سؤال الإنسان في مرآة الدولة
يُقدّم كتاب "عُمان: الشعب والدولة" دراسةً مفاهيميةً وتاريخيةً للعلاقة بين السلطة والمجتمع في سلطنة عُمان، تَنطلق من سؤالٍ مركزيٍّ حول طبيعة الدولة والسلطة والحكومة والمواطنة في السياق العُماني، وتقرأ التحوّلات السياسية والاجتماعية والثقافية التي أفرزها الربيع العربي عام 2011 عبر مراجعةٍ نقديةٍ لمفاهيم الطبقة والطائفة والمذهب والثروة، والمدنية والعدالة الاجتماعية والاحتجاج.
فكيف يقرأ أحمد العلوي[1] تحوّلات العلاقة بين الدولة والمجتمع في عُمان بعد عام 2011، في ضوء ما يطرحه الكتاب من إعادة تعريف لمفاهيم السلطة والمواطنة، وما حدود هذا التحوّل في ضوء معالجته؟
صدر كتاب "عُمان: الشعب والدولة" للباحث الأكاديمي العُماني د. سعيد سلطان الهاشمي[2] عن دار سؤال في بيروت عام 2024، في خمسة فصول كُتبت بين عامَي 2014 و2024. يُقدّم الكتاب دراسةً معمَّقة في جملة من الإشكالات المفهومية المتصلة بالدولة والمجتمع في سلطنة عُمان، لا سيما في ضوء ما أفرزه الربيع العربي عام 2011 من تحوّلات سياسية واجتماعية وثقافية. ويُحاجج الهاشمي بأن الفهم الجاد لهذه التحولات يستلزم العودة إلى المفاهيم المؤسِّسة لذاتها أوّلًا، ثم تتبُّعها في الممارسة اليومية ثانيًا.
تتمحور أطروحة الكتاب حول مجموعة من الأسئلة الكبرى التي تعيد فحص بنية العلاقة بين السلطة والمجتمع في عُمان: ما الدولة؟ وما السلطة؟ وما الحكومة؟ وأين تقع الطبقة والمواطن والطائفة من هذه البنية؟ وكيف تتقاطع المفاهيم الناظمة لها؛ كالثقافة والمذهب والثروة والمدنية والعدالة الاجتماعية والاحتجاج في تشكيل المشهد العُماني قبل عام 2011 وبعده؟ يشتغل الهاشمي على هذه الأسئلة عبر منهج يجمع بين التأصيل النظري والقراءة التاريخية والتحليل الراهن، فيُمهّد لكل فصل بشرحٍ مفاهيمي يُتيح للقارئ الانطلاق من أرضية صلبة قبل الدخول في صلب القضية.
يُلخّص الهاشمي مشروعه في مدخل الكتاب بقوله: "إنّ عالم ما بعد ثورات الربيع العربي وموجاته المختلفة بمدّها وجزرها، الممتدة حتى اللحظة، يستوجب يقظةً ذهنيةً خاصةً ومنهاجًا في التفكير يتجاوز اليوميَّ إلى الذي يمكث في الأرض وينفع الشعب"[3]. ومن هذا المدخل، يسعى الكتاب إلى قراءة المشهد قراءةً تتجاوز سرديةَ السلطة الرسمية إلى سردياتٍ بديلةٍ تنطلق من الشارع المتفاعل مع الأحداث، طلبًا لصورةٍ أكثر وعيًا وموضوعيةً، تتقاطع فيها زوايا النظر وتتعدّد فيها المراجع.
لا يخفى أن الجهد الذي بذله الهاشمي ليس بالهيّن؛ إذ يستمدّ كل طرحٍ في الكتاب قوّته من مقاربةٍ ثلاثية الأبعاد: استحضار الماضي، وتفكيك الحاضر، واستشراف المستقبل. ويتجلّى ذلك في تناوله لقضايا شائكة تمسّ الشأن العام: مفهوم الدولة المدنية ونقيضها الأمنية، والاحتجاجات وما آلت إليه بعد المعالجة الأمنية، والحركات المدنية والدينية الفاعلة منها والمتراجعة، فضلًا عن تشريحٍ عميق للطبقة الوسطى ودورها في المجتمع العُماني، ومناقشة الملف الاقتصادي الذي يعدّه المؤلف من أبرز الدوافع التي حرّكت الشباب نحو احتجاجات عام 2011، خاصةً في ظلّ تزايد أعداد الباحثين عن عمل.
خمسة فصول .... خمسة أسئلة
يقع الكتاب في خمسة فصول، يمكن قراءتها بوصفها خمسة أسئلة محورية تتعالق فيما بينها لتُكوّن صورةً متكاملة عن العلاقة بين الشعب والدولة في عُمان. وفيما يأتي عرضٌ تحليلي لها على التوالي:
ثقافة المقاومة أم مقاومة الثقافة؟
يُقارب الكاتب في هذا الفصل جدل الاحتجاج الثقافي في عُمان بعد عام 2011، وما أنتجته السلطة من قوانين جديدة استهدفت تضييق فضائه. ويستعرض أشكال هذا الاحتجاج المُنتَج عبر القصة، والشعر والمسرح والرواية. وفي المحور الأول من الفصل سؤال الاحتجاج الثقافي يتوقّف الهاشمي عند ماهيّة اللغة بوصفها أداةً للسلطة قبل أن تكون أداةً للتعبير.
يقول إنّ اللغة "تُشكّل سلطةً معرفيةً ليست محايدةً بالضرورة"[4]؛ فكلمة "الاحتجاج" وفعله لا يستنهضان جماعةً ما إلا لسببٍ كامن في بنيتها الثقافية، أي فيما تعتقده وتُؤمن به وتشترك فيه من أخلاقياتٍ ومرجعياتٍ. ومن هنا تظلّ الثقافة هي الحامل الحقيقي للفعل الاحتجاجي، وعبر هذه الفرضية ينطلق الكاتب إلى تتبّع كيفية تضافر "الثقافة" و"الاحتجاج" في مسعى التغيير.
ينتقل الكاتب في المحور الثاني إلى شرح طبيعة العلاقة المرتبكة بين الثقافة والسلطة، متسائلًا: أين الثقافة في السياسة، وقبل الاحتجاجات؟ ولا يخفى على المتابع للحراك الثقافي العُماني أن السلطة المركزية ومؤسساتها شريكٌ أصيل في الصناعة الثقافية، وهو ما يُولّد جدلًا مستمرًّا وصراعًا بين المثقّف والمؤسسة الرسمية. وهنا يُعيدنا الهاشمي إلى تجربتَي ثورة الجبل الأخضر (1956–1959) وثورة ظفار (1965–1975)، مبيِّنًا أن السلطات لم تَعُد ترغب في تكرار مثل هذه التجارب، أو في: "إتاحة الفرصة للثقافة بمفهومها الحرّ أن تُشكّل الدولة على أساسٍ تعاقدي".[5]
ومن هنا لم يَعُد ثمة حراكٌ سياسي أو ثقافي إلا داخل قوانين ثابتة تُؤطّره. وهذا كما يرى الهاشمي هو ما شكّل الفضاء العمومي اليوم، الذي بات لا يهتمّ بمفاهيم الدولة والوطن والحكومة والسلطة والسياسة، بل يتحاشاها لأنها مُجرَّمةٌ بنصوصٍ قانونية، فاتّسعت الفجوة بين المثقّف والمواطن العادي. وبذلك يُصبح دمج الثقافة: "في هيكلٍ من الحقائق الراسخة التي تكتسب تعريفها بالقوة... ما يجعل الثقافة وسيلةً للشعب كي يتصالح مع النظام القائم".[6] ويُفصّل الهاشمي بعد ذلك جملةً من الجدليات: السيادي والشعبي، التقاليد والتجديد، المساحات والاختصاصات، الأمني والمدني، والأُطر الناظمة لها، مُبيِّنًا تشابكها مع الثقافة العُمانية والمؤسسة الرسمية للدولة.
وفي المحور الأخير من الفصل، يُقدّم الكاتب نماذج أدبية بوصفها "عيّنات لنصوص احتجاجية"، فيُسلّط الضوء على رواية "امرأة من ظفار" لأحمد الزبيدي، وقصة "للمهزومين تاريخهم" للقاص ناصر صالح من مجموعته "ما لاذ بالحلم"، وقصيدة "شبَّت في صحار نار" للشاعر حمد الخروصي، ومسرحية "ولد البلد" للكاتب والمخرج مالك المسلماني التي مُنع عرضها في يوم العرض ذاته. وقد أجاد الهاشمي في تفنيد الأساليب التي قُدِّمت بها أشكال الاحتجاج في هذه النماذج، وأثبت أن الثقافة لدى المثقف العُماني ليست عابرةً، وإنما فعلُ احتجاجٍ مستمرّ لا يهدأ إلا ليُعاد إنتاج شكله وصورته وقضيّته.
دين الله أم ربّ السياسة؟
يَنطلق هذا الفصل من مسلَّمةٍ مفادها أن الدين مكوّنٌ أساسي في كيان أي مجتمع، ولا سيما الحالة العُمانية، فيتساءل الهاشمي: "من هم الإسلاميون في عُمان؟"[7] ويعرض المؤلف لِما تركه الدين من أثرٍ في الشخصية العُمانية، ولدور نظام الإمامة حتى عام 1970، ثم يُبيّن كيف أسهم اكتشاف النفط في إعادة تمركز السلطة والمال في يد الدولة، التي باتت تلعب دورًا محوريًا في تشكيل رؤيةٍ سياسيةٍ مغايرة تستند إلى سلطةٍ شبه مطلقة تتحكّم في المشهد الثقافي وغيره.
يُقسّم الهاشمي الإسلاميين في عُمان إلى كتلتين بارزتين: الأولى "حركيّة" تهتمّ بالعمل السياسي من منطلق تنظيماتها التي تنتمي إليها، والثانية تمارس "التديُّن السائد" على مختلف المذاهب من دون أن تتحرّك في اتجاه التغيير. ومن أبرز الحركات التي نشأت في عُمان كما يُوردها الكتاب؛ الحركة الشيرازية المتأثرة بأطروحات السيد محمد مهدي الشيرازي، وجماعة الإخوان المسلمين التي نشأت في أواخر السبعينيات إلى أن جرى حلّها على إثر الاعتقالات والمحاكمة التي تلتها عام 1994، وحزب الدعوة الذي تشكَّل من بعض الطلاب العائدين من العراق، إضافةً إلى التنظيم الإباضي الذي اعتمد العمل السرّي.
ثم يتساءل الكاتب: كيف تفاعل الإسلاميون مع الربيع العُماني؟ ويُجيب بأنهم شاركوا في ساحات الاعتصام على ثلاثة مستويات: مستوى الذين انخرطوا في الجدال العامّ مع المعتصمين، ومستوى الذين راقبوا المشهد وانخرطوا في النقاش من دون النزول إلى الساحات، ومستوى ثالث اختار التوسُّط فلم يُدِن السلطة ولم يثق في الشعب الذي ملأ الساحات. ويرصد الفصل الحراك الذي شهدته تلك المرحلة، والسياقات التي رافقت الربيع العُماني، وكيفية تعامل السلطات مع الاحتجاجات بما أعاد لها سيطرتها على المجتمع والدولة والشباب، مُبيّنًا أن دور الإسلاميين في تلك المرحلة لم يكن فاعلًا بالقدر الذي قد يَتصوّره البعض.
عدالة أم معادلة اجتماعية؟
إلى أيّ مدًى توجد طبقة وسطى في عُمان؟ هذا هو السؤال المركزي الذي يُحرّك الفصل الثالث. يَشرح الهاشمي أصول تكوّن الطبقة الوسطى ومفاهيمها شرحًا مؤسِّسًا، متنقّلًا عالميًا بين كارل ماركس وماكس فيبر ودارندورف.
ينفتح فضاء الكتاب على تاريخ عُمان وموقع التاجر العُماني قديمًا، ثم في الحاضر بعد اكتشاف النفط وأثره في تكوّن الطبقة الوسطى. ويُحاجج الهاشمي بأن الاعتماد على الدخل المرتفع من النفط لم يُنتج صناعاتٍ حقيقيةً ذات قاعدةٍ إنتاجية صلبة، وهنا تظهر "رأسمالية الدولة" التي تُدير المشاريع الصناعية والتجارية بشكلٍ مباشر، بدلًا من اقتصادٍ داخلي متنوع تُديره طبقةٌ واسعة من الأفراد المستقلّين.
نشأ ما يُقارب مفهوم الطبقة الوسطى في عُمان من خلال تكوّن الدولة الريعية المعتمدة على النفط، التي خلقت أنماطًا خاصة من توزيع الثروة؛ إذ يوضّح الهاشمي أن النفط "يربط آليات التوزيع وفق درجة الولاء والاقتراب من رعاة الدولة"[8]. وفي الحالة العُمانية، تأخّر ظهور الطبقة الوسطى وتشكَّل عبر فئتين: الموظفين الحكوميين، والطبقة الرأسمالية المُمثَّلة في التجّار، وهما بطبيعة الحال مرتبطتان عضويًا بمصالحَ تتمحور حول الثروة المُدارة من قِبل الدولة الريعية.
وقد مهّد هذا الواقع لظهور "الفئة المتوسطة" لا "الطبقة الوسطى" بالمعنى الدقيق التي تكوّنت بعد عام 1970 من أبناء المزارعين والصيادين والحرفيين وصغار التجار، وموظفي القطاعات الحكومية والعسكرية والخاصة، وغيرهم ممن أسهم التعليم في تحسين مستواهم الاقتصادي. غير أن الهاشمي يَرى أنه لا يمكن تسميتها "طبقة" بمعنًى سوسيولوجي صارم، لأنها لا ترتكز على مفهومٍ اجتماعي واحد ولا على منظومةٍ قيميّة متجانسة، فهي غير منسجمة مع نفسها. ويُكمل الفصل بتوضيح الظروف الموضوعية التي تحول دون تحقّق مفهوم الطبقة الوسطى في عُمان، مستندًا إلى المسوحات الوطنية المختلفة، ومؤشّرات الإنفاق الفردي، ودور النخب الحديثة ومدى استفادتها من ترسيخ الدولة الرعوية، وما يجرّه ذلك من خوفٍ مزمن من فقدان الحظوة لدى السلطة، فضلًا عن الأسباب التي أدّت إلى تآكل شريحةٍ واسعة من هذه الفئة.
دولة سلطة أم سلطة دولة؟
يبدأ الكاتب الفصل بالتفريق بين مفهوم "الدولة" ومفهوم "السلطة السياسية"، ويُقدّم تحليلًا للأسباب التي أدّت إلى الخلط بينهما، مُرجِعًا ذلك إلى: "الممارسات السلطوية الشاملة والمركّبة على أدقّ تفاصيل المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي".[9]
ويُلاحظ أن هذه الممارسات متشابهةٌ في عموم الوطن العربي؛ كالترويج لخطرٍ وجوديٍّ يتربّص بالدولة من أجل تعزيز دائرة التحكّم بالأفراد داخل أي مجتمع. ورغم أن الدولة في الأصل "كلٌّ"، والسلطة السياسية مجرّد جزء أو وسيلة، إلا أن هذا التمييز المفهومي لا يكاد يُوجد في الواقع العربي عمومًا، والعُماني خصوصًا.
يُحلّل الكتاب أيضًا عددًا من الملفّات في عُمان، بدءًا من "السلطة السياسية" التي لم تُنتج رغم المطالبات بدستور جديد إلا مؤسساتٍ تنفيذية وأمنية ورعوية. وفي ملف الأمن مثلًا، تُشير المعطيات إلى أن مخصّصاته تَناهز ثلاثين بالمئة من موازنة الدولة، أو تَزيد، بمختلف تشكيلاته. ويُضاف إلى ذلك إعادة تدوير القادة المتقاعدين في الوظائف القيادية المدنية، وهو ما عطّل الإرادة السياسية، حسب الهاشمي، عبر "ضرب الثقة في أي عملٍ وطني خارج أُذُنها وسيطرتها"[10]. ثم ينتقل إلى ملفّات التعليم، والاقتصاد، والشغل، والمجال العام، مُبيّنًا أنها جميعًا تقع تحت دائرة السلطة السياسية وسطوتها.
يَخلص الفصل إلى أن "الرغبة في التغيير والقدرة عليه" تظلّ هي السؤال الأكبر الذي يواجه الدولة، وقد تحوّل في الحالة العُمانية إلى "دولة سلطة" قائمة ومهيمنة، يصعب معها التفكير في التغيير من دون إرادةٍ شعبيةٍ حقيقية، قادرةٍ على بناء دولة تحمي حقوق الأفراد وحريّاتهم وفق دستورٍ وطني يُنتَج عن حالة توافقٍ كلّيٍ وتكاملٍ فعّالٍ بين الشعب والدولة، متجاوزًا مفهوم "الأمن التقليدي" إلى مفهومٍ راسخٍ في الأدبيات المعاصرة، هو "أمن الإنسان" المنطلِق من محوريّة أنّ الإنسان قيمةٌ في ذاته.
مدنية أم دولة؟
يفترض الهاشمي في فصله الأخير أن مفهومَي "الدولة المدنية" و"المجتمع المدني" قد تعرّضا لكثيرٍ من التشوّهات في ظلّ تنامي مركزية الدولة. فممارساتٌ من قبيل التحكّم الكامل من قِبل الدولة في أوصال المجتمع (السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية) داخل محيطٍ جغرافيٍّ محدّد، لا يمكن إلا أن تُنتج مجتمعًا مدنيًا غير فاعل. ويستعرض الفصل القفزة النوعية التي شهدتها عُمان على صعيد التنمية والتطوّر في مختلف المستويات، غير أنها في اللحظة ذاتها ولّدت فهمًا مضلِّلًا للسلطة الحاكمة، نتيجة تغلغلها في حركة المجتمع ونشاطاته وتنظيماته، الأمر الذي أفقد المجتمع المدني أهمَّ غاياته: "تعدّديته وتمايزاته بكل تناقضاتها وصراعاتها وجدلياتها"[11]، ويسترسل الفصل في تفصيل مفهوم الدولة المدنية، ووضع عُمان تحت المجهر الفاحص لاستجلاء إشكاليات تطبيق هذا المفهوم فيها، ليَخلص إلى صورةٍ واسعةٍ لمدى تحكّم السلطة في الفضاء العام، وهو ما أنتج كما يرى المؤلف مفهومًا مغايرًا لما يُفترض أن تكون عليه الدولة المدنية، فبقي الالتباس قائمًا والمفاهيم مختلطةً.
الكتاب في سياقه: من عُمان إلى المنطقة
تتقاطع القضايا التي يُثيرها الكتاب مع موجةٍ متنامية من الدراسات النقدية التي ظهرت في العقد الأخير، وانصبّت على إعادة قراءة العلاقة بين الدولة والمجتمع في الخليج العربي بعد الربيع العربي. ويُمكن قراءة عمل الهاشمي على هذه الخلفية المعرفية بوصفه امتدادًا لمسارٍ بدأه باحثون عرب وخليجيون من أمثال خلدون النقيب في "الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر"، وعبد الخالق عبد الله في تنظيراته عن الدولة الخليجية، ومحمد الرميحي في كتاباته المُتعدّدة عن الخليج، فضلًا عن الدراسات الإنجليزية المعاصرة.
غير أن خصوصية الكتاب تكمن في كونه قراءةً "من الداخل" تستند إلى معايشةٍ مباشرة لما جرى في عُمان عام 2011، وتنطلق من أرضيةٍ مفهوميةٍ تجمع بين العلوم السياسية وعلم الاجتماع السياسي، من دون أن تَنزلق إلى التنظير المُجرّد أو التوصيف الصحفي. كما أن طرح الكتاب يَتقاطع مع الأحداث الجارية في المنطقة اليوم، خاصةً في ضوء التحولات التي تَشهدها دول الخليج العربي بعد عقدٍ من الربيع العربي، وما يَطرحه ذلك من تساؤلاتٍ حول دور الفضاء العام، وموقع المثقّف، وحدود المجتمع المدني، ومستقبل العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن.
ومن اللافت أن الكتاب، رغم تمحوره حول الحالة العُمانية، يَفتح أفقًا للقراءة الإقليمية المُقارنة؛ فالأسئلة التي يُثيرها عن "دولة السلطة" و"ثقافة المقاومة" و"الطبقة الوسطى المؤجَّلة" و"المجتمع المدني المُحاصَر"، هي أسئلةٌ تتردّد أصداؤها في أكثر من عاصمة عربية. وتكمن إحدى نقاط قوة الكتاب في قدرته على تجاوز حدود الحالة المحلية؛ فعندما يناقش الهاشمي أسئلة الدولة والسلطة والمواطنة في عُمان، فإنه يلامس في الوقت نفسه إشكاليات أوسع تشغل مجتمعات الجزيرة العربية والخليج والمنطقة العربية عمومًا. ولهذا تبدو الأسئلة التي يطرحها أقل ارتباطًا بخصوصية عُمانية ضيقة، وأكثر اتصالًا بهموم سياسية واجتماعية مشتركة تتجاوز الحدود الوطنية.
الكتاب بوصفه مرآة
تتعدّد نقاط القوة في هذا العمل، أولها التأصيل المفاهيمي الذي يُمهّد به الهاشمي لكل فصل، إذ يُتيح للقارئ غير المتخصّص الإمساك بالمفاتيح النظرية قبل الدخول إلى التحليل التطبيقي. وثانيها الشجاعة في تناول ملفّاتٍ شائكةٍ كالأمن، والاقتصاد الريعي، والحركات الإسلامية، والاحتجاج الثقافي، وهي ملفّاتٌ نادرًا ما تُطرح بهذا المستوى من الجرأة في الإنتاج الأكاديمي الخليجي. وثالثها الجمع بين التحليل النظري والشواهد الميدانية، عبر أمثلةٍ من الأدب والشعر والمسرح، ممّا يُضفي على الطرح طابعًا حيًّا قريبًا من القارئ. ورابعها الزمن التراكمي للكتابة (2014–2024)، الذي مَنح الكتاب عمقًا في القراءة وإعادة قراءةٍ للمشهد على مدى عقدٍ كامل.
في المقابل، يمكن إبداء بعض الملاحظات النقدية. أولاها أن الكتاب رغم اتساع طموحه المفهومي كان يُمكن أن يَستفيد أكثر من المقارنة المنهجية مع الحالات الخليجية الأخرى، خاصةً البحرين والكويت اللتين شهدتا حراكًا مماثلًا عام 2011، ممّا كان سيُتيح فهمًا إقليميًا أعمق لخصوصية الحالة العُمانية. وثانيها أن الفصل المتعلّق بالطبقة الوسطى، رغم رصانته النظرية، كان بإمكانه أن يَنفتح أكثر على الأدبيات الجديدة في علم الاجتماع الاقتصادي الخليجي، ولا سيما أعمال ستيفن هرتوغ التي قدّمت تحليلًا دقيقًا للدولة التوزيعية وعلاقاتها بالنخب الاقتصادية.
كذلك، ثمة جانبٌ نظري لم يُعالَج بالعمق الكافي، وهو موقع الإعلام الجديد ووسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الفضاء العامّ بعد 2011، وهي وسائط أَحدثت قطيعةً معرفيةً مع البنى التقليدية للتواصل السياسي والثقافي، ولها أثرٌ بالغ في إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمواطن، يَستحق فصلًا مستقلًا أو مبحثًا موسّعًا. ومن جهةٍ أخرى، كان يمكن للمؤلف أن يُولي مساحةً أكبر لقراءة أثر التحولات الإقليمية الكبرى كالحرب في اليمن، والتنافس الخليجي الإيراني، وتحولات المنطقة المتسارعة في إعادة تشكيل خيارات السياسة العُمانية الداخلية والخارجية.
إن القضايا التي يَحملها كتاب "عُمان: الشعب والدولة" قضايا شائكةٌ تُعاني منها مجتمعاتٌ عربيةٌ كثيرة، وإن الاشتغال في طرحها وتقديمها بالصورة التي قدّمها د. سعيد سلطان الهاشمي قد جعل الكتاب أشبه ما يكون بمرآةٍ يَحقّ للقارئ أن يُجادلها ويُحاول التماهي مع طرحها، أو الاختلاف معه، وأن يُبدي رأيه في الحالة العُمانية وفي السؤال الأكبر الذي يَطرحه الكتاب: ما العلاقة بين الشعب والسلطة؟ بل بين الشعب والدولة؟
إن الكتاب يَخرج بالقارئ من الخصوصية المحلية إلى الفضاء العربي الأوسع، فالأسئلة التي يَطرحها هي الأسئلة ذاتها التي تُؤرّق أيَّ مهتمٍّ بالشأن العام في المنطقة. وعلى هذا الأساس، فإن قيمته لا تكمن في الإجابات التي يُقدّمها فحسب، بل في الأسئلة التي يَفتحها، والتي تظلّ مفتوحةً على التأويل والمراجعة، استجابةً لحركة التاريخ ولتحولات الواقع. وفي زمنٍ تَعلو فيه أصوات اليقين، تظلّ الكتب التي تَطرح الأسئلة الكبرى أكثر قيمةً من تلك التي تَدّعي امتلاك الأجوبة الجاهزة.