هل صُنعت لحظة الخليج العسكرية؟
يتناول كتاب "الاستراتيجيات العسكرية الجديدة في الخليج" لجان لوب سمعان التحولات العسكرية في السعودية والإمارات وقطر خلال العقد الأخير، مع تركيز على محاولات بناء استقلال استراتيجي عن المظلة الغربية. ويوضح أن تحديث الجيوش وتوطين الصناعات الدفاعية وتنويع الشراكات لم يفضِ إلى استقلال فعلي، إذ ظل الاعتماد على الولايات المتحدة قائمًا في مجالات التدريب والتسليح وإدارة العمليات. كما يكشف أن هذه السياسات أسهمت في توسيع الدور الإقليمي للخليج مع بقاء حدود واضحة لقدرة الردع الذاتي.
فكيف يقرأ يوسف حاتم[1] مسار تحوّلات الاستراتيجية العسكرية الخليجية في اتجاه بناء استقلال دفاعي، في ضوء استمرار الاعتماد على الولايات المتحدة وحدود هذا المشروع كما يعرضه الكتاب؟
أعادت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في آذار/ مارس 2026 سؤال الأمن الخليجي إلى الواجهة من جديد. فمع انطلاق عملية "الغضب الملحمي" الأميركية، ثم اتساع نطاق الردود الإيرانية داخل المجال الخليجي، وجدت دول الخليج نفسها أمام واقع أمني أكثر تعقيدًا من المواجهات السابقة بين الولايات المتحدة وإيران. إذ تجاوز التهديد هذه المرة القواعد الأميركية في المنطقة، ليمتد إلى منشآت الطاقة والموانئ والمطارات الخليجية. وبذلك لم يعد السؤال مرتبطًا فقط بقدرة دول الخليج على تجنّب الانجرار إلى حرب إقليمية، وإنما بمدى قدرة جيوشها على حماية البنية الحيوية خارج المظلة الأميركية، خاصة بعد سنوات من التحديث العسكري.
طُرح هذا الجدل، بصيغة أخرى، في كتاب الباحث الفرنسي جان- لوب سمعان "الاستراتيجيات العسكرية الجديدة في الخليج: سراب الاستقلال في السعودية والإمارات وقطر "[2]، الصادر عام 2023. يستند الكتاب إلى خبرة بحثية ومهنية قريبة من الحقل العسكري الخليجي؛ إذ عمل سمعان لسنوات في التعليم العسكري والدراسات الاستراتيجية، أولًا في كلية دفاع الناتو، ثم في كلية الدفاع الوطني الإماراتية. لذلك لا يكتفي بتحليل الخطاب الرسمي أو بيانات الإنفاق العسكري، وإنما يمزج بين مصادر علنية، وتقارير عسكرية واقتصادية، ومقابلات ميدانية، وملاحظة بالمشاركة داخل فضاءات التعليم العسكري في الخليج.
ينطلق الكتاب من تحوّل جوهري في وظيفة الجيوش الخليجية، كما يراه المؤلف. فبعد أن كانت هذه الجيوش، تاريخيًا، أقرب إلى أدوات لحماية النظام وضمان الاستقرار الداخلي، تحولت تدريجيًا، ولا سيما بعد صدمة الربيع العربي عام 2011، إلى أدوات للتأثير في التوازنات الإقليمية خارج الحدود الخليجية. [3] ويأتي ذلك في سياق ما يسميه الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله "لحظة الخليج"، التي تشير إلى انتقال مركز الثقل السياسي والاقتصادي في العالم العربي نحو دول الخليج.[4] غير أن سمعان يضع هذه التحولات العسكرية تحت مقاربة نقدية، مبينًا أن تراكم القدرات العسكرية، وتوطين بعض الصناعات الدفاعية، وتنويع الشراكات الأمنية، لم يؤدِ بالضرورة إلى استقلال استراتيجي مكتمل. ومن هنا لا يقتصر سؤال الكتاب على ما تغيّر في القوة الخليجية، بل يمتد إلى أسباب محدودية هذا التحول، والشروط التي قد تجعل الاستقلال العسكري ممكنًا في المستقبل.
الاستقلال الاستراتيجي وضرورته للخليج
قد يظن كثير من المتابعين أن دول الخليج لم تدرك هشاشة المظلة العسكرية الأميركية إلا مع الحرب الأخيرة، غير أن هذا الإدراك كان حاضرًا لدى القيادات الخليجية منذ سنوات. في مستهل كتابه، ينقل سمعان تصريحًا لافتًا لأنور قرقاش، وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية آنذاك، ورد في مقال رأي نشرته صحيفة ذا ناشيونال الإماراتية الناطقة بالإنجليزية، قال فيه: "لم تعد هناك أي دولة خارجية تضمن الأمن الإقليمي، كما فعلت بريطانيا في الماضي، وكما فعلت الولايات المتحدة حتى وقت قريب". ورغم أن هذا التصريح يعود إلى عام 2019، فإن سمعان يرى أن القيادات الخليجية تبنّت هذا المنطق منذ وقت أبكر، وتحديدًا منذ اندلاع ثورات الربيع العربي[5].
مثّلت تلك الثورات، في قراءة سمعان، لحظة انكشاف استراتيجي أمام دول الخليج. ولم يقتصر الأمر على سقوط حلفاء تقليديين أو انتقال موجات الاحتجاج إلى البحرين، لكن ارتبط أيضًا بما رأت فيه العواصم الخليجية تراجعًا في استعداد الولايات المتحدة لضمان أمن حلفائها وفق الصيغة التي سادت لعقود. وتزامن ذلك مع صعود النفوذ الإيراني واستثماره الفراغات السياسية التي أفرزتها تلك التحولات، ما جعل السعي إلى بناء أدوات عسكرية ذاتية حاجة سياسية وأمنية ملحّة.
في هذا السياق، انخرطت دول الخليج في مشروع يندرج، بحسب سمعان، ضمن مفهوم "الاستقلال الاستراتيجي"، وهو مفهوم يستعيد تجارب دول ناشئة في آسيا وأميركا اللاتينية خلال النصف الثاني من القرن العشرين. غير أن هذه التحولات الخليجية، في تقديره، لم تنشأ نتيجة تطور مؤسسي تدريجي فرضته متطلبات العمل العسكري، بقدر ما ارتبطت بقرارات سياسية اتخذتها القيادات العليا، وقادها جيل جديد من الحكام الطامحين، مثل محمد بن سلمان ومحمد بن زايد وتميم بن حمد.
كانت الخطوة الأولى في هذا المسار إعادة الهيكلة الإدارية والمؤسسية للجيوش. ويرى سمعان أن جيوش المنطقة صُممت تاريخيًا لحماية النظام السياسي وضمان توازن الولاءات القبلية، وهو ما أوجد تشتتًا مقصودًا في مراكز القوة العسكرية للحيلولة دون وقوع الانقلابات. ومع صعود القيادات الجديدة، تسارعت عمليات إعادة هيكلة وزارات الدفاع ومركزة القرار العسكري؛ فتراجعت مراكز القوى التقليدية المستقلة، مثل الحرس الوطني في السعودية، ودُمجت بعض القوات المحلية لتعزيز سلطة المركز، كما حدث في الإمارات. ورغم أن هذه الإجراءات أسهمت في الحد من التشتت الهيكلي، فإنها أفضت، في الوقت نفسه، إلى قدر كبير من شخصنة المؤسسات العسكرية وربطها المباشر بالقيادة السياسية العليا[6].
بعد ذلك، ينتقل الكتاب إلى محور حيوي آخر هو التعليم العسكري. ويذهب سمعان إلى أن العواصم الخليجية أدركت، وإن جاء ذلك متأخرًا نسبيًا، حاجتها إلى استراتيجيين قادرين على إدارة الترسانات المتطورة التي امتلكتها، لا إلى مجرد منفذين للمهام التكتيكية. ولتحقيق هذه الغاية، أُسست كليات للحرب والدفاع الوطني في الدول الثلاث. غير أن المفارقة الأساسية، بحسب الكتاب، تكمن في أن هذه المؤسسات، التي يُفترض أن تسهم في بناء عقل استراتيجي محلي، ما تزال تعتمد بدرجة كبيرة على مستشارين وشركات غربية في المناهج والتدريس، مثل كينغز كوليدج وشركات الاستشارات الأميركية. ويرى سمعان أن هذا النمط من الاعتماد أنتج ما يسميه "التماثل العسكري"، حيث تُستنسخ العقائد الغربية وتُطبّق على بيئة محلية مختلفة، الأمر الذي يحدّ من فرص تطوير عقيدة عسكرية وطنية تنبع من الخصوصية الجيوسياسية والثقافية للخليج، ويجعل العلاقة أقرب إلى التعاقد المعرفي منها إلى بناء ذاتي مستدام للخبرة العسكرية[7].
أما في تناوله قطاع الصناعات الدفاعية، فيسلط سمعان الضوء على الطموحات الخليجية الواسعة لتوطين الصناعة العسكرية من خلال كيانات حديثة وكبيرة، مثل الشركة السعودية للصناعات العسكرية "سامي"، ومجموعة "إيدج" الإماراتية، و"برزان القابضة" القطرية. وبالاستناد إلى نموذج "سلم الإنتاج"، يقدّم الكتاب تقييمًا نقديًا لهذه الطموحات، موضحًا أنه رغم التقدم الملحوظ الذي حققته بعض الدول، ولا سيما الإمارات، فإن الصناعات الدفاعية الخليجية ما تزال تواجه عوائق هيكلية تحول دون بلوغ مستويات متقدمة من الإنتاج المستقل. فثمة نقص في الكفاءات المحلية المؤهلة في مجالات العلوم والتكنولوجيا، كما تظل الأنشطة الصناعية متمركزة إلى حد كبير في التجميع، وتعديل المنظومات الأجنبية، والاعتماد على مكونات دقيقة مستوردة. لذلك يخلص المؤلف إلى أن الاكتفاء الذاتي العسكري ما يزال هدفًا بعيد المنال، رغم الميزانيات الضخمة والكيانات الجديدة التي أُنشئت لتحقيقه[8].
ومع ذلك، فإن توقف مادة الكتاب عند عام 2020 يجعله غير قادر على استيعاب بعض التطورات اللاحقة في الصناعات العسكرية الخليجية. ففي الإمارات، على سبيل المثال، أشارت تحقيقات صحفية إلى سعي أبوظبي للاستحواذ على ملكية فكرية عسكرية حساسة لدى شركة "دينيل" ومجموعة "باراماونت" في جنوب أفريقيا، بالتوازي مع استقطاب كوادر هندسية متخصصة للمساهمة في توطين الصناعات الدفاعية[9]. كما واصلت الإمارات الاستثمار في شركات التكنولوجيا العسكرية المتقدمة؛ إذ استحوذت مجموعة "إيدج" في يناير/كانون الثاني 2025 على حصة تبلغ 30 في المئة من شركة "ثيرد آي سيستمز" الإسرائيلية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وأنظمة رصد الطائرات المسيّرة[10]. وفي السعودية، تتواصل الجهود الرسمية لتوطين الصناعات الدفاعية ضمن هدف معلن يتمثل في توطين أكثر من 50 في المئة من الإنفاق على المعدات والخدمات العسكرية بحلول عام 2030[11].
الأدوات الخارجية لتحقيق الاستقلال الاستراتيجي
إلى جانب محاولات الإصلاح العسكري الداخلية، سلكت دول الخليج مسارًا خارجيًا موازيًا سعت من خلاله إلى تعزيز حضورها الإقليمي وتأمين مصالحها الاستراتيجية بعيدًا عن الاعتماد الكامل على المظلة الغربية التقليدية. وفي هذا الجزء، يفكك سمعان مسارين رئيسيين في هذا التوجه: تنويع الشراكات الدفاعية، واستخدام أدوات بديلة لإسقاط القوة خارج الحدود.
في تناوله لمسألة تنويع الشراكات الدفاعية، يناقش سمعان ما يمكن وصفه بـ"التحوّط الاستراتيجي"، إذ سعت العواصم الخليجية إلى تخفيف اعتمادها على الولايات المتحدة عبر بناء علاقات عسكرية وتسليحية مع قوى أخرى، مثل الصين وروسيا وتركيا وكوريا الجنوبية. ويستعرض الكتاب، في هذا السياق، صفقات شراء الطائرات المسيّرة الصينية، مثل "وينغ لونغ 2" و"سي إتش 4"، إلى جانب المفاوضات المتعلقة ببعض المنظومات الدفاعية الروسية، باعتبارها خطوات تحمل رسائل سياسية واضحة إلى واشنطن. فهذه الصفقات تعكس رغبة خليجية في إظهار أن خيارات التسلح لم تعد محصورة في مصدر واحد، وأن لدى هذه الدول هامشًا للبحث عن بدائل عندما تتردد الولايات المتحدة أو تفرض قيودًا على بعض أنواع السلاح[12].
مع ذلك، يرى سمعان أن هذا التنويع يظل محدود الأثر من الناحية الاستراتيجية. فهو لا يوفر بديلًا عملياتيًا حقيقيًا عن المنظومة الأميركية، ولا يحرر الجيوش الخليجية من اعتمادها البنيوي على الغرب في مجالات التدريب والتشغيل والصيانة وأنظمة القيادة والسيطرة. كما أن إدخال منظومات روسية أو صينية إلى جيوش بُنيت في معظمها على العتاد والعقيدة الغربية قد يخلق تحديات إضافية، خصوصًا فيما يتعلق بالتوافق التشغيلي بين الأنظمة المختلفة. ومن هذا المنطلق، يخلص إلى أن تنويع الشراكات يمثل أداة للضغط السياسي والتحوط الدبلوماسي أكثر مما يمثل استقلالًا فعليًا في صناعة القرار العسكري[13].
في المقابل، يقدّم الباحث الأمريكي شون يوم تفسيرًا مختلفًا لهذا التوجه، إذ يرى أن صعود النموذج العسكري الخليجي الجديد، والاندفاع نحو بناء قدرات دفاعية ذاتية، لا يرتبطان فقط بتراجع الهيمنة الأميركية أو اهتزاز الضمانات الأمنية الغربية، بقدر ما يستجيبان أيضًا لاعتبارات داخلية. فهذه المشاريع العسكرية الطموحة تتيح للأنظمة الحاكمة بناء ما يسميه "شرعية الأداء والإنجاز"، وصياغة سرديات جديدة حول الأمن الوطني تربط استقرار الدولة بهوية وطنية تقوم على القوة والاعتماد على الذات[14].
ومع محدودية القدرات التقليدية لدول الخليج، ولا سيما في القوات البحرية والجوية وإمكانات الانتشار الخارجي، يوضح سمعان كيف اتجهت هذه الدول إلى استخدام وسائل أخرى لإسقاط القوة، عبر الوكلاء المحليين، والمقاولين الأمنيين، وشبكات الدعم المالي والسياسي في ساحات مثل ليبيا وسوريا واليمن. وتتيح هذه الأدوات خفض الكلفة السياسية والبشرية للتدخلات الخارجية، لكنها تخلق في الوقت نفسه إشكالات تتعلق بفقدان السيطرة، وتعدد الولاءات، وتحول الحلفاء المحليين إلى أطراف تمتلك أجنداتها الخاصة، الأمر الذي يجعل النفوذ سريع التحقق، لكنه غير مضمون النتائج على المدى البعيد[15].
ومع ذلك، قد يبالغ سمعان أحيانًا في التركيز على حالات التعثر، ما يجعله أقل التفاتًا إلى بعض النجاحات الخليجية الملموسة في توسيع النفوذ خارج الحدود، خاصة من خلال القواعد العسكرية الصغيرة، والمراكز اللوجستية، والاتفاقيات البحرية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر[16]. ولا ينقض ذلك أطروحته الأساسية، لكنه يدعونا إلى التمييز بين الاستقلال الكامل، الذي لم يتحقق، وبين نفوذ عملي جزئي جعل دول الخليج أكثر من مجرد مستهلك سلبي للأمن.
وإلى جانب الوكلاء العسكريين، يسلط الكتاب الضوء على الإكراه الاقتصادي والإعلامي والسيبراني بوصفها أدوات محورية في الاستراتيجيات الخليجية الجديدة. فقد استخدمت دول الخليج المساعدات والاستثمارات والودائع والضغوط الاقتصادية للتأثير في سياسات دول أخرى، سواء لدفعها نحو الاقتراب من أجنداتها أو لمعاقبتها عند الرفض، وبلغ ذلك ذروته خلال حصار قطر عام 2017. كما انتقل التنافس الخليجي إلى الفضاءين الإعلامي والسيبراني، حيث أصبحت شبكات الإعلام وأدوات المراقبة والجيوش الإلكترونية جزءًا من منظومة الصراع السياسي الإقليمي[17].
تكمن أهمية هذا الجزء من الكتاب في أنه يحول دون اختزال محدودية الاستقلال العسكري في غياب الفاعلية الخليجية. فدول الخليج، كما يبيّن سمعان، ليست قوى هامشية أو عاجزة، وقد طورت بالفعل أدوات واسعة للتأثير في محيطها الإقليمي. غير أن هذه الأدوات ظلت، في معظمها، وسائل تعويضية تسد جوانب القصور في القدرة العسكرية التقليدية وتوسع هامش المناورة السياسية، من دون أن تنهي الاعتماد البنيوي على المظلة الغربية أو تؤسس لقدرة مستقلة ومتكاملة على التخطيط والتنفيذ والحسم.
ما بعد بناء القوة: المجتمع والخليج أمام تبعات الاستقلال الاستراتيجي
يرى سمعان أن مشروع الاستقلال الاستراتيجي، رغم تعثره وعدم اكتماله، ترك آثارًا واضحة في المجتمعات الخليجية ومنظومة التعاون الإقليمي. ومن هنا ينتقل، في الجزء الثالث والأخير من كتابه، إلى اختبار النتائج التي أفرزتها هذه الاستراتيجيات، متجاوزًا تحليل البنية المؤسسية والعملياتية إلى دراسة انعكاساتها المجتمعية وأثرها في منظومة الأمن الخليجي، قبل أن يصل إلى أبرز اختبار ميداني لهذه التحولات: حرب اليمن.
في تناوله لمسألة عسكرة المجتمعات الخليجية، يجادل سمعان بأن بناء القوة العسكرية لم يعد مقتصرًا على حماية الأنظمة أو تحديث الجيوش، وإنما أصبح وسيلة لإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع. فقد اتجهت بعض دول الخليج إلى صياغة نمط جديد من الوطنية، يربط المواطن بالمؤسسة العسكرية والقيادة السياسية العليا، إلى جانب ارتباطه بمنظومة الرفاه الاقتصادي. ويبرز الكتاب فرض الخدمة الوطنية في قطر عام 2013، وفي الإمارات عام 2014، بوصفه تحولًا مهمًا في العقد الاجتماعي الخليجي؛ إذ لم تعد الدولة تكتفي بطلب الولاء مقابل الرعاية، ولكن باتت تتوقع من المواطن الاستعداد للخدمة والتضحية والانخراط الرمزي في مشروع القوة الوطنية[18].
على الصعيد الإقليمي، يوضح سمعان كيف أسهمت النزعات الوطنية المنفردة الساعية إلى تحقيق الاستقلال الاستراتيجي في إضعاف منظومة الأمن الخليجي المشترك. فبدلًا من تعزيز العمل الجماعي تحت مظلة مجلس التعاون، اتجهت كل دولة إلى ترسيخ رؤيتها الأمنية الخاصة. وبلغ هذا المسار ذروته خلال حصار قطر عام 2017، حين بدا المجلس عاجزًا عن احتواء الأزمة أو توفير آلية فعالة للوساطة والردع المؤسسي. ومن هذا المنطلق، يرى سمعان أن السعي إلى تعظيم الاستقلال الوطني أتى أحيانًا على حساب بناء منظومة أمن جماعي كان يمكن أن تخفف من حجم الاعتماد على القوى الخارجية[19].
ويبلغ الكتاب ذروته التحليلية في الفصل الأخير المخصص لحرب اليمن. ففي قراءة سمعان شكلت هذه الحرب الاختبار الأكثر حسمًا للقدرات العسكرية الجديدة. دخلت السعودية والإمارات الحرب بأهداف سياسية طموحة ورغبة واضحة في إثبات القدرة على الفعل العسكري المستقل، غير أنهما اصطدمتا سريعًا بواقع ميداني بالغ التعقيد. فقد اعتمدت السعودية على حملة جوية واسعة النطاق، لكنها لم تتمكن من تحقيق حسم عسكري سريع أو تأمين حدودها من هجمات الحوثيين. أما الإمارات، فتبنت نموذجًا أكثر مرونة قائمًا على القوات الخاصة والوكلاء المحليين، وحققت نجاحات تكتيكية في بعض الجبهات، مثل عدن والمكلا، إلا أن ذلك أسهم في الوقت نفسه في تعميق الانقسامات المحلية وفتح المجال أمام قوى جنوبية تحمل أجندات لا تتطابق دائمًا مع أهداف التحالف المعلنة[20].
ومن هنا يخلص سمعان إلى أن حرب اليمن كشفت حدود الاستقلال الخليجي بأوضح صورة. فمع تطور القدرات الصاروخية للحوثيين واستخدامهم الطائرات المسيّرة لاستهداف البنية التحتية والمطارات والمنشآت الحيوية في السعودية والإمارات، وجدت العواصم الخليجية نفسها أمام تحدي الدفاع عن العمق الداخلي، لا مجرد إدارة حرب خارجية. وفي تلك اللحظة، عادت الحاجة إلى الدعم الأميركي في مجالات الاستخبارات والدفاع الجوي والصاروخي، وإعادة نشر منظومات مثل "باتريوت" و"ثاد". وهكذا بدت الحرب وكأنها تعيد دول الخليج إلى النقطة التي سعت إلى تجاوزها؛ فقد امتلكت الطموح والموارد والأدوات، لكنها ظلت، في لحظات الخطر الكبرى، بحاجة إلى المظلة الغربية.
ورغم ما يقدمه كتاب سمعان من مادة ثرية ومتماسكة حول التحولات العسكرية الخليجية بعد عام 2011، فإن قيمته لا تمنع من مساءلة بعض حدوده. وأبرز هذه الملاحظات، كما يشير المتخصص في التاريخ العسكري والأمني أثول ييتس، أن مفهوم الاستقلال الاستراتيجي يبدو أحيانًا أكثر صرامة مما يسمح به الواقع الخليجي؛ إذ يوحي في بعض المواضع بمعنى الاكتفاء الذاتي الكامل، وهو معيار يصعب تحقيقه حتى بالنسبة إلى قوى كبرى، فضلًا عن دول صغيرة ومتوسطة ارتبطت تاريخيًا بشبكات تسليح وتدريب غربية[21].
ومن هذا المنظور، قد تبدو التجربة الخليجية أقل إخفاقًا إذا قُرئت باعتبارها محاولة لإعادة تنظيم علاقات الاعتماد وتوسيع هامش المناورة، لا مشروعًا يهدف إلى القطيعة الكاملة مع المظلة الغربية. كما أن تركيز الكتاب على الجيوش والسياسات الدفاعية جعل عناصر أخرى من القوة الخليجية، مثل الاقتصاد والطاقة والموانئ والوساطة والتكنولوجيا، أقل حضورًا في تفسير هذا التحول.
ومع ذلك، تبدو هذه الحدود طبيعية في عمل فردي واسع الطموح يسعى إلى تغطية ثلاث دول، وخمسة مسارات للإصلاح العسكري، وتداعيات داخلية وإقليمية متشابكة. وهي لا تنتقص من قيمة الكتاب بقدر ما تفتح الباب أمام أجندة بحثية جديدة، خاصة في ضوء التطورات التي شهدها الإقليم في الأشهر الماضية. فقد أعادت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران اختبار سؤال الاستقلال الخليجي من زاوية القدرة على بناء ترتيبات أمنية بديلة في ظل استمرار الحضور الأميركي الكثيف في المنطقة.
وتبقى أهمية كتاب سمعان في أنه شخّص مبكرًا مواطن الخلل في مشروع الإصلاح العسكري الخليجي، ونبّه، من خلال تجربة اليمن، إلى حدود القوة حين تُختبر خارج الخطاب الرسمي. وقد برزت هذه الحدود بصورة أوضح خلال الحرب الأخيرة، بما يفتح المجال أمام دراسات جديدة تتناول الاستراتيجيات التي تنتهجها دول الخليج اليوم، من التقارب الإماراتي الإسرائيلي، إلى محاولات السعودية بناء ترتيبات أمنية أوسع مع تركيا وباكستان، وصولًا إلى النموذج القطري القائم على الوساطة وتعدد المظلات الأمنية.
[1] تعبّر وجهات النظر الواردة في هذا النص عن آراء كاتبها، ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر منصة "الصالون".
يوسف حاتم: باحث في العلوم السياسية، مهتم بقضايا التسييس في المنطقة العربية.
[2] Jean-Loup Samaan, New Military Strategies in the Gulf: The Mirage of Autonomy in Saudi Arabia, the UAE and Qatar (London: I.B. Tauris, 2023).
[3] Ibid. p4.
[4] عبد الخالق عبد الله، لحظة الخليج في التاريخ العربي المعاصر: كيف أصبحت ست دول خليجية مركز الثقل العربي الجديد (بيروت: دار الفارابي، 2018).
[5] Samaan, New Military Strategies in the Gulf, p6.
[6] Ibid. p 13-19.
[7] Ibid. p 37-46.
[8] Ibid. p 63-72.
[9] Khadija Sharife, “South African Defense Firms Suspect UAE Companies May Have Obtained Military Intellectual Property,” Organized Crime and Corruption Reporting Project, May 26, 2025.
[10] Adam Lucente, “UAE’s Edge Group Acquires 30% Stake in Israeli Drone Tech Firm,” Al-Monitor, January 28, 2025.
[11] General Authority for Military Industries, “Military Industries Sector Strategy,” Government of Saudi Arabia, https://www.gami.gov.sa/en/strategy
[12] Samaan, New Military Strategies in the Gulf, p70-85.
[13] Ibid.90-95.
[14] Sean Yom, “Domestic Politics and Foreign Policy Change: The Gulf Model in Saudi Arabia and the United Arab Emirates,” Global Studies Quarterly 6, no. 2 (April 2026): 1–13, https://doi.org/10.1093/isagsq/ksag070.
[15] Samaan, New Military Strategies in the Gulf, p 97-111.
[16] Africa Center for Strategic Studies, “Mapping Gulf State Actors’ Expanding Engagements in East Africa,” July 8, 2025, https://africacenter.org/spotlight/gulf-state-actors-east-africa/.
[17] Samaan, New Military Strategies in the Gulf, p 111-114.
[18] Ibid.p117-128.
[19] Ibid.p135-150.
[20] Ibid.p150 -170.
[21] Athol Yates, “New Military Strategies in the Gulf: The Mirage of Autonomy in Saudi Arabia, the UAE and Qatar, by Jean-Loup Samaan,” Middle Eastern Studies 60, no. 3 (2024): 512–514.