مساحة دورية نسلّط فيها الضوء على عناوين حديثة الصدور تتناول شؤون المنطقة العربية وجوارها الجغرافي. نقدّم للقارئ لمحة أولية عنها، بوصفها نوافذ مفتوحة وفق ثيمة أو موضوع يختلف في كل عدد.
محمد مصطفى العبسي[1]
تبرزُ في الأدبيات البحثية الغربية عن الصراع السوري توصيفاتٌ متواترة طبعت مساره، بدءًا من تشتّت الجبهات، مرورًا بالاحتراب الداخلي، وصولًا إلى انفصال سرديّات النزاع في الداخل والمهجر. يجمعُ هذا العدد أربعة إصدارات تتناول محاور متقاطعة: تقنيات الاتصال، العنف مادّة إعلاميّة، وبُنى السّرديات. يبحث الكتابُ الأول في تحوّلات العمل السياسي الرّقمي في سوريا قبل اندلاع الانتفاضة السّورية وبعدها، بينما يتقصّى الكتاب الثاني الاستقطاب الحادّ والمُبكّر الذي ميّز التعاطي الإعلامي والخبري مع أحداثِ الانتفاضة، وما تَبِعهُ من فقدان ثقة متبادل لجهة التعاطي والتصديق فيما يتعلّق بأحداث العنف في سوريا. أمّا الكتاب الثالث فيتناول الموضوع نفسه، أي حرب البروباغندا التي رافقت النّزاع السوري، إلّا أنه يحصرُ موضوعَه في سرديات الإعلام الغربي بعيدًا عن ميدان الحرب نفسِه. وأخيرًا، يبحث الكتاب الرابع في أنماط العنف التي برزت في مشاهد الحرب السورية، والتي تربطها الباحثة بما تسمّيه "حرب الإقناع".
الميديا الجديدة والثورة: التمرّد على النظام السوري في سنوات ما قبل الانتفاضة

Billie Jeanne Brownlee, New Media & Revolution: Resistance & Dissent in Pre-Uprising Syria, McGill-Queen University Press, 2020
تتتبّع بيلي جان براونلي في كتابها دورَ وسائل الإتصال الرقمية في إشعال الثورة الشعبية في سوريا، الملقبة آنذاك بـ "مملكة الصمت"، وذلك بتسليط الضوء على النشاط المدني الخافت والمتنامي داخل المساحات الرّقمية في الأعوام التي سبقت الانتفاضة، وصولًا إلى تحوّله لممارسة شعبية علنية وتمدّد هذا النشاط إلى الشارع والمجتمع في خضم انتفاضات "الرّبيع العربي".
تُعرّف الكاتبة "الميديا الجديدة" بأنها كلّ وسائل الاتّصال والمعلومات التي أتاحها وصول الإنترنت، من مدوّنات ومواقع إخبارية رقمية وشبكات تواصل اجتماعي، إضافة إلى القنوات الفضائية. وقد كرّست هذه الوسائل تدريجيًا، بحسب الكاتبة، انقلابًا اجتماعيًا وسياسيًا على هرمية الإعلام التقليدي، المتمثل بالمطبوعات والإذاعات والقنوات المحلية الرّسمية والخاصة.
تتكوّن المادة البحثية للكتاب من تحقيقات ومقابلات إثنوغرافية جمعتها الكاتبة في دمشق بين عامي 2009 و2010، بحثًا عن الأنماط اليومية والميكروية للنشاط المدني، أي سلوكيات الرّفض والممارسات الصغيرة والمُتمرّدة سياسيًّا، والبعيدة في الوقت ذاته عن رادارات الرّقابة الأمنية. واستأنفت الكاتبة تحقيقها بين عامي 2013 و2014، بعد اندلاع الثورة وموجات النزوح، عبر لقاء نشطاء سوريين وسوريات في لبنان والأردن وتركيا من المُنتمين لأوساط الإعلام والصحافة والمنظمات غير الحكومية المعنية بالشأن السوري. بالإضافة إلى هذه الإثنوغرافيا الميدانية، يستند البحث إلى إثنوغرافيا رقميّة تستقصي النشاط السوري على الفضاء الرقمي خلال السنوات الأولى للانتفاضة.
يبدأ الكتاب بعرض مرجعي واسع ومقارن لمفهوم الميكروبوليتيكس (Micro-politics)، وهي أنماط من النشاط الاجتماعي القائم على بناء شبكات صغيرة من الثقة والعمل المدني بعيدًا عن النموذج التقليدي للمواجهة السياسية المباشرة. وقد برزت هذه الأنماط بوصفها نتائج مباشرة، وإن غير محسوبة، لسياسات الانفتاح الإصلاحية في عهد بشار الأسد. إذ تحمّس النظام لعمليّة الانفتاح التكنولوجي والرّقمي وما يحمله من إيرادات اقتصادية وقدرة على التنفيس الاجتماعي. إلّا أن هذه الإصلاحات، بحسب الكتاب، مكّنت أفرادًا ومجموعاتٍ مدنيّة من خلق هوامشَ جديدة تبتعد ظاهريًا عن السياسة، لكنها تحوّلت لاحقًا إلى عوامل تراكمية حاسمة في إشعال الانتفاضة ومواكبتها رقميًّا وميدانيًّا.
يركّز النصف الثاني من الكتاب على مشهد "الميديا الجديدة" في سوريا انطلاقًا من أحداث الانتفاضة وتدحرج المشهد السوري نحو العنف المُسلّح. فتتناول براونلي دور منظمات الدعم والتمكين الإعلامي الغربية في توجيه وصقل الأداء الإعلامي للناشطين، وتستعرض القوة الناعمة التي باتت تمثلها هذه المنظمات، بما تنطوي عليه من مزايا وإشكاليات.
يبتعد البحث عن التصوّرات الوردية للفضاء الرّقمي التي لوّنت مشهد "الرّبيع العربي" في أشهره الأولى، ليخلص إلى أن الميديا الجديدة تحوّلت، في المشهد السوري، إلى وسيلة حربية ودعائية طغت عليها صور العنف وإرهاب العدو. وقد فتح هذا المسار الرّقمي، كما تختم براونلي، جروحًا وتقرّحات سوف يتوجّب على السّوريين الكفاح لمداواتها وتجاوزها في مرحلة ما بعد الحرب.
دور التحيّز المعرفي وحرب الدعاية والإعلام في سوريا

Ben Cole, The Syrian Information and Propaganda War: The Role of Cognitive Bias, Palgrave Macmillan, 2022
يتناول كتاب بن كول حرب الدعاية السياسية والإعلامية التي طغت على مشهد الصراع السوري محليًّا وإقليميًا ودوليًّا، والتّي تواجهت من خلالها سرديّتان رئيسيتان: سرديّة النظام من جهة، والسّرديات المقابلة له والداعمة للثورة والانتفاضة الشّعبية من جهة أخرى.
يستهلّ الكاتب بحثه بالإشارة إلى المكانة الخاصة التي احتلّها الصراع السوري في الأوساط البحثية والإعلامية والحقوقية، نظرًا لحالة فوضى المعلومات والاستقطاب الداخلي والخارجي الشديدين اللذين لازما السنوات الأولى للانتفاضة. غذّت هذه الفوضى كميّات كبيرة من الأخبار المضلّلة والفيديوهات التي جرى تكذيبها والرجوع عنها لاحقًا، مما أفاد الأطراف المحلية والإقليمية المتصارعة في تثبيت سردياتها لدى مناصريها، ومنح عامل الانحياز المعرفي موقعًا يستحق البحث في مسارات الرأي والتموضع اللاحقة المتصلة بالصراع السوري.
يقع صلب العمل البحثي للكتاب في تحليل العناصر المُحرّكة، أي الديناميكيات النفسية والإدراكية المرتبطة بحرب البروباغندا ومسارات تشكُّل الرأي العام الناتجة عنها. ويبرز مفهومان مركزيان في هذا السياق: "الانحياز المعرفي" و"السرديات المُهيمنة"، بوصفهما إطارين لفهم أنماط تحوّل الحدث إلى مادّة إخبارية، ثم إلى سرديّة طاغية في متناول الرّأي العام.
يذهب كول إلى أن التصوّرات المُسبقة والإيجابية عن الانتفاضات العربية، والقيمة المثالية لفكرة التّمرد على الطغيان، أسهمت جميعُها في تبنّي الإعلام الغربي معظم الرّوايات القادمة من الناشطين السوريين على الأرض، ما أدى إلى أخطاء منهجية تتعلّق بالخلط بين ما تسمّيه دراسات الإعلام "المصادر الأولية" و"المصادر الثانوية". إذ تُعد المادة الصّرفة القادمة من الميدان (فيديو، صورة، رواية شاهد عيان) "مصدرًا أوليًّا" يتوجَّب إخضاعُه للتحليل والتدقيق والتمحيص، وهو ما يَسوقُ في المرحلة اللّاحقة إلى صياغة وتحرير "الخبر" أو "المادة الإعلامية"، أي ما يُعرف بـ"المصدر الثانوي". وقد أسهم التحيّزُ المعرفي/الإدراكي لدى وسائل الإعلام ومتلقّيها على السواء، كما يخلص الكتاب، في تعزيز الاستقطاب السياسي داخل سوريا وخارجها، بدلًا من الإسهام في رسم مشهدٍ خبري إعلامي يتعامل بموضوعية مع تعقيدات الواقع السوري.
تكمن أهمّية الكتاب في تسليطه الضّوء على الطابع اللاإرادي لبعض الآليات الإدراكية، ولا سيما في سياق العنف والصراع الأهلي، وما يقود إليه ذلك من انعزال مستهلكي الأخبار داخل دوائر مغلقة، وفشل جهود الدعاية السياسية ومعارك الإقناع في تغيير التموضعات المعرفية الأولية المتعلقة بفهم طبيعة الصراع وأسبابه. بمعنى آخر، أسهم عامل الانحياز المعرفي لدى صانعي الأخبار ومستهلكيها معًا في خلق مسارات سرديّة متحاربة ومنفصلة عن بعضها، ممّا أفشل أي نجاعة لمعركة الإقناع الإعلامية لدى مختلف الأطراف، وخلق قوقعات رأي جماعيّة لازمت سنوات الصّراع السوري الطِّوال.
تجدر الإشارة إلى أن الدراسة تستثني المشهد الإعلامي والسّردي المتعلّق بشمال شرق سوريا (الخاضع تدريجيًا لقوات الحماية الكردية منذ عام 2012 وصولًا إلى قوات سوريا الديمقراطية)، كما تستثني المشهد الإعلامي والسّردي المرتبط بظهور تنظيم "داعش" وتوسّعه.
بروباغندا النّزاع السّوري: حروب السّرديات

.Oliver Boyd-Barrett, Conflict Propaganda in Syria: Narrative Battles, Routledge, 2022
يطرح كتاب "حرب السّرديات" لأوليفر بويد باريت نظرية مفادها تواطؤ ما يسميه "الإعلام الغربي المهيمن" والمنظمات الحقوقية والإنسانية الغربية مع حكوماتها في تسويق سياسات التدخل الخارجي في سوريا منذ اندلاع احتجاجات درعا عام 2011 وتحوّلها تدريجيًا إلى نزاع مسلح. وتَغْلبُ على الكتاب نّبرة اتّهامية، إذ يعرض بويد تبنّي الإعلام الغربي التقليدي، بصورة صارخة ودعائيّة، خطاب وسرديّات القوى المعارضة لنظام الأسد وحلفائه، ويتّهم هذا الإعلام بتجاهل سرديّات بديلة اعتبرها أكثر رصانة وموضوعية. ينطلق الكاتب في فحصه لـ"الحرب السورية في الإعلام الغربي" من أبحاثه السابقة حول ما يسميه "الإمبريالية الإعلامية"، (وهو عنوان كتاب له صدر عام 2014 ولم يُترجم بعد)، إذ يناقش تواطؤ مؤسسات غربية مهيمنة، من حكومات ووسائل إعلام ومنظمات حقوقية وإنسانية، في الترويج لسرديات تخدم المصالح الإمبريالية الغربية. ويتناول في هذا السياق ما يصفه بسياسة الكيل بمكيالين في الدبلوماسيات الغربية، أي الاحتماء بشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان لتحقيق مصالح غربية بحتة لا صلة لها بالمعايير أو بالأخلاق. غير أن محتوى الكتاب ينحصرُ في تحليل الخطاب والسّرد الإعلامي الغربي عن الصراع السوري، فيما يغيب عنه، إلى حد كبير، الإلمام بالميدان وبالمشهد السّوريين. وتُشكّل "المصادرُ الثانوية"، أي نصوصُ الأخبار والاستقصاءات الصحفية كما وردت في الإعلام الغربي، إضافة إلى تقارير لجان التحقيق التّابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، الموادّ البحثية الأساسية للكتاب.
وعلى الرّغم مما يوحي به عنوان الكتاب من مناظرة موضوعية وتفكيك منهجيّ لسرديّات إعلامية متناقضة، فإن تحّيزًا أيديولوجيًا للإعلام البديل، لمجرد كونه بديلًا، يطغى على قراءة الكاتب لمختلف الأحداث الكبرى في الصراع السوري. فـ"الإعلام البديل"، كما يظهر في مواد الكتاب، لا يتجاوز بضعة صحفيين وباحثين مستقلّين ممن سمح لهم نظام الأسد دون غيرهم، بتغطية الحرب السورية إلى جانب قوّاته ومناصريه، إضافة إلى عدد من التحقيقات الصحفية التي شكّكت، من دون أن تجزم، في بعض الرّوايات التي انتهت إليها كُبرى السّرديات الإعلامية الغربية، مثل هجمات الأسلحة الكيميائية في غوطة دمشق عام 2013 أو في خان شيخون عام 2017، وغيرها من الأحداث الفارقة في الحرب السورية.
وفي حين يغيب الصوت السوري وسّرديات السوريين أنفسهم عن عملية مقابلة السرديات ببعضها في الكتاب، وهو ما يقعُ خارج إطار بحثه، يلجأ الكاتب أحيانًا إلى بعض الشّهادات المنقولة عن سوريين حين تتوافق مع "السّرديات البديلة" والمضادّة التي يعرِضُها. بعبارة أدقّ، يستبعد البحث مئات الأصوات والشهادات السورية بوصفها "مصادر أولية" ما قبل خبريّة وما قبل تحريرية تقع خارج موضوع الكتاب، كما يستبعد عشرات المصادر الثانوية من كتب ومقالات تتناول شهادات السوريين، ليعتمد بدلًا من ذلك على مصادر أولية سوريّة مبعثرة ومنقولة تُعينه على إثبات الطابع التضليلي والموارب للعناوين السّردية المهيمنة في الغرب حول الحدث السوري.
يتيح الاطلاع على محتويات الكتاب فهمَ بعض الكواليس داخل عوالم المنظمات الإنسانية، وارتباطاتها بمصالح سياسيّة واستخباراتية ودولية. غير أن الكتاب وكاتبه يبدوان غارقين في سجالٍ غربيّ- غربيّ، بعيدًا عن المسافة العلمية والتفكيك الصّارم والمنهجية الواضحة. إذ يغيبُ ضحايا الصراع الحقيقيون، أي مئات الآلاف من القتلى والمغيّبين والمعتقلين من السوريين، بينما يتقدّم من يعدّهم بويد باريت ضحايا "الإمبريالية الإعلامية الغربية"، أي المتلقي والمتابع الغربي، إلى جانب الأنظمة السياسية المناوئة للهيمنة الغربية، مثل نظام بشار الأسد والنظام الإيراني والنظام الروسي.
الانقسام السّوري: نَماذج العنف وتعقيدات الحرب الأهليّة

Ora Szekely, Syria Divided: Patterns of Violence in a Complex Civil War, Columbia University Press, 2023.
يتناول كتاب أورا شيكلي علاقات العنف والسرديّات والسّلوك الميداني للأطراف المتصارعة خلال سنوات الحرب السورية، ويسلّط الضوء على تعقيدات هذه العلاقات ودورها في تفتيت مشهد الصراع السوري والحرب الأهليّة.
تشمل مواد الكتاب بيانات ميدانيّة لحصيلة ما يقارب خمسين مقابلة مُعمّقة أجرتها الباحثة الأمريكية بين عاميّ 2018 و2019، بالإضافة إلى الاستماع والمشاركة في فعاليات سورية عامّة في دول المنفى واللجوء. وتوزّعت التغطية النوعيّة للمقابلات على سوريّين من مختلف المناطق والتوجّهات؛ من ناشطين ثوريين سلميين، ومقاتلين من الجيش الحرّ ومن فصائل إسلامية وجهادية وكرديّة، وصولًا إلى أفراد مناصرين للنظام من مدنيين وعسكريين أو حتّى مشاركين سابقين في نشاطات تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، المعروف بـ"داعش".
في المضمون التحليلي، يبحث الكتاب في أنماط العنف التي تجلّت في الحرب السّورية، وهي أنماط تعكس فجوات واضحة، بحسب الباحثة، بين أسباب الكفاح والقتال التي عبَّر عنها مختلف المقاتلين من جهة، والسّلوك الميدانيّ والعسكري للمجموعات التي انتمَوا إليها من جهة أخرى.
تُشكِّل الفجواتُ بين النّوايا المُعلنة وأنماط اللّجوء إلى العنف صُلبَ العمل البحثي للكتاب، إذ طغت على ممارسة العنف في سوريا، في مختلف الجبهات ولدى جميع الأطراف، مظاهر العلنيّة والإعلانية، إذ تحوّل إشهارُ العنف (بشكل خاص تصويرُه وتصديرُه) إلى غاية مستقلّة شبه نهائية تتمايز عن الهدف التقليدي للمعارك المتمثّل في تحقيق التقدّم الميداني أو هزيمة العدو. بمعنى آخر، ابتعد العنف المُمارس في سوريا، سواء كان عسكريًا بحتًا أو موجهًا ضدّ المدنيين، عن حسابات الانتصار بعيدة المنال، وعَلِق فيما تصطلحه الكاتبة بـ "حرب الإقناع"، وهي حرب كَسْبِ شرعيّة الرّأي الدولي وتعاطف الجمهور.
على سبيل المثال، توجّهت دعاية النّظام السوري نحو تعزيز الاستقطاب الإقليمي والدولي حول حربه على "التكفير" و"الإرهاب"، وهي السّردية التي دافع عنها وآمن بها مناصروه، في حين ركّزت قوات النظام في الميدان، كما يشير الكتاب، على استهداف المناطق المدنية بالبراميل المتفجّرة وبالأسلحة الكيميائية، بعيدًا عن مواجهة تنظيم الدّولة المُتوافَق على نعتِهِ بالإرهابي. في المقابل، شدّد أفراد فصائل المعارضة ممّن حاوَرَهم الكتاب، على اختلاف عقائدهم القتالية، على سرديّة حربهم ضد النظام وسعيهم إلى إسقاطه، وذلك على الرّغم من المعارك الطّاحنة والعنيفة التي ميّزت مراحل الاقتتال الطويلة بين الفصائل المُعارِضة في مختلف الجبهات السورية.
يُظهر الكتاب أيضًا كيف أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في إنتاج أنماط جديدة من العنف خلال الحرب السورية، كاشفًا الأهمية المتصاعدة لما تسميه الكاتبة "جمهور الحرب": أي مشاهدي الحرب ومتابعيها القادرين على التأثير في مجرياتها، من المتبرعين في دول الخليج إلى وسائل الإعلام الغربية وحكوماتها. وتُظهر شيكلي كيف دأبت الفصائل السورية المُعارِضة على تبنّي سلوكيات عُنفيّة تهدف إلى إقناع الجهات الداعمة، أو المُرشّحة لتقديم الدّعم، عبر معارك مُصوّرة هدفت لجذب الانتباه الإعلامي والبصريّ. أغرق هذا السلوك، الذي بات نمطيًّا، منصّة "يوتيوب" بملايين الفيديوهات الحربيّة القادمة من سوريا، في ظاهرة غير مسبوقة تَستشرِفُ، وفقًا للكاتبة، مستقبل تحوّلات استخدام العنف في النّزاعات المُسلّحة بدخول عامليّ الجمهور والتأثير الرّقمي المباشر. ففي القسم الرّابع من الكتاب، المُعنْوَن "حرب اليوتيوب"، تتناول شيكلي ظاهرة الإخراج السينمائي للعديد من المعارك في سوريا، إلى درجة أضحت معها تقنيّات التصوير والسيناريو البصري لسير المعارك أكثر أهميّة من الجدوى العسكرية أو السياسية للمعركة نفسها. في المقابل، يرتبط هذا الابتعاد عن الأسباب والأهداف الحقيقية للنزاع، مثل الثورة وإسقاط النظام، بعوامل باتت وجوديّة داخل النظام البيئي المُعقّد للحرب السورية. إذ أدّى امتداد زمن الصراع واستثمار مختلف القوى الخارجية في توكيل أطراف متحاربة في الداخل إلى إطلاق سباقٍ بين كثير من الفصائل المعارِضة من أجل ضمان استمرارها التنظيمي والماليّ.
[1] تعبّر وجهات النظر الواردة في هذا النص عن آراء كاتبها، ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر منصة "الصالون".
محمد مصطفى العبسي باحث سوري مُستقل مقيم في فرنسا ومتطوّع في جمعية Off-University، درس الفلسفة السياسية ومُهتمّ بواقع المعرفة النّقدية في العالم العربي. يعملُ حالياً على مشاريع معرفية للمساهمة في إعادة بناء قطاع العلوم الاجتماعية في الجامعات السورية.