السياسات العامة وتحوّلات الدولة في الخليج
يُقدّم كتاب "السياسات العامة في دول الخليج في زمن التحديات المتسارعة والمعقّدة" دراسةً جماعيةً متعدّدة التخصّصات لصناعة السياسات العامة في دول مجلس التعاون الخليجي، تَنطلق من سؤالٍ مركزيٍّ حول إعادة تشكُّل الدولة الخليجية في ظلّ التنويع الاقتصادي والتحوّلات الجيوسياسية والرؤى الوطنية بعيدة المدى، وتَطرح مفاهيم تفسيريةً تنبع من السياق المحلي مثل "الدولة الاستراتيجية" و"الدولة المُدارة عائليًا" بديلًا عن النموذج الريعي التقليدي.
فكيف يقرأ محمد عبد الرزاق حسين[1] إعادة تشكّل الدولة الخليجية في ضوء تحوّلات السياسات العامة، وانتقالها إلى أنماط أكثر استراتيجية في الإدارة والحكم؟
صدر كتاب "السياسات العامة في دول الخليج في زمن التحديات المتسارعة والمعقّدة"[2] ضمن سلسلة الدراسات الخليجية عن دار سبرنجر ناتشر في مطلع عام 2026، بتحرير د. تامر قرموط، ود. عصمت زيدان، ود. بول جويس. ويضمّ الكتاب مجموعةً من الدراسات والمقالات البحثية التي تتناول قضايا السياسات العامة والحوكمة والتحوّل الاقتصادي والاجتماعي في دول مجلس التعاون الخليجي. ويُشارك فيه عددٌ من الأكاديميين والباحثين المتخصّصين في حقول السياسات العامة والإدارة العامة والاقتصاد السياسي والدراسات الخليجية، ممّا يمنحه طابعًا متعدّد التخصّصات يجمع بين التحليل النظري ودراسات الحالة التطبيقية.
ينطلق الكتاب من فرضيةٍ أساسية مفادها أن الخليج يعيش مرحلةَ إعادةِ تشكُّلٍ عميقة تمسّ طبيعة الدولة ووظائفها وأدوات تدخُّلها، وذلك في ظلّ ضغوط التنويع الاقتصادي، والتحوّلات الجيوسياسية، والتغيّرات الاجتماعية المتسارعة، وصعود الرؤى الوطنية بعيدة المدى مثل "رؤية السعودية 2030" و"رؤية قطر الوطنية 2030" و"رؤية عُمان 2040". ومن هنا، يحاول الكتاب تقديم قراءةٍ تتجاوز الاختزال التقليدي للخليج بوصفه فضاءً نفطيًا أو ريعيًا فقط، ليطرح سؤالًا أوسع يتعلّق بكيفية صناعة السياسات العامة داخل دولٍ تسعى إلى الانتقال نحو نماذج أكثر استراتيجيةً وتعقيدًا في الحُكم والإدارة والتنمية.
من الدولة الريعية إلى الدولة الاستراتيجية
يأتي الكتاب في لحظةٍ تشهد فيها دول الخليج تحوّلًا مركّبًا يتخطى البعد الاقتصادي، ليصل إلى إعادة تعريف الدولة نفسها ووظائفها وأدوات تدخّلها، فضلًا عن علاقاتها بالمجتمع والسوق والعالم. ويتجاوز في مناقشته للسياسات العامة مجرد كونها إجراءاتٍ إداريةً أو برامجَ حكوميةً، لينظر إليها باعتبارها تعبيرًا عن تحوّلاتٍ أعمق تمسّ مختلف جوانب المجتمع والدولة."
تُشير الأدبيات المتخصّصة إلى أنّه منذ بدايات تشكُّل الدولة الخليجية الحديثة، ارتبطت شرعيّتها إلى حدٍّ كبير بالقدرة على توزيع الرَّيع وإدارة الوفرة الاقتصادية. وقد أنتج ذلك ما يُعرف في الأدبيات بـ"الدولة الرَّيعية"، أي الدولة التي تستمدّ جزءًا كبيرًا من مواردها من الخارج لا من الضرائب الداخلية، ممّا يجعل علاقتها بالمجتمع مختلفةً عن النماذج الغربية الكلاسيكية التي تَشكّلت عبر الصراع الضريبي والتمثيل السياسي.
ينطلق الكتاب من فرضيةٍ ضمنية تقول إن هذا النموذج لم يَعُد كافيًا لتفسير الخليج المعاصر؛ فدول الخليج لم تَعُد تكتفي بكونها دولًا ريعيةً توزّع الثروة، لتسعي اليوم إلى إعادة تشكيل نفسها بوصفها دولًا استراتيجية تمتلك رؤى بعيدة المدى، وتبني قدراتٍ إداريةً ومؤسسيةً وتقنيةً لإدارة التحوّل الاقتصادي والاجتماعي. ومن هنا تأتي أهمية تركيز الكتاب على الرؤى الوطنية الكبرى كرؤية قطر الوطنية 2030، ورؤية السعودية 2030، ورؤية عُمان 2040[3] باعتبارها ليست مجرّد وثائق تخطيطية، بل أدواتٍ لإعادة تعريف وظيفة الدولة ذاتها.
هذه النقطة تحديدًا تُقرّب الكتاب من أطروحات بول جويس حول "الدولة الاستراتيجية"، حيث تصبح الدولة قادرةً على التفكير بعيد المدى، وربط السياسات العامة بالأهداف التنموية، والتحرّك خارج منطق ردّ الفعل الآني. غير أن الكتاب يذهب أبعد من ذلك، حين يربط هذه التحوّلات بالسياق الخليجي الخاص: دولةٌ قوية مركزيًا، تمتلك فوائض ماليةً ضخمة، وتتحرّك في بيئةٍ جيوسياسية مضطربة، وتسعى في الوقت ذاته إلى إعادة بناء اقتصادها ومجتمعها.
يَدفع الكتاب باتجاه فكرة أن الدولة الخليجية ليست مجرّد نسخةٍ متأخّرة من الدولة الغربية، وإنما نموذجٌ مختلف له منطقه الخاص. وهذا الاشتباك مهمٌّ، لأنه يواجه بصورة غير مباشرة كثيرًا من الأدبيات الغربية التي تعاملت مع الخليج لعقودٍ بوصفه فضاءً مؤقّتًا أو استثنائيًا أو غير قابلٍ للاستمرار، بسبب اعتماده على النفط والعمالة الأجنبية وضعف المشاركة السياسية.
غير أن الكتاب لا يقع بالكامل في خطاب الاحتفاء؛ إذ يعترف بأن التحوّل نحو "الدولة الاستراتيجية" يواجه تناقضاتٍ عميقة. فالتنويع الاقتصادي، رغم كلّ الخطط والرؤى، ما زال يصطدم بالبنية الريعية نفسها. والقطاع الخاص الخليجي كما تُشير بعض فصول الكتاب لم يتحوّل بعدُ إلى قطاعٍ مستقلٍّ بالكامل عن الدولة، وإنما لا يزال يعتمد بصورةٍ كبيرة على الإنفاق الحكومي والعقود العامة. كما أن التحوّل نحو اقتصاد المعرفة يصطدم بتحدّياتٍ مرتبطة بسوق العمل والتعليم والاعتماد المستمرّ على العمالة الوافدة.
من أكثر الأفكار إثارةً في الكتاب تلك المتعلّقة بمفهوم "الدولة المُدارة عائليًا". فالفصل المخصَّص لهذا الموضوع يحاول إعادة قراءة الدولة الخليجية بعيدًا عن ثنائية "الديمقراطية/الاستبداد" التقليدية، ليقترح أن جزءًا من نجاح هذه الدول يعود إلى نمطٍ حوكميٍّ خاصٍّ يقوم على القيادة المركزية وشبكات الثقة والروابط العائلية[4]. وتفتح هذه الفكرة بابًا واسعًا للاشتباك مع نظريات الدولة والحوكمة؛ فبينما تنظر الأدبيات الغربية التقليدية إلى البيروقراطية العقلانية بوصفها النموذج الأمثل للحكم، يقترح الكتاب أن البنى العائلية وشبكات الولاء قد لعبت دورًا في تعزيز المرونة وسرعة اتخاذ القرار داخل دول الخليج. ومن هنا يمكن فهم كيف استطاعت بعض هذه الدول التحرّك بسرعةٍ خلال أزماتٍ مثل حصار قطر (2017–2021) أو جائحة كوفيد-19 (2020)[5].
التحوّلات الاجتماعية وإعادة تعريف الخليج
يتجاوز الكتاب حدود الاقتصاد والحوكمة، ليناقش التحوّلات الاجتماعية والثقافية المصاحبة للمشاريع التطويرية في الخليج. وتبرز هنا أهمية الفصول المتعلّقة بالمرأة والشباب ودمج ذوي الإعاقة والتنوّع والصحة النفسية، لتكشف أن التحوّل الخليجي مشروعٌ يسعى لإعادة بناء المجتمع من جوهره. ويستند هذا إلى إحدى خصوصيات المنطقة؛ حيث يأتي التغيير الاجتماعي غالباً من أعلى الهرم عبر الدولة، لا من خلال الحركات الاجتماعية التقليدية، مما يجعل الدولة الخليجية فاعلاً مركزياً في إعادة تشكيل الثقافة والمجتمع عبر التعليم والإعلام والسياسات العامة والتشريعات، ولتوضيح ذلك، يَطرح الفصل المتعلّق بالشباب سؤال المستقبل السياسي والاجتماعي للخليج. فالأجيال الجديدة في المنطقة نشأت في عالمٍ مختلفٍ تمامًا عن الأجيال السابقة: عالمٍ أكثر اتصالًا بالخارج، وأكثر تعرّضًا للتكنولوجيا والثقافة العالمية، وأقلَّ ارتباطًا بالنموذج الريعي التقليدي. وهذا يعني أن الدولة الخليجية مُطالَبةٌ ليس فقط بتوفير الوظائف والخدمات، بل أيضًا بإنتاج معنًى جديدٍ للمواطنة والانتماء والدور الاجتماعي. كذلك يَكشف فصل الصحة النفسية جانبًا آخر من التحوّلات الخليجية، هو الانتقال من التركيز على البنية التحتية والتنمية المادية إلى الاهتمام بجودة الحياة والصحة النفسية والرفاه الاجتماعي، وهي نقلةٌ تعكس انتقال الخليج تدريجيًا من منطق "بناء الدولة" إلى منطق "إدارة المجتمع المعقّد".
وفي السياق ذاته، يُقدّم الفصل الخاصّ بكأس العالم 2022 قراءةً مهمّةً للحدث باعتباره أداةً لإعادة إنتاج الصورة الوطنية والهوية الدولية لدولة قطر. فالبطولة كانت مشروعًا سياساتيًا ضخمًا يتعلّق بالدبلوماسية العامة والاستدامة والتحوّل الحضري والقوة الناعمة[6]. ومن هنا يمكن فهم كأس العالم ضمن سياقٍ أوسع يتعلّق باستخدام "الأحداث الكبرى" أداةً لإعادة التموضع الجيوسياسي وصناعة الصورة العالمية للدول.
المعرفة السياساتية وحدود النموذج الغربي
يحاول الكتاب الاشتباك بصورة مباشرة وضمنية مع إشكالية استدعاء المفاهيم الغربية الجاهزة لتحليل واقع البلدان غير الغربية، وكأنّ هذا الواقع لا يمكن فهمه إلا عبر القوالب النظرية التي تشكّلت تاريخيًا في سياقاتٍ أوروبية وأمريكية مختلفةٍ جذريًا، من حيث تشكُّل الدولة والمجتمع والاقتصاد، والعلاقة بين السلطة والفضاء العام. فالكتاب، وخاصةً في فصوله المتعلّقة بالحوكمة والدولة الاستراتيجية والشراكات المجتمعية، يُشير إلى حدود كثيرٍ من المفاهيم المتداولة في أدبيات السياسات العامة كـ"المجتمع المدني"، و"المنظمات غير الحكومية"، و"الحوكمة التشاركية"، و"القطاع الثالث" حين تُنقَل ميكانيكيًا إلى الخليج دون مساءلةٍ تاريخية أو اجتماعية.
فالدولة الخليجية ومثلها معظم دول الجنوب العالمي لم تتشكّل عبر المسار الأوروبي القائم على الصراع بين الدولة والكنيسة والبرجوازية والطبقات الاجتماعية، كما أن المجال العام الخليجي لم يتكوّن بالطريقة نفسها التي نشأت بها المؤسسات الوسيطة في الغرب الحديث. ولهذا، فإن التعامل مع الخليج بوصفه مجرّد نسخةٍ ناقصة من النموذج الغربي يقود غالبًا إلى سوء فهم الظواهر المحلية، وإلى توصياتٍ سياساتية تبدو متماسكةً نظريًا لكنها محدودةُ الفاعلية عمليًا.
ومِن هنا تبرز أهمية ما يحاول الكتاب الدفاع عنه: ضرورة التحرر المعرفي من مركزية النموذج الغربي. وهذا التوجه لا ينطلق من دافع الرفض الأيديولوجي أو الانغلاق الثقافي، وإنما يهدف إلى توسيع قدرة الباحث على فهم الواقع كما هو، بعيداً عن أطر النماذج الجاهزة. وكلما ازداد التحليل التصاقاً بالبنية الاجتماعية والثقافية والسياسية المحلية، تعاظمت قدرة الباحث وصانع السياسات على إنتاج أدوات تفسيرٍ وتوصياتٍ واقعيةٍ وقابلةٍ للتطبيق.
وهذا ما يَظهر بوضوحٍ في معالجة الكتاب لمفاهيم مثل "الدولة المُدارة عائليًا" أو "الدولة الاستراتيجية"، حيث يحاول تقديم مفاهيم تفسيرية تنبع من التجربة الخليجية ذاتها، بدلًا من الاكتفاء بإخضاعها القسري لمقولات الدولة الليبرالية أو البيروقراطية الغربية التقليدية.
غير أن المفارقة تكمن في أن الكتاب، رغم إدراكه الواضح لحدود المقاربات الغربية في تفسير الواقع الخليجي، لم يَنجح بصورةٍ كاملة في تجاوزها؛ إذ ظلَّ في عددٍ من المواضع يتحرّك داخل الأطر المفاهيمية ذاتها التي حاوَل نقد مركزيتها والتنبيه إلى قصورها. فعددٌ من الفصول، خاصةً تلك المرتبطة بالحوكمة والشراكات المجتمعية والإدماج الاجتماعي، بقيت تتحرّك داخل البنية المفاهيمية الغربية ذاتها، حتى وإن حاوَلت تكييفها مع السياق الخليجي. إذ بقيت مفاهيم مثل "الحوكمة الرشيدة" و"المشاركة" و"المجتمع المدني" و"التمكين" و"الإدماج" و"القطاع غير الحكومي" تُستخدَم بوصفها مفاهيم معيارية شبه كونية، لا باعتبارها مفاهيم مرتبطة بسياقاتٍ تاريخية وفلسفية وسياسية محدّدة.
ولهذا، يَبدو أحيانًا أن الكتاب ينتقل من نقد المركزية الغربية إلى إعادة إنتاجها بصياغةٍ أكثر مرونة. فبدلًا من تفكيك الأسس المعرفية التي أنتجت هذه المفاهيم، يَجري الاكتفاء غالبًا بمحاولة مواءمتها مع الواقع الخليجي. وهذه نقطةٌ مهمّة، لأن التحدّي الحقيقي لا يكمن فقط في إدخال أمثلةٍ خليجية داخل نظرياتٍ غربية، بل في مساءلة البنية النظرية نفسها، والتساؤل عمّا إذا كانت أدوات التحليل المتداولة قادرةً فعلًا على فهم الدول غير الغربية، أم أنها تَدفع الباحث دون وعيٍ أحيانًا إلى قراءة الواقع المحلي عبر افتراضاتٍ مسبقة حول الدولة والمجتمع والحداثة والتقدّم السياسي.
ومن هنا يبرز أحد الأسئلة الجوهرية التي يثيرها الكتاب دون أن يحسمها بصورة واضحة: هل يمكن فعلًا بناءُ مقاربةٍ للسياسات العامة تنبع من التجربة الخليجية بخصوصياتها التاريخية والاجتماعية والسياسية؟ أم أن حقل السياسات العامة لا يزال على المستوى الإبستمولوجي محكوماً بالبنى المفاهيمية والمعيارية التي تشكّلت داخل السياق الغربي الحديث؟ لا تكمن أهمية هذا السؤال في طابعه النظري وحسب، فهي تمتد لتشمل آثاره المباشرة على فهم الواقع وصياغة السياسات وتحديد أدوات التحليل ذاتها. ولذلك، فإن أحد الأبعاد المهمة التي يكشفها الكتاب يتجاوز ما يقدمه من تحليلات، ليُظهر -ولو بصورة غير مقصودة- حجم الصعوبة المعرفية التي يواجهها الباحث حين يحاول التحرر من الهيمنة المفاهيمية الغربية، حتى وهو يدعو إلى ذلك صراحةً داخل خطابه النقدي.
وتبدو اللحظة الخليجية الراهنة لحظةً استثنائيةً بكلّ معنى الكلمة؛ إذ تتحرّك دول الخليج داخل عالمٍ يُعاد تشكيله بوتيرةٍ متسارعة، سواءٌ في مجالات الاقتصاد والطاقة، أو التكنولوجيا وموازين القوة الدولية، أو حتى التحوّلات الاجتماعية والديموغرافية الداخلية. ومع تصاعد الضغوط المرتبطة بالاستدامة والاقتصاد المعرفي وتراجع اليقين العالمي، لم تَعُد السياسات العامة الخليجية مجرّد أدواتٍ لإدارة الحاضر، لتصبح جزءًا من محاولةٍ أوسع لإدارة مرحلةٍ انتقاليةٍ كاملة. ولهذا، فإن فهم السياسات الخليجية اليوم لا يمكن أن يقتصر على القراءة التقنية أو الإدارية، إذ يقتضي استيعاب السياق التاريخي والتحوّلي الذي تتحرّك الدولة الخليجية داخله، وتحاول من خلاله إعادة تعريف موقعها ووظيفتها ومستقبلها.
الخليج بين الريع والتحول
أبرز ما ميّز الكتاب هو التنوّع التخصّصي الذي يجمع بين السياسات العامة والإدارة العامة والاقتصاد السياسي والدراسات الاجتماعية، ممّا يَمنح القارئ صورةً متعدّدة الأبعاد عن التحوّلات الخليجية. وثانيها الجرأة المفهومية في طرح مفاهيم تفسيرية تنبع من السياق المحلي، كـ"الدولة المُدارة عائليًا" و"الدولة الاستراتيجية"، بدلًا من الاكتفاء بإسقاط المقولات الجاهزة. وثالثها الجمع بين التحليل النظري ودراسات الحالة التطبيقية على ملفّاتٍ متنوعة (التنويع الاقتصادي، الشباب، المرأة، الصحة النفسية، الأحداث الكبرى)، ممّا يُعطي الكتاب وظيفةً مزدوجة: مرجعًا أكاديميًا وأداةَ عملٍ لصانع السياسات.
في المقابل، لم يُكمل الكتاب ما بدأه على المستوى الإبستمولوجي، فبَقي يتأرجح بين نقد المركزية الغربية وإعادة إنتاجها. يفتقر الكتاب كذلك إلى مقارباتٍ مقارنةٍ منهجيةٍ بين دول الخليج الستّ، فبعض الملفّات تَحضر فيها قطر والسعودية بكثافة، بينما تَغيب البحرين والكويت وعُمان في مواضع كانت تستحقّ التناول.
يضاف لذلك، أن البُعد الجيوسياسي رغم حضوره في فصل الدفاع القطري بعد الحصار ظلّ ثانويًا في بقية الفصول، في حين أن الحرب على غزّة منذ أكتوبر 2023، والحرب في اليمن، والتنافس الخليجي الخليجي، وتحوّلات المنطقة، باتت اليوم محدِّداتٍ مركزيةً لرسم السياسات الداخلية والخارجية لدول المنطقة. بالإضافة إلى أن الكتاب لم يُولِ مساحةً كافية لمناقشة الذكاء الاصطناعي والتحوّلات التكنولوجية المتسارعة، رغم أن دول الخليج تَستثمر فيها بكثافة وتَجعلها ركيزةً من ركائز رؤاها الوطنية.
ختاماً، ينجح الكتاب في تقديم الخليج باعتباره فضاءً يعيش تحوّلاتٍ عميقةً ومعقّدةً تتجاوز الصور النمطية المعتادة. فهو لا يُقدّم المنطقةَ بالتركيز على العوامل الاستقرار فقط، وإنما كحالةً تاريخيةً تتحرّك بين الرَّيع والتحوّل، وبين التقليد والحداثة، وبين المركزية والحوكمة التشاركية، وغير ذلك من الثنائيات المتداخلة والمتشابكة. وقيمة الكتاب الأكبر تكمن في الأسئلة التي يَفتحها أمام الباحث وصانع السياسات على حدٍّ سواء: كيف نفهم الدولة الخليجية بشروطها هي؟ وكيف نَبني أدوات تحليلٍ تنبع من تجربتها لا من خارجها؟ وكيف نُديرُ مرحلةً انتقاليةً يَجري فيها كلُّ شيءٍ في الوقت ذاته: التنويع الاقتصادي، وإعادة تعريف العقد الاجتماعي، والتموضع الإقليمي والعالمي؟ هذه الأسئلة، التي يَطرحها الكتاب من دون أن يُغلقها، هي ما يَجعله مرجعًا مهمًّا لكلِّ مهتمٍّ بدراسات الخليج المعاصر، ومدخلًا لمزيدٍ من البحث في حقلٍ لا يزال يَتشكّل.
[1] تعبّر وجهات النظر الواردة في هذا النص عن آراء كاتبها، ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر منصة "الصالون".
محمد عبد الرزاق حسين باحث ومستشار تطوير مؤسسي، حاصل على درجة الماجستير في الإدارة العامة.
[2] Qarmout, Tamer, Esmat Zaidan, and Paul Joyce, eds. Public Policy in Gulf States: In Times of Fast Paced and Complex Challenges. Springer Nature, 2025.
[3] Ibid. p.2.
[4] Ibid. p.18-21.
[5] Ibid. p.253-256.
[6] Ibid. p.257-280.