ماذا تكشف رواية معصومة ابتكار عن الصراع الإيراني–الأمريكي؟
تقدّم معصومة ابتكار في كتابها "صراع في طهران" شهادة من داخل أزمة احتجاز الدبلوماسيين والموظفين في السفارة الأمريكية بطهران عام 1979، مستعيدةً تفاصيل العملية وتداعياتها التي استمرت 444 يومًا. وتروي ابتكار، التي شاركت في الاقتحام وكانت المتحدثة باسم الطلبة، تجربتها في قلب الحدث، من الاحتجاز والمفاوضات إلى محاولة الإنقاذ العسكرية الفاشلة وإنهاء الأزمة عام 1981. كما تربط الأزمة بتاريخ التدخل الأمريكي في إيران، ولا سيما انقلاب 1953، وتقدم قراءة من داخل الثورة الإسلامية لجذور الصراع الممتد بين إيران والولايات المتحدة.
وبين الذاكرة الإيرانية والأفكار التي شكّلت رؤية الثورة الإسلامية والعلاقة بالغرب، تطرح دينا عزت[1] سؤالًا محوريًا: هل يمكن فهم أزمة الرهائن بمعزل عن هذه الذاكرة وهذه الرؤية؟
أمام إحدى بوابات السفارة الأمريكية في طهران، وبعد أربعة أيام من اقتحامها في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 1979 على يد مجموعة من الطلاب الثوريين الإيرانيين، وقفت معصومة ابتكار، طالبة العلوم الهندسية والفيزيائية، في ردائها البني الفضفاض والطويل وغطاء شعرها، منتظرة أن يفتح لها أحدهم البوابة للدخول والانضمام إلى مجموعة "الطلاب المسلمين السائرين على خطى الإمام".

اقتحام البوابات، 4 تشرين الثاني/نوفمبر 1979
المصدر: Ebtekar, Takeover in Tehran, p.38
جاءت دعوة ابتكار للمشاركة في عملية احتجاز 52 من الدبلوماسيين والعاملين في السفارة الأمريكية مرتبطة بأمرين؛ أولهما إتقانها التام للغة الإنجليزية، وهي التي عاشت ودرست صبيةً في إحدى مدارس ماساتشوستس بالولايات المتحدة الأمريكية، أثناء دراسة أكاديمية لوالدها في علوم الهندسة هناك، في وقت كانت فيه إيران لا تزال تحت حكم الشاه. والثاني إيمانها التام بالثورة الإسلامية وبقيادة الإمام روح الله الخميني لها.
بهذه القصة، تقدم ابتكار روايتها عن واحد من أوائل فصول العداء والمواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت حليفًا قويًا لشاه إيران محمد رضا بهلوي، والثورة الإسلامية التي أطاحت بحكم الشاه قبل شهور قليلة من عملية الاقتحام، والتي جاءت ردًا على قرار الولايات المتحدة الأمريكية توفير ملجأ للشاه الهارب من بلاده.
تروي في كتابها، الصادر عام 2000 بالإنجليزية في نسخته الأصلية تحت عنوان يترجم حرفيًا إلى "عملية السيطرة في طهران: قصة من قلب الاستحواذ على السفارة الأمريكية في طهران عام 1979 كما روتها معصومة ابتكار لفريد إيه. ريد"،[2] تفاصيل تجربتها في تلك الأحداث. وبعد عام، صدرت الترجمة العربية للكتاب تحت عنوان "صراع في طهران".
الكتاب، الواقع في 256 صفحة في الأصل الإنجليزي، يقدم وصفًا تفصيليًا لوقائع عملية الاحتجاز، والمحاولات الفاشلة لإدارة الرئيس الأمريكي في حينه، جيمي كارتر، لممارسة الضغوط على إيران لتسليم المحتجزين، ورفض الطلاب لهذه الضغوط، والتي جرت بعض محاولاتها بمشاركة عدد من أعضاء الحكم الذي تشكل بعد رحيل الشاه، من بينهم الرئيس أبو الحسن بني صدر. ويتناول الكتاب كذلك عملية "مخلب النسر" العسكرية الفاشلة لإنقاذ الرهائن في 24 نيسان/أبريل 1980، بمشاركة إسرائيلية، ثم اضطرار الولايات المتحدة إلى القبول بالمطالب الإيرانية بناءً على اتفاقية الجزائر في أيلول/سبتمبر 1980، بما في ذلك فك تجميد 8 مليارات دولار من الأصول الإيرانية التي جُمّدت بعد الثورة الإسلامية، وإعادة ثروة الشاه المخلوع، والعدول عن أي مسعى لمقاضاة إيران على عملية الاحتجاز، وتقديم تعهدات بعدم التدخل في الشؤون الإيرانية بأي شكل، وصولًا إلى الإنهاء الكامل للاحتجاز في 20 كانون الثاني/يناير 1981.
وتكشف تفاصيل هذه المتوالية التي تحملها صفحات كتاب ابتكار، خاصة عند قراءتها على خلفية الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران التي بدأت في 28 شباط/فبراير 2026، إلى حد كبير عن الأسس الفكرية للصراع بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية. فالأمر، ببساطة، كما تكرره المؤلفة أكثر من مرة، هو صراع بين أتباع عقيدة يرون الحياة مسارًا يمضي فيه الإنسان في سياق مجموعة من التعاليم الروحية، وقوى عسكرية تعتنق الرأسمالية مذهبًا وحيدًا لا يختلف عليه من ينتمي إلى هذا الحزب أو ذاك.
وبحسب الكاتبة، فإن العجز الأمريكي الواضح عن رؤية البناء الفكري للثورة الإسلامية وأتباعها، وفهم الذهنية الإيرانية في المجمل، كان من أهم أسباب فشل إدارة جيمي كارتر، الرئيس الأمريكي في أثناء أزمة الرهائن الأمريكيين، كما كانت تُعرف في الصحافة آنذاك، في اتخاذ الخطوات السليمة للتعامل مع قرار الشعب الإيراني تأييد الثورة الإسلامية، وقرار الجموع تأييد تحرك مجموعة الطلاب لاقتحام السفارة الأمريكية في طهران.
انضمت ابتكار إلى مجموعة "الطلاب المسلمين السائرين على خطى الإمام" لتكون متحدثة باسم المجموعة، واختارت لنفسها اسم "ماري"، لأنه من أسهل الأسماء نطقًا وأكثرها قربًا إلى القلوب لدى المسلمين والمسيحيين على السواء. وكان أفراد المجموعة، الذين بلغ عددهم نحو 300 طالب وطالبة، يخاطب بعضهم بعضًا بلقبي "الأخ" و"الأخت"، في إشارة إلى روح الجماعة ووحدة الهدف التي جمعتهم. وهكذا عُرفت معصومة ابتكار خلال أزمة الرهائن باسم "الأخت ماري".
قراءة استعادية للحدث
في صفحات الفصول العشرة من كتابها، لا تقيّم ابتكار، أو "الأخت ماري"، ما حدث، ولا تحكم على صوابه أو خطئه بحسابات وخبرات أكثر من عشرين عامًا مضت بين الواقعة وكتابة الكتاب، في وقت أصبحت فيه نائبةً للرئيس الإيراني الإصلاحي الأبرز محمد خاتمي، الذي تولى الحكم في بلاده بين عامي 1997 و2005 لمدتين رئاسيتين.
ويقوم كتابها على مزيج من حوليات كانت تجد الوقت لتدوينها بإيجاز خلال مدة الـ444 يومًا، وما تتذكره هي أو يتذكره زوجها محمد هاشمي، الذي كان مشاركًا في الاعتصام. ويمثل الكتاب، من هذه الزاوية، قراءة استعادية لأهم أحداث أزمة الرهائن، وتفاصيل تقسيم الرهائن ونقلهم من مكان إلى آخر لدواعٍ أمنية، ومطالبة الإمام الخميني بالإفراج عن بعضهم لاعتبارات إنسانية في بداية الأزمة.

رجال دين أمريكيون مع معصومة ابتكار والرهينتين كاثرين كوب وإليزابيث سويفت، عيد الميلاد، 1979
المصدر: Ebtekar, Takeover in Tehran, p.14
يروي الكتاب أيضًا عملية اكتشاف الوثائق السرية، والجهد الكبير والمكثف الذي بذله مجموعة من الطلاب لترميم ما أمكن إنقاذه من الوثائق التي تحولت إلى شرائط ورقية صغيرة مكدسة، بعد استخدام آلة إتلاف الأوراق من جانب القائمين على قسم التجسس في السفارة، إثر نفاد المواد الكيميائية التي كانت تستخدم لإتلاف الأوراق في بداية الأزمة. وتقول الكاتبة إن الوثائق التي استُحوذ عليها قبل إتلافها، وتلك التي جرى ترميمها، كشفت عن مسارات للتواطؤ والتجنيد تورطت فيها عناصر من المخابرات الأمريكية داخل السفارة، بالتعاون مع شخصيات إيرانية، بهدف إسقاط الثورة الإسلامية سريعًا، وربما اغتيال الإمام الخميني أيضًا، من خلال جمع تفاصيل دقيقة عن حياته ومنزله. ولهذا، كان الطلاب يصفون مبنى السفارة بـ"عرين الجواسيس".
وبحسب روايتها، كانت عملية الترميم الأسطورية هذه سببًا إضافيًا في ترسيخ قناعة الطلاب، ولدى قطاعات واسعة من الشعب الإيراني، بحجم التغلغل الذي وصل إليه النفوذ الأمريكي في الحكم الإمبراطوري في إيران، خاصة خلال عهد محمد رضا بهلوي.
وتكرر ابتكار أن أحد أهم أسباب قيام الثورة الإسلامية في إيران وإسقاط الحكم البهلوي ارتبط بمدى خضوع هذا الحكم للتأثير الغربي. وتستعيد، ولو بإيجاز، عملية الانقلاب التي جرت في خمسينيات القرن العشرين للإطاحة بحكومة رئيس الوزراء الإيراني الوطني محمد مصدق، بعد تأميمه النفط الإيراني ومسعاه إلى الحد من النفوذ البريطاني في إيران. وفي سياق هذه الواقعة، تتذكر هروب الشاه خارج البلاد، بينما نفذت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية خطة للإطاحة بمصدق وإعادة الشاه إلى الحكم لإسقاط قرارات مصدق الوطنية. وتقول إن "الطلاب المسلمين السائرين على خطى الإمام" كانوا يتوجسون، منذ لحظة إعلان الولايات المتحدة تقديم اللجوء إلى الشاه، من احتمال الإعداد لخطة مماثلة. ومن هنا جاء قرار التحرك لإرسال إنذار واضح إلى الإدارة الأمريكية بالتوقف عن التدخل في الشأن الإيراني. وتقول: "إن الوقت قد حان لتتوقف الولايات المتحدة عن التعامل مع إيران من موقف القوة والسلطة"، وهي الفكرة ذاتها التي ترد في مقدمة الكتاب التي كتبها موسوي خوئيني، السياسي الإيراني البارز المقرب من مجموعة "الطلاب المسلمين السائرين على خطى الإمام".
كما تؤكد مرارًا في كتابها أن أحدًا من الطلاب لم يكن يتوقع ألا تكون للعملية عواقب، لأن الجميع كان مؤمنًا ببساطة بأن "الاستقلال الحقيقي لا يأتي إلا بثمن باهظ". كما أن الشعب الإيراني، وليس الطلاب وحدهم، كان قد سئم خضوع مقدراته للغرب، بما في ذلك السعي الشاهنشاهي إلى إخراج الثقافة الإيرانية من أصلها وإضفاء ظلال غربية عليها، لم تكن، بحسب روايتها، مستساغة لدى قطاعات واسعة من الشعب الإيراني، باستثناء من تشير إليهم بالمنتمين إلى الفكر اليساري، والمقربين من الفكر الغربي، والزمرة المستفيدة من الفساد المتجذر في حكم الشاه.
إيرانيون يتظاهرون تأييدًا للطلاب
المصدر: Ebtekar, Takeover in Tehran, p.192
الثورة من منظور إيراني
في الكتاب، تقارب ابتكار بعض التصورات الشائعة في قطاعات غربية واسعة عن الثورة الإيرانية. فتوضح، على سبيل المثال، أن الثورة ارتبطت بالثقافة الإيرانية القائمة، في جانب كبير منها، على الاعتقاد الديني لدى قطاعات واسعة من الشعب، كما ارتبطت برفض سياقات الفساد والإفقار التي تسبب فيها الحكم الإمبراطوري.
تتناول أيضًا مسألة الحجاب الذي تلتزمه، كما تفعل نساء متدينات وأخريات ينتمين إلى الفكر الاجتماعي المحافظ. وتوضح أنها، على خلاف التصور الغربي الشائع، لا ترى في الحجاب تقييدًا لحرية المرأة، وترى فيه وسيلة تمنحها مساحة من الحرية بعيدًا عن التنمر والتحرش على أساس النوع. وتربط هذا التصور بمشاركتها في الاعتصام إلى جانب "الأخوات" و"الإخوان"، معتبرة أن حضور النساء جنبًا إلى جنب مع الرجال في هذا التحرك يعكس، من وجهة نظرها، معنى المساواة في التصور الإسلامي.
وفي السياق نفسه، تتوقف ابتكار عند مكانة الدين ورجال الدين في المجتمع الإيراني. فمع تأكيدها حضور الإمام الخميني كأحد أبرز ملهمي الثورة، توضح أن رجال الدين كانوا حاضرين في المجتمع الإيراني منذ وقت طويل، وأنهم حظوا باحترام قطاعات واسعة من الشعب. وتشير كذلك إلى أن علي شريعتي سبق الخميني في طرح الخيار الإسلامي طريقًا للتحرر والارتقاء، من خلال ما سماه "تحطيم كل الأصنام الدنيوية". وتقول: "لقد كان شريعتي فعليًا مؤمنًا بأن حتى الشعائر الدينية لها هدف فلسفي متعلق بالحياة، وبالطريقة التي نعيش بها الحياة، والخيارات التي نذهب إليها في حياتنا".
في رحلة الاسترجاع هذه، لا تبدو ابتكار ساعية إلى امتلاك الحقيقة أو إصدار حكم نهائي على قرار الاقتحام، صوابًا كان أم خطأ. تقول إن الطلاب والطالبات أرادوا "ببساطة أن يستمع العالم إلى صوتهم"، وتتذكر أن ما حدث بدا مربكًا، وربما غير قابل للتصديق، حتى للطلاب أنفسهم؛ فقد انتاب المسؤولين عن غرفة الأخبار في التلفزيون الإيراني ذهول عندما اتصل الطلاب للإبلاغ عن اقتحام السفارة والسيطرة عليها.
وبعد نحو واحد وعشرين عامًا على اقتحام السفارة، تستعيد ابتكار تلك اللحظة في كتابها لتضع الحدث في سياقه وتفسر الدوافع التي قادت الطلاب إلى الاقتحام، من دون الانشغال بإصدار حكم نهائي على صوابه أو خطئه. وفي مقدمة الكتاب وخاتمته، توسّع هذا المعنى، فتقول إن الهدف من الكتاب هو المشاركة في حوار أوسع حول إمكانية بناء علاقة قائمة على الندية والاحترام بين الشعبين الإيراني والأمريكي، وبين الحكومتين الإيرانية والأمريكية. وترى أن ذلك يمكن أن يتحقق عندما يدرك القائمون على الحكم في الولايات المتحدة أن القوة المادية، مهما عظمت، ليست قادرة أبدًا على هزيمة القوة الروحية.
[1] تعبّر وجهات النظر الواردة في هذا النص عن آراء كاتبها، ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر منصة "الصالون".
دينا عزت صحافية مصرية.
[2]معصومة ابتكار، صراع في طهران: القصة الحقيقية لاحتلال السفارة الأميركية عام 1979، ترجمة: باسم شاهين (لبنان: دار الهادي، 2001).
Ebtekar, Massoumeh, and Fred A. Reed. Takeover in Tehran: The Inside Story of the 1979 U.S. Embassy Capture. (Burnaby, B.C.: Talonbooks, 2000).