القارئات والقراء الأعزاء،
أقرّ مجلس الأمن الدولي في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 مشروع قرار أمريكي يقضي بإنشاء "قوة دولية مؤقتة لتحقيق الاستقرار في قطاع غزة"، بتأييد 13 عضوًا وامتناع روسيا والصين عن التصويت. يضع هذا التطور المنطقة أمام سياق جديد تُدفَع فيه غزة نحو نزع سلاح المقاومة ضمن خطة أممية–أمريكية تعيد ترتيب القطاع تحت وصاية مباشرة، عبر "مجلس سلام" يهيمن على مختلف الملفات: الأمن، إعادة الإعمار، المعابر، والمشهد السياسي.
يثير هذا القرار أسئلة عميقة حول مستقبل المقاومة وموقعها في خريطة فلسطين السياسية والجغرافية. والمفارقة أن هذا المسار يتزامن مع ضغوط مماثلة لنزع سلاح حزب الله في لبنان، بما يستدعي طرح السؤال ذاته: هل يمكن لأي ترتيبات دولية أن تعيد تشكيل موازين القوى في منطقة لا تزال أجزاء منها تحت الاحتلال، وتُقصف مرارًا دون رادع أو مساءلة، من الجهة نفسها التي تُشْرعن اليوم نزع سلاح المقاومة؟
في غزة، ما يجري ليس حربًا عابرة ولا مفاوضات متعثّرة، بل محاولة هندسة مشهد جديد يُعاد فيه تعريف الفلسطيني: من مقاوم إلى "ملف أمني"، ومن كيان غير معترف به إلى "إدارة انتقالية" أو "إدارة استعمارية"، ومن قضية إلى خريطة ملوّنة؛ خضراء يُعاد إعمارها تحت السيطرة الإسرائيلية، وحمراء تُترك للخراب والموت. وهي خريطة بلا ضمانات أو آجال، تُنتج وهمًا دبلوماسيًا فيما ترسّخ استعمارًا متجدّدًا وتحييدًا للمقاومة. أما مجلس الأمن، الذي لطالما انحاز للمحتل، فلم يتمكن خلال عامين من اتخاذ قرار واحد يوقف الإبادة في غزة.

تصف فرانشيسكا ألبانيز خطورة اللحظة بوضوح، في مقابلة لها مع The Chris Hedges Report قبل أيام من التصويت على القرار، إذ تقول إن الفلسطينيين ما زالوا شوكة في خاصرة المشروع الإمبريالي بأسره، لا في خاصرة إسرائيل وحدها، لأنهم ببساطة ما زالوا هناك يقاومون؛ يرفضون الرحيل، ويرفضون أن يُروَّضوا أو يُخضَعوا. إنهم آخر جبهة للمقاومة، في الأرض وفي المخيال معًا، ولهذا بلغ البطش ضدهم حدّّا جعل الولايات المتحدة تستعد لنشر قوات على الأرض للتخلّص منهم.
في هذا السياق، يبرز كتاب "إيران وحماس: من مرج الزهور إلى طوفان الأقصى – ما لم يُرْوَ من القصة" للدكتورة فاطمة الصمادي بقيمة مضاعفة؛ فهو يعرض تاريخًا سياسيًا لتحالفٍ إقليمي، ويقدّم عبر بحثٍ ممتد ووثائق أرشيفية وشهادات مباشرة خريطةً دقيقة لمسار العلاقة بين إيران وحماس بصفتها حركة مقاومة: من مرج الزهور بوصفه لحظة تأسيس للثقة بين الطرفين، إلى طوفان الأقصى بوصفه اختبارًا استراتيجيًا لما تبقّى من هذا التحالف الذي نشأ استجابة لفراغ صنعته وعود المجتمع الدولي. واليوم يعود الفراغ ذاته لكن بثوب قانوني جديد، وبنية تُشرعن نزع السلاح وتُبقي الاحتلال، أو من ينوب عنه، متحكّمًا بالمشهد.
ويبقى السؤال الجوهري: هل نشهد اليوم محاولة لهندسة منطقة تُدار فيها الجغرافيا المحتلة بلا مقاومة؟
دمتم بخير،
رهام عمرو