تقدّم لوتشيا سوربيرا في كتابها "سيرة ثورة" قراءة جديدة تتجاوز التأريخ التقليدي لثورة يناير 2011، لتُظهر أن تراكم خبرات الحركة النسوية عبر قرن من العمل السياسي والاجتماعي شكّل الخلفية الفكرية والسياسية التي مهّدت للثورة. كما تعرض تجارب أجيال متعددة من الناشطات والمثقفات، وتربط بين الحركة النسوية والحركات الوطنية والعمالية والطلابية والحقوقية والديمقراطية، مستندة إلى التأريخ الشفهي والأرشيف الشخصي والرقمي.
إبراهيم فوزي[1]
تكمن أهمية أطروحة لوتشيا سوربيرا في وعيها بالسياق المركّب الذي تشكّلت فيه النسوية المصرية، فالنساء اللواتي يتتبّع كتابها "سيرة ثورة: الجذور النسوية لحقوق الإنسان في مصر"[2] سيرتهن واجهن بنيات سلطوية متعددة، بدأت بالإرث الاستعماري، مرورًا بالدولة السلطوية، وصولاً إلى التحولات النيوليبرالية. ولعل أكثر رهانات الكتاب جرأة هو وصفه النسوية بـ"البنية التحتية" لحركة حقوق الإنسان في مصر، ومن ثَمّ للثورة ذاتها. وتنجح هذه الأطروحة في زحزحة السردية التي حصرت الثورة في فئة الشباب أو الطبقة الوسطى أو الفضاء الرقمي، غير أنها تفتح في الوقت ذاته باب التساؤل: إذا كانت ثورة يناير 2011 في مصر نقطة تقاطع لمسارات عمالية وإسلامية وليبرالية ويسارية، فإلى أي مدى استطاع إطار "الجذور النسوية" التقاط هذا التشابك دون اختزاله؟
إعادة تعريف الثورة
تعتمد سوربيرا على منهجية التأريخ الشفهي، مستندةً إلى أكثر من ستين مقابلة أُجريت بين عامي 2011 و2023، إلى جانب مواد أرشيفية وشهادات رقمية، لبناء سيرة جماعية لنسويات مصريات من أجيال مختلفة. يتجاوز توظيف التأريخ الشفهيِّ في هذا العمل حدود الأداة البحثية ليغدو مشروعًا لبناء أرشيف بديل؛ ففي ظلِّ حجب الأرشيفات الرسمية ومساعي محو الذاكرة الثورية، تلجأ سوربيرا إلى بناء أرشيف موازٍ يتكوّن من شهادات شخصية، ومراسلات، ومنشورات على الفضاء الرقمي. وبناء عليه، يتحول فعل التوثيق هنا إلى مقاومة معرفيَّة ضد سياسات النسيان.
انطلاقًا من هذا البناء، تشير الكاتبة إلى أن حركة حقوق الإنسان في مصر، التي مثّلت أحد الأطر التنظيمية الأساسية قبل عام 2011، لم تنشأ من تأثيرات دولية بحتة، وإنما تأسست على خبرة نسوية متراكمة. لذا تُصوَّر النسوية في الكتاب على أنها بنية تحتية أخلاقية وسياسية للثورة. ونتيجة لذلك، يرفض الكتاب اختزال ثورة يناير في مشهد الميدان، ويعيدها إلى تاريخ ممتد من التفاوض مع الدولة، ومن معارك الجسد والقانون والأسرة، محوّلًا الثورة من حدث إلى صيرورة. في هذا السياق، تُعيد الكاتبة ترتيب سلسلة السببية، فتُظهر أن النسوية هي التي مهّدت للثورة عبر تراكم بطيء، وليس الثورة التي أطلقت النسوية. هذا الطرح يستحضر نقاشات آصف بيات، الباحث في الحركات الاجتماعية، حول الثورة بوصفها مسارًا اجتماعيًا مستمرًا وليس حدثًا مفاجئًا،[3] مع إضافة سوربيرا لبعد جندري واضح على هذا المسار.
تتميّز سوربيرا بقدرتها على الربط بين الخاص والعام، وبين الحب والسجن، وبين العائلة والاحتجاج، ما يثري القراءة ويعمّق الفهم. غير أن هذا التوسيع لمفهوم السياسة يطرح سؤالًا منهجيًا حول حدوده: إلى أي مدى يمكن إدراج الممارسات اليومية المتنوعة ضمن أفق ثوري واحد دون فقدان القدرة على التمييز بين مستويات الفعل المختلفة؟ قد يكون من المفيد في دراسات لاحقة تفكيك هذا المسار إلى مسارات متقاطعة، بعضها متوازٍ وبعضها متعارض أحيانًا، إذ أن الحقل النسوي في مصر يمثّل فضاءً للخلافات والمراجعات المستمرة، متجاوزًا بذلك صورة الكتلة الصماء، وهو ما لا يتوقف الكتاب عنده بشكل كافٍ.
سياسات الجسد وإنتاج اللغة الحقوقية
يقدّم الكتاب تحليلًا لقضية ختان الإناث بوصفها ساحة صراع حول السيادة على الجسد. وتُظهر سوربيرا كيف طوّرت ناشطات مصريات استراتيجيات خطابية دقيقة تدخل في المفهوم الاجتماعي السائد (الطهارة) قبل أن تفككه من الداخل، مع ربط توسّع حضور النساء في المجال العام بتصاعد القلق الأخلاقي حول الجنسانية. هذا التحليل يتقاطع مع أعمال ميشيل فوكو حول الجسد والسلطة، ومع كتابات نوال السعداوي حول السيطرة على الجسد الأنثوي بوصفه آلية هيمنة، لكن تضيف سوربيرا عنصرًا مهمًا، وهو أنّ مقاومة هذه السيطرة أنتجت لغة حقوقية أصبحت لاحقًا جزءًا من خطاب الثورة. كما تُبرز في ملف قانون الأحوال الشخصية كيف شكّلت معركة الخلع في عام 2000 ذروة مسار قانوني بدأ منذ العشرينيات من القرن الماضي.
النسوية بعد يناير
ترى الباحثة في دراسات الجندر شيرين حافظ[4] أن واقعة "كشوف العذرية"، وما تلاها من حملات وصم وتشويه استهدفت المتظاهرات، إلى جانب موجات العنف التي طالت النساء في أعقاب ثورة يناير، لم تكن أحداثًا عابرة في سياق سياسي مضطرب؛ إذ كشفت عن مركزية الجسد النسوي في بنية الصراع الاجتماعي والسياسي منذ اللحظة الأولى. فالجسد، في تحليلها، يتحوّل إلى موقع تتقاطع عنده علاقات السلطة، وتُعاد عبره صياغة آليات الهيمنة وإنتاج النظام الاجتماعي. ومن هنا، تكتسب أي قراءة نسوية جادّة لدور النساء أثناء الثورة وبعدها ضرورتها من تفكيك العلاقة بين الجسد الأنثوي وبنية القوى السياسية والاجتماعية التي أعادت ترتيب مواقعها عقب عام 2011. في المقابل، ترفض سوربيرا ما تصفه بـ"إبستمولوجيا الفشل النسوي"، أي النزعة إلى اختزال التجارب الثورية في سردية خذلان النساء حين لا تتحقق مساواة فورية أو تحوّل جذري سريع، وتدعو إلى تتبّع مسارات الاستمرارية وإعادة التشكّل داخل الحقل النسوي، مع التركيز على ما يستمر ويتحوّل، لا على ما ينكسر ويتلاشى.
في مقدّمة الكتاب، تشير سوربيرا إلى أنّ حركة حقوق الإنسان "تعرّضت لاستهداف عنيف من النظام الجديد الذي تولّى السلطة في 2013". وقد شهدت مصر، بعد هذا التاريخ، ارتفاعًا ملحوظًا في تمثيل النساء داخل البرلمان والحكومة، بالتوازي مع تضييق على المجتمع المدني والمجال العام. تتعامل سوربيرا مع هذه المفارقة بحذر، مشيرةً إلى إمكان توظيف خطاب تمكين المرأة بوصفه أداة لإضفاء شرعية على نظام سياسي ذي نزعة سلطوية. وبهذا، يندرج الكتاب ضمن نقاش عربي أوسع حول "نسوية الدولة"، حيث يُطرَح تمكين النساء سياسةً رسمية قد تنفصل عن توسيع الحريات السياسية. ومع ذلك، يتجاوز الإشكال النقدي الحالة المصرية ليطرح سؤالًا أرحب: هل يمكن لنظام سلطوي أن يُنتج تحوّلات جندرية حقيقية، أم تبقى هذه التحوّلات محكومة بسقف سياسي ضيّق يحدّ من إعادة توزيع السلطة على نحو فعلي؟
وفي قسمه الثاني، يتتبّع الكتاب سير ناشطات بعينهنّ، حيث تتحوّل التجربة النسوية إلى ممارسة سياسية ملموسة. وتبرز شخصيات مثل المحامية عزة سليمان، التي تكشف تجربتها انتقال النسوية من مستوى الخطاب إلى حيّز الممارسة القانونية اليومية. وفي الفصل المخصّص لها، تُقدَّم الأسرة بوصفها موقعًا سياسيًا تُعاد داخله صياغة علاقات السلطة. كما تمثّل الناشطة السياسية والمحامية ماهينور المصري نموذجًا لاستمرارية النضال النسوي عبر الأجيال؛ إذ تتجسّد في تجربتها العلاقة المتداخلة بين الثورة والسجن، وهو ما يظهر بوضوح في رسائلها من داخل السجن، التي تؤكّد أن "الثورة لها حياة وحلم دائم، ولا تعتمد على الأفراد."
ويبلغ هذا التلاقي بين التجربة الفردية والبنية السياسية ذروته في الفصل الثاني عشر، الذي يتناول "دفاتر السجينات"، حيث يتحوّل السجن من فضاء للإقصاء إلى موقع لإنتاج المعرفة والذاكرة. فهذه الدفاتر لا تكتفي بتوثيق العنف، وإنما تعيد كتابة التجربة النسوية من داخل القمع ذاته، بوصفها ممارسة أرشيفية مقاومة تنسجم مع تصوّر النسوية بوصفها "مختبرًا للتغيير السياسي، لا يمكن رصده بسهولة، ولا يحدث فقط — أو حتى بشكل كبير — في الفضاء العام". واللافت أن الكتاب لا يقتصر على توثيق الماضي أو تحليل التوازنات السياسية، بل يلتفت كذلك إلى سياسات الذاكرة. ففي ظل تضييق المجال العام وتقييد الوصول إلى الأرشيف، لجأت ناشطات وباحثات إلى الفضاء الرقمي بوصفه حيّزًا بديلًا لحفظ الشهادات وتداولها. هنا تتبدّى النسوية ممارسةً أرشيفية تتجاوز حدود الخطاب السياسي، لتغدو دفاعًا عن حق الذاكرة في البقاء في مواجهة محاولات المحو، وعن حق السرد في أن يُكتب خارج مؤسسات السلطة.
الثورة صيرورة نسوية
يستند مفهوم الثورة في هذا الكتاب إلى منطق التراكم لا القطيعة، ومن هنا يبتعد طرح سوربيرا عن التصوّر الحدثي للثورة كما صاغه آلان باديو، الذي يُعرّف الحدث بوصفه قطيعة غير قابلة للاشتقاق من شروطها السابقة. فالحدث، في تصوّر باديو، لا يُفهم باعتباره واقعة طبيعية أو امتدادًا يمكن تفسيره بمنطق العلّية التاريخية وحده، وإنما يُحدث انقطاعًا يعيد ترتيب إمكانات العالم الذي يقع فيه.[5] في المقابل، تقترب أطروحة سوربيرا من مفهوم الصيرورة؛ إذ تميل إلى قراءة يناير بوصفها حصيلة تاريخ طويل من إعادة تشكيل الجسد والقانون والكرامة، بما يمنح تفسيرها قدرة واضحة على التقاط مسارات الاستمرارية وما يبقى بعد انكسار اللحظة.
لكنه في المقابل يخفّف من حدّة القطيعة التي يراها باديو جوهر الثورة؛ حيث تُفهم الثورة، في طرحه، بوصفها انفراجًا استثنائيًا يفرض على العالم إعادة تعريف نفسه. فبينما يفاجئ الحدث، عند باديو، النظام القائم ويعيد ترتيب إمكاناته، تبدو الثورة، عند سوربيرا، أقرب إلى ذروة مسار اجتماعي-جندري طويل. يمنح هذا الانتقال من القطيعة إلى الاستمرارية الكتاب قوة تفسيرية، غير أنه يثير تساؤلًا إشكاليًا: إذا أمكن اشتقاق الثورة من مسار سابق، فهل تظل ثورة، أم تغدو نتيجة منطقية لمسار إصلاحي متراكم؟ لا يقتصر الرهان هنا على البعد اللغوي، بل يتجاوز ذلك إلى المستوى التحليلي؛ إذ إن تحويل الثورة إلى صيرورة ممتدة يُعيد توزيع الفاعلية من لحظة الانفجار إلى شبكة العلاقات التي مهّدت لها. ومع هذا التحوّل، يتراجع عنصر المفاجأة، وهو أحد العناصر الجوهرية في تعريف الثورة.
خاتمة
يقدّم كتاب "سيرة ثورة" قراءة عميقة للنسوية المصرية بوصفها عملية تاريخية ممتدة، تتجاوز كونها استجابة عابرة. يدفع هذا العمل القارئ إلى إعادة التفكير في معنى الثورة وفي الزمن الذي تُقاس به. وفي سياق عربي راهن تتجدّد فيه النقاشات حول قوانين الأسرة والجسد والمشاركة السياسية للنساء، يتجاوز الكتاب حدود الدراسة التاريخية ليغدو إسهامًا في نقاش فكري وسياسي مفتوح.
يُظهر الكتاب بوضوح أن النسوية شكّلت، وما تزال، أحد الأعمدة الأكثر ثباتًا في ثورة يناير، وهو طرح يعيد كتابة سردية هذه الثورة من زاوية مختلفة. كما يُحسب له أنه يعيد وضع النسوية في قلب السرد السياسي المصري، ويرفض اختزال الثورة في لحظة عابرة. كما يتميّز برصانته واعتماده على مادة غنية، مقدّمًا إسهامًا مهمًا في إعادة التفكير في العلاقة بين الجندر والتحوّل السياسي. ولا تفصل سوربيرا بين التحليل والإنصات؛ إذ تمنح شهادات النساء حضورًا إنسانيًا، مع الحفاظ على مسافة نقدية تتيح مساءلتها. هذا التوازن بين البعد الأخلاقي والمعرفي يضفي على العمل طابعًا يتجاوز حدود الدراسة الأكاديمية إلى كتابة تاريخية واعية بمسؤوليتها.
مع ذلك، تبدو أطروحة سوربيرا قابلة للاختبار خارج الحالة المصرية. ففي تونس، على سبيل المثال، اضطلعت الحركة النسوية بدور تاريخي، ومع ذلك اتخذ المسار السياسي بعد عام 2011 اتجاهًا مختلفًا. وفي السودان عام 2019، تصدّرت النساء واجهة المشهد، بينما ظلّت الحصيلة السياسية معقّدة. لا ينتقص ذلك من قيمة أطروحة الكتاب، وإنما يفتح المجال أمام مقاربتها في إطار مقارن، وهو ما قد يوسّع أفق النقاش الذي افتتحته لوتشيا سوربيرا في هذا الكتاب.