يتناول كتاب "الحرب الطويلة على إيران" لبهروز قَمَري جذور الصراع الممتد بين إيران والولايات المتحدة، محاولًا تفسير أسباب استمراره عبر قراءة تاريخية وسياسية تتجاوز السرديات الشائعة في الخطاب الغربي. بالاستناد إلى عقدين من التحليل السياسي، يتتبّع المؤلّف تاريخ التدخّل الأمريكي في الشرق الأوسط، مركّزًا على نظام العقوبات الطويلة ضدّ إيران وصورة الجمهورية الإسلامية بوصفها عائقًا أمام النفوذ الأمريكي. وفي مقابل هذه الصورة الاختزالية، يبرز الكتاب حيوية المجتمع الإيراني وتعدّد حركاته الفكرية والثقافية والاجتماعية. ومن خلال ذلك، يدعو إلى إعادة تقييم مقاربة واشنطن لإيران، وفهمٍ أكثر تعقيدًا وواقعية للمشهد السياسي والاجتماعي الإيراني.
محمود هلال[1]
لماذا امتدّ الصراع بين الولايات المتحدة وإيران لعقود؟ وهل تشكّل طهران كيانًا شموليًا منغلقًا، أم أن مجتمعها الحيوي وتحركاتها السياسية تتحدى السردية التي تروّج لها واشنطن؟ وكيف تسهم سياستها الخارجية، ومنها التقارب مع الصين، في مواجهة الهيمنة الأمريكية والإسهام في بناء نظام عالمي متعدّد الأقطاب؟ ينطلق كتاب بِهْروز قَمَري[2] "الحرب الطويلة على إيران: أحداث جديدة وأسئلة قديمة"[3] من هذه التساؤلات الجوهرية، مستفيدًا من خبرته الطويلة في تفكيك سياق الثورة الإيرانية وتداعياتها لاستكشاف جذور الصراع مع واشنطن، مفضلًا البدء بنظرة فاحصة على الداخل الإيراني قبل الخوض في ملف العلاقات الخارجية.
النظام الإيراني الهجين ومسار "الأسدنة"
يفكك قَمَري الصورة النمطية في الخطاب الغربي التي تختزل النظام الإيراني في جماعة متجانسة من "الملالي" يتحركون وفق عقلية واحدة، ويجادل بأن بنية السلطة في طهران تتجاوز هذا التبسيط المختزل؛ إذ تتألف الطبقة الحاكمة من فصائل سياسية متنافسة، لكل منها مراكز قوى وتوجهات استراتيجية ورؤى أيديولوجية متباينة. تكتسب هذه المقاربة أهمية استثنائية اليوم؛ فالنظر إلى النظام بوصفه كتلة صماء غالبًا ما يفضي إلى تحليل قاصر، بينما يفتح فهمُ التصدعات والصراعات الداخلية آفاقًا لإدراك آليات صنع القرار الحقيقية.
وعلى الضد من الرؤية التبسيطية السابقة، يرى قَمَري النظام خليطًا من أربعة عناصر تتفاعل فيما بينها. أول هذه العناصر الحكم الثيوقراطي (Theocratic Rule)، أي سلطة رجال الدين المستندة إلى مفهوم الحق الإلهي أو ولاية الفقيه. أما العنصر الثاني فهو المؤسسات السلطوية (Authoritarian Institutions)، وهي هيئات غير منتخبة تمتلك صلاحيات واسعة، مثل مجلس صيانة الدستور الذي يملك حق استبعاد أي مرشح لا يراه مناسبًا، وهو ما يصفه المؤلف بأنه شكل من "الرقابة الاستبدادية".[4]
العنصر الثالث يتمثل في السياسة الانتخابية (Electoral Politics)؛ فعلى الرغم من القيود المفروضة على الحياة السياسية، تُجرى في إيران انتخابات للرئاسة والبرلمان والمجالس البلدية. ويذهب قمري إلى أن هذه الانتخابات تتجاوز فكرة "الديكور السياسي"، إذ تشكّل ساحة تتنافس فيها التيارات المختلفة للتأثير في سياسات الدولة. كما يرفض الرأي الشائع في بعض الأوساط الغربية الذي يختزل الانتخابات الإيرانية في "مسرحية" بلا مضمون. فوفق تحليله، مثّلت نسب المشاركة المرتفعة، التي بلغت في كثير من الدورات نحو 65 إلى 70 في المئة، أحد أهم مصادر الشرعية السياسية للنظام. وتشير الوقائع الميدانية أيضًا إلى مستوى ملموس من التفاعل الشعبي؛ فقد شهدت بعض الانتخابات، مثل انتخابات عام 2005، حراكًا سياسيًا في الشوارع، تجسّد في مهرجانات انتخابية وحملات نشطة وتنافس بين برامج سياسية متباينة، مثل المشروع الإصلاحي المرتبط بمحمد خاتمي والخطاب الشعبوي الذي مثّله محمود أحمدي نجاد. ومن هذا المنطلق يرى قمري أن الانتخابات تمثل ساحة يعبّر من خلالها الإيرانيون عن مطالبهم ويسعون إلى التأثير في مسار الحكم.[5]
أما العنصر الرابع فهو المجتمع المدني المرن (Resilient Civil Society)، ويشير قمري إلى وجود مجتمع مدني نابض بالحياة يضم ناشطين وناشرين وحركات نسائية وطلابية ومنظمات بيئية. ويتسم هذا المجتمع بقدر كبير من المرونة؛ إذ يتعرض للقمع في أحيان كثيرة، غير أنه يعيد تنظيم نفسه باستمرار ويواصل الضغط على السلطة.[6]
وبحسب هذا التحليل، تبدو إيران وكأنها تجمع في آنٍ واحد بين سمات ديمقراطية وأخرى سلطوية. ويذهب قمري إلى أن هذا التوتر البنيوي يمنح النظام طابعًا حيويًا، وفي الوقت نفسه يخلق حالة من عدم الاستقرار. فالحكومة تحتاج إلى الانتخابات للحفاظ على قدر من الشرعية، لكنها في الوقت ذاته تخشى أن يؤدي توسيع المجال السياسي إلى تقويض السيطرة الثيوقراطية. ومن ثم يصعب اختزال إيران في صورة "ديكتاتورية بسيطة" يحكمها شخص واحد؛ فهي منظومة مؤسساتية معقدة تضم رئيسًا منتخبًا، ومرشدًا أعلى غير منتخب، ومجلس صيانة يراقب العملية السياسية، إضافة إلى مجتمع نشط يرفض الانكفاء. ويصف قمري هذا التكوين بأنه خليط سياسي (Amalgam)، يشبه في استعارةٍ معدنية مزج الزئبق بمعادن أخرى مثل الفضة أو القصدير أو النحاس لتكوين مادة متماسكة ذات خصائص مميزة.
رغم محاولة الكاتب تفكيك الصورة الغربية السائدة عن النظام الإيراني، يقع في بعض مواضع تحليله في الإطار المفاهيمي نفسه الذي ينتقده، ولا سيما عند حديثه عن "الحكم الثيوقراطي". فالتاريخ الإسلامي لا يعرف تجربة الصراع بين السلطة الدينية والدولة كما حدث في أوروبا الوسيطة، ولا توجد فيه مؤسسة دينية ذات سلطة روحية مطلقة بالمعنى الكنسي. لذلك، فإن وصف السلطة في إيران بأنها سلطة رجال دين تستمد شرعيتها من "الحق الإلهي" يعيد إنتاج التصور الغربي الذي يسعى الكاتب لنقده، وينحى في هذا المسعى نحو ما يمارسه كثير من الكتاب الغربيين الذين يضعون الحكومة الإسلامية والثيوقراطية الكنسية في إطار واحد، وهو ما يُعدّ مغالطة تاريخية وفكرية.
يتوقف قمري أيضًا عند انتخابات عام 2021، نظرًا لما تركته من أثر في مسألة شرعية النظام الإيراني، فقد مثّلت لحظة تحوّل نحو ما يسميه "الأسدنة" (Assadization). ويرى أن فوز إبراهيم رئيسي جاء تتويجًا لعملية إقصاء منهجية للتيارات المختلفة داخل النظام؛ إذ استَبعد مجلس صيانة الدستور مرشحين بارزين مثل محمود أحمدي نجاد وعلي لاريجاني، الأمر الذي أضعف التنافس الانتخابي وحوّل العملية السياسية إلى مشهد محدود المشاركة، يذكّر بالنموذج الرئاسي في سوريا خلال عهد بشار الأسد. ويربط قمري هذا التضييق الداخلي بسياسة "الضغط الأقصى" التي انتهجتها إدارة دونالد ترامب في فترة الرئاسة الأولى، معتبرًا أن تلك الضغوط الخارجية وفّرت للأجهزة الأمنية ذريعة لقمع المجتمع المدني. وفي ضوء هذه التطورات، يرسم المؤلف صورة نظام سياسي بدأ بتحالف ثوري واسع وانتخابات تنافسية، ثم اتجه تدريجيًا، تحت وطأة الضغوط الخارجية، نحو احتكار السلطة.[7]
وإذ تنتهي قراءة قَمَري عند انتخابات 2021، فإن تتبع أثر "الأسدنة" يشي بأن ظلالها قد تمددت لتطال الانتخابات الرئاسية المبكرة عام 2024، التي نُظمت في أعقاب وفاة إبراهيم رئيسي. إذ جاءت تلك الانتخابات، التي أفضت إلى فوز مسعود بزشكيان بعد جولتين من التصويت في صيف ذلك العام، لتكرّس واقع أزمة الأسدنة المتجذرة؛ بعدما سجلت صناديق الاقتراع أدنى نسبة مشاركة شعبية في تاريخ البلاد.[8]
جذور العداء واختلاق الأزمات: من "عملية أجاكس" إلى الرهان على الشرق
ينتقل قمري في الجزء الثاني من الكتاب إلى تحليل العلاقات المتوترة بين إيران والولايات المتحدة. ويرى أن "الحرب الطويلة" لا تعود إلى أزمة الرهائن عام 1979، كما توحي بعض السرديات الشائعة في هوليوود، وإنما تمتد جذورها إلى انقلاب عام 1953 الذي دبّرته أجهزة الاستخبارات الأمريكية والبريطانية ضد رئيس الوزراء المنتخب محمد مصدق بعد قراره تأميم النفط. ففي أغسطس من ذلك العام نفّذت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) بالتعاون مع جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني (MI6) عملية سرية عُرفت باسم "عملية أجاكس" (Operation Ajax) أدّت إلى الإطاحة بمصدق وإعادة ترسيخ حكم الشاه. [9]
وعلى الرغم من أهمية هذا التأصيل التاريخي، فإن مقاربة قمري تبدو، في تقديري، قاصرة إلى حدّ ما حين تحصر جذور العلاقة المضطربة بين إيران والولايات المتحدة في لحظة الصدمة السياسية التي مثّلتها عملية "أجاكس". فمثل هذه القراءة تُغفل مسارين أعمق كانا يتبلوران في الوجدان الإيراني. يتمثل المسار الأول في التراكم الفكري والتاريخي المناهض للهيمنة الغربية، وهو مسار سبق أزمة مصدق بوقت طويل. فقد بدأت ملامحه مع "ثورة التبغ" عام 1890 بقيادة الميرزا حسين الشيرازي، ثم تعززت لاحقًا عبر جهود أبو القاسم الكاشاني الذي سعى إلى ربط التراث الشيعي بالعمل السياسي المناهض للنفوذ الغربي. وتبلور هذا الاتجاه في وقت مبكر عبر تيارات متنوعة، منها النزعة الجهادية الشيعية التي رسّخها نواب صفوي، مؤسس تنظيم "فدائيان إسلام"، إلى جانب المقاربات الفلسفية والنقدية لأحمد فرديد، وكتابات جلال آل أحمد الذي صاغ مفهوم "غرب زدكي" أو "التسمم بالغرب" (Westoxification) في مواجهة ما اعتبره غزوًا ثقافيًا غربيًا. ومع مرور الوقت اتسع هذا البناء الفكري ليشمل كتابات علي شريعتي، وقراءات مرتضى مطهري في الذاكرة الشيعية، وتجربة مصطفى چمران، وصولًا إلى الصياغة الفقهية والسياسية المتكاملة التي قدّمها آية الله الخُميني.
أما المسار الثاني فيرتبط بردّ الفعل الفكري الذي أعقب الانقلاب على مصدق. فقد تعاملت النخب الإيرانية، الدينية منها واليسارية، مع حدث عام 1953 بوصفه نقطة تحوّل كبرى عمّقت الإحساس بأزمة الواقع السياسي والاجتماعي. ودفعها ذلك إلى البحث عن "مخلص" أو بدائل أيديولوجية قادرة على إنتاج مشروع مقاوم طويل الأمد، سواء عبر الإسلام السياسي، أو استدعاء الرموز المهدوية والثورة الحسينية، أو من خلال مشاريع يسارية ثورية. ومن ثمّ فإن دراسة دوافع العداء الإيراني للولايات المتحدة بمعزل عن هذه التحولات الفكرية والاجتماعية تفضي إلى قراءة مبتسرة توحي بأن هذا الموقف مجرد رد فعل سياسي عابر. والحال أن الموقف الإيراني نتاج تفاعل تاريخي معقّد بين عناصر فكرية ودينية وسياسية، كما يتصل بسياق أوسع من مقاومة الهيمنة الغربية في العالم الإسلامي.
وفي السياق ذاته، كثيرًا ما صُوّرت إيران في السردية الأمريكية بوصفها تهديدًا للأمن القومي للولايات المتحدة. أما قمري فيقدّم تفسيرًا مغايرًا، إذ يرى أن الصراع القائم يتخذ طابع "الأزمة المُصنّعة والمفتعلة"، التي غذّتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة بهدف إخضاع إيران وتقويض استقلالها السياسي، ودفعها إلى العودة إلى مربع "الدولة التابعة" في منظومة الهيمنة الدولية.[10]
وللتدليل على هذا التوجه الغربي، يورد المؤلف عددًا من الأمثلة، في مقدمتها ملف البرنامج النووي الإيراني. فاستنادًا إلى وثائق رُفعت عنها السرية، يبيّن أن إدارة جيرالد فورد ووزير خارجيته هنري كيسنجر شجّعا الشاه في السبعينيات على بناء ثلاثة وعشرين مفاعلًا نوويًا، بل عرضا عليه شراء منشأة لاستخراج البلوتونيوم. ويخلص قمري من ذلك إلى أن الموقف الأمريكي من التكنولوجيا النووية لا تحكمه معايير القانون الدولي أو معاهدة حظر الانتشار النووي بقدر ما يتأثر بطبيعة النظام الحاكم في الدولة المعنية. فما عُدّ في السابق حقًا مشروعًا لنظام الشاه، بصفته "الديكتاتور الصديق"، غدا مُحرّمًا على الجمهورية الإسلامية.[11]
أما المثال الثاني فيتعلق بما يراه قمري ازدواجيةً في الخطاب الأخلاقي الأمريكي. فهو ينتقد بشدة تجاهل غزو إيران ضمن لائحة الاتهامات التي وُجّهت إلى صدام حسين بعد سقوط نظامه، ويرى في ذلك محاولة لطمس الدور الذي أدته إدارة رونالد ريجان في تقديم دعم استخباراتي وعسكري لبغداد خلال الحرب العراقية الإيرانية. ويشير إلى معطيات تفصيلية حول مساعدة وكالة المخابرات المركزية للنظام العراقي في استهداف القوات الإيرانية بالغازات السامة، رغم علمها بطبيعة تلك الهجمات، انطلاقًا من اعتبارات استراتيجية كانت ترى في انتصار إيران تهديدًا لموازين القوى في المنطقة. ويعزز المؤلف حجته بالمقارنة بين الإدانة الأخلاقية التي عبّر عنها مسؤولون أمريكيون، مثل جون كيري وباراك أوباما، عقب استخدام السلاح الكيميائي في سوريا عام 2013، وبين الصمت الذي طبع الموقف الأمريكي عندما كان ضحايا تلك الأسلحة من الإيرانيين خلال الحرب العراقية الإيرانية.[12]
غير أن قراءة قمري تثير بدورها إشكاليات نقدية. فبينما يقدّم نفسه بوصفه مناهضًا للإمبريالية الأمريكية، يبدو في مواضع معينة متصالحًا مع الغزو الأمريكي للعراق ومحاكمة رئيسه وإعدامه، إذ تنحصر ملاحظته في "خلوّ لائحة الاتهام" من الجرائم المرتكبة ضد إيران! ويثير هذا التناقض تساؤلًا جوهريًا حول حدود هذا النقد الانتقائي: ما الفارق بين إعدام صدام حسين بقرار مدعوم أمريكيًا وبين اغتيال خامنئي على يد القوة نفسها؟ إن مثل هذا الانتقاء في الإدانة يوحي أحيانًا بحضور "نزعة قومية فارسية" كامنة في التحليل، تسمح بتقبّل الغزو الأمريكي حين يستهدف خصوم إيران.
وتتويجًا لمسار العداء، يعود قمري إلى تحليل العقوبات الاقتصادية التي فُرضت على إيران، ولا سيما سياسة "الضغط الأقصى" التي انتهجتها إدارة دونالد ترامب. ويخلص إلى أن هذه السياسة قد مُنيت بفشل ذريع في إخضاع إيران أو دفعها إلى الاستسلام، بيد أنها أفرزت تداعيات سلبية على الداخل الإيراني. فقد منحت الأجهزة الأمنية ذريعة لقمع أي حراك معارض، كما أسهمت في سحق الطبقات الشعبية وولّدت بنية اقتصادية مشوّهة قائمة على "رأسمالية المحاسيب"، إذ ظهرت طبقة من المنتفعين الذين استفادوا من اقتصاد العقوبات.
وفي ظل الضغوط الاقتصادية والعزلة الدولية، لم تجد طهران مفرًا من توجيه بوصلتها نحو الشرق، وهو ما يناقشه قمري في سياق تحليله للاتفاقية الاستراتيجية الممتدة خمسةً وعشرين عامًا مع الصين. ويذهب إلى أن هذا التقارب مع بكين لم يكن خيارًا أيديولوجيًا بقدر ما كان محاولةً للالتفاف على الضغوط الأمريكية. ورغم إدراكه لهواجس الشارع الإيراني وتخوفاته من أن تتحول هذه الاتفاقية إلى نسخة معاصرة من معاهدة "تركمانجاي" التاريخية، التي سلبت إيران قديمًا أجزاءً من أراضيها وسيادتها لصالح الروس، يؤكد قمري أن السياسات العدائية الأمريكية شكّلت الدافع الرئيس وراء توجه طهران نحو بكين. كما يرى أن هذا التقارب أسهم في تصعيد حدة "الحرب الطويلة" على إيران؛ إذ تنظر واشنطن إلى اندماج طهران في مبادرة "الحزام والطريق" يمثّل تهديدًا لهيمنتها العالمية وقدرتها على فرض العزلة الاقتصادية عليها. وعلاوة على ذلك، فإن التقاء حاجة الصين للطاقة مع موقع إيران الاستراتيجي يجعل من الأخيرة ركيزة أساسية في تشكيل نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، وهو مسار تسعى الولايات المتحدة جاهدة لإجهاضه بكافة السبل الممكنة.
ويختتم المؤلف هذا الجزء التحليلي بانتقاد إدارة جو بايدن، واصفًا مقاربتها للملف الإيراني بأنها تتسم بمنطق "الأورويللي"، في إشارة إلى التناقضات العبثية التي اشتهرت بها أعمال جورج أورويل. فمطالبة طهران بالعودة أولًا إلى الالتزام ببنود الاتفاق النووي تبدو، في نظره، مفارقة صارخة، لأن واشنطن كانت الطرف الذي انسحب من الاتفاق في عهد ترامب. ويرى قمري أن تقاعس إدارة بايدن في رفع العقوبات سريعًا مثّل استمرارًا أكثر ليونة لسياسة "الضغط الأقصى"، الأمر الذي أجهض آمال التيار الإصلاحي الإيراني، ومنح غطاءً مثاليًا لتقوية شوكة المحافظين الإيرانيين.
القفص الحديدي لواشنطن: "المنطق الإمبراطوري" وارتداداته الداخلية
يرى قمري أن السياسة الأمريكية محكومة بما يسميه "منطق الإمبراطورية". ووفقًا لهذا المنطق، يشترك الحزبان الديمقراطي والجمهوري في رؤية متقاربة تكرّس الدور الأمريكي قوةً مهيمنة على النظام الدولي، بحيث تتحول الوعود السياسية بالتغيير الجذري إلى شعارات تصطدم بالبنية العميقة للنظام. ولا يقتصر هذا التحول الهيكلي نحو اليمين على إعادة تشكيل المشهد السياسي داخليًا، وإنما ينعكس على توجهات السياسة الخارجية؛ إذ تغدو الصراعات الممتدة مع دول مثل إيران نتيجة متوقعة لنظام يقدّم مصالح الشركات الكبرى والمجمّع الصناعي العسكري على اعتبارات الديمقراطية.
وتتجلى هذه الهيمنة المؤسسية بوضوح في مسار الحزب الديمقراطي وتجارب رؤسائه؛ فصعود باراك أوباما، على الرغم من خطابه الشعبوي، اصطدم بما يصفه قمري بـ"القفص الحديدي لواشنطن"؛ أي شبكة النفوذ التي تمارسها النخب السياسية واللوبيات المؤثرة. وقد انعكس ذلك في استمرار أوباما بسياسات بيل كلينتون الاقتصادية القائمة على تحرير الأسواق ورفع القيود، إلى جانب الحفاظ على إطار "الحرب على الإرهاب". كما تعثرت سياساته تجاه إيران في ظل اعتماد إدارته على شخصيات وثيقة الصلة بالمؤسسات الداعمة لإسرائيل، مثل رام إيمانويل ودينيس روس، وهو ما أسهم في تأجيج الصراع. واستمر هذا المنحى مع تدخل مؤسسة الحزب الديمقراطي لإقصاء التيار التقدمي الذي مثّله بيرني ساندرز، ودعم جو بايدن بوصفه مرشحًا يضمن استمرارية النظام السياسي التقليدي. وقد بلغ هذا المسار ذروة تعثره مع هزيمة كامالا هاريس في انتخابات عام 2024؛ إذ تبنت أجندة قريبة من مصالح الشركات الكبرى ولوبيات السلاح، متجاهلةً مطالب قطاعات واسعة من الشباب والتقدميين الداعين إلى وقف الحرب على غزة، الأمر الذي أتاح لدونالد ترامب استثمار غضب الطبقة العاملة وتقديم نفسه بطلًا في مواجهة النخب النيوليبرالية.
ولا يقتصر تأثير "المنطق الإمبراطوري" على دوائر صنع القرار السياسي، وإنما يمتد إلى إعادة إنتاج أنماط القمع داخل المجتمع الأمريكي. ففي قراءة سوسيولوجية يربط قمري بين السياسات الخارجية والداخلية، معتبرًا أن عنف الشرطة ضد السود في الولايات المتحدة يعكس المنطق الاستعماري نفسه الذي يبرر استهداف المدنيين عبر الطائرات المسيّرة في اليمن وباكستان. ويربط هذا المسار بما عُرف تاريخيًا بـ"منهج جاكرتا"، في إشارة إلى دعم الولايات المتحدة للمجازر التي استهدفت الشيوعيين في إندونيسيا في ستينيات القرن العشرين، والتي قُتل فيها نحو مليون شخص. ومنذ ذلك الحين أصبحت "جاكرتا" رمزًا لنمط من العنف السياسي المدعوم أمريكيًا في سياقات دولية مختلفة. [13]
ويخلص قمري في هذا الجزء إلى أن "الحرب الطويلة على إيران" ليست حدثًا معزولًا، ولكنها تعبير عن بيئة سياسية مأزومة في الداخل الأمريكي، تتقدّم فيها مصالح الشركات العابرة للقارات والمجمّع الصناعي العسكري على اعتبارات الديمقراطية في الداخل وسيادة الدول في الخارج.
أما الفصل الأخير من الكتاب فيبدو أقرب إلى تجميع عشوائي لمقالات صحفية قديمة ومتفرقة، تفتقر إلى رابط عضوي واضح مع عنوان الكتاب. حيث يكتفي المؤلف باجترار أرشيف صحفي قديم قائلاً إن الغرب يوظف الإسلاموفوبيا لخدمة سياساته، ويتناول تحديدًا في طياته تفكيكًا لخطاب ابن لادن عام 2004، وردًا على مقال لتوماس فريدمان عام 2005 بشأن الفتاوى المناهضة للإرهاب، وصولاً إلى تحليل أزمة الرسوم الدنماركية عام 2006، ما يجعل هذا القسم مجرد حشو يفتقر إلى الترابط مع موضوع الكتاب.
على محكّ الواقع: أطروحة قَمَري والحرب الحالية على إيران
يستبطن الكتاب عددًا من افتراضات نظرية التبعية (Dependency Theory)، إذ يوظّف ثنائية المركز والأطراف لفهم الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران. فبحسب هذا الإطار التحليلي تمثل الولايات المتحدة "المركز" الذي يسعى إلى الحيلولة دون استقلالية طهران، وإبقائها ضمن موقع الدولة التابعة الخاضعة لهيمنة النظام الرأسمالي العالمي. ويقدّم هذا التصور قراءة مغايرة للتفسيرات الشائعة التي تستند إلى افتراضات النظرية الواقعية وتتعامل معها بوصفها الإطار التفسيري الوحيد للحرب.
ورغم وجاهة الإشارة إلى ازدواجية المعايير في السياسة الأمريكية، فإن اختزال موقف واشنطن من التكنولوجيا النووية في مسألة طبيعة النظام الحاكم يقدّم قراءة مجتزأة تغفل سياق السياسة الدولية في عهد الشاه. فقد ارتبط السماح لإيران آنذاك بامتلاك مفاعلات نووية بظروف الحرب الباردة وباستراتيجية دعم الحلفاء الإقليميين لموازنة النفوذ السوفييتي، وهي مقاربة ارتبطت على نحو وثيق برؤية وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس لتعزيز منظومة التحالفات الغربية.
ويُسهم كتاب قمري في إضاءة جانب من الخلفية التي مهّدت للتصعيد الحالي ضد إيران، إذ يراه تتويجًا لعقود من العمليات المحدودة والاغتيالات والحروب السيبرانية التي تهدف لكسر أي قوة إقليمية ترفض موقع التبعية. ويشير المؤلف إلى ما يسميه "البروفات المصغّرة"، في إشارة إلى سلسلة من العمليات السرية والعلنية التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل عبر سنوات طويلة لاختبار القدرات وتوسيع هامش الضغط على طهران قبل الوصول إلى مرحلة الحرب. وتشمل هذه العمليات اغتيال قادة عسكريين وعلماء مرتبطين بالبرنامج النووي، وشن هجمات سيبرانية، وتنفيذ أنشطة تخريبية واستخباراتية داخل الأراضي الإيرانية. ومع تراكم هذه الضغوط وتطور أدواتها، وصلت المواجهة إلى مرحلة أكثر اتساعًا عندما أعلن دونالد ترامب في 28 فبراير/شباط 2026 توسيع دائرة الحرب الشاملة.
مع ذلك، فالحرب الحالية على إيران تعيد طرح أسئلة حول الفرضية التي يقدّمها قمري بشأن التقارب الصيني–الإيراني بوصفه خطوة في اتجاه نظام دولي متعدد الأقطاب يحدّ من الهيمنة الأمريكية. فقد أظهرت التطورات الأخيرة قدرًا من الحذر في الموقف الصيني تجاه دعم النظام الإيراني، في ظل تراجع الثقة بقدراته العسكرية وبمستوى استقراره الداخلي. وتضع بكين أمن الطاقة وتدفقات النفط في مقدمة أولوياتها، الأمر الذي يدفعها إلى الحفاظ على هامش واسع من البراغماتية في التعامل مع مختلف الفاعلين في الخليج. ولهذا فضّلت الصين الحفاظ على مسافة محسوبة من الصراع، حمايةً لمصالحها الاقتصادية الأوسع وعلاقاتها المتشابكة مع دول المنطقة، من دون تقديم دعم عسكري أو سياسي حاسم لإيران في مواجهتها مع الولايات المتحدة أو إسرائيل. وتشير دراسات تناولت الموقف الصيني إلى أن بكين تنظر إلى النظام الإيراني بوصفه "شريكًا غير موثوق"، وأن دعمها له سيبقى محدودًا ومرهونًا بحماية مصالحها الاقتصادية المباشرة.[14]
[1] تعبّر وجهات النظر الواردة في هذا النص عن آراء كاتبها، ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر منصة "الصالون".
محمود هلال: باحث في العلوم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.
[2] بِهْروز قَمَري يعمل حاليًا في معهد الدراسات الإيرانية بجامعة تورنتو، وشغل سابقًا رئاسة قسم دراسات الشرق الأدنى بجامعة برينستون.
[3] Behrooz Ghamari, The Long War on Iran: New Events, Old Questions (New York: OR Books, 2025).
[4]Ibid, p 32.
[5] Ibid, pp 34-40.
[6] Ibid, p 39.
[7] Ibid, p 38.
[8] Fraz Hussain Naqvi, Syed, and Syed Qandil Abbas, Iran’s Presidential Elections 2024: An Analysis, Global Change, Peace & Security, vol. 34, no. 2–3, 2022, pp 193–98.
[9] Behrooz Ghamari, Op. Cit, P 66.
[10] Ibid, p 73.
[11] Ibid, p 74.
[12] Ibid.
[13] للمزيد حول منهج جاكرتا، انظر:
Vincent Bevins, The Jakarta Method (New York: Public Affairs, 2020).
[14] Yun Sun, Why China Won’t Help Iran: Beijing Cares About the Oil, Not the Regime, Foreign Affairs, 5 March 2026. Retrieved from: https://is.gd/ytxKH7 (Accessed 7 March 2026).