بين صفحات الكتب: السودان في مرآة تحوّلاته
نُسلّط الضوء في "بين صفحات الكتب" على إصدارات حديثة تتناول قضايا المنطقة العربية ومحيطها الجغرافي، إلى جانب أعمال تقترب من تجارب عالمية تتقاطع معها ثقافيًا وأدبيًا. ونقدّم في كل عدد قراءات أولية لكتب يجمعها محور أو ثيمة مشتركة، وتفتح نقاشات تمتد إلى السياسة والاقتصاد، والمجتمع، والثقافة، والتاريخ.
ويني عمر [1]
توفّر هذه الكتب مداخل مهمة لفهم السودان من زوايا اقتصادية وسياسية، إذ تستند إلى دراسات متعمقة تاريخيًا وتحليلات تمتد بين الحاضر والماضي. وصدرت هذه الكتب خلال السنوات الخمس الأخيرة، بما يسهم في تقديم قراءة راهنة للسياق السوداني، من دون أن تفصل الواقع الراهن عن التاريخ والبنى الاجتماعية والاقتصادية المحلية والعالمية التي أسهمت في تشكيله، بما يتيح فهمًا أعمق للواقع السياسي والاقتصادي في السودان.
يستعرض هذا العدد ستة كتب موزعة على ثلاثة محاور؛ يركز كتابان في المحور الأول على عمليات بناء السلام والعمليات السياسية في السودان، ويحللان أدوار المؤسسات الإقليمية والفاعلين الدوليين فيها. ويتناول كتابان في المحور الثاني الثورة السودانية (2018–2019) من منظورات توثيقية وتحليلية كاشفة، فيما يركز كتابان في المحور الثالث على الاقتصاد السياسي وتتبع التحولات التي شكّلت المشهد الاقتصادي الراهن.
الحرب وعمليات بناء السلام
الوساطة الأفريقية

Alex de Waal and Willow Berridge, The Sudans: Africa's Search for Peace, Democracy, and Two Viable States, Cornell University Press, 2026
يقدّم كتاب "السودانان: مسعى أفريقيا إلى السلام والديمقراطية ودولتين قابلتين للاستمرار" توثيقًا تفصيليًا لجهود الاتحاد الأفريقي والآلية الأفريقية رفيعة المستوى التي شكّلها للسودان. ويصف الكاتبان أليكس دي وال وويلو بريدج هذه الآلية بأنها الأكثر استدامة والأكثر طموحًا خلال 25 عامًا منذ تأسيس الاتحاد الأفريقي. وعملت الآلية، منذ آذار/مارس 2009، على دارفور في البداية، ثم امتد عملها ليشمل عددًا من القضايا، منها انتخابات عام 2010 والاستفتاء على مصير جنوب السودان، وهي العملية التي أفضت إلى استقلال دولة جنوب السودان. كما أدت دورًا في التوسط لحل الخلافات التي نشأت بين الدولتين حول النفط والحدود ومسألة الجنسية، وعملت ميسّرًا للحوار الوطني الذي بدأ عام 2014.
يجعل التوثيق الدقيق الذي يقدمه الكتاب منه مصدرًا مهمًا للدارسين/ات والمهتمين/ات بعمليات السلام وتاريخ السودان، كما يقدم قراءة مهمة لتجربة الاتحاد الأفريقي ودوره كمؤسسة إقليمية في عمليات بناء السلام. وبالرغم من أن أحد دوافع تأسيس هذه الآلية كان مرتبطًا بمذكرة الملاحقة القضائية التي صدرت في حق الرئيس السوداني المعزول عمر البشير، فإنها سرعان ما انخرطت في أدوار أوسع تتعلق بالأزمة في دارفور وغيرها من القضايا السودانية. وفي الفصل الأخير، يتتبع الكاتبان ما حدث بعد عقد من انتهاء أعمال الآلية.
ويشير الكتاب أيضًا إلى النهج المُسيّس الذي اتبعه الاتحاد الأفريقي، مقارنةً بالتوجهات التقنية التي اتسمت بها تدخلات ووساطات قادتها قوى غربية. غير أن هذا التوجه، رغم تركيزه على الجانب السياسي، أبقى مجال التفكير والتفاعل محصورًا في النخبة السياسية والسلطة الحاكمة وداخلها آنذاك، ولم يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، بحيث غابت الرؤى السياسية التي تعبّر عن الناس عن مقاربة الاتحاد الأفريقي وآليته في ذلك الوقت.
في المقابل، تكشف تجربة الآلية الأفريقية رفيعة المستوى عن حدود وإمكانات الاتحاد الأفريقي كمؤسسة إقليمية في حلحلة التحديات التي تواجه الدول الأفريقية، خصوصًا في ظل غياب النظر بشكل بنيوي ومتجذر إلى القضايا التي تقف وراء هذه التحديات.
عسكرة السياسة

Sharath Srinivasan, When Peace Kills Politics: International Intervention and Unending Wars in the Sudans, Oxford University Press, 2021
كيف يمكن لبناء السلام أن يُخرب السياسة بدلًا من أن يجعلها تزدهر؟ هذا ما يحاول كتاب "حين يقتل السلام السياسة: التدخل الدولي وحروب لا تنتهي في السودانين" الإجابة عنه من خلال تتبع مسار الحرب وعمليات بناء السلام في السودان، ودور الفاعلين الخارجيين، تحديدًا، في هذه العمليات.
يخلص الكتاب إلى أن عمليات السلام فشلت مرارًا وتكرارًا لأنها كافأت العنف، وهمّشت السياسة المدنية، وتعاملت مع الصراع كمشكلة تقنية، بدلًا من فهمه والتعاطي معه كمشكلة سياسية. وينطبق هذا التحليل على كل من السودان وجنوب السودان، من خلال تتبع عمليات السلام التي شهدتها الدولتان الجارتان.
وقاد التعاطي التقني مع الحرب، بدلًا من فهمها من منطلق سياسي، إلى اتفاقية السلام الشامل (2005–2011)، التي يصفها الكاتب بأنها قدمت فهمًا تبسيطيًا ومختزلًا للأزمة في السودان، وحوّلت العملية إلى شأن ثنائي بين الحكومة وقتها والحركة الشعبية لتحرير السودان والجيش التابع لها، متجاهلة الأزمات المتتابعة في أقاليم السودان الأخرى، بما فيها الأزمة التي تكشفت في دارفور في ذلك الوقت.
ويكشف نموذج جنوب السودان، الذي سيطرت عليه سياسيًا بعد استقلاله طبقة سياسية عسكرية، أيضًا عن مآلات عمليات السلام التي تركّز على الفاعلين العسكريين؛ إذ كانت هذه الطبقة نفسها تحتكر تمثيل مواطني جنوب السودان سياسيًا، وتحظى بموقع مركزي في عمليات السلام والامتيازات المرتبطة بها.
ويقدم الفصل الأخير في الكتاب حجته الأساسية: السياسة المدنية هي التي تقود إلى السلام. ومن خلال الفعل المدني والسلمي، والخيال السياسي الذي شكلته ثورة ديسمبر (2018–2019)، أصبح تخيّل سلام ينطلق من مصالح الناس ومن خلالها ممكنًا، رغم التخريب الذي مارسته النخبة السياسية المدنية والعسكرية تجاه نموذج السلام الأخير، المتمثل في اتفاق جوبا للسلام عام 2020.
يقدم الكتابان شاهدًا على العوائق التي يضعها التدخل الخارجي أمام عمليات بناء السلام، والتي تجري عادةً عبر إبعاد الأصوات المدنية والأصوات التي تعبّر عن مصالح الناس المتأثرين/ات بالصراعات، لصالح حملة السلاح والسلطويات الحاكمة. كما يقدمان قراءة لكيفية إسهام عمليات السلام المصنوعة من أعلى في عسكرة الحياة السياسية، بدلًا من نزع العسكرة عن الفاعلين السياسيين الذين يحملون السلاح.
الثورة والحراك الشعبي
التفكير في الثورة عبر عدسة العدالة

Barbara Casciarri, Alice Franck, and Mohamed A.G. Bakhit, eds., The Revolution Continues: December’s Long March for a Fairer Sudan
Palgrave Macmillan, 2026
يُعدّ كتاب "الثورة مستمرة: مسيرة ديسمبر الطويلة من أجل سودان أكثر عدلًا"، الصادر حديثًا في مايو/أيار 2026، إسهامًا مهمًا في تحليل وتوثيق ديناميات الثورة السودانية (2018–2019). وتتوزع موضوعاته على مباحث متنوعة، تشمل إعادة التفكير في مسألة التنوع والهامش والمركز في ضوء الأجندة التي طرحتها ثورة ديسمبر، وارتباط الثورة بما سبقها من حراكات شعبية في تشرين الأول/أكتوبر 1964 ونيسان/أبريل 1985. كما يركز أكثر من فصل في الكتاب على بروز الممارسات الفنية الثورية في سياق التعبئة السياسية وتطوير الرسائل السياسية للثورة، وعلى إعادة امتلاك الفضاءات العامة، وعودة النقاشات حول الحق في الأرض والحق في المدينة إلى صدارة الأجندة السياسية. ويضم الكتاب أيضًا كتابات تركز على النضالات التي تحدت هياكل اللامساواة، من الفاعلية السياسية للنساء في ولاية الجزيرة، إلى قضايا الرحل والهوامش الحضرية ومجموعات النيقرز، والتوسع الرأسمالي في شرق السودان.
يدفع الكتاب الحديث عن اللامساواة والفوارق الاجتماعية إلى صدارة النقاش حول الثورة السودانية، من خلال التركيز على العدالة بأشكالها المكانية والبيئية والاجتماعية. وتتناول الكتابات قضايا تتعلق بالموارد، كالمياه وسبل الوصول إليها، والذهب وعمليات التعدين وآثارها البيئية، والمساحات العامة والأراضي. كما تُطرح قضايا العدالة والمساواة باعتبارها بنى وفوارق دفعت بالناس نحو الثورة، وكذلك باعتبارها مخيالًا سياسيًا لما يمكن بناؤه والعمل عليه ضمن أجندة ثورية.
وعبر مداخل متنوعة وعابرة للتخصصات، تجمع بين الأنثروبولوجيا والجغرافيا واللسانيات والقانون، ومنها المباحث الإثنوغرافية، يقدم الكتاب زوايا متعددة للتفكير والتحليل في 14 فصلًا إضافةً إلى 10 كتابات قصيرة/مركّزة، كتبها باحثون/ات وأكاديميون/ات من السودان ومن جغرافيات أخرى، يقع السودان ضمن اهتماماتهم البحثية. وتحضر في الكتاب، بصورة توثيقية وتحليلية، عبر أجزاء الكتاب، فصولٌ عن التحولات السوسيو-مكانية التي صاحبت الثورة، والحب والزواج وتحدي الأطر الأبوية في تشكيل الأسرة، وأجندة العدالة الانتقالية التي طُرحت في فترة الثورة وما بعدها. شملت الكتابات القصيرة المركزة تتبعًا لقضايا التعدين والمياه والبيئة، والاحتجاجات المرتبطة بهذه القضايا، وقضايا القبيلة والتنوع، والقاموس اللغوي الذي أنتجته الثورة، والخطابات التي هدفت إلى إبراز التنوع والوحدة، ولجان المقاومة، وشهداء ديسمبر وموقعهم الدائم في الذاكرة الجماعية. ويؤكد الكتاب أهمية التفكير في الثورة كصيرورة، لا كأحداث متقطعة، ويقدمها من أسفل، أي من خلال القضايا والفاعلين السياسيين والجغرافيات التي لطالما غابت عن التفكير السياسي والبحثي.
الثورة والحراك الشعبي

Willow Berridge, Justin Lynch, Raga Makawi, and Alex De Waal, Sudan's Unfinished Democracy: The Promise and Betrayal of a People's Revolution, Hurst Publishing, 2022
انطلاقًا من ثورة ديسمبر (2018–2019)، وعودةً إلى الثورات السودانية السابقة، ثورة أكتوبر 1964 وثورة أبريل 1985، يفحص كتاب "ديمقراطية السودان غير المكتملة: وعد ثورة الشعب وخذلانها" أشكال هذه الثورات الشعبية، ويحاول مقاربة أسباب عدم نجاحها في تحقيق أهدافها.
وعبر سرد تاريخي وتحليلي في ستة فصول، يتتبع الكتاب بدايات تشكّل الحراك، وكيف تشكّل تجمع المهنيين السودانيين وقاد الثورة، وكيف كانت هذه اللحظة الثورية امتدادًا لتراكم حراكات وأشكال من التنظيم النقابي والمهني والطلابي على مدى سنوات.
في الفصل الثالث من الكتاب، نشهد تحرّك القوى المضادة للثورة في سعيها لعقد صفقة تُبقيها وتُبقي مصالحها. لخص الكتاب لحظة انعقاد الشراكة المدنية-العسكرية بشكل جليّ: "في آب/ أغسطس 2019، كان السودان عالقًا بين الثورة والثورة المضادة. تمثلت التسوية في عيش مشترك بين المدنيين الراغبين في تغيير السودان والجنرالات الذين اعتبروا المظهر الديمقراطي واجهةً لتبرير استمرار ممارستهم للسلطة الفعلية".
أما الفصل الرابع، فسرد تجربة الحكم بعد توقيع الوثيقة الدستورية، وتفاصيل اتفاق سلام جوبا (2020)، وأزمة كوفيد-19، والصراع على الحدود مع إثيوبيا، وغيرها من الأزمات التي زادت من قبضة الجناح العسكري على الحكم مرةً تلو الأخرى.
يعيدنا الفصل الخامس إلى تاريخ الانتفاضات والهبات الشعبية في السودان، من خلال فحص أوجه الشبه بين ثورة ديسمبر وثورتي أكتوبر وأبريل، وصولًا إلى لحظة سقوط نظام البشير والاقتصاد السياسي الذي حفّز اندلاع الثورة نفسها. ويوظف الفصل في ذلك الإطار الذي اقترحه دي ووال حول السوق السياسي، والسياسة النفعية والتبادلية التي وسمت تشكّلات السياسة النخبوية وديناميات التحالفات في فضاءاتها. ويوضح التحول الجليّ الذي تبلور في ثورة ديسمبر، إذ تغيّر الانقسام القديم بين المعارضة السلمية في المركز والتمرد المسلح في الأطراف، وزادت مشاركة النساء والفتيات بشكل كبير، ومعها دُفع بتحدٍّ لديناميات العلاقات الجندرية المعتادة، وتجذّرت المطالب النسوية أيضًا.
يؤدي الكتاب دورًا مهمًا في توثيق أحداث الثورة السودانية وتسلسلها حتى الانقلاب العسكري في تشرين الأول/أكتوبر 2021، مع ربطها تاريخيًا بالتحولات المماثلة التي شهدها السودان في تاريخه الحديث. كما تكمن قيمته في تقديم توثيق تحليلي لفترة زمنية قصيرة، لكنها كانت حافلة بالديناميات والدروس السياسية، ويساعدنا أيضًا، بالرغم من أن الفترة الحالية ليست مجال تركيزه، على فهم كيف ولماذا اندلعت الحرب. ومن خلال تتبع مسار الثورة وربطها بتاريخ الانتفاضات السودانية السابقة، يصل الكتاب إلى خلاصة مكثفة: الثورة السودانية لم تفشل، لكنها لم تكتمل.
المحور الثالث: الاقتصاد السياسي
اقتصاد التبعية

بندر نوري، الاقتصاد السياسي للتبعية: من الاستعمار القديم إلى الإمبريالية الاستخراجية، مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر، 2021
يُقدّم الكتاب تشريحًا مهمًا للتاريخ السياسي للتبعية في جنوب العالم، ومن ثم في السودان، ويتتبع الدور الذي أدته الرأسمالية المحلية في رسم مسار هذه التبعية، ابتداءً من دور الاستعمار في خلق طبقة برجوازية تابعة، وصولًا إلى صناعة المديونية بواسطة المؤسسات المالية الدولية.
تُقدّم الفصول الثلاثة الأولى من الكتاب تأطيرًا نظريًا لمفهوم التبعية وتمظهراتها وصعود الليبرالية الجديدة وسياسات التكيّف الهيكلي، بينما يقدّم الفصل الرابع سردًا لتاريخ صناعة المديونية وإعادة إنتاج التبعية عبرها، والفصل الخامس حول الاستعمار الثقافي، هو ربطٌ بين عمليات إعادة إنتاج التبعية في جنوب العالم عبر التعليم وعبر البرجوازيات التابعة التي صعدت إلى الحكم بعد الاستقلال.
يدلف الكتاب بعدها إلى السياق السوداني بشكل أكثر تفصيلًا؛ ففي الفصل السادس يتناول التاريخ السياسي للتبعية في السودان، والأدوار التي لعبتها الرأسمالية المحلية وأجهزة الدولة التي قمعت حركات المقاومة التي قادها صغار المزارعين والرعاة لصالح توسّع مساحات الاستثمار، وتهيئة الأجواء للاستثمار الأجنبي.
يسرد الفصل السابع تاريخ سياسات التكيّف الهيكلي في السودان، منذ أول اقتراض من البنك الدولي في 1966/1967، إثر عجز ميزان المدفوعات بعد ثورة أكتوبر 1964، وحتى ميزانية عام 2020، التي واصلت الوجهة الاقتصادية نفسها التي اتبعها النظام الذي أُطيح به. والمفارقة أن كلا الحراكين الشعبيين اللاحقين، انتفاضة أبريل 1985 وثورة ديسمبر 2018، لم يشهدا قطيعة مع هذا النموذج من التبعية، وإنما شكّلا استمرارًا لهذه التوجهات.
ويتناول الفصل الثامن تمظهرات التبعية في السودان وحصيلتها، من خلال مؤشرات اقتصادية تتيح فهم نتائج هذه السياسات على السيادة على الموارد، وتوسع قطاع الخدمات وتراجع القطاعات الإنتاجية، كالقطاعين الزراعي والصناعي، نتيجة تخلي الدولة عن دعمهما وفتح المجال أمام الاستثمار، الأمر الذي دفع فئات عديدة إلى الانسحاب من هذين القطاعين. ويظهر أثر تبني السياسات النيوليبرالية بوضوح في هذا الفصل، من خلال تتبع مؤشرات من بينها حجم الإنفاق على الخدمات الاجتماعية، كالصحة، والتوجه نحو تسليعها وتحميل المواطنين تكلفتها.
ويمثل التزايد المستمر في تصدير المواد الخام من جنوب العالم إلى شماله أحد أبرز مؤشرات التبعية الاقتصادية، وهو ما ينعكس في السودان في ارتفاع نسبة المواد الخام ضمن إجمالي الصادرات. ويشير هذا المسار إلى استمرار علاقات التبعية التي حدّت من قدرة دول الجنوب على تطوير قطاعاتها الصناعية والتحويلية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الحالة السودانية، في ظل استمرار تأثير السياسات النيوليبرالية في بنية الاقتصاد واتجاهه نحو الاقتصاد الاستخراجي. ومن هنا تأتي أهمية الكتاب في تتبع أشكال التبعية وتحولاتها، وربط آثارها التاريخية بالواقع الاقتصادي والسياسي الراهن في السودان.
أزمات متوارثة

صدقي كبلو، الاقتصاد السياسي للأزمة في السودان، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، 2024.
يُعدّ "الاقتصاد السياسي للأزمة في السودان" كتابًا مرجعيًا مهمًا في تحليل الجذور البنيوية للأزمة الاقتصادية في السودان. ويتتبع الكتاب، في سبعة فصول، تطور الاقتصاد السوداني منذ فترة الاستعمار الإنجليزي المصري عام 1899 وحتى نهايات عهد حكومة مايو عام 1985، بما يتيح فهم الطبيعة التاريخية والموروثة للأزمات الاقتصادية في السودان. ويركز الكتاب بصورة خاصة على الفترة الممتدة من عام 1973 وحتى سقوط نظام مايو في 1985.
تبرز أهمية دراسة هذه المرحلة في أنها شهدت بدء تبني السودان سياسات التكيّف الهيكلي والتحول نحو الانفتاح الاقتصادي. وكان هذا التحول أحد أسباب سقوط النظام نفسه، كما يشير الكاتب. فإلى جانب الأزمات الموروثة من البنى الاستعمارية للاقتصاد، أنتج النظام وقتها معضلات أخرى، تمثلت في تراجع المشاريع الإنتاجية القديمة، في حين لم تُنفّذ المشاريع الجديدة في الوقت المحدد، ولم يُنفّذ بعضها على الإطلاق. وفي الوقت نفسه، غرقت الدولة في المديونية، مما أسهم في تآكل مشروعية النظام وقاد إلى الانتفاضة في نيسان/أبريل 1985.
ويتخذ الكتاب من الاقتصاد الزراعي والإنتاج الزراعي مدخلًا لتتبع التحولات الاقتصادية، منذ الانتقال من الاقتصاد القائم على الكفاف إلى الاقتصاد السلعي في سياق الاستعمار الإنجليزي المصري. وفي هذا السياق، سُوِّيَت مسألة الأرض، واستُجلب العمال الزراعيون من غرب أفريقيا لخدمة هذه التوجهات الاستعمارية. كما بُنيت الصلة مع السوق الدولية من خلال الارتباط بسوق المال الدولي، عبر مشروع الخزانة البريطاني عام 1919، فقُدّمت قروض لبناء سد سنار وأعمال القنوات في مشروع الجزيرة.
وتظهر هذه العلاقات أيضًا من خلال المؤسسات الخاصة الأجنبية العاملة في السودان، كالشركة الزراعية السودانية التي أسسها الأمريكي لي هانت عام 1904، وشاركت في إنتاج القطن في الزيداب. واختيرت الشركة شريكًا مكلّفًا بإدارة مشروع الجزيرة، ومُنحت حق الحصول على 20% من أرباح مبيعات القطن. وتواصلت استثماراتها، إلى جانب استثمارات شركات أجنبية أخرى، تحت رعاية الحكومة الاستعمارية. وكما يقول الكاتب: "أرباح الشركة هي حالة كلاسيكية للفائض الاقتصادي المتولد داخل بلد ما ويتم تصديره إلى بلد آخر". ويستعين الكاتب بالوثائق الرسمية الصادرة عن وزارة الاقتصاد ووزارة المالية، إلى جانب تقارير المسوحات الاقتصادية المختلفة، مما يُضفي على الكتاب قيمة مرجعية تسهم في تتبع التحولات السياسية والاقتصادية وفهمها.
تمثلت الأزمة الاقتصادية في الأعوام 1973–1985، وهي الأعوام التي تناولها الكتاب بالتحليل، في الآثار الاقتصادية المباشرة، كانخفاض الإنتاج واختلال التوازن المالي الداخلي والتضخم المتصاعد، إضافةً إلى آثار اجتماعية، كتقليل الإنفاق الاجتماعي، وتزايد معدلات البطالة، وزيادة عدم المساواة في الدخل، بالإضافة إلى المظاهر السياسية المتمثلة في تزايد القمع والعنف السياسي.
بينما كانت أقسى آثارها هي المجاعة التي ضربت البلاد، وبحدّة أكبر الإقليم الشرقي وإقليمي كردفان ودارفور، في الأعوام 1983-1985. رفضت الحكومة في البدء الاعتراف بهذه المجاعة، رغم مؤشراتها المبكرة، ومن ثم كانت عاجزة عن توفير الإغاثة ومساعدة من تأثروا بها، مما دفعها إلى الاستغاثة بالوكالات الأممية والمنظمات الدولية. وكان لتصدير المخزون الاحتياطي من الذرة بحثًا عن النقد الأجنبي، بالإضافة إلى موجات الجفاف، تبعاته المباشرة على ظهور موجة المجاعة هذه وتوسّعها. المجاعة إذن هي قرار سياسي أيضًا.
تكشف قراءة الكتابين معًا عن امتداد علاقات التبعية الاقتصادية بين جنوب العالم وشماله من الحقبة الاستعمارية إلى الوقت الراهن، وعن استمرار انتقال الموارد والثروات من الجنوب إلى الشمال. وفي الحالة السودانية، توضح هذه القراءة كيف تداخل الإرث الاستعماري مع السياسات الاقتصادية اللاحقة، ودور الطبقات السياسية المتلاحقة في تشكيل بُنى إنتاجية وأزمات ما تزال آثارها حاضرة في الاقتصاد والسياسة حتى اليوم.
[1] تعبّر وجهات النظر الواردة في هذا النص عن آراء كاتبها، ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر منصة "الصالون".
ويني عمر كاتبة وباحثة نسوية.