تُقدّم فرح رمزي في كتابها "الطلاب المصريون والسياسة خارج نطاق الاحتجاج" مقاربة جديدة لفهم السياسة الطلابية في مصر، متجاوزةً اختزالها في الاحتجاجات العامة. تنطلق من أثر التحوّل النيوليبرالي في أواخر التسعينيات في بنية التعليم العالي، لتبيّن كيف تغيّرت أدوار الطلاب وممارساتهم السياسية داخل الجامعة. كما تتتبّع، اعتمادًا على المنهج الإثنوغرافي والمقابلات الميدانية، أشكال التسييس في فضاءات متعددة، من الاتحادات والأنشطة الطلابية إلى المجموعات غير الرسمية. وفي هذا الإطار، يطرح الكتاب تصورًا يُظهر تداخل الإرث التاريخي للحركة الطلابية مع تأثيرات التحوّل النيوليبرالي وما بعد عام 2011 و2013، بما يُنتج أنماطًا سياسية متنوعة تتجاوز الأشكال التقليدية للفعل السياسي.
يوسف حاتم [1]
كانت الجامعات المصرية، كما لاحظ كثيرون، منهم ميشيل دَن وكاتي بنتيفوليو، من آخر المساحات التي ظلّت قادرة على استيعاب أشكال من المعارضة بعد تحوّلات عام 2013.[2] ومع ذلك، انشغل معظم من كتب عن تلك المرحلة بما خرج من الحرم الجامعي إلى الشارع في صورة مظاهرات طلابية، أكثر من اهتمامه بما كان يجري داخل الجامعة نفسها: كيف تتبدّى السياسة في تفاصيل الحياة الجامعية اليومية، وكيف تُدار وتُضبط، وما الذي يبقى ممكنًا منها مع تضاؤل المجال العام. ويبدو هذا الميل مفهومًا في ضوء اتجاه راسخ في الأدبيات ينظر إلى الطلاب في مصر بوصفهم امتدادًا لإرث الحركة الطلابية الوطنية في القرن العشرين.
تذهب فرح رمزي إلى أن هذا الإطار لم يعد كافيًا، إذ يغفل تحوّلات بنيوية عميقة شهدها التعليم العالي في القرن الحادي والعشرين، تحت وطأة التحوّل النيوليبرالي وما ترتّب عليه من تغيّر في تجربة الطلاب وممارساتهم السياسية داخل الجامعة. ومن هنا يأتي كتابها "الطلاب المصريون والسياسة خارج نطاق الاحتجاج"[3]، ليسد فجوة مهمة في الأدبيات، من خلال نقل مركز الاهتمام من الاحتجاجات إلى الحياة الجامعية ذاتها، حيث يظهر الطلاب فاعلين يصوغون المعاني السياسية ويتفاوضون على حدودها ومساحاتها الممكنة في سياق يتغيّر فيه المسموح باستمرار داخل الحرم.
تعتمد الكاتبة على بحث إثنوغرافي أُنجز أساسًا في جامعتي القاهرة وعين شمس، إلى جانب زيارات لجامعات أخرى، وعلى مقابلات نوعية مع نشطاء وفاعلين طلابيين بين عامي 2013 و2015 ضمن عملها للدكتوراه. كما تتابع التحوّلات اللاحقة لتقدّم، في هذا العمل الصادر عن دار نشر جامعة أكسفورد، سردية مغايرة لمسار السياسة داخل الجامعة المصرية خلال العقد الذي أعقب ثورة يناير.
الطلاب والسياسة في مصر: ماذا غيّرت النيوليبرالية؟
تفتتح رمزي كتابها باستعراض تاريخي لدور الطلاب السياسي منذ بدايات القرن العشرين وأثناء بناء الدولة الوطنية والصراع من أجل الاستقلال، حين تشكّلت الصورة النمطية للطالب بوصفه طليعة الأمة وقائدًا محتملًا للاحتجاج العام. وقد ترسّخ هذا التصوّر عبر عقود، إذ ارتبط حضور الطلاب السياسي بخروجهم من بوابات الجامعة لقيادة الجماهير في احتجاجات واسعة. وظل هذا الإطار حاضرًا، وإن بصيغ متفاوتة، حتى أواخر السبعينيات مع صدور لائحة 1979 التي قيّدت الحراك الطلابي بشكل كبير. ومع التحوّل النيوليبرالي في عهد حسني مبارك، تراجع حضور مفردات مثل "الطلاب" و"الحركة الطلابية" في الأدبيات، لصالح مفهوم أوسع هو "الشباب"، وأُعيد تموضع الطلاب ضمن هذا التصنيف الأعم بوصفهم جزءًا من الحراك الشبابي.[4] وتتوقف عند مفارقة لافتة تتعلق باختفاء الطلاب كفئة تحليلية مستقلة، رغم أن الجامعات خلال تلك الفترة شهدت احتجاجات متكررة قادها الطلاب وظلّت فضاءً للفعل السياسي لمختلف التيارات. تجيب رمزي بأن المشكلة لا تكمن في غياب السياسة عن الجامعة، وإنما في تضييق تعريف السياسة الطلابية داخل المخيال البحثي. فمنذ تشكّل الطالب كفاعل سياسي في مطلع القرن العشرين، تكرّس تصوّرٌ لدوره بأنه مرتبط بالاحتجاجات الكبرى التي يتقدّم فيها المجتمع ويطرح مطالب وطنية عريضة. وعندما لا تنسجم الممارسة الطلابية مع هذا النموذج، يميل بعض الباحثين إلى القول إن الطلاب غابوا سياسيًا، بدلًا من التساؤل حول الأشكال الأخرى للفعل السياسي لدى الطلبة.[5]
في هذا السياق، يبدو مفهومًا عودة الاهتمام بالطلاب بعد ثورة 2011، إذ اقتربت التعبئات الطلابية من الدور التاريخي المألوف عبر احتجاجات امتدت إلى المجال العام وارتبطت بقضايا وطنية كبرى. غير أن هذا الاهتمام ظل في معظمه أسير النموذج ذاته، مع تركيز على الاحتجاج بوصفه التعبير الأبرز عن السياسة، وإغفال أشكال أخرى أقل صخبًا وأكثر تعقيدًا داخل الحرم الجامعي، وهو ما يسعى هذا الكتاب إلى تحليله.[6]
تتجاوز التحوّلات النيوليبرالية التي تعتمدها رمزي في تفسير إعادة تشكيل بنية الجامعة المصرية النطاق المحلي الصرف؛ فهي تندمج ضمن سياقٍ عالمي أعاد تعريف الجامعة تدريجيًا بوصفها مؤسسة تُعنى بإنتاج "كفاءات قابلة للتوظيف"، على حساب دورها التقليدي في إنتاج المعرفة للمجتمع. وقد صاغ الباحث الكندي بيل ريدينغز نقدًا مبكرًا لهذا المسار، إذ نبّه إلى انزياح الجامعات نحو منطق أقرب إلى الشركات، تُقاس فيه القيمة بخطاب "التميّز/Excellence" ومعايير الأداء، بما يهمّش دورها العام ويضيّق المجال أمام السياسة داخل الحرم الجامعي. [7]
في هذا الإطار، تلاحظ رمزي صعود الأنشطة الطلابية في الجامعات المصرية منذ أواخر التسعينيات بوصفها نمطًا مختلفًا من العمل داخل الحرم. فعلى خلاف الأشكال التقليدية، مثل الاتحادات الطلابية أو الحركات السياسية، تمحورت هذه الأنشطة حول التأهيل المهني وإعداد الطلاب لسوق العمل، ما يعكس تحوّلًا أوسع في رسالة الجامعة ووظيفتها.[8]
ومن هنا، لم يكن من قبيل المصادفة أن تتصدر "نماذج المحاكاة" المشهد الطلابي؛ فهي وإن كانت تحاكي مؤسساتٍ ذات طابع سياسي، مثل البرلمان الأوروبي أو جامعة الدول العربية، إلا أنها تتعمد تحييد السياسة بمعناها المباشر. إذ تُقارب القضايا بوصفها موضوعات نظرية بعيدة عن الواقع المصري، وتُفرض فيها قواعد صارمة تمنع الجدل السياسي داخل الجلسات؛ رغبةً في الحفاظ على استقرار هذه النماذج وتفاديًا للصدام مع الإدارة الجامعية والأجهزة الأمنية.
وبناءً على ذلك، شهدت الجامعة المصرية قبيل ثورة يناير ومع نهاية العقد الأول من الألفية ملامح واضحة لعملية "نزع تسييس" واسعة، وإن ظلت منقوصة. وترى الكاتبة أن هذه الأنشطة، رغم تركيزها على التأهيل المهني، أتاحت للطلاب مساحاتٍ للقاء والنقاش، شكّلت في جوهرها مهدًا لتجمعاتٍ لاحقة تفجرت بعد الثورة. كما أن أحداثًا كبرى، مثل انتفاضة الأقصى عام 2000 وغزو العراق عام 2003، قادت إلى مظاهراتٍ حاشدة أبقت على جذوة الروح السياسية متقدة داخل الحرم الجامعي.[9]
ما بعد يناير: عودة الطلاب لدورهم التاريخي
مع سقوط نظام مبارك، شهدت الجامعات عودة كثيفة للنشاط السياسي الطلابي. ومع ذلك، يظل التركيز في كثير من الأحيان منصبًا على الاحتجاجات، في حين تكشف هذه المرحلة عن أشكال متعددة من التمظهرات السياسية داخل الحرم. ومن أبرز ما تتبعه الدراسة كيفية تشكّل "المعيّة/ togetherness" بين الطلبة؛ إذ يلفت استخدام بعضهم المتكرر لضمير "نحن" في حوارهم مع الكاتبة الانتباه إلى سؤال مركزي: كيف تتكوّن هذه الجماعة "نحن"، وعلى أي أسس تُبنى؟[10]
تحلل الكاتبة في هذا السياق المسار السياسي الذي خاضه الطلاب منذ حلّ الاتحادات القديمة بعد الثورة، وما تلاه من خلافات مع جماعة الإخوان المسلمين حول الاتحادات والتمثيل الطلابي. ومن خلال هذا التحليل، نفهم كيف أُعيد إنتاج الـ"نحن" وتعريف "الخصم السياسي"، بحيث انتقل موقع الخصومة من "الفلول" إلى "الإخوان" في انتخابات 2013. وتلفت رمزي الانتباه إلى الشعارات التي رفعها الطلبة في مظاهراتهم، مثل: "اصحى يا طالب مصر يا مجدع وافهم دورك في الكلية"، إذ دمج الطلبة الثوريون (وهو الوصف الذي تُطلقه الكاتبة على الطلبة غير المنتمين إلى جماعة الإخوان) مرجعيتين: مرجعية الثورة المصرية بوصفهم امتدادًا لها، ومرجعية الحركة الطلابية التاريخية، ولا سيما جيل السبعينيات، بوصفهم ورثة لهذا الإرث، في سبيل بناء هوية جامعة جديدة[11].
ومع ذلك، ينبغي قراءة هذه النتائج في ضوء القيود الميدانية التي أقرّت بها الكاتبة؛ إذ كانت دراسة "طلاب الإخوان" في تلك الحقبة محفوفة بمخاطر أمنية جمة، خاصة مع تصاعد ملاحقتهم وقمعهم. أضف إلى ذلك القيود المرتبطة بموقع رمزي الاجتماعي، بوصفها باحثة قبطية من الطبقة المتوسطة العليا، ما جعل إجراء مقابلات مع طلاب الإخوان لتمثيل سرديتهم بصورة متوازنة أمرًا بالغ الصعوبة. لذلك يأتي عرضها لهذا الصراع من منظور الفئات الطلابية التي رأت في الإخوان "منافسًا" و"آخرًا"، وهي نقطة ضعف منهجية تُقرّ بها وتضعها ضمن حدود الدراسة، بالنظر إلى أن الإخوان كانوا فاعلًا سياسيًا لا يمكن تجاوزه في تلك المرحلة[12].
الطلاب بعد 2013: محاولة الحفاظ على السياسة
أفرزت تحوّلات السلطة في مصر بعد عام 2013 موجةً من الاحتجاجات الطلابية، قادتها جماعة الإخوان المسلمين وجناحها الطلابي المعروف بـ "طلاب ضد الانقلاب". واجهت الدولة هذا الحراك بقمع شديد، أدى إلى انحسار الوجود السياسي العلني تدريجيًا، وصولًا إلى تلاشيه شبه الكامل بحلول عام 2018. وفي حين ذهبت بعض الدراسات إلى إعلان "موت السياسة" في الحرم الجامعي تحت وطأة القمع، تتبنى رمزي موقفًا مغايرًا يرفض هذه القطعية؛ فهي ترى ضرورة قراءة المشهد في تعدديته وتركيبه، إذ تتباين استجابات الفاعلين بين الانكفاء التام، وبين إعادة التموضع داخل مساحات تبدو في ظاهرها أقل صدامًا. [13] ويتجلى هذا المنظور بوضوح في الفصل الذي خصصته لسرديات حالات مختارة، ترصد من خلالها كيفية استيعاب الطلاب لتلك المرحلة [14].
مع إقرارها بأن القمع بعد عام 2013 ضيّق المجال المتاح للفعل السياسي داخل الجامعة، فإن هذا التحوّل لم يُفضِ إلى توقف النشاط الطلابي فورًا، وإنما دفع كثيرين إلى محاولة خلق "إمكانيات" جديدة للاحتجاج. وفي هذا الإطار، تحوّل بعض الطلاب من المطالب السياسية العامة، مثل إسقاط النظام، إلى التعبئة حول "تبعات القمع" ذاته، بما في ذلك الدفاع عن الطلاب المعتقلين والمفصولين، والمطالبة بالتحقيق في مقتل زملائهم. كما تلاحظ رمزي كيف أعاد الطلبة صياغة سردية "الطالب العادي" غير المنتمي سياسيًا، بوصفه ضحية للعنف لاستقطاب دعم القاعدة الطلابية الأوسع. ويتضح ذلك، على سبيل المثال، عقب مقتل الطالب محمد رضا في كلية الهندسة، حين روّج الناشطون لفكرة أن ما حدث له يمكن أن يتكرر مع أي طالب، بما ينقل القضية من إطار الصراع السياسي المباشر إلى أفق حقوقي أوسع[15].
ومع مرور الوقت، ضعفت الحركة الطلابية تحت وطأة القمع، واتجه بعض الفاعلين إلى إعادة تعريف السياسة على نحو يقلّل كلفتها. ويظهر ذلك في تجارب مثل حركة "طلاب مصر القوية"، التي ركّزت على قضايا خدمية، مثل الرعاية الصحية والسكن. وتُفهم هذه التحولات، في قراءة الكاتبة، بوصفها إعادة صياغة لمجال السياسة أكثر من كونها انسحابًا منه.[16]
من زاوية أخرى، يقدّم سيف الإسلام عيد، في ورقة بحثية قدّمها في جامعة كوبنهاغن، تفسيرًا مكمّلًا لتراجع الزخم الناشطي من منظور طلاب الإخوان، يتمثّل في تآكل الأفق السياسي مع مرور الوقت، حتى بدا لكثير من الطلبة أن الاحتجاج يفتقر إلى الجدوى. ويُضاف إلى ذلك استهداف الدولة لقيادات الصفين الأول والثاني في الحركة الطلابية، إلى جانب خروج عدد من الكوادر الأكثر تشبّعًا بروح الثورة من الجامعة، بسبب الاعتقال أو الفصل أو التخرج، خصوصًا مع نهاية عام 2017. [17]
الجامعة المصرية والجمهورية الجديدة: هل فقدنا السياسة؟
أعادت أحداث طوفان الأقصى وجريمة الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل في غزة طرح السؤال الذي أثارته الكاتبة في دراستها: ما سبب غياب الفعل السياسي الطلابي؟، خاصةً أن تاريخ الجامعات المصرية، حتى في ظل الأنظمة السلطوية، كان يحمل دومًا مساحة واسعة للتضامن مع القضية الفلسطينية في لحظات أقل فداحة من هذه. صحيح أنّ هناك بعض التحركات التي ظهرت داخل الجامعات، لكنها قُمعت سريعًا وبشدة، وهو ما يفسّر جانبًا من المشهد، دون أن يحيط به كاملًا. فالقبضة الأمنية تشرح جانبًا مهمًا، لكنها لا تكفي بذاتها إذا وضعنا في الاعتبار أن طلابًا في دول أخرى واجهوا قيودًا أمنية ثقيلة ومع ذلك استمرّت موجات احتجاجهم بأشكال متعددة.
يأتي الفصل الأخير في الكتاب، الذي كتبت رمزي أجزاءً منه بعد انتهاء عملها الميداني وحتى بعد حصولها على الدكتوراه، ليقدّم محاولة لصياغة إجابة أكثر تركيبًا. فبحسب قراءتها، لم يكن الأمر مجرد قمع يُنهي السياسة، بل إعادة تشكيل للمشهد الطلابي داخل الجامعة، عبر تلاقي مسارين، أولهما سعي النظام إلى بناء سياسة للشباب تُنتج نموذج "الشاب الجيد" وتقدّمه رمزيًا، وحرص قطاعات من الأنشطة الطلابية، لا سيما الممتدة منذ عهد مبارك، على تأمين القبول المؤسسي والاستمرارية بعد سنوات من الصدام بين الإدارات الجامعية والطلاب.[18] وبذلك، عاد التركيز تدريجيًا على خطاب التنمية الذاتية وصقل المهارات ليتصدر المشهد، مكرسًا صورة المواطن الجيد الذي يضع التنمية الاقتصادية والكفاءة الفنية فوق المعارضة السياسية، بينما فتحت الدولة مساحات محدودة ومراقَبة عبر مؤسسات رسمية، مثل وزارة الشباب والرياضة ومؤتمرات الشباب، في مقابل إغلاق مساحات أخرى.
غير أن ما يغيب عن الكتاب، بحكم حدود الدراسة وتوقّف العمل الميداني عند أيار/ مايو 2015، وهو ما تشير إليه رمزي بوعي في الخاتمة،[19] هو جيلٌ كامل دخل الجامعة بعد تجفيف منابع السياسة، وفي ظل تصاعد أزمات اقتصادية أعادت ترتيب الأولويات. وأنتمي أنا إلى هذا الجيل؛ وأتذكّر زميلًا انتقد حديثي عن تسليع التعليم، قائلًا ببساطة إنه يريد وظيفة بعد التخرّج كي لا يُدفَع إلى عمل متدنٍ، وأن السياسة لم تعد ذات معنى في هذا الزمن.
يُضاف إلى ذلك عامل لا يقل أهمية، يتمثّل في انقطاع الاتصال الجيلي الذي كان ينقل خبرة السياسة داخل الجامعة، إلى جانب غياب حاضنة سياسية خارجها. ويتجلّى هذا بوضوح في شهادات طلابية، منها ما يرويه حسام محمود، الطالب في كلية الإعلام، الذي فُصل بسبب ارتباطه بأنشطة داعمة لفلسطين خلال أحداث "طوفان الأقصى"؛ إذ يشير إلى أن من أكبر العقبات التي واجهوها عند محاولة التحرّك من أجل فلسطين غياب من يعلّمهم كيف تُمارَس السياسة داخل الجامعة.[20]
لذلك، رغم أننا لا نستطيع الادعاء أن السياسة غابت تمامًا عن الجامعات اليوم، سواء بالاستناد إلى ملاحظات رمزي في هذا الفصل، أو إلى المقولة المأثورة لميشيل فوكو: "أينما وُجدت سلطة وُجدت مقاومة"، فإن الكتاب يدفعنا للتفكير في شكل هذه السياسة كما تُمارَس الآن، وفي شروطها الجديدة. ويزداد هذا السؤال إلحاحًا في ظل التحولات الكبيرة التي يشهدها التعليم العالي في مصر، خاصة مع التوسّع في الجامعات الأهلية،[21] إذ بلغ عددها 32 جامعة بحلول عام 2025، أُنشئ 29 منها خلال السنوات الخمس الأخيرة، مقابل 28 جامعة حكومية تأسست على مدى عقود. ويعني هذا التوسع، ولا سيما مع امتداده إلى محافظات مختلفة وتخفيفه نسبيًا من مركزية القاهرة، أن النمط النيوليبرالي للتعليم العالي لم يعد محصورًا في المركز، وأن أثره على السياسة الطلابية سيظهر بأشكال جديدة خلال السنوات القادمة.
ومن هنا تبرز حدود أخرى تفتح المجال لأسئلة بحثية لاحقة، من بينها مركزية القاهرة في الإطار المكاني للدراسة، وغياب التحليل الجندري للفروق في الأدوار السياسية وفق النوع الاجتماعي، خاصة مع وجود إشارات في أعمال مثل ورقة سيف الإسلام عيد إلى خصوصية دور طالبات جامعة الأزهر وأنماط معيّنة من الناشطية السياسية في فترات سابقة. وهذه الحدود، وإن كانت متوقعة في أي عمل بحثي فردي، لا تقلّل من قيمة الكتاب، بقدر ما تحفّز على توسيع زاوية النظر، والتأمل بشكل أعمق في السياسة داخل الجامعة المصرية اليوم بعدما تقوقعت من جديد، وتحوّلت من فعل علني إلى أشكال أكثر التباسًا، تختبئ تحت طبقات كثيفة من المراقبة الذاتية والتكيف مع السياق السياسي القائم.
[1] تعبّر وجهات النظر الواردة في هذا النص عن آراء كاتبها، ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر منصة "الصالون".
يوسف حاتم: باحث في العلوم السياسية، مهتم بقضايا التسييس في المنطقة العربية.
[2] Michele Dunne and Katie Bentivoglio, “Egypt’s Student Protests: The Beginning or the End of Youth Dissent?,” Diwan (blog), Carnegie Endowment for International Peace, October 22, 2014, accessed January 1, 2026.
[3] Farah Ramzy, Egyptian Students and Politics beyond Protest (Oxford: Oxford University Press, 2025).
[4] Ibid.p24-25.
[5] Ibid.p25
[6] Ibid.p71.
[7] Bill Readings, The University in Ruins (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1996).
[8] Farah Ramzy, Egyptian Students and Politics beyond Protest, p 49-50.
[9] Ibid.p50-54.
[10] Ibid.p74-82.
[11] Ibid.p80-86.
[12] Ibid.p10.
[13] Ibid. p 90-95.
[14] Ibid. p 138-161.
[15] Ibid. p 94-95.
[16] Ibid. p 130-132.
[17] Saif Alislam Eid, “Resistant Students: Pathways of Student Activism in Post-Arab Spring Egypt/Copenhagen University,” YouTube video, posted October 10, 2021, accessed January 2, 2026, https://www.youtube.com/watch?v=dKaC2e5V9CI.
[18] Farah Ramzy, Egyptian Students and Politics beyond Protest, p175-185.
[19] Ibid. p193.
[20] أحمد البيقاوي، "كيف تُشعل فلسطين طلبة الجامعات المصرية؟ | حسام محمود | بودكاست تقارب | 199"، فيديو على YouTube، مدة 1 ساعة و20 دقيقة، نُشر في 4 كانون الأول/ ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 2 كانون الثاني/ يناير 2026، https://www.youtube.com/watch?v=U27gsn8CTmg.
[21] الجامعة الأهلية هي مؤسسة تعليمية تُنشئها الدولة، وتفرض رسومًا دراسية مرتفعة لتغطية تكاليف التشغيل بالكامل، مع تأكيد الجهات الرسمية أنها غير هادفة للربح. للمزيد حول هذا النوع من الجامعات، يُنظر إلى: عماد مبارك، "الجامعات الأهلية في مصر: من الحق في التعليم إلى امتياز مدفوع الثمن"، نُشر في 5 تموز/ يوليو 2025 على موقع "زاوية ثالثة"، https://zawia3.com/edu-2/.