يستكشف كتاب "الفضاءات والنوع الاجتماعي في العالم العربي" العلاقة المتشابكة بين الفضاء الحضري والمرأة في المجتمعات العربية، منطلقًا من فرضية أنّ الهجرة الداخلية والخارجية تُفضي في أحيان كثيرة إلى إعادة التفاوض على أدوار المرأة وحدود حضورها العام. ويجمع الكتاب بين مساهمات تاريخية وسوسيولوجية وأدبية وفقهية تمتد من المغرب والجزائر وتونس وسوريا، وصولاً إلى المهاجرات العربيات في فرنسا و"تل أبيب"، وحتى مهاجرات غير عربيات في مخيم "غابة كاليه". ويُسلّط الضوء على التوتر الدائم بين إكراهات التقليد وإمكانات التحرر التي يُتيحها الفضاء الحضري، متتبّعًا هذه الإشكالية عبر مستويات متعددة: من السياسات العمرانية ومقاومة النساء لها، إلى استراتيجيات استملاك الفضاء اليومي، وصولاً إلى ما تكشفه الرواية الأدبية عن هشاشة حدود الهوية والمكان.
رشيد البزيم[1]
يعيد التفكير في الفضاء العام داخل المدن العربية اليوم طرحَ أسئلةٍ حاسمة حول تشكّل الهويات وتفاوض الفاعلين على حضورهم الاجتماعي والسياسي. لم تَعُد الأمكنة أوعيةً محايدة، وإنما حقولًا تفاعلية تتقاطع فيها ممارسات السكن والتظاهر والعبور، وتنكشف عبرها موازين القوة المبنية على النوع الاجتماعي. في هذا الأفق، يغدو وصلُ النوع الاجتماعي بالفضاء أداةً تحليلية لا غنى عنها لفهم "الفضاءات المتحوّلة"، إذ يتجاوز التحليل الوصفَ الفيزيائي إلى مساءلة التحوّل الاجتماعي وحدود الخاص/العام والهامش/المركز.
يأتي الكتاب الجماعي "الفضاءات والنوع الاجتماعي في العالم العربي: من التحوّلات الحضرية إلى تبدّلات علاقات الجنس،" بإشراف عبد الحفيظ حمّوش وصفاء منقيد، ليحتل موقعًا مركزيًا في هذا السياق؛ إذ يضع المكان في صلب التحوّلات الاجتماعية، ويُظهر كيف تكشف التعبئات في المواقع الرمزية عن إعادة تركيب معاني المكان حين يغدو الولوج إليها رهانًا قد يحسم مآلات الأحداث. ويُفهَم الولوج هنا بوصفه قدرةً عملية على استخدام الفضاء والعبور فيه، ترتكز إلى الأمان وكلفة الوصول وزمن التنقّل وقابليّة الحركة مع مراعاة العمر والقدرات؛ ومن ثمّ يتحوّل ضبط هذه الشروط إلى رهان سياسي واجتماعي حاسم.[2]
ضمن هذا الإطار، يندرج العمل في تقليد سوسيولوجي يتعامل مع الفضاء بوصفه نتاج شبكةٍ من العلاقات والمؤسسات والتمثّلات، لا خلفيةً تُعلَّق عليها الوقائع. ويستند إلى تمييز هنري لوفيفر بين الفضاء المتصوَّر والمُعاش والمُدرَك، مبرزًا كيف تتحول الأزمات والاحتجاجات إلى فواعل تعيد صياغة التمفصلات المكانية وترسم مساراتٍ للفعل والتنقّل. كما يُقارب الإيقاعات الزمنية المتداخلة—ليل/نهار، عمل مأجور/منزلي، آني/سياسي/إعلامي—بوصفها جزءًا من صناعة المكان، لا مجرد سياقاتٍ خارجية. وعلى المستوى المنهجي، تتجاور الإثنوغرافيا مع القراءات النصية والملاحظة المباشرة، إلى جانب المداخل الكمية والكيفية، مع حذرٍ صريح من وهم الشمول ومن المقولات التي تذيب الفروق الداخلية بين الفاعلات والفاعلين.
تتجلّى قيمة الكتاب في قدرته على عبور الحقول المعرفية، متجاوزًا بذلك مجرد تعدد الفصول وتراكمها؛ فهو يزاوجُ بين سوسيولوجيا المدينة ودراسات الهجرة وتحليل السياسات والقراءة الأدبية للمكان، ويشيّد جسرًا يتيح تتبّع تحوّل المعاني من مخططات المعماري والمهندس إلى تفاصيل الممارسة اليومية وتحويلات اللغة والسرد. وبهذه الروح، يستحيل المتن حقل اختبار نقدي لأطروحة ترى في النوع الاجتماعي علاقة قوة تُصاغ في حيز المكان، وتُعاد صياغتها عبر الاستعمال والتخطيط والتمثيل الرمزي، بعيدًا عن كونه معطى ثقافيًا ساكنًا.
المحور الأول: النوع والمدن والتحوّلات الحضرية
منذ السبعينيات، أطلقت الطفرة النفطية والعولمة موجة توسّع عمراني وخدمي حوّلت بعض المراكز إلى واجهات لمرئية نسائية لافتة، أي درجةِ الحضورِ المادّي والرمزي في الفضاءِ العام، حتى صار ممكنًا الحديث عن "تأنيث الفضاء الحضري" في مشاهد الاستهلاك والشبكات المالية ومرافق الخدمات.[3] غير أنّ هذه المرئية لا تتوزّع بالتساوي؛ إذ تحرسها حدود طبقية ومجالية صارمة تفصل بين مركزٍ مُعَولَم يتيح سيولة الحركة، وأطرافٍ مشدودة إلى وصاية أخلاقية تُنتج عنفًا يوميًا وتقيّد استعمال الشارع. ومع تصدّع "سلطة الأب" في أعقاب أحداث الربيع العربي عام 2011، برز خطاب تملّك الجسد، في مقابل تسليعٍ رسمي لصورة المرأة يلمّع الواجهة من دون مساسٍ بالبنى العميقة. وعلى المستوى التحليلي، يُؤخذ على هذا الطرح ارتهانه للمشهد المرئي؛ إذ لا يربط بما يكفي بين المرئية وشروط الولوج الفعلية، مثل الكلفة والأمان والزمن الحضري، كما يغفل دور الاقتصاد غير الرسمي واقتصاد المنصّات بوصفهما قناتين لإعادة إنتاج الهشاشة خارج نطاق الرصد.
تقدّم دراسة الرباط مثالًا دالًا؛ إذ تبدو المدينة "مُحرِّرة" نسبيًا بفعل تراجع رقابة القرابة واتساع فضاءات الخصوصية، غير أنّ العتبات المؤسسية تظل عائقًا أمام الوصول إلى دوائر القرار، ما يستدعي ربطًا سببيًا أوضح بين هندسة النقل والمرافق العامة ومعايير الأمان من جهة، وفرص التمثيل السياسي والمهني من جهة أخرى.[4] وفي السياق السوري، أعادت الحرب رسم الجغرافيا وفق خطوط الولاء، فتقلّص المدى الحيوي للنساء تحت وطأة العنف المباشر، رغم اتساع أدوارهن التعويضية، فيما برزت تشريعات عام 2014 في الشمال الشرقي لتحظر تعدّد الزوجات و"جرائم الشرف"، وتقيّد الطلاق بالإرادة المنفردة.[5] وتكشف هذه الأمثلة محدودية تفسير الحضور النسائي بمعادلة "سدّ الفراغ" أو "الاضطرار المعيشي"، إذ تغفل تقاطعات الأيديولوجيا والطبقة والطائفة التي تؤطر قرارات المشاركة، مدنيةً كانت أم مسلّحة. ولا يكتمل فهم علاقة النوع الاجتماعي بالمكان من دون تتبّع حركات العبور والتنقّل التي تُعيد هندسة الفضاءات عبر الحدود؛ فالهجرة هنا تتجاوز كونها مجرد خلفية اجتماعية، لتغدو آلية لإعادة توزيع المخاطر والفرص، تُبدّل مواقع الكلام والقدرة على الفعل، وتكشف حدود سياسات الإدماج على الأرض.
المحور الثاني: الهجرة وإعادة التشكّل الاجتماعي
يتتبّع الكتاب مسار الهجرة النسائية من اللامرئية إلى المرئية عبر وساطات جيلية وتجارب يومية تُروّض الفضاء العام وتفكّك "الإقامة الجبرية" داخل السكن الاجتماعي. وفي قراءة أديلينا ميراندا للمكان بوصفه مجالًا لإعادة إنتاج علاقات القوة بقدر ما هو مسرح للإنتاج، تتجلّى نابولي مثالًا على "الاندماج التابع" الذي يختزل مؤهلات مهاجرات أوروبا الشرقية في أعمال الرعاية المنزلية، بينما تحوّل مهاجرات في فرنسا احتياجات السكن والرعاية إلى أجندة جمعوية تُسيّس الخاص وتدخله حيّز المطالبة الجماعية بالحقوق. يكشف هذا المسار زخم المبادرات اليومية، ويُذكّر في الوقت ذاته بحدودها أمام بنى الهيمنة؛ إذ تميل التراتبيات إلى إعادة إنتاج نفسها داخل تجليات مكانية مستحدثة ما لم تُدعَم بعمل نقابي وسياسات عمومية تتجاوز المستوى المحلي.
وتقدّم طنجة في المغرب صورة مكثّفة لهذا التناقض؛ فبينما تحوّل مهاجرات أوروبيات المركز التاريخي إلى مختبر لإعادة تشكيل الذات، تعيش عاملات مغربيات مسارًا مضادًا محصورًا بين المصنع ووسائل النقل والسكن المكتظ. هنا يبرز توصيف "مستقلات لكن غير حرّات" مفتاحًا تحليليًا؛ فالأجر يوفّر موردًا لا يتحوّل تلقائيًا إلى قدرة على القرار تحت ثقل الالتزامات العائلية. ومن ثمّ تبرز الحاجة إلى مؤشرات تمكين تفصل بين الموارد والفاعلية والمنجَز، بدل الاكتفاء بالانطباعات الخطابية.
أمّا في فضاءات العبور، مثل مخيمات "غابة كاليه"[6] في فرنسا، فيهيمن "الزمن المعلّق"[7] على خبرات النساء، إذ يتحوّل الانتظار إلى نشاط يومي يستنزف مشروع الهجرة ويدفع إلى طلب اللجوء كخيار أخير. ومع ذلك، يبقى تعميم صورة "المرأة المهاجرة" قاصرًا؛ فالتقاطعات بين الجنسية والمسار والأمومة ترسم استراتيجيات بقاء متباينة ينبغي قراءتها بوصفها تنوّعًا لا كتلة واحدة. وإذا كشفت الهجرة الفضاء بوصفه شبكة حدودٍ تتسع وتضيق، فإن اختبار التخطيط العمراني يبيّن بدوره كيف يُعاد تكييف المكان في الحياة اليومية، وكيف تتهاوى اليوتوبيا حين تنفصل البنية التصميمية عن حساسية السكان وقيمهم. ومن هنا ينتقل النقاش إلى نماذج حضرية تختبر التوتّر بين تمثُّلات الفضاء التخطيطية والتقنية (الفضاء المُصمَّم)، وبين أبعاده الاجتماعية وخبرات استعماله المتحوِّلة (الفضاء المُعاش) في سياقات السكن والتهيئة.
المحور الثالث: استراتيجيات تملّك الفضاءات
يقدّم نموذج "يو في 4"[8] في تونس درسًا بليغًا في هشاشة الطموح التخطيطي حين يغفل الخصائص المحلية؛ إذ انزلقت يوتوبيا العيش المشترك إلى واقع "تسييج الخصوصية"، وتحولت الفضاءات شبه المشتركة إلى ملحقات خاصة تُعاد صياغتها بحواجز مادية ورمزية استجابةً لهاجس الحُرمة والخوف من الانكشاف. وبهذا تتكرّس فجوة بنيوية بين الفضاء التقني المصمَّم والفضاء الاجتماعي المُعاش.[9] لا تشير هذه النتيجة إلى عجز العمارة، بقدر ما تكشف الشرط الاجتماعي لنجاعة التصميم: فاعلية الضبط الهندسي رهينة بقدرته على استيعاب قيم الخصوصية وموازين النوع الاجتماعي التي تتيح حرية الحركة وتحدّ من "نظرة الآخر" في الحياة اليومية للنساء.
وتُطرَحُ هذه الجدلية أيضًا في الرباط، حيث حوّل "البحث العمومي" ضمن مشروع وادي أبي رقراق فضاءً إداريًا إلى ساحة مساءلة، وأتاح لنساء غير ممثَّلات مواجهة "منطق المهندس" — الذي يُغلِّب المعايير التقنية وحسابات الجدوى على حساب الاحتياجات الاجتماعية— وشرعية المنفعة العامة. غير أنّ قوة اللحظة الاحتجاجية لا تكفي لإثبات تحوّل مستدام في أدوار النوع الاجتماعي من دون أدلة زمنية وتتبعٍ طولي يقيس أثر المشاركة في تعديل القرارات أو إعادة توزيع السلطة داخل الأسرة والمؤسسات.
ولا تقف استراتيجيات تملّك الفضاء عند حدود الممارسة الميدانية، وإنما تمتدّ لتشمل البنى الرمزية والنصية التي تصوغ حدود النوع الاجتماعي وتؤطّرها؛ إذ يقدّم الفصل قراءة فقهية-تاريخية لنصوص ابن الجوزي حول تنظيم موازين القوة القائمة على النوع الاجتماعي، و"أخلاقيات النظر" في الحمّام. غير أن حصر التحليل في المذهب الحنبلي يضيّق أفق المقارنة، ويستدعي توسيعها عبر سجلات الحِسبة والقضاء لرصد الفجوة بين النص المعياري والممارسة الفعلية. ومن ضبط المعيار الفقهي إلى آفاق التخيّل السردي، تتبدّل أدوات القياس والتمثيل أكثر مما تتبدّل الأسئلة. فالرواية، بوصفها جهازًا حسّاسًا، تعيد ترميز الفضاء وتكشف مدى رسوخ الحدود القائمة على النوع الاجتماعي أو قابليتها للاهتزاز، غير أنّ تعزيز قوة الاستدلال يقتضي إطارًا مقارنًا وتحليلًا لتلقي النصوص يختبر أثرها خارج حدودها.
المحور الرابع: الفضاءات والتمثّلات السردية
في رواية "خاتم" لرجاء عالم، تُبنى مكة على فصلٍ حاد بين المرئي الذكوري والفضاء الخفي، وتنبثق شخصية العنوان جسدًا مزدوجًا يربك الحدود ويعبر الطبقات المكانية، قبل أن يعيد العنف تثبيت النظام مع انكشاف الحقيقة؛ وبذلك تُظهر الرواية رسوخ هندسة ثنائية تعاقب الالتباس وتقصيه.[10] أمّا في "العروس المحرّرة" لأبراهام ب. يهوشع، فتتحول تأدية الأدوار وتمثيل الهوية إلى أداة لخلخلة التراتب، إذ يُستَخدَم تاريخ الثورة الجزائرية، الذي تدرسه بطلة الرواية، بوصفه مرآة لفهم تعقيدات الهوية العربية في إسرائيل. ويتبدّى هنا كيف تُمارَس السلطة عبر تفاصيل الهوية اليومية، مع التنبيه إلى مخاطر الذوبان الثقافي. وفي المقابل، تكشف سرديّات تل أبيب عن انتقال من سردية تأسيس ذات طابع ذكوري إلى "مدينة شبكة"، تُمارَس فيها السلطة من خلال التحكّم بالرموز والتدفّقات الإعلامية، لا عبر المكان المادي وحده، ضمن اقتصاد ثقافي ورقمي متحوّل.
ومع أهمية هذا المحور، فإنه يبدو أقل إحكامًا من حيث البناء المنهجي؛ إذ يركن إلى ثنائية مرئي/خفي واستعارات "عبور الحدود" من دون إسنادٍ بإطار سردي مقارن أو تحليل لسوسيولوجيا التلقي يختبر كيف تُقرأ المدينة والمتون عبر فئات قرائية متباينة. كما يميل اختيار النصوص إلى الأعمال الصادمة والنهايات المأساوية، على حساب تتبّع اللحظات الانتقالية والإنجازات اليومية غير الدرامية التي قد تكشف إمكانات أخرى لإعادة توزيع السلطة، وهو ما يحدّ من قابلية تعميم الاستنتاجات الأدبية على خرائط الفعل الحضري.
خلاصات نقدية
ينجح الكتاب في تفكيك "المرئية" بوصفها حدثًا مكانيًا يتولّد من تفاعل التخطيط والاحتجاج والهجرة والسرد، ويُظهر أن فهم النوع الاجتماعي يمرّ عبر اختبار شروط الولوج: الأمان، والكلفة، والزمن، وقابلية الحركة. ومع ذلك، يستدعي استكمال قوته التفسيرية ثلاث نقلات منهجية وتطبيقية. أولًا، توسيع المقارنة داخل العالم العربي لتشمل الريف والهوامش والمدن الخليجية والمدن الثانوية، مع إدراج فئات طالما بقيت في مناطق الظل، مثل العاملات في الاقتصاد غير المنظّم، وذوات الإعاقة، وكبيرات السن. ثانيًا، تطوير مؤشرات تمكين قابلة للقياس تفصل بين الموارد والفاعلية والمنجَز، وتتيح تتبّع التحوّل على المدى المتوسط، لا الاكتفاء بلحظات الذروة. ثالثًا، تحويل الدروس السوسيولوجية إلى خطوط إرشاد عملية في التخطيط والنقل والمرافق العامة تراعي حساسية النوع الاجتماعي، إلى جانب فتح مختبرات حضرية تجريبية بالشراكة مع البلديات والمجتمع المدني، بما يضمن انتقال المعرفة من مستوى التشخيص إلى مستوى الأثر.
بهذه الشروط يغدو الكتاب مرجعًا عمليًا، لا مادة أكاديمية فحسب. ومن خلال مزجه المقاربة الحضرية بدراسات الهجرة والتحليل الأدبي، يقدّم خريطة تفسيرية تُبيّن كيف تُصنع المدينة عبر أنماط حضور النساء والرجال، وكيف تُعاد صياغة السلطة في تفاصيل العبور والسكن والعمل والاحتجاج. وعلى هذا النحو، يتجاوز المتن حدوده التوثيقية، ليؤسس منظورًا نقديًا يعيد تعريف الحق في المدينة من داخل التجربة المعاشة، ويقترح على السياسات العامة اختبار الفضاء بوصفه مكوّنًا ماديًا ورمزيًا للعدالة، لا مجرد مسرح محايد لها.
يبقى التحدي الأبرز كامنًا في تحويل هذه المكاسب المفهومية إلى أدوات تشغيلية قابلة للقياس والتنفيذ. فحين يُنظر إلى الأمان والكلفة والزمن بوصفها محدداتٍ للحق في الوصول، لا يبدو الوصف النوعي كافيًا وحده. إذ تبرز الحاجة إلى مجموعات متكاملة من المؤشرات، مثل قياس زمن التنقّل بين المنزل والعمل بحسب النوع والفئة العمرية، وتقدير كلفة الوصول إلى الخدمات الأساسية نسبةً إلى الدخل، ورصد نِسَب الإبلاغ عن العنف في الطريق أو وسائل النقل، وصولًا إلى مقاييس "الطمأنينة المُدركة" التي تتجاوز لغة الأرقام الرسمية لتقيس الإحساس الذاتي والفعلي للنساء بالأمان، خاصة في فضاءات العبور. ويسمح بناء لوحة قيادة حضرية حسّاسة للنوع بنقل نقاش "المرئية" من مستوى الانطباعات إلى التتبّع الدوري وتقييم الأثر، كما يزوّد صانعي القرار بأداة لتوجيه الاستثمار نحو الأولويات. وعندئذ يصبح ممكنًا اختبار فرضيات الكتاب خارج سياقاته الأصلية، وتكييفها مع مدن عربية متفاوتة في الحجم والثروة وثقافة الفضاء.
وتتطلب قابلية التشغيل أيضًا مقاربة تشاركية تتجاوز استدعاء الشهادات في لحظة الاحتجاج إلى شراكات مستمرة مع النساء الساكنات والعاملات ومستخدمات المدينة. فالمعرفة المكانية المتجسدة—بوصفها خبرة سيرٍ وتحايلٍ وتكيّف—لا تُستخلص مرة واحدة، وإنما تُبنى عبر مسارات متكررة من التخطيط المشترك، وجلسات العصف مع جمعيات الأحياء، وتمكين "وسيطات حضريات" يضطلعن بدور حلقة الوصل بين الإدارة والميدان. وبهذه الأدوات يتراجع التوتر بين "المصمَّم" و"المعاش"، ويغدو التعديل التشاركي لمسارات المشي والإضاءة ونقاط العبور ممارسة اعتيادية، لا تدخّلًا إسعافيًا بعد وقوع الضرر.
كما ينجح الكتاب في كسر ثنائية "التقليد/الحداثة"، ويمكن دفع هذا المكسب خطوة أبعد عبر مقاربة تقاطعية تتعقّب أثر الطبقة والسن والإعاقة والحالة الأسرية والهجرة في آنٍ واحد على أنماط الاستعمال. فالفارق بين طالبة جامعية، وربّة أسرة عاملة، ومهاجرة غير موثّقة لا يقتصر على الموارد، بل يمتد إلى المعنى المُلصق بكل حركة: هل يُقرأ تنقّلها ضرورةً، أم هشاشةً، أم تمرّدًا؟ ويساعد تتبّع هذه الدلالات على تفسير مفارقات، مثل اتساع المرئية دون توسّع موازٍ في السلطة، أو تزايد الحضور في واجهات الاستهلاك من دون امتداد مماثل في دوائر القرار داخل السياسة والسكن والعمل.
وأخيرًا، يجدر التنبيه إلى ما لا يصرّح به الكتاب مباشرة: فزيادة مرئية النساء لا تعني بالضرورة تحقّق تقدّم فعلي. إذ قد تتحوّل هذه المرئية إلى حالة من الانكشاف، تضع النساء داخل دوائر "اقتصاد الانتباه" وتعرّضهنّ لأشكال متجدّدة من العنف الرمزي عبر وسائط التواصل، بما يسهم في إعادة إنتاج آليات الضبط في صيغ سلوكية مستحدثة. وإذا كان التحليل قد ركّز أساسًا على الفضاءات المادية، فإن امتداداتها الرقمية تستدعي بدورها مراجعة نقدية؛ إذ تحاكي هذه البيئات منطق الفضاء العام وتراقبه وتؤطّر أنماط التفاعل داخله. وعليه، يغدو مفهوم "المدينة الممتدّة رقميًا" أداة تحليلية ضرورية. ومن دون هذه المراجعة، قد يُفهم اتساع الحضور على أنه مؤشر تقدّم، مع أن جانبًا منه ينطوي على توسّع في آليات المراقبة والتحكّم.