوانين محدودة حتى نيل البلاد استقلالها.
هشام الشرّفي [1]
اهتمت العديد من البحوث التّاريخية التّونسية بالنّضالات السياسيّة وبالقضايا الاجتماعيّة خلال الفترة الاستعمارية، إضافة إلى الحيف الذي مارسته السلطات الفرنسية على التونسيّين في الفترة الممتدّة من سنة 1881 وحتى 20 آذار/ مارس 1956، تاريخ تحصّل البلاد على استقلالها التام.
وبالرّغم من تنوّع مواضيع هذه البحوث، بقي الاهتمام بمسألة الحماية الاجتماعيّة محدودًا، رغم الحضور القوي لمؤسّساتها اليوم في تونس. وليس من الغريب أن يكون مؤلّف "نشأة الحماية الاجتماعية بتونس وتطوّرها"[2] قد جمع بين التخصّص البحثي والخبرة العلمية، إذ عمل في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بتونس لأكثر من ثلاثين سنة، ما مكّن بدر السّماوي من الاطّلاع على أرشيفي غني لم يُستغلّ سابقًا بشكل مكثّف في الدراسات التاريخيّة. وقد دفعه هذا التلاقي بين الاهتمام العملي والمسار المهني الطويل إلى التعمقّ في موضوع الحماية الاجتماعية في إطار أطروحة الدّكتوراه التي ناقشها في كليّة الآداب والعلوم الإنسانية بتونس عام 2014، ونُشرت في نسختها الحاليّة عام 2022.
وجاءت الأطروحة في شكلها النهائي في 396 صفحة، مقسّمة إلى مقدمة وخاتمة وثلاثة أبواب رئيسية، وزّع كل منها على فصلين، مفصّلة بدورها إلى عناوين فرعية، مع اعتماد التسلسل الزمني لتتبع نشأة وتطور الحماية الاجتماعية. وخصص الباب الأول، المعنون "الحماية الاجتماعية من أدوات السياسة الاجتماعية" للفترة الممتدة من 1898 حتى 1922، وهو يشمل 119 صفحة، ويركز على تأسيس التشريعات الأولى لنظام الحماية الاجتماعية في تونس، مثل قانون التقاعد وقانون المنح العائلية، إضافة إلى قانون حوادث الشّغل.
أما الباب الثاني، بعنوان "الحماية الاجتماعيّة في مهبّ السياسة الاستعماريّة"، فقد جاء في 101 صفحة، وتناول الفترة من 1923 إلى 1941، التي تتزامن مع انتهاء الحرب العالمية الأولى واندلاع الحرب العالمية الثانية، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية العالمية بداية من سنة 1929، مع التركيز على مسار تفاعل الحماية الاجتماعية في تونس مع محيطها المحلي والخارجي.
وأخيرًا، جاء الباب الثالث "الحماية الاجتماعية تنهض وتتوسّع" في 117 صفحة، معالجًا تأثيرات الحرب العالمية الثانية وصولًا إلى السنوات الأولى من الاستقلال، إذ شهدت هذه المرحلة تدعيمًا ملموسًا لمجال الحماية الاجتماعية على المستويين الوطني والدولي.
الحماية الاجتماعية بتونس رهينة تطورها بفرنسا
لم تعرف البلاد التّونسيّة نظام الحماية الاجتماعيّة بمفهومه الحديث القائم على الاشتراكات قبل الحضور الاستعماري أواخر القرن التّاسع عشر، واقتصرت مواجهة الأخطار على الأساليب التقليدية كالادخار ومختلف أشكال التّضامن الفردي أو الأسري أو الجماعي. ونظرًا لارتباط نشأة الحماية الاجتماعيّة بتونس بالاستعمار الفرنسي، بقي تطوّر تشريعاتها ومؤسّساتها وهياكلها رهينًا للسلطات الاستعماريّة ولتطوّر هذا النّظام بفرنسا بدرجة أولى، وأوروبا بدرجة ثانية. وقد ركّز الكاتب بشكل كبير على هذا الترابط، وخصّيصًا مسار تطوّر التّشريع الاجتماعي في فرنسا وصداه في تونس، حتّى خلص إلى أنّ "كثير من النّصوص عبارة عن استنساخ للتّشريعات الفرنسيّة".[3]
وتعتبر فرنسا بدورها متأخّرة نسبيًا في هذا المجال مقارنة بألمانيا وإنكلترا، إذ لم تعرف هذا النّظام إلّا خلال القرن التّاسع عشر، نظرًا لرفض الرّأسماليين في البداية أي تدخل للدّولة في مجال الحماية الاجتماعيّة. ومع طرح مسألة الضمان الاجتماعي، اندلعت نقاشات حول دور الدولة في الجوانب الاجتماعية، مع الرجوع إلى تجارب بعض الدول، وأبرزها ألمانيا، التي فرضت ضغوطات الاشتراكيين على بيسمارك للإقرار ببعض التشريعات، مثل التأمين على المرض سنة 1883، والتأمين على حوادث الشغل سنة 1884، والتأمين على الشيخوخة بداية من سنة 1889.[4]
أما في فرنسا، فقد كانت النزعة المهيمنة ترفض تدخل الدولة، بسبب فشل الفئات العاملة في تحقيق نفس المكاسب التي حققها نظراؤهم في ألمانيا، إثر ما اعتبره الكاتب "نكسة هذه الطبقة" بعد فشل تجربة "كومونة باريس" سنة 1871 والهزيمة أمام ألمانيا خلال نفس الفترة. وقد سمح هذا للأعراف الفرنسية بتحييد الدولة عن المجال الاجتماعي حتى أواخر القرن التاسع عشر.[5] ورغم أن نشأة الضمان الاجتماعي في فرنسا تعود إلى أربعينيات القرن التاسع عشر نتيجة تدهور أوضاع العمال من طول ساعات العمل وضعف الأجور وغيرها من النقائص، فإن تغيّر موازين القوى أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أسهم في تدخل الدولة مباشرة لسن قوانين لصالح الفئات العاملة.
كما تأثرت التشريعات المتعلقة بالحماية الاجتماعية بشكل كبير بالظرفية العالمية، وخاصة أثناء الأزمات الكبرى. بعد الحرب العالمية الأولى، شهد الاقتصاد العالمي أزمة أثرت على وسائل الإنتاج، فكان تدخل الدولة ضروريًا لتفادي تأثيراتها السلبية. وعلى المستوى الدولي، نصّت معاهدة السلام سنة 1919 على تكليف منظمة العمل الدولية بتنظيم العمل والعمال والتأمين الاجتماعي والمساعدة الاجتماعية عالميًا، ما يعكس إجماع المجتمع الدولي على اعتبار الضمان الاجتماعي حقًا من حقوق الإنسان، وسعى المكتب الدولي منذ نشأته سنة 1919 إلى جعل تحقيق الضمان الاجتماعي من أولوياته.
وقد دعّم هذا التوجه بعد الحرب العالمية الثانية، إذ استندت الدول الاستعمارية مرة أخرى إلى الضمان الاجتماعي لتجاوز آثار الحرب والتخفيف من حدتها. وبرزت خلال تلك الفترة مسألة الاهتمام بمتضرري الحرب، فاتبعت فرنسا سياسة تشغيل المتضررين منها سواء في فرنسا أو تونس منذ سنة 1924، حرصًا من السلطات الاستعمارية على تهدئة مواطني مستعمراتها المشاركين في الحرب، خاصة بعد تزايد مطالبهم بالتعويض عن تضحياتهم وظهور أصوات تنادي بالاستقلال.
الحماية الاجتماعية، أداة استعمارية
يؤكّد السّماوي في كثير من المحطات في كتابه غياب الحماية الاجتماعيّة بمفهومها المعاصر في تونس قبل الفترة الاستعمارية، والتي تتطلب أن يتحصّل المستفيد على منافع مقابل دفع مساهمات. وقد اعتمدت السّلطات الاستعمارية هذا النظام لإغراء المواطنين الفرنسيين بالقدوم إلى تونس والاستقرار فيها، إذ كان حضور الجالية الفرنسيّة محدودًا نسبيًا مقارنة بالتّونسيّين وبعض الجاليات الأوروبية الأخرى، مثل الإيطاليّين.
ولمعالجة هذا النقص الديمغرافي، لجأت السلطات الفرنسية إلى تقديم الأراضي لتشجيع المعمّرين على الاشتغال بالقطاع الفلاحي، بالإضافة إلى حوافز الضمان الاجتماعي لتشجيع الموظفين الفرنسيين على القدوم إلى تونس، حرصًا على تكوين ما يسميه الكاتب "جيشًا إداريًا" للسيطرة على الوظائف وافتكاكها من التونسيين، وهو ما أسهم في تحويل البلاد إلى ما اعتبره "مستعمرة موظفين".[6]
ومن أهم هذه الحوافز، عملت السلطات الاستعماريّة على توفير جراية تقاعد للموظّفين عند بلوغهم سنًّا متقدّمة في إطار سعيها للمساواة بين الفرنسيّين العاملين بالإدارة المدنية في تونس والموظفّين الذين يشتغلون بفرنسا عبر تقديم نفس الامتيازات. وقد كانت البداية بإصدار القانون المحدث لنظام التقاعد لفائدة الموظفين والأعوان المشتغلين بالقطاع العمومي في 20 كانون الثاني/ يناير 1898، وتدعيمها بتأسيس "الجمعية الاحتياطيّة للموظفين التوانسة" للتّصرف في هذا النّظام خدمة للموظفين العاملين في الإدارات والمؤسسات الفرنسية.
وكانت تطبيقات هذا القانون تعكس الحيف واللامساواة التي بني عليها النظام الاجتماعي، إذ لاحظ التونسيون التمييز بينهم وبين الموظفين الفرنسيين. وتجاوز الأمر مسألة الانتداب، الذي لا يتمتع به إلّا فئة قليلة من التّونسيّين يعانون بدورهم من فوارق في الأجور، إلى صعوبة تمتعهم بمقتضيات قانون التّقاعد الذي لا يسمح لهم أجرهم الزّهيد في الانتفاع بحسناته. وبالتالي يعتبر الفرنسّيون هم المستفيدون بدرجة أولى من هذا القانون، وهو ما أثار حفيظة التّونسّيين آنذاك.
ويتماشى هذا التّوجه مع سياسة التّمييز التي اتبعها النّظام الاستعماري سواء في المجال السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي. وقد نتج عن ذلك محاولات تونسية لتعديل الاختلال والظّفر ببعض الامتيازات المتعلّقة بالحماية الاجتماعيّة. ومن أبرز هذه المطالب نجد تحرّكات أعوان سكك الحديد التي تصاعدت خلال سنتي 1919 و1920، للمطالبة بحقوقهم في تقليص ساعات العمل مثل الفرنسيين والإيطاليين. كما طالبوا بتوفير الأدوية، وتعويض أيام التّغيّب عن العمل بسبب المرض، والحصول على منحة غلاء المعيشة كاملة.
وتدعّم العمل النّضالي من أجل الظّفر بالمساواة في مجال الحماية الاجتماعيّة بتأسيس الاتحاد العام التّونسي للشّغل سنة 1946 كمنظّمة نقابيّة شغيلة تسعى للدّفاع عن العمّال والموظّفين التّونسيّين ضدّ الانتهاكات التي تطالهم والحيف الذي يتعرّضون له. فقد أرسل الاتحاد العام التّونسي للشّغل تقريرًا سرّيًا إلى بعض المنظّمات الدّوليّة سنة 1948 يبيّن فيه أنّ التّشريع الاجتماعي غير مطبّق في تونس وغير مواكب للتّطورات التي شهدتها بقيّة دول العالم، مطالبًا بتطبيق القوانين الفرنسية في مجال الضمان الاجتماعي، بما يشمل التّأمينات الاجتماعيّة والتقاعد والمنح العائليّة وقوانين حوادث الشّغل بتونس.
وأكّد الاتحاد العام التّونسي للّشغل في مؤتمره الرّابع المنعقد في آذار/ مارس 1951 على أهميّة توفير الحماية الاجتماعيّة للتّونسيّين، فكان مطلب الضّمان الاجتماعي متصدّرا، باعتباره أحد أبرز المطالب الحيويّة لمكافحة البطالة، وتقديم منح للعاطلين عن العمل، والتعويض للعامل عند المرض، وتوفير وسائل العلاج والأدوية المناسبة للعمال.
تونسة الحماية الاجتماعية
نقصد بتونسة الحماية الاجتماعية المرحلة التي تحوّل فيها النظام من أداة لتوطين الإداريين الفرنسيين في تونس إلى وسيلة استفادة التونسيين من مضامين تشريعاته. وقد انطلق هذا التوجه منذ الاستقلال مع تشكيل حكومة تونسية واجهت تشريعات لا تتلاءم مع الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للبلاد، واضطرت للتعامل مع تركة الاستعمار الفرنسي الذي كان يهدف أساسًا إلى الحفاظ على مصالح الفرنسيين دون غيرهم.
وكان التحدي أمام المسؤولين التونسيين خلال السنوات الأربع الأخيرة من خمسينيات القرن العشرين يكمن في إعادة التركيز على العناصر الرئيسة والمهمة في منظومة الحماية الاجتماعية ومراجعة التشريعات الاستعمارية الصادرة منذ 1898، بهدف استعادة الحقوق الاجتماعية للتونسيين التي أغفلتها السلطات الفرنسية لصالح موظفيها المقيمين في البلاد.
ولتحقيق ذلك، استعانت الحكومة بخبراء دوليين يعملون ضمن منظمات مثل الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF) ومنظمة العمل الدولية (ILO)، مدعومين بمسؤولين نقابيين سابقين من تونس، انطلقوا من التشريعات السابقة لإعادة صياغتها بما يضمن تفادي نقائصها ويستجيب إلى الطّلبات الشعبية والعمالية التّونسية.
وكانت البداية بقانون التعويض عن أضرار حوادث الشغل، الذي صدر في كانون الأول/ ديسمبر 1957، ملغيًا النصوص السابقة من الاستعمار الفرنسي، بما فيها أمر آذار/ مارس 1921 المؤسس لنظام التعويض عن الأخطار المهنية، وأمر "جانفي 1943" الذي يحدد شروط التعويض عن حوادث الشغل التي وقعت أثناء الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى أمر 1949 حول الزيادة في جرايات المتضررين من حوادث الشغل.
كما أقرّت الحكومة التونسية، إضافة إلى القوانين السابقة، الأمراض المهنيّة بوصفها خطرًا مهنيًا واعتبرت الحوادث التي تقع للعامل أثناء تنقله بين مقر سكناه ومقر عمله كحوادث شغل. وتعد هذه القوانين سابقة تاريخية لبقية أشكال التأمين الاجتماعي الأخرى، وجاءت في إطار تعزيز الطمأنينة لدى الطبقة العاملة وتشجيعها على الإنتاج.
فلئن حافظت الحكومة على بعض الثّوابت التي أسّس عليها الفرنسيّون نظام الحماية، مثل تقسيم نظام الضّمان الاجتماعي وهياكله إلى قطاعين عام وخاص، إلاّ أنها عملت على إعادة هيكلة مؤسّساته، عبر توحيد الصناديق الثّلاثة للمنح العائليّة في الصّندوق المركزي للمنح العائليّة. وقد كان التّركيز منصبّا في البداية على القطاع العمومي، فاستُبدلت الجمعية الاحتياطيّة للموظفين والأعوان التّونسيين، التي تأسست سنة 1898، بما تمثّله من إرث استعماري، بالصّندوق القومي للتقاعد في شباط/ فبراير 1959، للاهتمام بجرايات التقاعد المدنية والعسكرية. كما دعّمت الحكومة هذا الإجراء بإحداث الصندوق القومي للحيطة الاجتماعية ليهتمّ بالموظّفين.
أمّا بالنسبة للقطاع الخاص، فقد صدر القانون المؤسّس لنظام الضمان الاجتماعي في القطاع الخاص والمحدث للصندوق القومي للضمان الاجتماعي في كانون الأول/ ديسمبر 1960، ليضمن حق المنخرطين في العلاج بالمؤسّسات الصحية العموميّة مجانًا، على أن يتحمل الصندوق القومي للضمان الاجتماعي التكلفة السنوية المقررة لوزارة الصحّة. ويأتي هذا الاهتمام بالقطاع الخاص من أجل تقديم خدمات حتى لا يشعر الأجراء في القطاع الخاص بالتمييز مقارنة بنظرائهم في القطاع العام.
ختامًا، ارتبطت نشأة الحماية الاجتماعية في تونس وتطوّرها بنظيرتها الفرنسية، وتأثّرت إلى حدّ كبير بالقوانين التي اعتمدتها الإدارة الاستعمارية لحثّ مواطنيها على القدوم إلى تونس والعمل في القطاعات الإدارية، وتعزيز حضور الجالية الفرنسية فيها، خاصة أنّ أعداد الفرنسيين ظلّت محدودة مقارنة بالإيطاليين طوال الثلث الأول من القرن العشرين. وقد نتج عن هذه السياسة حماية مصالح الفرنسيين مقابل تهميش التونسيين، الذين لم يتمتّعوا بالامتيازات ذاتها، مما أسهم في بروز حركات احتجاجية مناهضة للإدارة الاستعمارية، طالبت بالمساوة مع الموظفين الفرنسيين وسعت إلى انتزاع حقوق تحفظ كرامة الموظفين التونسيين.