بطلات من زمن شارع عماد الدين: التاريخ الموازي للحركة النسائية
يقدّم رفاييل كورماك في كتاب "منتصف الليل في القاهرة" قراءة مغايرة للتاريخ الاجتماعي والثقافي لمصر خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، مستعيدًا سِيَر فنانات المسرح والغناء والرقص في حي الأزبكية لفهم التحولات التي شهدتها تلك المرحلة. ويرى أن هؤلاء النساء أسهمن في توسيع هامش الحرية وصياغة مسار نسوي موازٍ لما قادته النخب، ولم يكنّ مجرد نجمات في فضاء الترفيه.
فكيف تقارب داليا شمس[1] هذه الأطروحة، وإلى أي مدى ينجح الكتاب في إعادة كتابة تاريخ القاهرة الحديثة من منظور النساء اللاتي غابت أصواتهن عن السرديات التقليدية؟
يتعامل البعض مع ممثلات المسرح ومغنيات المقاهي والراقصات اللائي اعتلين أفيشات صالات حي الأزبكية القاهري، كأنهن "كومبارس" في دراما التاريخ، لكن الباحث والأكاديمي البريطاني رفاييل كورماك وجد في سير هؤلاء النسوة مصدرًا جديرًا بالبحث والتنقيب لكتابة تاريخ الحركة النسوية في مطلع القرن العشرين من منظور مغاير.
يسافر بنا كورماك، عبر الزمان والمكان، في كتابه "منتصف الليل في القاهرة: نجمات مصر في العشرينيات الصاخبة"[2]، الصادر عن "الكتب خان"، بترجمة علاء الدين محمود. يتناول الكتاب التاريخ الاجتماعي والثقافي والسياسي لمصر في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، من خلال تطور حي الأزبكية الذي أنشأه الخديوي إسماعيل، ثم تحول مع افتتاح الترام عام 1896 إلى مركز القاهرة الحديثة، وصار في النصف الأول من القرن العشرين معقلًا للترفيه والحريات. فقد ضم الحي شارع عماد الدين الشهير، الذي لا يزال موجودًا في وسط العاصمة المصرية، لكن مجده انقضى، ولم يعد يعج بالمسارح وأماكن الرقص والغناء، ولم يبق من العصر الذي يتطرق إليه الكتاب سوى بعض قاعات العرض السينمائي وكباريه شهرزاد.
يروي المؤلف قصة الحي بوصفه "مصر مصغرة"، من منظور النساء اللائي اشتغلن فيه ولمع نجمهن، ويعدّهن رائدات شكّلن حركة نسوية موازية لما أحدثته النخبة، إذ سبق دورهن الاتحاد النسائي الذي أسسته هدى الشعراوي وزميلاتها عام 1923 بخطوة أو أكثر. وفي مواضع متفرقة نجده منحازًا إلى هؤلاء الفنانات الرائدات، فيجعلنا نعيد اكتشافهن، ونتوقف عند القواسم المشتركة بين حيواتهن، التي لا تخلو من الحزن والوحدة والضياع بعد فترات من الألق والثراء. وكأن العقاب كان دائمًا من نصيبهن بسبب تمردهن وخروجهن عن التوافق الاجتماعي. نعجب بهن عن بعد، وباستخفافهن بالأعراف، ثم نلفظهن في الوقت نفسه، كما يؤكد الكتاب: "ستمرحين لكن العقوبة دائمًا ستكون في انتظارك"، لذا تكاد تكون نهاياتهن جميعًا مأساوية. ويورد أيضًا كلمات صالحة قاصين، وهي ممثلة يهودية مصرية بدأت مسيرتها في مطلع القرن العشرين، وشاركت تقريبًا في معظم الفرق المسرحية، حين وصفت زميلاتها من فنانات ذاك العصر قائلة إن بداخلهن "شعلة مقدسة تميزهن عن الأشخاص الآخرين، وغالبًا ما تجعلهن يتصرفن بطرق يراها الآخرون غريبة أو غير عادية".
وقد سمحت الفترة التي ظهرن فيها بأن يقتنصن مساحات من الحرية لم تكن متاحة من قبل. فخلال السنوات التي تلت ثورة 1919، "قدمت مصر شيئًا غير ملموس لكنه حيوي وهو الفرصة (...) كانت هناك مساحة للنساء لإسماع أصواتهن. انتصر البعض، وفشل البعض الآخر، ووقع البعض في المتاعب في أثناء القيام بذلك، لكنهن جميعًا كن يشققن طريقهن في عالم جديد. هذا الإحساس بالفرصة هو ما يجعل هذه الفترة جذابة". وعلى هذا النحو، يبرر رفاييل كورماك اختياره لفترة ما بين الحربين، أو ما يُعرف بالسنوات الماجنة. فقد أسفرت الحرب العالمية الأولى عن مقتل عشرين مليون شخص، إضافة إلى خمسين مليونًا آخرين قضوا بسبب الجائحة الإسبانية (1918-1920)، لذلك كان من الطبيعي أن يسعى الناس في جميع أنحاء العالم إلى الترفيه عن النفس، والانغماس في الملذات، والإقبال على الفنون الخفيفة. فظهرت في مصر، على سبيل المثال، قوالب غنائية كالطقطوقة والمونولوج، وانتشر مسرح الفودفيل الذي يعتمد على المقالب والمفارقات الكوميدية. واقتربت القاهرة من عصرها الذهبي، الذي كان جزءًا من العشرينيات الصاخبة العالمية. وفرّ إلى مصر كثير من الأجانب القادمين من أوروبا المدمرة بحثًا عن فرصة عمل، ووجد العديد منهم طريقه إلى الأزبكية. وامتلأت صالات الرقص بالنساء الهاربات من الانهيار الاقتصادي والقمع السياسي. وتزاحمت المعتقدات والأيديولوجيات، وناقش الجيل الجديد الأفكار السياسية الكبرى، كالليبرالية والشيوعية والإلحاد، وكان هناك أمل في أن يكون المستقبل أفضل. وقبل ذلك كله، كان نظام الحكم العثماني قد منح الأقليات الدينية قدرًا أكبر من الحرية والأمان، مما سمح بظهور فنانات من اليهوديات والمسيحيات والشوام، و"كانت الأزبكية بتماهي الحواجز القديمة فيها بين الأديان والطوائف، علامة على ما هو آت".
زغلولات الثورة
في هذا الجو المشحون بالأفكار والرغبة في التغيير الثوري، نمت الحركة النسوية في مصر، وتأسس عدد من المنظمات والنقابات لدعم حقوق المرأة، وأصبحت المرأة المصرية جزءًا من حركة التغيير. وعادة ما يذكر التاريخ أسماء ناشطات بارزات معظمهن من الطبقة المتوسطة أو العليا، مثل هدى شعراوي ونبوية موسى ومي زيادة وسيزا نبراوي، لكن كورماك يقدم عوالم متوازية نرى من خلالها تصرفات النخبة وتناقضاتها ومظاهر سعيها إلى الاستقلال من ناحية، ومن ناحية أخرى نساء المسارح والكباريهات، وهن ينظمن احتجاجاتهن الخاصة عبر عروض كرنفالية وأغانٍ معادية لبريطانيا ومناصرة للثورة.
نتابع في الكتاب مسيرة "زغلولات الثورة"، وهن يغنين ويرقصن لمساندة سعد زغلول ورفاقه، أو احتفالًا بعودتهم من المنفى، وكيف انعكس صدى التفاؤل الجديد والحركة النسائية المتنامية على مسارح شارع عماد الدين. فغنت فرقة علي الكسار لحن "هوانم مصر"، الذي يقول: "يا مصري افرح وقوم حيّي نهضة بنات اليوم (...) مين يقول المصريات أقل من الغربيات، إن كان في محبة بلادهم أو في تربية أولادهم، دي بنت النيل ملهاش مثيل". وفي السياق ذاته، طالبت الجوقة النسائية على خشبة المسرح من زميلاتهن بأن يخلعن حجابهن ويمشين مرتديات أحدث الأزياء، وبعد أشهر من حصول الدولة على استقلالها غنين: "يا أفندي زهقنا ليه تنسوا حقوقنا ودايمًا فوقنا في الرجولية"، في إشارة إلى تناسي دور المرأة وتراجعه دائمًا بعد انتهاء الثورات. وهي ظاهرة تتكرر حتى يومنا هذا، إذ سرعان ما تتحول "أيقونة النضال" في الميادين إلى "مهمشة" في مراحل بناء الدولة، وتهيمن أولويات تحقيق الأمن وإنقاذ الاقتصاد على حقوق النساء.
انضمت الست منيرة المهدية، أول ممثلة مصرية مسلمة احترفت المسرح، إلى الجماعة المناهضة للاستعمار، وأنتجت ثلاثة أعمال موسيقية غنائية بروح الثورة، أولها مسرحية "كلها يومين" التي لحنها سيد درويش، وتدور حول قصة امرأة ثرية تتعرض للنصب على يد صيدلي أجنبي، كنايةً عن استغلال المصريين وضياع حقوقهم في بلادهم. وإضافة إلى هذه السلسلة من المسرحيات الوطنية، أطلقت منيرة أيضًا أغنية ناجحة احتفاءً بسعد زغلول، كانت مليئة بالإيماءات والتلميحات: "شال الحمام حط الحمام من مصر السعيدة للسودان... زغلول وقلبي مال إليه"، وسجلت نسخة من أغنيتها "بصارة براجة" بعد تعديل بعض سطورها: "أنا منيرة المهدية حب الوطن عندي غية.. أفدي بلاد الحرية بالروح وأهلي ومال البخت". والمفارقة هنا أن الست منيرة، التي تُوّجت على عرش الحياة الليلية مع بداية الحرب العالمية الأولى، وساعد على انتشار فنها دخول تسجيل الأسطوانات إلى سوق الشرق الأوسط، لم تكن تعلم أن سعد زغلول حضر أحد عروضها برفقة بعض السياسيين، وكتب عنها في يومياته أنها "خفيفة الروح، رخيمة الصوت"، لكنه كان قلقًا أيضًا على سمعتها، ومتحفظًا على ارتباط أصدقائه النافذين بممثلة، إذ كانت على صلة بأعضاء من مختلف الأحزاب. وقيل، ضمن ما قيل، إن البرلمان عقد إحدى جلساته في عوامتها الخاصة. وتتكرر هذه النظرة الملتبسة لدى كثير من أفراد النخبة، وهي فكرة يؤكدها كورماك من خلال ذكر مواقف متعددة، تظهر بوضوح في قصة الممثلة والمغنية فاطمة سري، التي أحبها ابن هدى شعراوي وتزوجها وأنجب منها، غير أن العائلة رفضت الاعتراف بالطفل، فلجأت الفنانة إلى القضاء، واستمرت دعواها ست سنوات لتحصل على حقها. وقد استُلهمت هذه القصة في فيلم "فاطمة"، الذي أدت بطولته أم كلثوم عام 1947.
ويتناول الكتاب في موضع آخر موقف الاقتصادي الكبير طلعت حرب من روز اليوسف، وقد كان الممول الرئيسي لفرقة الأخوين عكاشة التي التحقت بها في بداياتها. كتبت روز اليوسف في مذكراتها[3] التي حررتها في الخمسينيات أنهم كانوا بالإسكندرية يقدمون سلسلة من العروض وارتدت ملابس السباحة ونزلت إلى البحر، فقرر طلعت حرب الاستغناء عنها وطردها من الفرقة اعتراضا على ملابسها، خاصة أنها رفضت الاعتذار. وبعد ذلك، حين اختلفت مع يوسف بك وهبي، صاحب فرقة رمسيس، وجدت لنفسها مخرجًا بإطلاق مجلة تحمل اسمها في أثناء العطلة الصيفية بين المواسم المسرحية، لتدخل عالم الصحافة، وتثبت قدرتها على إصدار مطبوعة جادة يشارك فيها أبرز الكتّاب في مصر.
مسرحية من ثلاثة فصول
كان رافييال كورماك، الذي يعمل حاليًا أستاذًا مساعدًا في جامعة دورهام (المملكة المتحدة)، قد وصل إلى مصر عام 2009، وهو بصدد إعداد أطروحة الدكتوراه عن الاقتباسات المأخوذة من مأساة سوفوكليس في المسرح المصري الحديث. وخلال إقامته في القاهرة، اكتشف وجود صحافة ترفيهية مفعمة بالحيوية، وأراد الغوص أكثر في عوالم منطقة وسط البلد، فانفتحت أمامه أبوابها السرية، ومن هنا ظهر هذا الكتاب الذي اختار له أن يأتي في صورة "قصة مسرحية من ثلاثة فصول": الفصل الأول عن تاريخ الحياة الليلية في بدايات القرن العشرين في سياق الاستعمار والحرب والثورة، والفصل الثاني يلقي الضوء على مسيرة نجمات الأزبكية، وكيف تصدرت المشهد نساء استثنائيات، بعضهن أكثر شهرة من الأخريات، والفصل الثالث يصل بنا إلى الأيام الأخيرة للأزبكية كمركز للحياة الليلية، حين انتقلت مصر إلى حقبة ما بعد كولونيالية جديدة مع ثورة الضباط الأحرار في مطلع الخمسينيات.
يعتمد كورماك على العديد من كتب المذكرات التي أصدرتها الفنانات، سواء لتحسين صورتهن وتخليد ذكراهن، أو لتصفية الحسابات. ويستند الباحث أيضًا إلى مجلات الترفيه، ووثائق الجمعيات المناهضة للرق، ودراسات الحركة النسوية، والنشرات الترويجية للملاهي، وسجلات دار الكتب، وسجلات الشرطة التي كانت تقدم قوائم بأسماء المترددين على أماكن السهر وتقارير مفصلة للخديوي. كما يستند إلى بعض الكتب، مثل "حديث عيسى بن هشام" الذي تدور بعض أحداثه في الأزبكية نهاية القرن التاسع عشر، وهو من الأعمال التأسيسية للرواية العربية، وإلى مؤلفات أخرى تؤرخ للحياة الليلية والكوزموبوليتانية بالقاهرة في أوائل القرن العشرين، إضافة إلى أرشيفات جامعية وخاصة ومصادر لا حصر لها مكّنته من رسم صورة شبه كاملة للحياة في ذلك الوقت، ورسم خريطة للبارات والحانات والمسارح وأبطال هذه الأماكن، وصلاتهم بالأحداث السياسية والاجتماعية التي أحاطت بهم. واللافت أيضًا في هذا الكتاب أنه يرصد حكايات شخصيات على هامش سجل التاريخ، يصعب الوصول إلى معلومات عنها. نتعرف مثلًا على قصة مريم سماط، واحدة من أكبر نجمات المسرح المصري في بداياته، التي كان والدها تاجرًا سوريًا، ثم قرر بين ليلة وضحاها المجيء إلى مصر ليجرب حظه كممثل في أواخر القرن التاسع عشر. كتبت مريم سيرتها الذاتية، ووضعها المؤلف في سياقها كعادته، فكل خطوة في حياة هؤلاء النسوة لا يمكن عزلها عن محيطها أو عن الأحداث الجارية. وعلى سبيل المثال، يشرح كيف انتعش حظ بديعة مصابني خلال الحرب العالمية الثانية، في أجواء امتلأت فيها القاهرة بالجواسيس والمتآمرين، لكن ما إن انتهت الحرب وانتهت قاعدة الزبائن المربحة حتى بدأ حظها في التراجع مرة أخرى، واضطرت إلى التقاعد عن العمل في الكباريه عام 1950.
حكايات مثيرة ومسلية، وتفاصيل مجهولة عن شفيقة القبطية وعزيزة أمير ومنيرة المهدية وتحية كاريوكا وأم كلثوم وفاطمة رشدي التي نكاد نسمع صوتها وهي تقول، وكأنها زعيمة سياسية: "إنني أعمل لغاية أسمى مما يتطلبون في المرأة.. إن عقلي يشتغل باستمرار، وجسمي مثقل مضنى. إن غايتي أكبر من عقلي". وبعدها بعدة صفحات، يباغتنا صوت روز اليوسف ناصحةً ابنها الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس: "مهما تقدمت بك السن فلا تدع الشيخوخة تطغى على تفكيرك (...) حارب الظلم أينما كان، وكن مع الضعيف على القوي، ولا تسأل عن الثمن". وبالفعل، دفعت معظم نساء الكتاب ثمن حريتهن، وكتبن تاريخًا من زاوية مختلفة لا يهيمن عليها الساسة والمثقفون العظماء. وحتى حين يذكر الكتاب بعض الأمور والمعلومات الغنية التي تخص هؤلاء، يتم ذلك من خلال النساء وقصصهن التي تتشابك مع عالم الرجال.
[1] تعبّر وجهات النظر الواردة في هذا النص عن آراء كاتبها، ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر منصة "الصالون".
داليا شمس: صحفية مصرية، متخصصة بشؤون الثقافة والإعلام والمجتمع.
[2] رفاييل كورماك، منتصف الليل في القاهرة: نجمات مصر في العشرينيات الصاخبة، ( القاهرة: الكتب خان، الطبعة الأولى، 2024).
Raphael Cormack, Midnight in Cairo: The Divas of Egypt's Roaring '20s (W. W. Norton & Company, 2021).
[3] فاطمة اليوسف، ذكريات (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2008).