يقدّم خوسيه سيرو مارتينيز في كتابه "حالات الكفاف: سياسات الخبز في الأردن المعاصر" دراسة إثنوغرافية رائدة تسبر علاقة الدولة بالمواطن من خلال عدسة الخبز المدعوم. يبيّن الكتاب كيف يتحوّل الخبز من مادّة غذائية إلى أداةٍ رمزية ومادّيةٍ للحكم، تُمارَسُ عبرها السلطة وتُبنى من خلالها العلاقة اليومية والوجدانية مع الدولة. يمثّل هذا العمل مساهمةً استثنائيةً في دراسات الحماية الاجتماعية، إذ يدمج بين التحليل السياسي، والملاحظة الحسّية، والتأريخ النقدي، ليكشف كيف يُعاد تشكيل الدولة عبر ممارسات يومية تبدو عادية لكنّها شديدة الدلالة.
أحمد بلال القطّي[1]
ينطلق خوسيه سيرو مارتينيز في كتابه "حالات الكفاف: سياسات الخبز في الأردن المعاصر"[2] من مدخل إثنوغرافي يضع الخبز، وتحديدًا الخبز المدعوم في الأردن، في قلب تحليلٍ سياسي واجتماعيٍ معقّد. ولا يكتفي هذا العمل بتتبّع تاريخ الخبز أو سياسات الدعم، بل يقدّم قراءة عميقة لكيفية تَشكّل الدولة بوصفها أثرًا لا مؤسّسة صلبة، وذلك عبر ممارسات مادّيةٍ يومية مثل إنتاج الخبز وتوزيعه واستهلاكه. من خلال مشاركة الباحث في عملية الخَبز ذاتها، تتيح هذه الدراسة الاقتراب من الدولة بوصفها "وحدة مركّبة" (Assemblage)[3] غير متجانسة، تتداخل فيها البنية التحتية، والإحساس، واللغة، والمعيش اليومي. وبذلك يتجاوز الكاتب التصوّرات التقليدية حول السيادة والشرعية، كاشفًا الطرائق الخفيّة التي تُمارس عبرها السلطة وتُجسَّد في أكثر الأفعال اعتيادية.
لا يُقارب الكتاب مسألة الخبز المدعوم باعتباره سلعة استهلاكية، وإنما يكشف عن دوره كآلية أدائية للحكم ومفعّلة لسلطة الدولة في الحياة اليومية. فالخبز هنا يتجاوز كونه غذاءً ليغدو وسيطًا حسّيًا-سياسيًا يعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع عبر ثلاثية اليومي والمألوف والعاطفي، بعيدًا عن اختزالها في تعاقد قانوني عقلاني. هذا التداخل بين القوت والسيادة يدفعنا إلى إعادة النظر في كيفية تشكّل الدولة باعتبارها بنية تحتية محسوسة تُمارَسُ وتُركَّبُ وتُعاشُ في التفاصيل اليومية. ومن هذا المنظور، ينحاز العمل إلى المعاش اليومي بوصفه مدخلًا للتحليل، متجاوزًا الاقتصار على المقاربات البنيوية أو الكمية التي تركّز على السياسات والبرامج باعتبارها آليات لإدارة الفقر. وبهذا المعنى، لا تُطرح الحماية الاجتماعية مجالًا منفصلًا عن السلطة، وإنما حقلًا تُعاد فيه صياغة العلاقات بين الدولة والمجتمع عبر التفاصيل اليومية والإحساس والعمل اليدوي، حيث يتجلّى تداخل القوت والسيادة في ممارسات تبدو عادية، لكنها عميقة الدلالة.
حاز الكتاب على العديد من الجوائز المرموقة التي تؤكّد فرادته في تناول قضايا الدولة والمعيش اليومي في العالم العربي؛ إذ فاز بجائزة روجر أوين لكتاب العام لعام 2023، التي تمنحها رابطة دراسات الشرق الأوسط (MESA)، وهي من أبرز الجوائز في هذا الحقل. كما نال تنويهًا شرفيًا في جائزة تشارلز تايلور لعام 2023 المقدّمة من الجمعية الأمريكية للعلوم السياسية (APSA) ضمن مجموعة مناهج وأساليب التفسير (IMM). إضافة إلى ذلك، اختارته مجلة فورين أفيرز ضمن أفضل كتب عام 2022 في فئة الدراسات الشرقية أوسطية، وهو تكريم يعكس أن تأثيره عابر للتخصصات والدوائر الأكاديمية التقليدية.
بنية الكتاب
يقع الكتاب في 368 صفحة تتوزع على جزأين، يضمّ كلّ منهما ثلاثة فصول، يتتبع فيها الكاتب كيفية تشكُّل الدولة من جهة، وحضورها المربك في تفاصيل الحياة اليومية من جهة أخرى. في المقدّمة، التي تمتدّ على 19 صفحة، يؤطر مارتينيز دراسته منهجيًا ونظريّا، مبرزًا عبر التحليل الإثنوغرافي كيف تُمارس الدولة وتُحسّ من خلال الطقوس اليومية كالخبز والشراء، وكيف يتحوّل الخبز المدعوم في الأردن من سلعة استهلاكية إلى أداة حُكم. ويدعو إلى فهم الدولة بوصفها بنية معاشة لا كيانًا قانونيًا مجردًا، إذ يقول: "نهجي في دراسة الدولة هو اعتبارها إنجازًا، أثرًا في طور التكوين، وليست بنيةً بديهية. وفي هذا السياق، أعتمد على مجموعة من المفكّرين الّذين يميلون إلى رفض فرضيات التمثيلية، التي تنصّ على وجود كيانات منفصلة وجوديًا، موجودة قبل تمثيلها ومنفصلة عنه."[4]
يحمل الجزء الأول عنوان "التجميع أو التركيب" (Assembly)، ويقع في 109 صفحات. يستهلّه الفصل الأوّل، "أسلوب جديد في الإدارة"،[5] حيث يتناول التحوّلات في سياسات الرعاية الاجتماعية في الأردن بعد تمرّد داخل القوات المسلّحة في شباط/ فبراير 1974،[6] مبرزًا كيف أعادت الدولة ترتيب أولويّاتها استجابةً للاضطرابات الاجتماعية. يُشكّل هذا الفصل مدخلًا لفهم الكيفية التي تُركّب بها الدولة ذاتها عبر ممارسات تنظيمية محدّدة، مثل البرامج الاجتماعية التّي استُحدثت لضمان استقرار العلاقة بينها وبين المواطنين.
أمّا الفصل الثاني، "الإحساس بالدولة"،[7] فيركّز الكاتب على التجربة الحسّية المرتبطة بالمخابز، مبيّنًا كيف تُسهم هذه الممارسات اليومية في تشكيل تصوّرات المواطنين عن الدولة. ومن خلال وصف روائح الخبز وحيوية العمل في المخابز، يُظهر هذا الفصل كيف تتجلى الدولة بوصفها فضاءً حيًّا ومشتركًا. في الفصل الثالث "صناعة الدولة"،[8] يُحلّل مارتينيز الآليات البيروقراطية والإجرائية التي تتحكّم بإنتاج الخبز المدعوم وتوزيعه، كاشفًا تعقيدات السلطة الحكومية وكيف يُمارَس الحكم عبر تفاصيل يومية دقيقة، مثل إشراف المفتّشين على استهلاك الخميرة لرصد إساءة استخدام الطحين المدعوم.
ينتقل الكاتب في الجزء الثاني، "التشابك"،[9] إلى تفكيك الاختلافات المكانية والاجتماعية في حضور الدولة. يبدأ بـالفصل الرابع "أصداء، غياب، ومدى"،[10]، حيث يستعرض التفاوت في امتداد الدولة في مدن مثل العقبة ومعان، ويُظهر كيف يصبح الخبز أداة تفاوضٍ حول حضورها، وكيف يُعيد المواطنون تقيّيم اعتمادهم عليها بناءًا على قدرتها على ضمان توزيع الخبز. في الفصل الخامس "تكتيكات في المخبز"،[11] يركّز الكاتب على ردود الأفعال التكيّفية للمواطنين تجاه تنظيمات الدولة، مبيّنًا كيف يُمارس النّاس أشكالًا من الوكالة عبر ممارسات غير رسمية، مثل الرشاوى والاتفاقات بين الخبّازين والموظّفين الحكوميّين لضمان الحصول على حصص إضافية من الطحين. أمّا الفصل السادس، "هواجس متخمّرة"،[12] فيتناول الخطاب العام المحيط بدعم الخبز، موضّحًا كيف يُعبّر عن توتّرات سياسية ومخاوف من تحوّلات مستقبلية؛ إذ تمثّل النقاشات الشعبية حول مستقبل الدعم مقياسًا لتوقّعات المواطنين من الدولة ودورها في تأمين سبل العيش.
يختتم مارتينيز كتابه بمجموعة من الاستنتاجات لخّص من خلالها أطروحاته الرئيسة، مؤكّدا على الطبيعة الأدائية للدولة، وأنّ الرعاية الاجتماعية تتجاوز كونها توزيعًا مادّيًا لتغدو وسيلة مركزية في إنتاج السلطة السياسية. ومن خلال ربط اليومي بالسياسي، يُبيّن كيف يتحوّل الحصول على رغيف الخبز إلى تمثيل مصغّر لعلاقة المواطن بالدولة.
مدخل: الطعام ظاهرة اجتماعية كلّية ذات وظائف كامنة
لا شيء أكثر أساسية من الطعام؛ فهو أولى ضرورات الحياة والبقاء، ولأجله انكبّ أسلافنا على تطوير تقنيات الصيد وأدواته، واختراع الزراعة، وتدجين الحيوانات والنباتات. يورد ويل ديورانت في موسوعته قصّة الحضارة موقفًا طريفًا لأحد الرحّالة يُدعى "بيري" مع أحد أدلّائه من الإسكيمو، إذ سأله: "فيم تفكّر؟ " فأجابه: "ليس لديّ ما يدعو إلى التفكير، لأنّ لديّ مقدارًا كافيًا من اللحم".[13] يحتلّ الطعام مكانة مهمّة في الاقتصاد الحديث، فهو يعدّ أكبر صناعاتنا ومصدرًا لمتعة لا نظير لها، لكنّه في الوقت نفسه ربّما يكون أحد أكبر مسبّبات للمرض والوفاة. ورغم هذه الأهمية، غالبًا ما جرى التعامل معه بوصفه أمرًا مفروغًا منه، لا سيّما في حقل العلوم الاجتماعية. إلّا أنّ السنوات الأخيرة شهدت توسّعًا كبيرًا في مجال دراسات الطعام، الذي حظي باهتمام متزايد من قبل الجامعات ومراكز البحث.[14]
علاوة على ذلك، لا يمكن فصل الطعام عن السياسة؛ فمن المنظور الأنثروبولوجي الكلاسيكي، وتحديدًا مع "مارسيل موس"، تغدو الظواهر الاجتماعية الأكثر اعتيادية، مثل الهدايا أو الطقوس اليومية، تعبيرات شاملة تتشابك فيها الأخلاق، والدين، والاقتصاد، والقرابة، والسلطة. وعلى هذا النحو، يُفهم الطعام بوصفه "ظاهرة اجتماعية كلّية"[15] يتقاطع فيها السياسي بالاجتماعي والاقتصادي، ليتحوّل إلى وسيط للضبط، وأداة لإنتاج الامتثال، وأحيانًا إلى ساحة تفاوض ومقاومة، تُصاغ فيها مطالب العيش والكرامة بلغة الذوق والاحتياج.
الهيمنة الصامتة: كيف تصنع الدولة من طقوس اليومي أدواتٍ للسيطرة
"أكثر التأثيرات الإيديولوجية نجاحًا هي تلك التّي لا تحتاج إلى كلمات، ولا تطلب أكثر من صمتٍ متواطئ."[16]
تقدّم سوسيولوجيا "بيير بورديو" إطارًا غنيًا لدراسة سلطة الرموز والكشف عن تلك البُنى الخفيّة التّي تُشكّل الواقع الاجتماعي وتوجّه سلوك الأفراد دون وعي مباشر منهم. فالسلطة، في تصوّره، لا تقتصر على ما هو ظاهر ومُعلن؛ إذ تتجلى أيضًا فيما يبدو "طبيعيًا" و"بديهيًا"، أي في الأعراف والممارسات المتجذّرة في الجسد والذهن، التي تعمل بوصفها أشكالًا غير مرئية من الهيمنة. ومن خلال مفاهيم مثل "الهابيتوس"[17] و"رأس المال الرمزي"،[18] يبيّن بورديو كيف يُعاد إنتاج الفوارق الاجتماعية داخل الحقول المختلفة وفرض الهيمنة بعيدًا عن القهر المباشر، واعتمادًا على "التطبيع الصامت" للسيطرة. وبهذا، تدعونا مقاربة بورديو إلى مساءلة ما نعتبره عاديًا أو غير سياسي، وتكشف كيف تُحاك خيوط السلطة في تفاصيل الحياة اليومية.
ومن تجلّيات الفعل السياسي في علاقته بالمجتمع تلك القدرة الكامنة في الدولة على التسلّل إلى تفاصيل الحياة اليومية عبر رموزٍ تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنّها في عمقها محمّلة بدلالات السلطة وحضورها. فالغذاء، وإن بدا استجابة لحاجة بيولوجية وإنسانية، يتجاوز هذا المعنى ليغدو فعلًا رمزيًا تبني الدولة من خلاله صورةً عن ذاتها بوصفها راعية ومعيلة، وتنسج عبره سرديّة وجودها في وجدان الجماعة.
وكما تُنتج المجتمعات رموزها لتبني بها عوالمها، تعمل الدولة بدورها على إنتاج أدوات رمزية تعيد من خلالها تشكيل علاقتها بالمواطن، وتؤكّد عبرها أنّها الحاضن والضامن لأبسط ضرورات الحياة. وهكذا يغدو رغيف الخبز المدعوم أكثر من مادة للاستهلاك؛ إذ يتحوّل إلى آلية مؤسّسة لعقد اجتماعي ضمني، ترسّخ به الدولة حضورها في المخيّلة الجمعية بوصفها كيانًا يسهر على سدّ الرمق ويمنح الشعور بالأمان في خضمّ الفوضى والاحتياج.
على المستوى الميكرو-سوسيولوجي، يتخلّل وجود الدولة حياة الناس اليومية، في كثير من الأحيان عبر آليات قد تبدو غير مرئية أو مسلّمًا بها. فالسلع المدعومة، مثل الخبز والوقود والكهرباء، لا تؤدي وظيفة اقتصادية فحسب، وإنما تحمل أيضًا دلالات رمزية تشير إلى موقع الدولة ضمن عقدها الاجتماعي مع المواطنين. وتؤثّر هذه الآليات على الروتين اليومي والاقتصادات الأسريّة، ممّا يؤثّر على كيفية إدراك الأفراد لوجود الدولة وشرعيتها. لتغدو التفاعلات مع المؤسّسات البيروقراطية، والوصول إلى الخدمات العامّة مثل الصحّة والتعليم، والعلاقات مع أجهزة إنفاذ القانون، كلّها عوامل تؤدي إلى تعزيز نفوذ الدولة وحضورها في الحياة اليومية.
"اخبز لتفهم": الإثنوغرافيا والبحث عن الدولة في الهوامش
اعتمدت منهجية خوسيه سيرو مارتينيز على الانغماس في تفاصيل الحياة اليومية، من خلال العمل مدّة عام داخل المخابز الأردنية؛ إذ كان يعجن يخبز ويشارك في إيقاع العمل، محوّلًا المخبز إلى فضاء إثنوغرافي لتحليل الدولة. وقد أتاحت له هذه المقاربة تتبّع كيفية دوران السلطة عبر الملمس والرائحة والحركة. يقول في هذا السياق: "اخترتُ مسارًا آخر – لأُرسّخَ نفسي بعمقٍ واستمرارٍ قدر الإمكان في العمليات التّي سعيتُ إلى دراستها. وأن أفكّر مع من تعلمت منهم وعشت معهم، لا ضدّهم أو بدونهم. تجنّبتُ المراقبة البعيدة. بدلًا من ذلك، قرّرتُ أن أخبز. أن أخلط، وأخفق، وأُغبر، وأطوي، وأعجن، وأُشكّل، وأُثقب، وأُدقّ، وأُليّن. أسبوعًا بعد أسبوع، رغيفًا تلو الآخر، بذراعين ضعيفتين ووضعية جسديّة مُريعة، لكن بحماسٍ لا ينقصه شيء، كنتُ أراقب وأستمع وأشارك. لأفهم بشكل أفضل كيف يصبح الخبز رفاهية، وكيف تصبح الرفاهية شيئًا مختلفًا تمامًا".[19]
لا تنطلق هذه المنهجية من تحليل الوثائق الرسمية أو التصريحات السياسية، وإنما تتجه إلى الكشف عن آليات السلطة في مستويات لا تخطر على بال أحد. في هذا السياق، تغدو الإثنوغرافيا أداة للفهم ووسيلة لفضح آليات هيمنة الدولة في صورها الأكثر حميمية واعتيادًا. وقد مكّنت هذه المشاركة المباشرة الباحث من ملاحظة كيفية عمل الرعاية الاجتماعية بوصفها وسيلة مركزية في إنتاج السلطة السياسية، لا مجرّد مجال لتطبيقها. ويعبر مارتينيز عن ذلك بقوله: "الخبز المدعوم شيءٌ حيٌّ ومُفعَمٌ بالحياة... حشدٌ لجهاتٍ تتضافر لجعل الخبز العربي... صالحًا للأكل وشهيًّا."[20]
يتحدّى عمل مارتينيز الميداني الذي أنجزه في مخابز عمّان ومدن أردنية أخرى المقاربات السائدة في العلوم السياسية، التي تركز غالبًا على المؤسسات والنخب والوثائق الرسمية. فاختياره التمركز في العالم الحسّي والمادّي للمخبز يمثّل نقدًا منهجيًا لنزعة الابتعاد والتجريد التي تطغى على كثير من التحليلات السياسية التقليدية. ومن خلال منهج إثنوغرافي يرتكز على التفاعلات اليومية، والعمل الجسدي، والمساحات الحميمة أو الخاصة، يبيّن مارتينيز كيف تُمارَس السلطة عبر القوانين والخطابات الرسمية، كما تتجلّى وتعاد صياغتها وتُقاوَم أحيانًا في روتين الحياة اليومية.
يستعير الكاتب أدواته المنهجية من الأنثروبولوجيا والجغرافيا، وهما تخصّصان أشد انخراطًا في التفاصيل المادّية والفضائية للحياة اليومية. ومن خلال ذلك، يقدّم تصورًا للسلطة السياسية ليس بوصفها مفروضة من أعلى أو مُفعَّلة حصرًا عبر المؤسسات، وإنما بوصفها مركّبًا اجتماعيًا يتكوّن ويتفكّك في المطابخ، وغرف العجين، وطوابير الانتظار أمام المخابز. وعلى هذا النحو، تغدو أفعال مثل الخَبز أو الانتظار أو تنظيم توزيع الخبز أفعالًا سياسية بالمعنى المادّي الملموس، إذ تسهم هذه التفاعلات الدقيقة في بناء شرعية الدولة أو تقويضها.
يقول مارتينيز: "أستعير تقنياتٍ في الغالب من الأنثروبولوجيا والجغرافيا... لأنّ الحياة اليومية ليست مجرّد قصص شيّقة فحسب، بل هي تحديداً الموقع الذي تُصاغ فيه السلطة السياسية وتُفكّك."[21] تكشف هذه العبارة عن تحوّل معرفي عميق في منهجية دراسة الدولة؛ فبدل النظر إليها ككيان موحّد أو متّسق، يتعامل معها بوصفها عمليّة مستمرة، تتشكّل عبر إيقاعات الحياة اليومية واحتكاكاتها وتفاصيلها.
الخبز أو الديمقراطية: القوت مقابل الصمت، الاستقرار مقابل التنازل
في مجتمعات عديدة، يتجاوز الخبز كونه مجرد مادة غذائية ليصبح رمزًا مشحونًا بالدلالات؛ فخلال الانتفاضات التي شهدتها دول عربية فيما يعرف بالربيع العربي، كان الخبز حاضرًا في الشعارات الثورية التّي دوّت في العواصم والمدن. ففي السياق المصري، هتف المتظاهرون "عيش، حريّة، عدالة اجتماعية"، و في تونس ردّد المحتجّون "خبز و ماء و بن علي لا". يتجاوز الخبز في هذه السياقات وظيفة إشباع الجوع ليطرح سؤالاً وجوديًا: هل تُعرَّف الحرية في ظلّ الندرة، أم أن الكفاف يُعاد تأويله كأداة لإخضاع الإرادة؟ تختزل عبارة "الخبز أو الديمقراطية" هذا التوتّر العميق بين الحاجة المادّية إلى العيش والرغبة السياسية في الكرامة والتمثيل. فكثيرًا ما تُقدّم الدولة الخبز المدعوم دليلًا على رعايتها، وكأنّها تقول للمواطن: اكتفِ بلقمتك، واترك لنا القرار. وفي المقابل، يُنظر إلى المطالبة بالحرّية على أنّها ترف لا يحتمله الجائع. بهذا المعنى، يتحوّل الخبز إلى رمز للمقايضة: القوت مقابل الصمت، والاستقرار مقابل التنازل.
غير أنّ هذه المعادلة بعيدة عن البراءة؛ فهي تعكس اختلالات في توزيع السلطة، وتحوّل الخبز من حقّ إلى أداة ضبط، ومن طعام يومي إلى حدّ فاصل بين التبعية والمواطنة. كما يُظهر تحليل خوسيه سيرو مارتينيز أنّ الخبز لا يُستهلك فحسب، وإنما يُؤدّى ويُتفاوض حوله ويُعانى من أجله. ففي السياق الأردني يُدرج الخبز ضمن بنى أوسع من السلطة السياسية والاعتماد والتعوّد الجماعي، بحيث يتحوّل الواقع إلى نوع من التطبيع المستمر مع شروط البقاء، وتتآكل معه المخيّلة السياسية تدريجيًا.
في أحد حواراته مع "هاني"، صاحب مخبز في عمّان، يلتقط مارتينيز التوتّر الكامن بين البقاء والحرّية، وهو توتّر يُشكّل جوهر السياسة الكامنة خلف نظم الرعاية، فيقول: "أنعيش فقط من أجل الخبز؟ أنُبادل الخبز بالحرّية؟" سألني، وهو يربّت على عنقي بودّ. ثم ضحك قائلاً: "لا، لا يوجد تبادل... إنهم يعطوننا الخبز ولا شيء غيره. ليس لنا رأي، ولا مفرّ، لأننا جزء من النظام نفسه الذي نرفضه. أحيانًا ننسى ذلك، لأنّنا اعتدنا عليه". صرخ أحد الخبازين: "معتادون على ماذا؟". ابتسم هاني ابتسامة عارفة، والغرفة كلّها صامتة: "اعتدنا أن نُحْكَمَ، اعتدنا أن نشعر بهذه الطريقة كلّ يوم."[22]
تُعارض هذه الشهادة الفكرة القائلة بوجود "عقد اجتماعي" يُقايَض فيه الصمت السياسي بالأمن الاقتصادي؛ إذ يرى هاني أنّ تقديم الخبز لا يُشكّل ترتيبًا تبادليًا، بل هو لفتة أحادية الجانب تُخفي تآكل الفاعلية السياسية. ويعبّر هذا الانفصال بين الرعاية المادّية والمشاركة السياسية عمّا يمكن تسميته "منطق الرفاه السلطوي"،[23] أي النظام الّذي تُقدّمُ فيه الدولة الحاجات الأساسية، لكنّها تقيّد في المقابل الحرّيات المدنية.
تسهم الأعمال الفنّية والمساهمات الأكاديمية بدورها في كشف آليات التواطئ الصامت والتطبيع التّي تحدّث عنها بورديو. ويبرز ذلك بوضوح في مشهد مهين جدًّا للشعب ولوعيه في فيلم الإرهاب والكباب، حين يسأل البطل أحمد "إيه طلباتكم؟" لا يجد إجابة، فيثور "يعني إنتم عايشين في نعيم"، في إشارة إلى عمق التهميش الذي يحدّ من القدرة على تخيّل حياة أفضل. فضح الفيلم الفساد الإداري في منظومات الدولة من إعلام وعدل وصحّة وشرطة، وهو ما أثار جدلًا واسعًا آنذاك، حتى إنّ الرئيس المصري، آنذاك، حسني مبارك علّق قائلًا: "فيلم الإرهاب والكباب جعل المواطن خصمًا للدولة!". لكنه في الآن ذاته قدّم مواطنين لا يعرفون ماهية الحياة، ولا كيف يعيشون فيها، يغيب عنهم الوعي والمعرفة والأمان والحياة الكريمة. ينتهي المشهد بمطلب غريب ولكنّه يختزل تلك القدرة لدى السلطة على تحويل أبسط السلع مثل اللحم إلى مادّة يتطلّع إليها النّاس، فيصرخون:"الكباب الكباب.. لنخلّي عشيتكوا هباب".
خاتمة
"أَنَا هُوَ خُبْزُ ٱلْحَيَاةِ. مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلَا يَجُوعُ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلَا يَعْطَشُ أَبَدًا". يُوحَنَّا 35:6
كما ارتبط الخبز في المخيال الديني والروحي بصورة العطاء الإلهي والضمان الوجودي، فإنّه في السياقين السياسي والاجتماعي يتحوّل إلى وسيط رمزي بالغ الدلالة، تُجسّد الدولة من خلاله حضورها ورعايتها. فالخبز، في انتظام حضوره اليومي، يتجاوز كونه مادّةً استهلاكيةً، ليغدو خطابًا ضمنيًا تعلن عبره الدولة، وإن بصمت موارب، أنّ من يعترف بها ويذعن لشرعيتها لن يجوع. فالدولة، إذ تقدّم الخبز، لا تفعل ذلك بمنأى عن الرمزية، وإنما ترسم عبره صورةً عن ذاتها بوصفها حاضنًا اجتماعيًا، تربط فيها بين الوفاء والانتماء، وبين الرغيف والطمأنينة. وكما حمل الخبز في السياق اللاهوتي وعدًا بالخلاص الأبدي، فإنّه يحمل في السياق السياسي وعدًا بالأمان الأرضي، وإن كان مشروطًا بالخضوع والاعتراف. وهكذا، يصبح الخبز المدعوم وسيلة لإشباع الحاجة، وفي الوقت ذاته أداةً لتثبيت حضور الدولة، وإعادة إنتاج السلطة في أكثر صورها بساطةً وعمقًا.
يتجاوز كتاب "حالات الكفاف" حدود الدراسة الأكاديمية التقليدية، ليأخذ القارئ في رحلة حسّية تعبر به إلى قلب الأفران في أزقّة المدن الأردنية، حيث تتصاعد رائحة الخبز العربي لتستدعي الذاكرة وتحرّك الحواس. في هذا النصّ المثقل بالملموس وتجارب المعيش اليومي، يقودنا مارتينيز إلى تأمّل عميق في تجليات الدولة، إذ تتجسد بعيدًا عن صفتها ككيان مرئي أو نصّ قانوني جامد، لتغدو حضورًا متسلّلًا في الروائح والأصوات والأنامل المنغمسة في العجين. إنّ الكتاب يسائلنا عن ذاك الشيء الذي يحكمنا دون أن نراه، وإن كنّا نحسّه ونتذوّقه ونتبادل الحديث حوله كل يوم.