نُسلّط الضوء في "بين صفحات الكتب" على إصدارات حديثة تتناول قضايا المنطقة العربية وجوارها الجغرافي، إلى جانب أعمال تقترب من تجارب عالمية تتقاطع معها ثقافيًا وأدبيًا. ونقدّم في كلّ عدد قراءات أولية لكتب يجمعها محور أو ثيمة مُشتركة، وتفتح نقاشات تمتد إلى السياسة والمجتمع والثقافة والتاريخ.
عباس علي موسى[1]
تقدّم هذه الكتب الصادرة بالفارسية خلال السنوات الأخيرة قراءة لإيران من الداخل، بعيدًا عن الصورة التي تصوغها نشرات الأخبار والخطابات السياسية، إذ تتقاطع تجربة السجن مع أسئلة الدين والدولة، وتتداخل الشهادات الفردية مع تحولات السلطة والمجتمع. ويستعرض هذا العدد ست مؤلفات تتوزّع على ثلاثة محاور رئيسية: من رسائل نسرين ستوده وشهادة نرجس محمدي القادمة من داخل الزنازين، إلى مراجعات صديقة وسمقي ورضا عليجاني لعلاقة الدين بالجسد ومصير الإسلام بعد تجربة الجمهورية الإسلامية، وصولًا إلى مذكرات معتصم السلطنة في مرحلة القاجار وما تلاها من الحكم البهلوي، ومذكرات محمد جواد ظريف، حيث تتبدى حدود الدبلوماسية وآليات صنع القرار في إيران المعاصرة. ومن خلال هذه الإصدارات المتنوعة، يرسم العدد صورة لإيران من الداخل، تتقاطع فيها ثنائيات القمع والذاكرة، والمقدّس والسياسة، والدولة بوصفها ساحة دائمة للصراع والتحوّل.
تجربة السجن في إيران: شهادات من داخل الزنازين
رسائل نسرين ستوده

نسرين ستوده، نامههای زندان، بنیاد تسلیمی - آسو، 2022.
تقدّم نسرين ستوده في كتابها "نامههای زندان / رسائل السجن" كتابةً شديدة الخصوصية عن تجربة الاعتقال في إيران. غير أنّ هذه التجربة لا تنحصر في صورة الضحية الصامتة، إذ تتقدّم من خلالها محاميةٌ وناشطةٌ حوّلت الكتابةَ إلى شكل من أشكال الشهادة والمقاومة. يجمع الكتاب الرسائل التي وجّهتها ستوده من السجن إلى زوجها وأبنائها وأصدقائها وزملائها، إضافةً إلى مراسلاتها مع بعض المؤسسات الحقوقية، خلال سنوات ملاحقتها على خلفية دفاعها عن سجناء سياسيين وعن ناشطات في مجال حقوق النساء، ولا سيما المدافعات عن حق المرأة في رفض الحجاب الإلزامي.
لا يعتمد الكتاب سردًا سياسيًا مباشرًا ولا يتكئ على بناء نظري، لكنه ينشغل بتفاصيل الحياة اليومية داخل السجن: القلق على الأبناء، الخوف من النسيان، محاولة الحفاظ على روابط الحب في العزلة، واستعادة معنى المهنة حين تتحوّل المحاماة عن الناس إلى تهمة. ومن خلال هذه التفاصيل الصغيرة، تكشف ستوده عن بنية قمع تستهدف الذاكرة الفردية والجماعية، وتمتد إلى علاقة السجين بعائلته والعالم من حوله.
تتجلى قيمة الكتاب في وصله بين الخاص والعام في نسيج إنساني واضح، فالأم التي تكتب لأطفالها هي نفسها المحامية التي تدافع عن استقلال القضاء وحق المجتمع في معرفة الحقيقة، وتتحوّل رسائلها في نهاية المطاف، إلى وثيقة سياسية عن السجن والعدالة والكرامة الإنسانية. بذلك، يتجاوز الكتاب هدف تفكيك النظام الإيراني أو تحليل بنيته، ليقدّم شهادة إنسانية حيّة من داخل إحدى أدوات القمع التي يوظّفها.
العنف غير المرئي في "التعذيب الأبيض"

نرگس محمدى، شکنجهی سفید: در گفتگو با سيزده زن زندانی سیاسی، چاپ اول، نشر باران، 2020.
تُقدّم نرجس محمدي في كتابها "شکنجهی سفید / التعذيب الأبيض" شهادة حقوقية وإنسانية عن تجربة السجن، ولا سيما تجربة النساء السياسيات اللواتي دخلن المعتقل لأنهن اخترن قول "لا" في مواجهة أشكال متعددة من السلطة. ويكشف الكتاب انتقال التعذيب من صورته الجسدية المباشرة إلى شكل أكثر خفاءً وتعقيدًا، إذ لا ينصبّ الهدف على ترك أثر ظاهر في الجسد، وإنما على تفكيك علاقة السجينة أو السجين بالزمن والصوت والضوء والآخرين، وصولًا إلى زعزعة علاقته بذاته.
تستمد هذه الشهادة قوتها أيضًا من سيرة صاحبتها، فهي ناشطة حقوقية أمضت سنوات طويلة بين السجن والمحاكمات والعمل الحقوقي الميداني، قبل أن تتحول، بعد نيلها جائزة نوبل للسلام عام 2023، إلى واحدة من أبرز الأصوات العالمية المدافعة عن حقوق النساء والسجناء ورفض عقوبة الإعدام. ويكتسب الكتاب راهنية إضافية في ضوء ما تعرضت له محمدي من تدهور صحي ونقل من السجن إلى المستشفى، إذ لا تضع هذه التحوّلات نهاية لتجربتها، بقدر ما تعيد تأكيد إحدى أفكار الكتاب الأساسية: أن أثر "التعذيب الأبيض" يمتد إلى الذاكرة والجسد والحياة اليومية بعد الخروج من السجن، ولا يتوقف عند حدود الزنزانة.
وتكمن قيمة الكتاب في إبراز دور محمدي في إنتاج الذاكرة المرتبطة بالنضال الحقوقي والنسوي في إيران، لا في تقديمها بصورة الضحية فقط. وبإيراد شهادات اثنتي عشرة سجينة سياسية (بالإضافة إلى شهادة الكاتبة نفسها) من خلفيات فكرية ودينية واجتماعية وقومية متباينة، يتحوّل السجن مع هؤلاء النساء (الشاهدات/الضحايا) إلى لوحة لإيران الأخرى، إيران التي لا تفرح بالحرب ضدها، لكنها غير منسجمة مع النظام السائد. فيرسم الكتاب صورة النساء اللاتي تُعارضن من أجل إيران أفضل، إيران تتسع للجميع: نيكارا أفشار زاده التركمانية، ومهوش شهرياري البهائية، وهنكامة شهيدي الإصلاحية، وفاطمة محمدي المتحوّلة دينيًا إلى المسيحية، ونازيلا نوري من الدراويش الغناباديين، وغيرهن من الناشطات الكرديات والبلوشيات والعربيات، واللاتي لم يتسنَّ للمؤلفة محمدي الالتقاء بهن. ومع هذه الأمثلة مجتمعة تتشكّل صورة أكثر اكتمالًا لتجربة الاعتقال في إيران.
فبينما تروي آتنا دائمي تعرّضها المتكرر للتهديد بالإعدام أسلوبًا للضغط النفسي، عبر تهيئة ظرف نفسي يشبه إعدامًا متكررًا بهدف إجبارها على التعاون مع عناصر الإطلاعات (الاستخبارات)، تستعيد هنكامة شهيدي شعورها بالخزي والعار جرّاء تعرّضها للإذلال والابتزاز ذي الطابع الجنسي على يد أحد المحققين. ومع الأمثلة الكثيرة لأساليب التعذيب، تعرض محمدي أيضًا ما وصفته مهوش شهرياري عن ظروف احتجازها في زنزانة عُرفت بين السجينات باسم "بيت الكلاب"، وهو وصف يختلف، كما يعرف القراء، عن بيت الكلاب في الثقافة الغربية، إذ يتجاوزه إلى مكان احتجاز بالغ القسوة والمهانة.
تذكر محمدي كذلك، في إحدى الشهادات مع الناشطة صديقة مرادي المتهمة بدعم منظمة مجاهدي خلق (المنظمة المسلحة)، تجربة اعتقالات الثمانينيات، ثم تجربتها اللاحقة في الاعتقال عامَي 2011 و2016، مقارنةً بين أساليب التحقيق في الفترتين. وتتمثل أبرز الفوارق في أن أساليب التعذيب كانت أكثر حضورًا في الثمانينيات بهدف انتزاع الاعترافات والحصول على معلومات عن المنظمة وناشطيها وأنشطتها، فيما اتخذت لاحقًا أشكالًا أخرى ركّزت على الحبس الانفرادي، والتهديد بالأهل والأقارب، ومحاكاة الإعدام، بغرض انتزاع اعترافات محددة لتسويقها إعلاميًا.
بذلك، يتحوّل الكتاب إلى توثيق جماعي لتجربة العزل والانتهاك النفسي داخل السجون الإيرانية. وهكذا تغدو الشهادة فعل مقاومة في مواجهة اختزال السجناء إلى أرقام وملفات، ووثيقة عن عنف غير مرئي يمارس أثره في صمت، في مقابل أصوات تصرّ على البقاء حيّة حتى خلف الجدران.
السلطة والإسلام السياسي في إيران
فقيهةٌ تتمرّد

صدیقه وسمقی، چرا علیه حجاب شوریدم، بنیاد تسلیمی - آسو، 2025.
يتناول "چرا علیه حجاب شوریدم؟ / لماذا ثُرتُ على الحجاب؟" شهادةً فكريةً وسياسيةً عن المسار الذي قاد صديقة وسمقي من داخل المؤسسة الدينية والفقهية إلى مواجهة الحجاب الإلزامي، الذي ارتبط في تجربتها برمز لسلطة دينية تتجاوز تنظيم المجال العام لتصل إلى التحكم في الجسد والضمير والاختيار.
يبدو الكتاب في ظاهره سيرةً تتصل بقرار خلع الحجاب وما تلاه من أحداث شخصية، إلا أنّه في جوهره مراجعةٌ مطوّلة لعلاقة الدين بالقانون، والفقه بالسلطة، والمرأة بالدولة. وقد اختارت وسمقي أن تبني كتابها على أربعة فصول تسير وفق تسلسل تاريخي لا موضوعاتي، يُدمج كل فصل بين الخاص والعام ليضع تجربتها في سياقها السياسي الأشمل.
تنبع أهمية الكتاب من أنّ وسمقي لا تكتب من موقع خصومة خارجية مع الدين، وإنما تنطلق من داخل تجربة طويلة في دراسة الفقه والإلهيات وتدريسهما، فضلاً عن ممارسة القانون والنضال في ملف حقوق المرأة. ولذلك تبدو حجتها أشدّ إرباكًا للخطاب الرسمي، إذ تعود إلى النصوص والتاريخ والفقه لتقول إنّ إلزام المرأة بتغطية شعرها ليس أمرًا قرآنيًا صريحًا، وإنّ تحويل اللباس إلى قضية أمنية وسياسية إنما هو صناعة سلطوية حديثة لا ضرورة دينية.
يتجاوز كتابها الجدل الفقهي حول الحجاب إلى رصد العنف الرمزي والمادي الذي مارسته الجمهورية الإسلامية الإيرانية على النساء وما تزال تمارسه؛ من حادثة مقتل مهسا أميني إلى قضية آرميتا كراوند، ومن الشارع إلى سجن إيفين (اوين). وهنا تصل المؤلفة إلى لحظة تحوّل الحجاب، من منظور الجمهورية الأمني والسياسي، إلى نظام طاعة واختبار يومي لقدرة الدولة على إخضاع المرأة وإعادة إنتاج الخوف باسم الشرع والقانون.
لا يقدم هذا الكتاب قراءة محايدة بالمعنى الأكاديمي الموضوعي، فهو منحازٌ للتجربة الشخصية المشبعة بالغضب الأخلاقي والجرح السياسي، وربما يكون هذا الانحياز جزءًا أصيلًا من قيمته، إذ تتداخل نقاشاته بين البحث النظري والتجربة الذاتية في مقاربة سؤاله المحوري: لماذا ثُرتُ على الحجاب؟. وينتهي إلى إقرار جوهري مفاده أنّ السكوت عن فرض الحجاب مشاركةٌ في فعل الإكراه الممارس على المرأة. وفي المحصلة، يقدّم الكتاب قراءة في تشكّل الوعي النسوي الإيراني، ونقدًا جذريًا لفكرة السلطة حين تتخذ من المقدّس غطاءً لها.
هل يتغير الإسلام في إيران؟

رضا علیجانی (إشراف)، آیندهی اسلام در ایران، آسو، 2022.
يقدم رضا عليجاني في كتاب "آیندهی اسلام در ایران / مستقبل الإسلام في إيران" عملاً حواريًا مع عدد من أبرز المفكرين الإيرانيين حول مصير الدين في إيران بعد تجربة الجمهورية الإسلامية، من زاوية تتجاوز السؤال الديني الضيق نحو أسئلة أوسع تتصل بالدولة والمواطنة والحرية.
يجمع الكتاب حوارات مع أصوات فكرية متباينة في آرائها ومقارباتها، ما يجعل منه خريطة نقدية واسعة للمشهد الديني الإيراني. وينطلق من فرضية محورية مفادها أنّ إيران لم تعد المجتمع التقليدي نفسه الذي عرفته قبل الثورة؛ إذ دخلت فيما يسمّيه عليجاني "النهضة الإيرانية"، التي يبدأ مسارها من نقد الدين ونقد السلطة الدينية في آن واحد. فالتجربة الطويلة لولاية الفقيه حوّلت الإسلام السياسي، في نظر كثير من المحاورين، من وعدٍ بالخلاص إلى اختبار تاريخي قاسٍ، كشف أزمة الحكم الديني، وأفضى إلى نقدٍ واسع للفكرة الدينية حين تحكم الدولة، ولولاية الفقيه حين تتحوّل إلى أداة للحكم. غير أنّ الكتاب، على الرغم من نقده للإسلام السياسي، لا يقع في مطبّ معاداة الدين، إذ يقرّ بالحاجة المعنوية والأخلاقية إليه داخل المجتمع، بعيدًا عن توظيفه كأيديولوجيا للدولة. ومن هنا تتكرّر في الحوارات أسئلة حول الأخلاق الكونية وحقوق الإنسان معيارًا لا غنى عنه لتقييم أي مشروع ديني أو سياسي.
يتقاطع المتحاورون في الكتاب، على اختلاف مواقفهم، حول أنّ مستقبل الإسلام في إيران مرهونٌ بقدرته على قبول موقع جديد: أن يكون جزءًا من المجتمع المدني دون أن يتسيّد الدولة، وأن يقبل التعددية ويتخلى عن الوصاية. ومن هذا المنطلق، فإنّ الدولة المستقبلية في إيران، وفق أفق الكتاب، لا تعادي الدين بالضرورة، غير أنّها تمنعه من احتكار القانون وتجييره لغايات سياسية.
أخيرًا، لا تنتهي آراء المتحاورين إلى نتيجة واحدة. فبينما ترى صديقة وسمقي أنّ الجمهورية الإسلامية مثّلت اختبارًا تاريخيًا لفكرة الحكم الديني، يدافع حسن يوسفي أشكوري عن إمكانية التجديد في الفكر الديني وتحريره من النزعة الشمولية. أما بيجن عبد الكريمي فيقدّم مقاربة فلسفية أوسع للعلاقة بين الدين والحداثة ومصير المرجعيات التقليدية. وبين من يرى إمكانية إصلاح ديني عميق، ومن يرى أنّ زمن التوفيق بين الإسلام السياسي والحداثة قد ولّى إلى حدّ كبير، يظلّ الكتاب شهادةً على مجتمع يتحرّر ببطء من ثقل الإكراه، ويطرح سؤال مستقبل الإسلام في دولة خبر مواطنوها تجربة الحكم الديني، وقيّموها، واختبروا نتائجها.
الدولة من الداخل: مذكرات وسير سياسية
المُمكن في الدبلوماسية

محمد جواد ظریف، پایاب شکیبایی: برداشتهایی از هشت سال وزارت، نشر اطلاعات، 2025.
يُقدّم محمد جواد ظريف في كتابه "پایاب شکیبایی / مُنتهى الصبر" شهادة سياسية عن السنوات الثماني التي قضاها وزيرًا للخارجية الإيرانية بين عامي 2013 و2021، وهي مرحلة اتسمت بالعقوبات، والمفاوضات النووية، والتوترات الإقليمية، إلى جانب التنافس داخل مراكز القرار في الجمهورية الإسلامية نفسها. ويقترب الكتاب، الذي ينتمي إلى أدب المذكرات السياسية، من مراجعة لتجربة دبلوماسية معقّدة، يحاول ظريف من خلالها استخلاص دروس تتصل بمستقبل السياسة الخارجية الإيرانية وحدود حركتها.
تكمن أهمية الكتاب في كشفه طبيعة الفعل الدبلوماسي داخل نظام لا تنفرد فيه وزارة الخارجية بصناعة القرار الخارجي. فمن خلال حديث ظريف عن اتفاق "برجام" (خطة العمل الشاملة المشتركة/ الاتفاق النووي)، والعلاقة مع الولايات المتحدة، ودور المجلس الأعلى القومي، وحضور المؤسسات الأمنية والعسكرية في الملفات الإقليمية، تتضح البنية المركّبة التي تتحرك داخلها الدبلوماسية الإيرانية، حيث تعمل أجهزة متعددة ضمن مساحات متداخلة من النفوذ والتأثير. كما يربط ظريف تجربته بالتحولات التي شهدها العالم بعد الحرب الباردة، وبحاجة إيران إلى بناء فهم أكثر واقعية لإمكاناتها وحدودها في نظام دولي شديد التقلب.
ومع ذلك، لا يقدّم ظريف رواية محايدة تمامًا، فهو أحد أبرز صناع تلك المرحلة، ويكتب من موقع المدافع عن خياراته، خصوصًا في ما يتعلق بالاتفاق النووي وانسحاب واشنطن منه، إضافة إلى الأزمات التي كشفت هشاشة التنسيق الداخلي، مثل إسقاط الطائرة الأوكرانية. ولهذا تبدو المذكرات أقرب إلى شهادة سياسية ذاتية تكشف رؤية صاحبها للمرحلة بقدر ما توثّق أحداثها.
تنبع قيمة الكتاب أيضًا من كونه يفتح نافذة على آليات عمل الدولة الإيرانية من داخل وزارة الخارجية نفسها، ويعكس حاجة السياسة الخارجية إلى قدر أكبر من التنسيق والإجماع بين مؤسسات الدولة المختلفة. وتتكرر بين سطوره فكرة أساسية مفادها أنّ الدبلوماسية الإيرانية لا تتحرك بحرية كاملة، وإنما ضمن توازنات معقدة تفرضها بنية النظام السياسي وتعدد مراكز القرار فيه. ومن هنا يقدّم "مُنتهى الصبر" قراءة في تجربة ظريف الشخصية، وفي الوقت نفسه يكشف طبيعة صناعة القرار الإيراني وحدود السياسة حين تتحرك داخل هامش الممكن.
إيران بين مرحلتين

مهدى فرخ، خاطرات سیاسی مهدی فرخ: معتصم السلطنه، بدرقه جاويدان، 2024.
يُمثّل كتاب المذكرات السياسية لمعتصم السلطنة "خاطرات سیاسی مهدى فرخ" شهادة رجل دولة عاش مرحلة انتقالية شديدة الحساسية بين أواخر العهد القاجاري وبدايات الدولة البهلوية، مقدّمًا إطلالة على آليات الحكم في إيران قبل الجمهورية الإسلامية، وعلى تشكّل الدولة الحديثة في سياق اتسم بالفقر والتدخل الأجنبي وضعف المركز وصعود النخب البيروقراطية الجديدة.
وتتجلّى أهميته في أنّ صاحب المذكرات كان جزءًا من جهاز الدولة، إذ تولّى مناصب متعددة في الخارجية، وعمل نائبًا ووزيرًا وسفيرًا وحاكمًا في عدد من الأقاليم. وتكشف تجربته عالمًا سياسيًا متداخلًا، تتقاطع فيه البلاطات والوزارات والولايات والسفارات والقوى الأجنبية والزعامات المحلية، بما يقدّم صورة للدولة كبنية تفاوضية قلقة تتحرك بين ضعف القاجار ومحاولات البهلويين بناء مركز قوي، لا بوصفها وحدة متماسكة مستقرة.
وتستعرض المذكرات أحداثًا تاريخية مفصلية في تلك المرحلة، مثل حركة جنگل في جيلان وظهور ميرزا كوجك خان، وصعود سردار سپه (لقب من ألقاب رضا بهلوي)، وأزمة خراسان مع محمد تقى خان پسيان، وغيرها من التحولات الفارقة. وتشير هذه الوقائع إلى أنّ الدولة الإيرانية الحديثة تشكّلت في سياق صراع حول معنى الدولة نفسها، بين سؤال المركزية الصارمة، أو كونها مجالًا لتوازنات النخب والأقاليم والقوى الخارجية. وهنا تتضح قيمة الكتاب في محاولة تتبّع الجذور التاريخية لتعدد مراكز القرار في إيران.
يمثّل هذا العمل شهادة لرجل من داخل بنية الدولة في مرحلتها التاريخية، يحمل تصورات طبقته وموقعه ومصالحه، ويقرأ الاضطراب غالبًا بعين إداري يخشى انهيار الدولة. لذلك يبقى نقده للفقر والفساد والتدخل الروسي ثم البريطاني، إضافة إلى انتهازية بعض رجال السياسة، نقدًا صادرًا من داخل تقاليد الدولة نفسها.
ويُعد الكتاب مهمًا لأنه يقدّم مدخلًا لفهم إيران ما قبل الثورة الإسلامية، ويكشف استمرار بعض البنى العميقة في السياسة الإيرانية، مثل الصراع بين المركز والهامش، وبين الدولة والمجتمع، وبين السيادة الوطنية والنفوذ الأجنبي، وبين القرار الرسمي وشبكات النفوذ في الظل. وفي المحصلة، يقدّم قراءة لدولة كانت تتعلم، عبر العنف والتردد، كيف تتشكّل دولةً حديثة.