من ممول إلى مطوّر: قراءة في صعود رأسمالية الدولة الخليجية
يُقدّم كتاب "فنّ الإدارة الاقتصادية لدول الخليج العربية: نشر المساعدات والاستثمار والتنمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان"، قراءةً تحليليةً في تحوّل دول الخليج العربية من فاعلٍ ممولٍ إلى "مُطوِّرٍ أكبر" في فضاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان، تَنطلق من سؤالٍ مركزيٍّ حول كيفية إعادة تشكيل الاقتصاد السياسي الإقليمي عبر أدوات المساعدة والاستثمار والدبلوماسية الاقتصادية في ظلّ تراجع النفوذ المالي الأمريكي وصعود المنافسة الصينية.
فكيف يقرأ عمر عابدين[1] تحوّل دور دول الخليج العربية من ممول تقليدي إلى فاعل تنموي محوري في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان؟
في كتابها الصادر عام 2023 عن دار بلومزبري، "فنّ الإدارة الاقتصادية لدول الخليج العربية: نشر المساعدات والاستثمار والتنمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان"[2]، تطرح الباحثة الأمريكية كارين إي. يونغ أطروحةً جريئة مفادها أنّ دول الخليج العربية لم تعد مجرد ممولٍ سخي في الاقتصاد الإقليمي، وإنما باتت تُمثّل المُطوِّر الأكبر لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان. تأتي الأطروحة في 173 صفحة، موزّعة على خمسة فصول رئيسية بين مقدمة وخاتمة.
تُجادل المؤلفة بشكل رئيسي بأنّ ثمة خصوصية لنموذج التنمية في دول الخليج العربية، مما يؤثر على الديناميات المحلية وعلاقة تلك البلدان بالعالم الخارجي. ويرافق ذلك زعم أكثر حدة مفاده أنّ تلك الدول عينها تُعدُّ المطّور الأكبر للمنطقة.[3] وتستند المؤلفة في ذلك إلى مؤشرات كالدعم المباشر والتحويلات المالية والمساعدات الإغاثية وفرص العمل التي تخلقها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. تكمن الخطورة الأعمق لتلك الحجة في منافسة الخليج للنشاط الاقتصادي الصيني في المنطقة، وتحويل بوصلة الاهتمام العالمي بمسألة إنجاز القوة الناعمة عبر وسيط الدبلوماسية الاقتصادية، بالجذب بدلًا من الإكراه، إلى دول الخليج العربية، والتي تتجاوز مسألة تدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود، مما سيُتيح لها سبلًا جديدة للنفوذ السياسي والاقتصادي والاستراتيجي.
ويَنتزعُ الكتاب الذي بين يدينا أهميته من مسألتين رئيسيتين: أولًا، التحولات الجذرية التي تمر بها المنطقة، متأثّرة بالتغيرات العالمية على المستويات الاقتصادية والبيئية والعسكرية، كالحروب والأزمات، تلك التي دفعت دول الخليج العربية لإبراز روافدها المالية بغية شغل مقام جديد وأكثر "نشاطًا" في منظومة علاقات القوة العالمية، إلى حدّ التنافس الضمني والصريح مع جُملة المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، التي كانت تكتسح المجال المالي والاقتصادي العالمي لتقديم المساعدات الإنسانية والاقتصادية، في الماضي القريب. في ضوء تلك التحولات، جدير بالذكر أنّ الكاتبة انتهت من هذا العمل بعد سنة واحدة فقط من اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية وما فككته من أنظمة اقتصادية رأسمالية قائمة على التبعية والاعتمادية غير المتكافئة، وبوادر ظهور لنظام اقتصادي سياسي عالمي أكثر تنوّعًا.
أمّا النقطة الثانية التي تتبلور حولها أهمية الكتاب، فتتمثل في التوجهات الاقتصادية المتنوعة التي بدأت تغلب على الرؤى الوطنية لدول الخليج العربية، والتي تتجسد في "تنويع المصادر الاقتصادية" والاستثمار في ذلك داخليًّا على مستوى التنمية والثقة والأمن المجتمعي. وخارجيًّا عبر تعزيز الدور والدبلوماسية الاقتصادية الخليجية في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهو ما يخلق حالة من التكامل تارة، والتنافس تارة أخرى، مع فاعلين دوليين كالنموذج الصيني الأكثر تقاربًا مع نظيره الخليجي من ناحية طبيعة النظام السياسي وأُسس النشاط الاقتصادي والدبلوماسي خارجيًّا.
بعبارة أخرى، يضع الكتاب دول الخليج العربية في قلب العالم على المستويين العملي والنظري، فخلف موضوع الاقتصاد والمال فلسفة حضور وانتشار وتأثير أعمق بكثير مما يبدو ضخمًا في صورة ملايين الدولارات، وهو ما يضيف أبعادًا مهمة للمفكرين وصنّاع السياسات ومتخذي القرار في دول المنطقة، وللجماعة العلمية من الباحثين والأكاديميين والخبراء ولعموم المهتمين أيضًا بفهم قضيتين رئيسيتين: أولًا، الكيفية التي ستؤثر من خلالها السياسات الاقتصادية لدول الخليج العربية على مسارات التنمية في الدول التي تتلقى المساعدات والاستثمارات ومنطقة الشرق الأوسط على حدّ سواء، وثانيًا، الكيفية التي تتحدّى من خلالها النماذج التنموية الخليجية والصينية النموذج الأمريكي القديم المتجدد، وكيف تتنافس فيما بينها في الوقت نفسه.
في تأريخٍ نقدي للنموذج الأمريكي: ماذا قدّمت واشنطن للعالم اقتصاديًا؟
يُناقشُ الفصل الأول من الكتاب المنطلقات النظرية للاقتصاد السياسي والتنمية، مع التركيز على المساعدات الإنمائية منذ حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتّى عام 2021. كان الخط السائد في تقديم الدعم المالي للبلدان قائمًا بشكل أكبر على "المأسسة الإقليمية والدولية" و"الاقتصاد الليبرالي" تحت مظلة أمريكية أحادية. وقد أجمع الباحثون وعلماء السياسة والاقتصاد خلال النصف الثاني من القرن العشرين على فكرة مفادها أنّ الأسواق المفتوحة هي الأكثر قدرة على تحقيق التنمية، فيما يتمثّل دور المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في دفع حكومات البلدان الأقل ثروة وتنمية نحو اتخاذ خيارات اقتصادية أفضل وفقًا لمنظورها الليبرالي.
أظهر هذا النظام تقدّمًا ملحوظًا في تخفيض مستويات الفقر وتحقيق معدلات نموٍّ مرتفعة، غير أنّه عجز عن تجاوز أزماتٍ بنيوية كالتفاوت في الدخل والتبعية. كما هددت "مشروطية الإقراض" سيادة البلدان، التي تُمثّل ركيزة الدولة، مما يُحيلنا إلى فكرة مفادها أنّ تبني نمط السوق لم يكن دائمًا طوعيًّا، بل مدفوعًا بإكراهات أمريكية. لذلك، ارتبط ذلك النموذج الأمريكي بعلاقة متوترة بين الاقتصاد والأيديولوجيا والسياسة، إذ افترضت واشنطن أنّ تحرر الاقتصاد سيتبعه حتمًا تحوّل سياسي في سياقات البلدان الحاصلة على الدعم، وهو ما لم يحدث.
في ضوء هذا السياق، تُجادل يونغ بأنّ الانسحاب الأمريكي المالي من المنطقة بعد عام 2011 خلق فراغًا ملأته الصين ودول الخليج معًا. والمشاهدة الأكثر حضورًا في ذلك السياق أن المساعدات والاستثمارات المالية الخليجية لم ترتبط سوى بشرط واحد وهو الوصول إلى الأسواق، وليس حتّى الولاء.[4]
بيد أنّ الكاتبة لا تعتبر اللاشرطية الخليجية والصينية ميزةً مطلقة للدول المتلقّية. فآلية الدعم هذه فعّالة على الأمد القريب فقط؛ إذ تُتيح سرعةً في الحصول على الموارد وتحقيقًا لنتائجَ آنيّة، في حين يظلّ الدعم المشروط ـ على ثقل أعبائه ـ موجَّهًا نحو تطوير البنية التحتية الكُلّية على المدى البعيد، وبناء مؤسساتٍ وقدراتٍ متماسكة قادرةٍ على تحقيق الأهداف الاستراتيجية المحلية. وفي هذا الإطار، يبرز مفهومان مركزيان في تحليل يونغ هما: مصالح الدول المانحة ورفاهية المواطن، بوصفهما إطارَين لفهم التباينات في جوهر الاقتصاد السياسي للتنمية بين النماذج الأربعة المتنافسة: المؤسسات الدولية، والولايات المتحدة، ودول الخليج، والصين.
اقتصاد ما بعد النفط: كيف يُعيد الخليج تعريف التنمية؟
يدور الفصل الثاني حول التحوّل الجذري في نمط التفكير الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي في مرحلة ما بعد النفط، وارتباط هذا التحوّل بـرؤى 2030 الوطنية ومحدّدات السياسة الخارجية. تُحاجج يونغ بأنّ أفكار التنمية الخليجية لا تُختزل في استجابةٍ لمحفّزاتٍ خارجية أو مصالحَ داخلية فحسب، بل ترتكز على أساسٍ تاريخيٍّ وهوياتيٍّ خاص. فقد التزمت دول الخليج طويلًا بـالعقد الاجتماعي الريعي، القائم على توظيف الإيرادات النفطية لتقديم الخدمات وفرص العمل والإعفاءات الضريبية لمواطنيها.[5]
يواجه هذا النموذج الريعي إشكالية جوهرية تتمثّل في التوسّع في أوقات الوفرة والتقشّف في أوقات الأزمات على عكس الاقتصاد التنموي والسياسات المالية القائمة على أساس التنويع والحوكمة المؤسسية. ولذلك، في العقد الأخير، شكّل مبدأ "التنوع الاقتصادي غير النفطي" ركيزة اقتصادية ووسيطًا بين المحلي والإقليمي، ولا تزال الدول هي المحرّك الرئيس للاقتصاد ومشاريع التنمية ونشر المساعدات في الخارج، تزامنًا مع الالتزام بالعقد التاريخي مع الشعوب الخليجية، ومع إدخال آليات اقتصادية غير مباشرة مثل الاستثمارات والشراكات مع القطاع الخاص ودعم الاستثمار الأجنبي.[6]
خارجيًا، يتميّز نموذج الدبلوماسية الاقتصادية الخليجي بعدّة سماتٍ تُمثّل عماد أطروحة الكتاب:
أولًا، عدم الرسمية عبر الاعتماد بشكل أكبر على الطابع الشخصي والعلاقات بين قادة الدول المانحة والمستقبلة، وهو من الخصائص الفريدة لنمط رأسمالية الدولة. ولئن كانت العلاقات الشخصية مصدرًا للمرونة، فإنّها بالقدر نفسه قادرةٌ على صناعة طموحات القادة المستفيدين أو تحطيمها.
وثانيًا، تعددية الأهداف بين الإنساني والتنموي والسياسي، وثالثًا، العلاقة الهرمية التي تعتمد على انتقال الدعم من الأعلى (الخليج) إلى الأسفل (الدول العربية والإفريقية)، كما في حالات مصر والأردن، وإثيوبيا وجيبوتي واليمن.
ورابعًا، التأثير الخليجي الواسع، خصوصًا من قِبَل السعودية والإمارات وقطر، الذي يمتدّ جغرافيًا من شمال أفريقيا إلى آسيا والقرن الإفريقي، وقطاعيًا في مجتمعاتٍ تدعمها صناديق الثروة السيادية الخليجية لخلق فرص العمل ودعم الشركات والبنوك وقطاعات الصناعة.
خامسًا، تنوّع أدوات الإنماء، بين الاستثمار المباشر، والودائع المصرفية، وتحويلات النفط والغاز، والدعم النقدي المباشر، التي باتت تُشكّل مصادر لبناء شبكاتٍ لوجستيّةٍ عالميةٍ (كنموذج دبي)، ومراكز ماليةٍ، ودمج أسواق الإقليم في رؤيةٍ اقتصاديةٍ خليجية.
تُعيد هذه الدبلوماسية الاقتصادية إنتاج أسواق الحلفاء الإقليميين، وتُتيح وجهاتٍ جديدةً للتنويع والاستثمار في حقبة ما بعد النفط. كما تخدم هدفًا استراتيجيًا أعمق، هو ـ بحسب يونغ ـ بلورة نموذجٍ جديدٍ للتنمية يقع بعيدًا عن أروقة المؤسسات العالمية وإجماع واشنطن، ومُنافسًا للنموذج الصيني الصاعد، ومُعزِّزًا للأمن الاقتصادي الخليجي. ومن هنا، فإنّ المشاريع الاقتصادية في جوهرها خياراتٌ سياسية، تتجلّى نتائجها في لحظات الأزمات. على أنّ دول الخليج لا تتبنّى استراتيجيةً موحّدة. فبينما تلتزم قطر والسعودية والكويت بالتحالفات الثنائية، خصوصًا داخل العالم العربي، تتجه الإمارات إلى تصدير نموذجها عبر هويةٍ عالمية، بانفتاحٍ داخليٍّ وانخراطٍ متزايدٍ في المؤسسات الدولية، الأمر الذي قد يضعها في موقعٍ متمايزٍ عن باقي دول المجلس.
أفضل السيناريوهات: ماذا قدّم المانح الخليجي لمصر وإثيوبيا؟
يتناول الفصل الثالث، الذي تُسمّيه يونغ "أفضل السيناريوهات"، حالتَي مصر وإثيوبيا، من زاوية مردود الدعم والاستثمار الخليجي، تتجلّى هنا عدّة عواملَ جاذبة من منظور المانح الخليجي: بنيةٌ تحتيةٌ مؤهَّلةٌ لتلقّي الدعم، وكثافةٌ سكّانيةٌ مرتفعة، وموقعٌ جيوسياسيٌّ استراتيجي، وإمكانيةٌ عاليةٌ لتصدير "النموذج التنموي الخليجي" القائم على مركزية الدولة في الاقتصاد. وقد أظهرت الحالتان استجابةً مرتفعة لتلقّي المساعدات والقبول بالتدخّل المالي، مما يجعلهما مختبرًا حقيقيًا لاختبار أطروحة "رأسمالية الدولة" التي تتبنّاها دول الخليج.
وفي المقابل، تظهر مفارقة لافتة للانتباه، فتلك الحالات ليست أفضل السيناريوهات بتاتًا من وجهة نظر المؤلفة على عكس ما هو الحال لدى المانح، لا من ناحية حوكمة سياسات التنمية أو الاستقرار الاقتصادي والسياسي، فكلاهما شهد اضطرابات سياسية وأزمات اقتصادية وتناقض في المعايير الاقتصادية المُتّبعة كتطبيق الضرائب على المنتجات والسلع الغذائية وعدم تحصيل ضرائب على الشركات المملوكة للدولة.
في مصر، تلقت الدولة مساعدات واستثمارات من قطر والإمارات والسعودية بين عامي 2011 و2020 على شكل ودائع مصرفية واستثمار أجنبي مباشر، قُدّرت ب80 مليار دولار، مما ساعد على سداد جزء من الديون الممنوحة من طرف صندوق النقد الدولي. وقد نتج عن ذلك الدعم تطوير العقارات المملوكة للدولة والمراكز الحضرية مع منح دور أكبر للحكومة والبيروقراطية وترسيخ دور الجيش المصري والشركات المرتبطة بالدولة، التي أنجزت مشاريع أهمها العاصمة الإدارية الجديدة.
أمّا إثيوبيا، فقد شكّلت أديس أبابا محورًا للتوجّه الخليجي نحو القرن الإفريقي، ومسرحًا لاختبار قدرة الخليج على التنافس مع الحضور الصيني. ولهذا الغرض خصّصت صناديق الثروة السيادية الإماراتية والسعودية دعمًا لتجاوز العقبات المالية في القطاعَين العام والخاص، شمل مشاريع الزراعة والموانئ واللوجستيات والقطاع العقاري. وعلى المستوى السياسي، رسّخ هذا الدعم موقع النظامَين السياسيَّين لكلٍّ من عبد الفتاح السيسي وآبي أحمد، الأمر الذي يُؤكّد، وفق الكاتبة، الافتراض القائل بالأثر المباشر للاقتصاد على السياسة المحلية للدول المتلقّية.
التنمية العالقة والتنمية المتأزّمة: هل يدخل النموذج الخليجي في أزمة؟
يبحث الفصلان الرابع والخامس في أربع حالات متباينة للتدخل الاقتصادي الخليجي: عُمان وباكستان واليمن والسودان، مع إبراز دوافع ونتائج كل حالة. في حالتَي عُمان (قبل تولّي السلطان هيثم) وباكستان، شكّلت العلاقة السياسية الأمنية، إلى جانب الطموحات الصينية المرتبطة بـ"مبادرة الحزام والطريق" وقطاع الطاقة، ثقلًا أكبر في تفسير دوافع التدخّل الخليجي. ومع ذلك، بقيت القطاعات المستفيدة محدودةً (الطاقة، البنية التحتية)، دون أن تُسهم في تحوّلٍ اقتصاديٍّ شامل أو تنويعٍ في الموارد أو تمكينٍ بشري. ومع ذلك، عزّز الدعم الخليجي الشراكات الثنائية، باعتبار أنّ هذه الدول ليست متلقّيًا سلبيًا، وإنما فاعلًا عالقًا بين قطبَين: الخليج والصين. وفي حالة عُمان تحديدًا، استثمرت السعودية وقطر والإمارات في علاقاتٍ أمنيةٍ عميقة، مؤثّرةً على موقع مسقط الجيوسياسي التقليدي القائم على "الحياد النشط".
شكّلت باكستان ساحةً حيويةً للصدام بين نفوذ رأسمالية الدولة الذي ترعاه دول الخليج ونظيره الصيني. والنقطة الأبرز في نمط الدعم الخليجي لإسلام آباد تتجلّى في تحويل التدخّل المالي إلى شراكاتٍ استراتيجية، ومنح باكستان صلاحياتٍ للوصول إلى آليات إنتاج الإيرادات الخليجية. ومن المفارقات اللافتة التي تصفها يونغ بـ"المفاجِئة"، أنّ الإمارات منحت شركة النفط الحكومية الباكستانية امتيازاتٍ لاستكشاف النفط والغاز في أبوظبي ذاتها.[7]
أمّا حالات اليمن والسودان، فهي نماذج تعاني من حروب أهلية وأزمات إنسانية وعقوبات وأزمات في الوصول إلى رأس المال. وفي المقابل، تميّز التدخل الخليجي، وبشكل أكثر تحديدًا، الإمارات والسعودية، بأنّه متقطّع وبطيء وقليل جدًا مقارنة بحالات أخرى لدول أكثر استقرارًا، وغير خاضع لتخطيط مُسبق أو كما تصفه الكاتبة "مُصمم على عجل" وموجّه نحو دعم عسكري مباشر بالتزامن مع تقديم مساعدات إنسانية لإعادة الإعمار دون رؤية واضحة لفترة ما بعد الأزمة. وهنا تتمظّهر الأزمة الحقيقة للدبلوماسية الاقتصادية الخليجية، وبدلًا من إنهاء الحرب، أسهم التدخل الخليجي في إطالة أمدها.
هل تُحاولُ كارين يونغ إنقاذ السردية الأمريكية المتدهورة؟
يُقدّم الكتاب مساهمات معرفية واضحة طيلة فصوله الخمسة، فمن الناحية المنهجية، استمر المشروع البحثي لأكثر من ثلاث سنوات، كما استند إلى قاعدة بيانات واسعة تضمنت الدول الخليجية المانحة والمتلقية لها (مصر وإثيوبيا وعُمان وباكستان، والسودان واليمن)، مدعومةً ببياناتٍ كمّيةٍ تُضفي مصداقيةً عاليةً على التحليل. أمّا على المستوى النظري، فقد فكّكت يونغ الأدبيات السابقة وسرديات الهيمنة في حقلَي الاقتصاد السياسي والدبلوماسية الاقتصادية، التي ظلّت أسيرةً لجهود المؤسسات الدولية والقوى العظمى. وبذلك، حوّلت الكاتبة الاهتمام نحو دول الخليج، وأعادت إليها اعتبارها بوصفها الراعي الحاضر والمستقبلي لرأسمالية الدولة في منافستها مع الصين. كذلك يعتمد الكتاب على تحليلٍ تقاطعيٍّ بين الأبعاد الاقتصادية والسياسية والتاريخية من جهة، وبين المستويات المحلية والإقليمية والعالمية من جهةٍ أخرى.
وبالرغم من ذلك، للكتاب إشكالياتٍ نقديةً جديرةً بالوقوف عندها، إذ بدى لي كما لو أنّ يونغ تُحاول الحديث بلسان أمريكي في مسرح الكتاب الواضح والكواليس غير المُعلنة، ويطغى على التحليل ونبرة اللغة طابع "المركزية الأمريكية"، التي تنظرُ إلى المؤسسات الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي بمثالية عالية، متجاهلةً التاريخ الطويل للأزمات الشعبية والإنسانية التي عاشتها شعوب المنطقة جرّاء القروض المشروطة وخفض الدعم على السلع الأساسية. فضلًا عن ذلك، تتحدّث المؤلفة عن الخليج بوصفه مركز التحليل، لكنّ الرسائل الضمنية موجَّهةٌ لصانع القرار الأمريكي الذي تتّهمه بعدم الجدّية في التعامل مع الصعود التنموي الخليجي ومخاطره.
بعبارة أخرى، تُقدّم يونغ تحليلاً يتجّه جزئيًّا نحو المعيارية في ثوب كمي، فعلى سبيل المثال، تدفع القارئ في الفصل الثالث إلى تبنّي ثنائيةٍ بين "المثالي" و"غير المثالي"، دون أن تُناقش مسألةً جوهريةً مفادها أنّ الشروط التي تفرضها المساعدات الدولية يمكن أن تُغرق الدول في الديون عقودًا طويلة، إذ تعتبرها جزءًا من "الحوكمة الاقتصادية للدعم".
وعلى الرغم من محاولة الكاتبة الابتعاد عن التحليل الأحادي نظريًا ومنهجيًا. عبر الكشف عن المساعدات في سياقاتٍ مختلفة، فإنّها تظلّ غير قادرةٍ على تجاوز الخطاب الذي لا يخرج عن الثنائيات التقليدية: الديمقراطية مقابل السلطوية، والرأسمالية الديمقراطية الليبرالية مقابل رأسمالية الدولة/السلطوية. والمفترض موضوعيًا أن تُوضع هذه المفاهيم في خطٍّ واحد، باعتبار أنّ الأنظمة المحلية والدولية باتت تجمع بينها في آنٍ واحد.
ختامًا، أهملت الكاتبة صوت الفاعلين المتلقيين للمساعدات، من ناحية ردود أفعال حكوماتهم وشعوبهم والنخب الاقتصادية ورجال الأعمال وشبكات الدولة ومراكز الفكر، فيما ركّزت بشكل مُكثّف على الدول الخليجية المانحة، كما لو أنّها تُمارس الدبلوماسية الاقتصادية بصورة منفردة، دون مواجهة تحديات تتعلق على سبيل المثال بالكيفية التي تتفاوض من خلالها الدول المستقبلة حول حجم الدعم والتأثير السياسي المستقبلي، والمحاولات المستمرة لموازنة ذلك الدعم بالحضور الصيني والأمريكي والمصالح الوطنية الداخلية المتفاعلة مع التغيرات الإقليمية والعالمية.
وهنا تكمن الفجوة الأهم في أطروحة كتاب يونغ إذ يَعِد القارئ بقراءة الخليج "من قلب العالم"، لكنّه ينتهي إلى قراءته من "قلب واشنطن". ولعلّ هذه المفارقة هي أوضح ما يكشفه الكتاب عن نفسه؛ فهي محاولة لإنقاذ السردية الأمريكية المتآكلة عبر الاعتراف المُتأخّر بشريكٍ صاعد، لا قراءةٌ مستقلّةٌ لذلك الشريك في شروط زمنه.
[1] تعبّر وجهات النظر الواردة في هذا النص عن آراء كاتبها، ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر منصة "الصالون.
عمر عابدين: باحث في علم الاجتماع. متحصّل على درجة الماجستير في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا الاجتماعية من معهد الدوحة للدراسات العليا بالدوحة- قطر.
[2] Karen E. Young, The Economic Statecraft of The Gulf Arab States: Deploying Aid, Investment, and Development Across The MENAP (London: Bloomsbury Academic, 2023).
[3] Young, The Economic Statecraft of the Gulf Arab States, p 141.
[4] Young, The Economic Statecraft of the Gulf Arab States, p 19.
[5] Young, The Economic Statecraft of the Gulf Arab States, pp 21-22.
[6] Young, The Economic Statecraft of the Gulf Arab States, p 39.
[7] Young, The Economic Statecraft of the Gulf Arab States, pp 84.