يقدّم كتاب "بين كَتَبَة وكُتّاب: الحقل الأدبي في مصر المعاصرة" لريشار جاكمون تحليلًا سوسيولوجيًا لتشكّل المشهد الأدبي المصري منذ 1967 حتى ما قبل 2011. ينطلق الكتاب من ثنائية الكَتَبَة بوصفهم المرتبطين بالسلطة، والكُتّاب الساعين إلى الاستقلال، لرسم خريطة لعلاقات الأدب بالدولة والمجتمع، متتبعًا تحوّلات الأجيال الأدبية، وصراعات الاعتراف والهيمنة، وحدود استقلال الكاتب، وتبدّل موقع الرواية في الحقل الثقافي.
أحمد السروجي[1]
في طبعة جديدة مزيدة ومنقّحة، صدر عام 2024 كتاب "بين كَتَبَة وكُتّاب: الحقل الأدبي في مصر المعاصرة"[2] للباحث الفرنسي ريشار جاكمون، ليُعاد تقديم مشروعه التحليلي في سياق مصر ما بعد الثورة. وكان الكتاب قد صدر في طبعته الأولى عام 2003، بترجمة بشير السباعي عن الفرنسية، فيما تضمّنت طبعته الثانية فصلين جديدين من ترجمة عبد الرحيم يوسف، مع تقديم بقلم شيرين أبو النجا.
يُعدّ الكتاب في أصله ثمرة أطروحة دكتوراه أنجزها جاكمون عام 1999، ويستهلّه بكلمة شكر يوجّهها إلى القارئ، معربًا عن أمله في أن تُقنع صفحات الكتاب "بعالمية أشكال عظمة وبؤس وضع المثقف عمومًا، والكاتب خصوصًا". ويعود جاكمون إلى هذه الفكرة في مقدمته للترجمة العربية، مُشيرًا إلى إيمانه بعالمية مبادئ الحق والحرية التي يجب على كل فنان وكاتب النحو إليها، ورابطًا ذلك بمقاربته التحليلية المستندة إلى مفهوم الحقول الثقافية لدى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، وبمركزية استقلال المثقف فيها، بوصفها شرطًا معرفيًا وأخلاقيًا في مواجهة مختلف أشكال السلطة الساعية إلى تقويضها.
وفي تقديمها للكتاب في طبعته الجديدة، تطرح شيرين أبو النجا سؤالًا حول ما إذا كانت سيرة الحقل الأدبي الثقافي المصري واحدة أم متعددة، مستدلّة على إجابة ممكنة من موقع جاكمون كباحث ومن طبيعة طرحه التحليلي، واصفة إياه بالمستعرب لا بالمستشرق. فبينما يقوم الاستشراق على تراتبية سلطة تفصل بين الباحث الأعجمي وموضوعه "العربي"، يَدخل المستعرب الثقافة من بابها الأمامي، عبر ممارسات معرفية ورمزية تُمكّنه من شَغل موقع التلميذ والندّ في آن. وفي هذا السياق، يصرّح جاكمون بأن الثقافة العربية "خطفته"، وهو ما تُرجم عمليًا في إسهاماته المتعددة بترجمة وتقديم أعمال من الأدب المصري إلى القارئ الفرنسي، فضلًا عن نقده لطريقة تلقّي الأدب العربي في فرنسا، حيث يُتعامل معه غالبًا بوصفه منتجًا عربيًا تمثيليًا لواقع المنطقة، لا عملًا أدبيًا يُقرأ ويُقوَّم على أساس قيمته الفنية والجمالية.
يشير عنوان الكتاب إلى ثنائية تقطع صفحاته طولًا وعرضًا بين الكَتَبَة والكُتّاب، بما يطرح سؤالًا حول الفارق بين الطرفين. وتوضح أبو النجا أن مصطلح الكَتَبَة يحيل إلى أولئك المرتبطين بالسلطة "أبواق السلطة"، ممن يتخذون من الكتابة موقعًا وظيفيًا يدرّ عليهم منافع مادية ورمزية، ويوظّفون أقلامهم في تثبيت الأمر الواقع وتبريره. ويستدعي هذا الاستخدام دلالة تاريخية تعود إلى كُتّاب البلاط، ولا سيما في العصور الفرعونية، بوصفهم طبقة متعلّمة تمتلك مهارات تقنية في التدوين، ويرفعون جيئة وذهابًا تقارير وعرائض، بما يجعلهم، في التحليل الأخير، رمزًا لكتابة التاريخ الرسمي من منظور القوي والمنتصر.
في المقابل، يقف الكُتّاب بوصفهم الفاعلين الذين لا يملكون سوى رأس مالهم الرمزي، وأحيانًا قدرًا محدودًا من الدعم الشعبي أو الجماهيري. ويمثّل هؤلاء البنية التحتية للمشهد الثقافي، بما ينطوي عليه دورهم من مساءلة السرديات السائدة وخلخلة الترتيبات المستقرة للخطاب الرسمي. ومن خلال هذه الثنائية، يرسم جاكمون خريطته للمشهد الأدبي المصري منذ عام 1967 وحتى ما قبل ثورة 2011، متتبعًا مواقع الفاعلين وحدود استقلالهم داخل الحقل الثقافي.
رسم خريطة للحقل الأدبي المصري
يبني جاكمون تحليله على أساس هذه الثنائية، واضعًا في نصب عينيه محورية فكرة "استقلال" الكاتب بوصفها المعيار الحاكم لشروط حركته وإبداعه. ويبيّن أن هذا الاستقلال لا يُفهم باعتباره حالة صلبة أو ثنائية حادّة بين الأبيض والأسود، ولكن بالأحرى، أفقًا يُنشَد ويُسعى إليه. فمسار كل كاتب نحو الاستقلال، واستقلالية الحقل الأدبي بوجه عام، هما ما يعيدان على الدوام تعريف موقع المبدع، ويحددان قدرة إنتاجه على الصمود في مواجهة ضغوط المؤسسة الرسمية بأشكالها المتعددة، فضلًا عن المجتمع بقواه المتصارعة والمتناقضة.
ولا يخلو رسم خريطة للحقل الأدبي المصري، أو لأي حقل إبداعي عمومًا، من مخاطر التشظي وتفكك السرديات، إذ لا تقتصر هذه الخريطة على أبجديات الكتابة الأساسية، أي مبدعها (الكاتب) وإبداعها (الكتاب)، وإنما تتجاوزها إلى شبكة معقّدة من العلاقات والتفاعلات. ومن هنا، يتوسّع تحليل جاكمون ليشمل علاقة الحقل الأدبي بالحقول الأخرى، السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية، بوصفها عوامل فاعلة تسهم في إعادة تشكيل حدود الحقل الأدبي وإمكاناته.
وعندما يتحدث جاكمون عن "الحقل" الأدبي، فإنه يستلهم تنظير بورديو، الذي يقسّم العلاقات الاجتماعية في المجتمعات الحديثة إلى حقول متمايزة تقوم على أنشطة محددة، كحقل السياسة أو الصحافة أو الثقافة. وداخل كل حقل، يسعى الفاعلون إلى التميّز، فينشأ الحقل من جهة عن التنافس الداخلي بينهم، ومن جهة أخرى عن تأثيرات الحقول الاجتماعية الأخرى فيه. وما يميّز حقل عن آخر هو تميّز فاعليه بسمّت مشترك، وهو ما سمّاه بورديو "التطبّع" (الهابيتوس)، فضلًا عن تطوير كل حقل شفرات وقواعد داخلية لا تكون واضحة لمن هم خارجه، وبذلك تتحدد حدوده ويُعرَف من ينتمي إليه ومن يُقصى عنه.
انطلاقًا من هذا الإطار النظري، يتتبّع جاكمون محاولات الفاعلين في الحقل الأدبي المصري لتحقيق الاستقلال، سواء استقلال الحقل ذاته أو استقلال الفاعلين داخله. وتقع هذه المحاولات بين رؤى الكتّاب لأنفسهم ولدورهم الاجتماعي والتاريخي من جهة، وبين رغبات السلطة وقدراتها، بمختلف أشكالها، على تنظيم الحقل وتوجيهه بما يخدم مصالحها المباشرة من جهة أخرى.
ولا يغفل جاكمون، في هذا السياق، الصراعات والخلافات داخل الحقل الأدبي، التي كثيرًا ما تعيد تشكيل خطوط الاصطفاف والتحالف. فخلف ثنائية السلطة والمثقف، يغيّر الكتّاب مواقعهم وشروط تضامنهم تبعًا لاعتبارات متعددة، من بينها تصورهم لمدى اضطهاد الآخرين داخل الحقل أو خارجه، ومدى استحقاقهم للتضامن الفعلي. بل قد نجد، في بعض الحالات، كتّابًا يتموضعون في خطاب السلطة نفسه من أجل إضعاف أو تحجيم مجموعات أخرى داخل الحقل.
ومن هنا، تطرح أبو النجا في مقدمة الكتاب سؤالًا نقديًا: هل تنبع إرادة الاستقلال لدى الكتّاب المصريين من إيمان حقيقي بقيمة هذا الموقع معرفيًا وأخلاقيًا وسياسيًا، أم أنها مجرد ردّة فعل على العجز عن الانخراط في دوائر السلطة ومنافعها؟ وتجادل أبو النجا بأن إعادة نشر هذا الكتاب اليوم تكتسب أهميتها من كونها تتيح فرصة لإعادة تأمل الحقل الأدبي المصري بعد الفاصلة التاريخية التي شكّلتها ثورة 2011، إذ لا يمكن فهم التحولات اللاحقة في آليات النشر والاعتراف وتفاوت مسارات النجاح داخل الحقل، إلا بالعودة إلى المسارات السابقة على تلك اللحظة، وهو ما أصبح ممكنًا بوضوح أكبر بعد مرور أكثر من عقد عليها.
نظرة تاريخية إلى الإنتاج الثقافي في مصر المعاصرة
يمهّد جاكمون لكتابه باستحضار أحد أكثر الأحداث دلالة في تاريخ الأدب المصري الحديث: محاولة اغتيال نجيب محفوظ عام 1994، عقب حصوله على جائزة نوبل عام 1988. ويستخدم هذا الحدث للإشارة إلى اللحظة التي اكتمل فيها تتويج القصة الروائية على رأس المشهد الأدبي المصري، لافتًا النظر إلى حقيقة أن الصراع الثقافي في مصر في مطلع القرن العشرين دار أساسًا حول نصوص فكرية وإشكالية من قبيل "في الشعر الجاهلي" (طه حسين، 1926- نقد أدبي) و"الإسلام وأصول الحكم" (علي عبد الرازق، 1925- فقه إسلامي)، فيما كانت القصة القصيرة آنذاك الشكل الأدبي الأكثر حضورًا وإنتاجًا. ومن خلال حالة محفوظ، يضيء جاكمون موقع الكاتب داخل الحقل الأدبي ودوره الاجتماعي، كاشفًا عن شبكة معقّدة من الفاعلين تشمل الكتّاب أنفسهم، ومؤسسات الدولة، وقوى اجتماعية متنازعة مثل الأزهر والإسلاميين، فضلًا عن مؤسسات الجوائز الدولية. وفي هذا السياق، يستلهم جاكمون تجربة محفوظ لتوضيح منهجه وطموحه في "وصف وتحليل التيمات الكبرى للعقيدة الأدبية المصرية"[3]، متتبعًا جذورها في الثالوث الذي حكم علاقة الدولة الحديثة بالثقافة منذ مطلع القرن التاسع عشر: الدولة، والكتّاب، والكتاب ذاته.
وانطلاقًا من هذا الإطار، يصحبنا جاكمون في تتبّع آليات احتكار الدولة للإنتاج الثقافي والأدبي في مصر بعد عام 1952، وذلك بالاستثمار في مجموعة من المؤسسات الثقافية القادرة على التحكم في المثقفين، مثل المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب (1956)، وزارة الثقافة (1958)، التلفزيون (1960)، وتأميم الصحافة (1960)، والسينما (1960)، إلى جانب السيطرة على جزء معتبر من صناعة النشر بين عامي 1961 و1965. ويبيّن جاكمون أن هذا التوسع في أجهزة الدولة الأيديولوجية يعكس رغبة نظام يوليو في ضمان ولاء المثقفين، بالتوازي مع إيمانه بضرورة إتاحة الثقافة، بمعناها الجماهيري، لعموم الشعب. وبعد إحكام الدولة سيطرتها، أُجيزت تعددية صورية ومنضبطة تحت المظلة القومية، تطلّبت وجود شخصية تضبط إيقاع المثقفين وتدير هذه "الحرية المنضبطة"، وهو ما تجسد في يوسف السباعي (1917–1978)، الضابط والكاتب في آن، والذي لُقّب بـ"جنرال جيش الآداب". إذ أخذ السباعي على عاتقه تنظيم "جيش الأدباء" بتأسيس مبادرات مثل نادي القصة عام 1953 وجمعية الأدباء عام 1955.
غير أن هذا التوازن لم يدم طويلًا؛ إذ شهد منتصف الستينيات "الانعطاف اليساري"، حيث تصاعدت أصوات المعارضة، ولا سيما بين كتّاب الطليعة الشباب. وقد واجه هؤلاء الاعتقالات عام 1966، وهي اللحظة التي يتوقف عندها جاكمون بوصفها مفصلًا تأسيسيًا، معتبرًا قائمة المعتقلين آنذاك بمثابة "معجم بيوغرافي لجيل الستينيات القادم".[4]
تشكّل الأجيال الأدبية
يواصل جاكمون مدّ الخيط بين تشكّل الأجيال الأدبية من جهة، والمنعطفات السياسية المحلية والإقليمية من جهة أخرى، وهو ما يتجلّى بوضوح في التسميات الشائعة لهذه الأجيال. فيشير إلى "جيل الأدباء" المرتبط بثورة 1919، و"جيل 52" الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية واكتسب زخمه خلال الحقبة الناصرية، ثم "جيل الستينيات" الذي تشكّل عشية نكسة 1967، وصولًا إلى "جيل التسعينيات" الذي ارتبط بسياق إقليمي مختلف، تمثّل في حرب الخليج الثانية عام 1991. وفي هذا السياق، يقتفي جاكمون أثر تراجع الدولة عن دعم الإنتاج الثقافي منذ منتصف الستينيات، وما أفضى إليه ذلك من ظهور مبادرات أدبية مستقلة، مثل تجربة "جاليري 68" (1968–1971) ومغامرة "كُتّاب الغد" (1971–1973)، وهي مبادرات تميّزت بمحاولتها الخروج من عباءة الإنتاج الثقافي الأدبي الرسمي للدولة المصرية.
غير أن هذه المبادرات المستقلة لم يُكتب لها الاستمرار جميعًا، وهو ما يعزوه جاكمون إلى ميل الجماعات المتشكّلة على أسس "جيلية" إلى التفكك والتشظي مع صعود أسهم بعض أعضائها، أي مع تراكم رأس مالهم الرمزي، بما يمكّنهم من إطلاق مساراتهم الأدبية بصورة فردية. ويحيل الحديث عن تشكّل الأجيال الأدبية إلى مفهوم "الشللية" المتداول في الأوساط الثقافية، الذي يشير إلى قيام دوائر شبه مغلقة من المثقفين يتبادلون داخلها الدعم والخدمات والعطايا الرمزية، حتى غدت "الشللية" وسمًا سلبيًا يُستخدم للدلالة على تفضيل العلاقات والولاءات على المعايير الأدبية والفنية. ويشير جاكمون بكل دهاء إلى أن الاحتفاء بالجيل الأدبي من جهة، وانتقاد الشللية من جهة أخرى، ليسا سوى وجهين متناقضين لمحاولة تفسير ميل الكتّاب إلى تكوين جماعات تقوم على الدعم المتبادل.
ضبابية موقع الكاتب من السلطة
يرسم الكتاب خريطةً أولية لعلاقة الكتّاب بالدولة، ولعلاقة الدولة بالإنتاج الثقافي، وكذلك لطبيعة العلاقات التي تنشأ بين الكتّاب أنفسهم داخل الحقل الأدبي. ومن هنا يبدو تبنّيه لتحليل اجتماعي قائم على مفهوم الحقول الثقافية خيارًا منهجيًا ملائمًا، إذ تتيح هذه المقاربة فهم المستويات المتعددة، وكثيرًا ما المتناقضة، التي يتحرّك ضمنها الأدباء؛ سواء في علاقتهم بأجهزة الدولة الأيديولوجية، أو في تعاملهم مع الجهات غير الحكومية، أو في مواجهتهم لمختلف القوى الساعية إلى ضبط طبيعة إنتاجهم والتحكّم فيها. وهكذا، يشير جاكمون إلى تبنّي عدد كبير من الكتّاب "لغةً مزدوجة" تتباين بين اللغة المستخدمة في أعمالهم الإبداعية، وتلك التي يعتمدونها في حديثهم عن المجال العام وقوى المجتمع. وهو ما لخصه فحوى لقاء الكاتب والصحفي جمال الغيطاني مع نجيب محفوظ، حين سأله عن التناقض بين إنتاجه الفني وخطابه الصحفي، فجاء ردّ محفوظ مؤكِّدًا صدقية منجزه الإبداعي بوصفه التعبير الأعمق عن موقفه.
ويعزو جاكمون هذه الازدواجية اللغوية إلى الموقع الملتبس للمثقف إزاء السلطة؛ فبينما يُقصى عن المشاركة في السلطة السياسية المباشرة، تُتيح له الدولة في المقابل هامشًا لممارسة نوع من السلطة على جماليات الإنتاج الفني، وإن ظل هذا الهامش محكومًا بقيود واضحة. ويترتب على هذا الموقع المزدوج آثار متباينة داخل الحقل الثقافي والأدبي، حيث يتعرّض الحقل لعمليات تسييس متعددة الأشكال، فبينما يستخدم الكتّاب خطاب سياسي بداخل الحقل ذاته لمراكمة رصيدهم من الرأس مال الرمزي، يجنح هؤلاء الكتّاب أيضًا إلى استخدام الفن القصصي في تناول القضايا السياسية والموضوعات الاجتماعية المحظور تداولها صراحة في المجال العام. وبهذا تتعمّق ازدواجية الحقل وتتكرّس عملية تسييسه. ولا يكاد يحدث تحوّل شبه قطيعي مع هذا النموذج إلا مع جيل التسعينيات في عهد مبارك، إذ يميل كتّابه إلى النأي بأنفسهم عن السياسة، لا على مستوى الخطاب العام فحسب، بل كذلك في طبيعة إنتاجهم الأدبي والفني.
ديمومات أم انقطاعات؟
تعود الخاتمة إلى السؤال المؤسِّس للكتاب: ما الذي تغيّر في الحقل الأدبي المصري المعاصر، وما الذي استمر؟ وتبدو الإجابة بطبيعتها مركّبة، إذ يشير جاكمون إلى أن أكثر ما يلفت الانتباه هو جملة الديمومات التي حافظت على حضورها عبر العصور السياسية المتعاقبة. ويستدلّ على ذلك بالتكرار شبه الدوري للسجالات نفسها داخل الحقل الأدبي، بما قد يدفع المراقب الخارجي إلى القول إن لا جديد يُذكر، على الأقل منذ استقرار هذه السجالات في الثلث الأول من القرن العشرين. ويمكن اختزال هذه السجالات في أسئلة كبرى تتعلق بالدين والهوية والغرب واللغة (الفصحى والعامية)، والرقابة وحدودها، وعلاقة الكتابة بدورها الاجتماعي. أما الخيط غير المرئي الذي يجمع مختلف الفرق المتناحرة داخل الحقل، على اختلاف مواقعها، فيكمن – بحسب جاكمون – في إيمانها شبه المطلق بمكانة الكلمة المكتوبة وتأثيرها وأهميتها.
ومع ذلك، لم يخلُ المشهد من تحوّلات فعلية، في مقدّمتها تبدّل موقع الرواية واعتلاؤها صدارة الإنتاج الأدبي بعد أن أزاحت القصة القصيرة عن مركزها السابق. كما أن الديناميكية التي أفرزتها سجالات بدايات القرن العشرين، وتطوّرها في إطار الدولة القومية، فرضت على كل وافد جديد إلى الحقل ضرورة إثبات قدراته الفنية، وهو ما استدعى، في كثير من الأحيان، قطيعة جزئية لصلاته مع النماذج السائدة أو السابقة. ونتيجة لذلك، اكتسبت قيمة التجديد قوة الأمر الواقع، وقُبلت على مضض أو رضا من مختلف فصائل الحقل، على تناقضها. ويخلص جاكمون في الخاتمة إلى رؤية متفائلة نسبيًا لمآلات الحقل الأدبي في مصر، إذ نجح في تطوير آلياته وإثراء ذاته، مقارنة بحقول معرفية أخرى لا تزال تعاني أزمات بنيوية عميقة، كالحقلين الجامعي والعلمي.