بين صفحات الكتب: ما قبل السابع من أكتوبر
نُسلّط الضوء في "بين صفحات الكتب" على إصدارات حديثة تتناول قضايا المنطقة العربية ومحيطها الجغرافي، إلى جانب أعمال تقترب من تجارب عالمية تتقاطع معها ثقافيًا وأدبيًا. وفي كل عدد، نقدّم قراءات أولية لكتب يجمعها محور أو ثيمة مشتركة، وتفتح نقاشات تمتد إلى السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة والتاريخ.
أفنان كناعنة[1]
منذ السابع من أكتوبر 2023، لا يكفّ الإسرائيليّون عن التساؤل حول ما جرى والأسباب التي أفضت إليه: كيف لم نكن نعلم؟ كيف لم نتوقّع؟ كيف لم نفهم؟ وهل كانت هناك مؤشّرات تجاهلناها؟ لكنّ التساؤلات لا تقتصر على الإخفاق في توقّع الهجوم أو الاستعداد له، بل تمتدّ إلى البحث في الأسباب والظروف التي مهّدت لوقوعه. وهنا تتباين القراءات الإسرائيليّة للتحوّلات التاريخيّة والسياسيّة والأمنيّة والإقليميّة والاقتصاديّة التي أفضت إلى السابع من أكتوبر. فبينما تُرجع بعض القراءات ما جرى إلى الغرور الإسرائيليّ والاستخفاف بالتهديدات، وصعود اليمين المتطرّف، وتفاقم الأوضاع المعيشيّة في غزّة تحت الحصار، تتّجه أخرى إلى مساءلة سياسات بنيامين نتنياهو القائمة على إدامة الصراع، وتعزيز قوّة حماس مقابل إضعاف السلطة الفلسطينيّة، وإجهاض فرص التسوية السياسيّة. في المقابل، تنطلق قراءة ثالثة من اعتبار تمسّك الفلسطينيّين بحقّ العودة ورفضهم السيادة اليهوديّة على فلسطين الجذر الأساسيّ "للصراع"، وترى في السابع من أكتوبر تعبيرًا عن هذا التوجّه التاريخيّ. ومن خلال ثلاثة كتب صدرت في أعقاب السابع من أكتوبر، تستعرض هذه المراجعة التفسيرات المختلفة التي قدّمها مؤلّفوها لما جرى، وتفحص الافتراضات السياسيّة والأيديولوجيّة التي تؤطّر قراءاتهم للماضي، وتحديدهم للجهات المسؤولة عمّا جرى، وتصوّراتهم لمستقبل "الصراع" الإسرائيليّ–الفلسطينيّ.

ג'קי חוגי, חמש נקישות בדלת: כך הגענו לשבעה באוקטובר (חבל מודיעין: כנרת, זמורה, דביר, 2026).
يتتبّع كتاب "خمس طرقات على الباب: هكذا وصلنا إلى السابع من أكتوبر"، لمحلّل الشؤون العربيّة في إذاعة الجيش الإسرائيليّ جاكي حوچي، المسارات والتحوّلات السياسيّة والأمنيّة والإقليميّة التي سبقت السابع من أكتوبر، في مُحاولة لتفسير العوامل المُتراكمة التي مهّدت لوقوعه.
ينطلق حوچي من نقطة مفادها أنّ السنوات السابقة للسابع من أكتوبر حملت العديد من المُؤشّرات المُبكّرة للهجوم، إلّا أنّها لم تحظ بالاهتمام الكافي في إسرائيل. وهو يعتمد على تصريحات تكرّرت على لسان مسؤولين من حماس، منهم يحيى السنوار الذي خاطب الإسرائيليّين قبل عشرة أشهر من الحدث بشأن اعتزامه تجاوز خطوط دفاعهم الممتدّدة على طول السياج الحدوديّ، قائلًا: "سنأتيكم بإذن الله بطوفان هادر، سنأتيكم بصواريخ دون عدّ، سنأتيكم بطوفان جنود دون حدّ، سنأتيكم بملايين من أمّتنا مدًّا بعد مدّ". إلى جانب تصريح صالح العاروري في مُقابلة تلفزيونيّة على قناة "الميادين" قبل شهر ونصف من الهجوم، بأنّ حماس تخطّط لمعركة ضدّ إسرائيل. ويُشير الكاتب إلى أنّه، على الرغم من تقديمه تقارير مُبكّرة عن المُناورة العسكريّة لحماس ومُحاولاته لفت انتباه الإعلام والرأي العامّ، فإنّ جميعها قُوبلت بالتجاهل.
ويدّعي الكاتب أنّ فشل إسرائيل في أخذ هذه التصريحات على محمل الجدّ لم يكن بالأمر الجديد، إذ حدث الأمر نفسه قبل حرب 6 أكتوبر عام 1973، حين تجاهلت إسرائيل تصريحات القيادة المصريّة التي كشفت عن نيّتها اتّخاذ خطوة حاسمة بحقّ إسرائيل، كما تجاهلت تدريبات الجيش المصريّ. وحينها كذلك، تعاملت إسرائيل مع هذه التصريحات باعتبارها تهديدات جوفاء، فيما اعتقدت أنّ المصريّين لن يتمكّنوا من اختراق سلسلة التحصينات المُمتدّة على طول قناة السويس (خط بارليف).
ويُحيل حوچي حالة "العَمى" التي سادت ولا تزال تسود إسرائيل إلى الغرور والتعالي الإسرائيليّين، إذ كان المُجتمع غارقًا في الاطمئنان المُفرط و"الاستخفاف بالعدو"، ولم يعتقد الإسرائيليون أنّه قد يشكّل خطرًا عليهم. وفي الوقت ذاته، ظلّت إسرائيل تعتقد أنّ تردّي الأوضاع الاقتصاديّة في القطاع والضفّة سيحول دون اندلاع حرب واسعة النطاق. وبالتالي، ينتقد الكتاب التصوّر الإسرائيليّ بأنّ إدارة "الصراع" من خلال التسهيلات الاقتصاديّة واحتواء حركة حماس ستكون كافية لمنع "الكارثة" القادمة.
بالإضافة إلى ذلك، يرى حوچي أنّ السابع من أكتوبر هو نتيجة حتميّة لصعود اليمين الفاشي ونزعات التطرّف السياسيّ في إسرائيل. وعلى نحو محدّد، يفصّل في "خطّة الحسم" التي وضعها بتسلئيل سموتريتش عام 2017، وأشار إليها العاروري في مُقابلته المذكورة سابقًا. في خطّته، ادّعى سموتريتش أنّ تحقيق "السلام" بين الإسرائيليّين والفلسطينيّين لن يكون إلّا بتنازل أحد الطرفين، إمّا طوعًا أو كُرهًا، وأنّ الطرف الذي عليه القيام بهذا التنازل هو العرب. وبما أنّهم لن يفعلوا ذلك بمحض إرادتهم، فعلى إسرائيل أن تعمل على حسم "الصراع" بوسائلها. وهو يقترح القيام بذلك من خلال إطلاق مشروع استيطانيّ واسع النطاق في الضفّة الغربيّة، مع إدارة شؤون الفلسطينيّين وفق أحد الخيارات الثلاثة التالية: تهجيرهم، أو منح الإقامة دون الجنسيّة لأولئك الذين يتخلّون عن تطلّعاتهم القوميّة، وذلك لضمان احتكار الإسرائيليّين لعمليّات صنع القرار، أو استخدام القوّة العسكريّة لقمع أولئك الذين يُمارسون "الإرهاب". ويرى حوچي أنّ العاروري وحماس تعاملوا مع توجّهات سموتريتش وإيتمار بن غفير بجدّيّة بالغة، فكانوا مقتنعين بأنّهما يدفعان نحو تنفيذ خطّة الحسم، ولذلك ارتأت الحركة أنّ عليها التصدّي لهذه المُخطّطات بنفسها.
هذا بالطبع إلى جانب اعتقاد حوچي بأنّ حركة حماس تعرّضت لضغوط شعبيّة من أجل تخليص سكّان قطاع غزّة من الحصار الخانق الذي فرضته عليهم إسرائيل، مثل تقييد حركتهم وإغلاق الحدود، ومنع المُزارعين من تصدير منتجاتهم، وشحّ مصادر الرزق وارتفاع معدّلات البطالة، وكثرة الحروب على القطاع. وهو يرى أنّ استمرار هذا التوجّه هو ما أدّى إلى تدهور الوضع الأمنيّ، ولذلك على إسرائيل الاعتراف بأنّ الفلسطينيّين بشر، ليس ضعفًا أو تظاهرًا بالمثاليّة الأخلاقيّة، بل لأنّها مسألة تتعلّق بالأمن القوميّ. عمليًّا، يرى حوچي أنّ الاعتراف ببشريّة الفلسطينيّين والتراجع عن السياسات الفاشيّة، أو التخفيف من حدّتها، مسألة أمنيّة تصبّ في صالح إسرائيل، ولا تنبع من حقّ الفلسطينيّين الأصيل في ذلك.
فوق ذلك، خصّص حوچي فصلًا لتتبّع سيرة حياة السنوار وتحليل شخصيّته ورؤيته من خلال مُؤلّفاته التي كتبها خلال سنوات اعتقاله في السجون الإسرائيليّة. وهو يخلص إلى نتيجة مفادها أنّ السنوار هو سياسيّ وقائد يتمتّع بقدرات كبيرة، من بينها براعته في التلاعب بالآخرين، ولذلك أَثَّرَ في نتنياهو. ويشير إلى أنّه انكبّ على الدراسة الأكاديميّة، وتعمّق في دراسة المحطّات الأساسيّة في تاريخ الشعب اليهوديّ والحركة الصهيونيّة، وتابع عن كثب الواقع السياسيّ داخل إسرائيل حتّى أدرك نقاط ضعفه. لكنّه يصفه بأنّه "شخصيّة إرهابيّة سيكوباتيّة"، بالغ القسوة والخطورة، ولذلك تسبّب في "كارثة غير مسبوقة" تمثّلت في السابع من أكتوبر. ولكنّ حوچي لا يحصر الخطر في السنوار وحده، إذ يُوضّح أنّ حركة حماس تُؤمن بأنّ القوة هي السبيل إلى انتزاع ما تريده من إسرائيل، وأنّها تنظيم يتحرّك وفق أيديولوجيّة واضحة ويعتمد على التخطيط بعيد المدى، لا مجرّد مجموعة فوضويّة من الأشخاص الذين تحرّكهم نزعات جنونيّة.

אדם רז, הדרך לשבעה באוקטובר: בנימין נתניהו, הנצחת הסכסוך והידרדרותה המוסרית של ישראל (חיפה: פרדס הוצאה לאור, 2024)
يستعرض المؤرّخ آدم راز في الجزء الأول من كتابه "الطريق إلى السابع من أكتوبر: بنيامين نتنياهو، وإدامة الصراع، والتدهور الأخلاقي لإسرائيل" سياسات نتنياهو تجاه حركة حماس و"الصراع" الإسرائيليّ–الفلسطينيّ منذ تولّيه رئاسة الحكومة عام 1996، محلّلًا التقاء مصالح الطرفين في عرقلة مسار التسوية السياسيّة، وعلاقة استراتيجيّة إدامة "الصراع" بأحداث السابع من أكتوبر. أمّا في الجزء الثاني من الكتاب، فيتناول السياسات الإسرائيليّة خلال الأسابيع الأولى من الحرب على غزة، والمصالح الكامنة وراء اتّباع نتنياهو لها.
تتمثّل الأطروحة المركزية للكتاب في أنّ ما يُميّز المسيرة السياسيّة لنتنياهو هو مُعارضته لإقامة دولة فلسطينية، وهي مُعارضة التقت فيها مصالحه مع مصالح حركة حماس، المُناهضة بدورها "لمسارات السلام" وحلّ "الصراع" الإسرائيليّ–الفلسطينيّ. ويشير الكتاب أيضًا إلى الفجوة بين خطاب نتنياهو السياسيّ ومُمارساته الفعليّة، واتّخاذه القرارات وفق نهج سلطويّ، دون التشاور مع الجهات المهنيّة المُختصّة، وإخفائه المعلومات، وتغليبه مصلحته الشخصيّة على المصالح القوميّة لإسرائيل. وهكذا، يصوّر الكتاب نتنياهو صانعًا للفوضى على مُستوى الدولة والمنطقة بأسرها، لا يُمانع التعاون مع حركة حماس لحماية حكمه. ويوثّق راز العلاقة التي تجمع بين حماس ونتنياهو من خلال مجموعة من الأدلة التاريخية، من بينها مُقابلات مع سياسيّين ومسؤولين حاليّين وسابقين في المُؤسّسة الإسرائيليّة، بهدف إثبات وجود نمط سلوكي ثابت ومُتواصل يكشف عن نيّة نتنياهو المبيّتة للقضاء على أي أفق لـ"السلام".
ومن بين الأدلة التي يستند إليها الكتاب لإثبات هذه السياسة، الأحداث التاريخيّة التالية: أوّلًا، افتتاح أنفاق حائط البراق عام 1996. ثانيًا، إقامة مستوطنة "هار حوما" في شرق القدس. ثالثًا، الامتناع عن تسلّم موسى أبو مرزوق، رئيس المكتب السياسيّ لحركة حماس آنذاك، من الولايات المتحدة لمحاكمته. رابعًا، دعمه ما يسمّيه راز اقتصاد "الإرهاب"، أي تمكين حماس من تعزيز قوّتها العسكريّة، من خلال السماح لقطر بتمويلها عبر نقل حقائب أموال احتوت على عشرات الملايين من الدولارات إليها. خامسًا، غضّ نتنياهو الطرف عن تهريب الأسلحة من مصر أو نقلها عبر المعابر المفتوحة. سادسًا، عقد صفقة "شاليط" عام 2011. سابعًا، تسريب الخطط العمليّاتيّة لاجتياح غزّة برًّا خلال عمليّة "الجرف الصامد" عام 2014. ثامنًا، مُعارضة نتنياهو المُستمرّة استهداف قيادات حماس بين عامي 2009 و2020. تاسعًا، تعزيز المشروع الاستيطانيّ في الضفّة الغربيّة. عاشرًا، انتهاج سياسة "جزّ العشب"، أي تنفيذ عمليّات عسكريّة متكرّرة ضدّ حماس، دون السعي إلى حسم المواجهة معها.
علاوةً على ذلك، يرى راز أنّ نتنياهو يتّبع سياسة مُنظّمة تهدف إلى إضعاف السلطة الفلسطينيّة، مُقابل احتواء حركة حماس وتعزيز قوّتها، وتوظيف سياسة "فرّق تسدّ" للفصل بينهما، من أجل الحفاظ على الانقسام الجغرافيّ بين الضفّة الغربيّة وغزّة، وبالتالي إطالة أمدّ الاحتلال والحيلولة دون إقامة دولة فلسطينيّة. ويتجلّى ذلك في المحاولات المستمرّة لتجنّب التفاوض مع السلطة الفلسطينيّة، ورفض نتنياهو لقاء أبي مازن بصورة متواصلة منذ عام 2010. ويُشير راز إلى أنّ الحفاظ على حماس يسمح لنتنياهو بتصوير الفلسطينيّين كإرهابيّين، وبالتالي الادّعاء بأنّه "لا يوجد شريك فلسطينيّ للسلام"، أو أنّه "لا يوجد فلسطينيّون معتدلون"، أو أنّه لا يمكن إجراء مفاوضات مع السلطة الفلسطينيّة ما دامت لا تمثّل الشعب الفلسطينيّ بأكمله، وأنّ التفاوض مع حماس ليس "خيارًا واردًا". وهكذا، تحوّلت حماس إلى ورقة يستخدمها نتنياهو لتجنّب أيّ مسار سياسيّ للحلّ. ويرى راز أنّ القضاء على خيار التفاوض والتوصّل إلى تسوية أدّى إلى دفع الفلسطينيّين نحو تبنّي استراتيجيّة الكفاح المسلّح، كما حدث في السابع من أكتوبر.
ويفسّر راز هذه السياسات على أنّها جزء من سياسة أوسع تُكرّس إدامة "الصراع" وتوظّف الحرب اللانهائيّة، بما يوجّه السياسة الإسرائيليّة نحو مسارات سلطويّة ومُناهضة للديمقراطيّة، تعكس منطق نتنياهو المُشوّه وتهدف إلى بقائه في السلطة. ولذلك، يرى راز في الجزء الثاني من الكتاب أنّ نتنياهو استغلّ مشاعر الانتقام التي اجتاحت الإسرائيليين عقب السابع من أكتوبر ليقود حملة قصف جوّي استراتيجيّ على القطاع، ويُمارس الجيش خلالها جرائم وحشية هناك. ويستنتج راز أنّ نتنياهو سعى، من خلال هذه السياسة، إلى تحويل إسرائيل عمدًا إلى دولة "منبوذة" عالميًا، وتوظيف هذه "العزلة الدوليّة" لتعزيز سلطته، وتقويض ركائز أساسيّة في "الديمقراطيّة" الإسرائيليّة، وإضعاف المؤسسات والجهات الرقابيّة التي يُفترض بها كبح جماح السلطة، وتفاقم الاستقطاب والتطرّف داخل المُجتمع الإسرائيليّ، وتعميق "الصراع" أكثر.
وعليه، يُجادل آدم راز بأنّ "الطريق إلى السابع من أكتوبر" وزعزعة الاستقرار الإقليميّ جزء من سياسة مُتعمّدة ينتهجها نتنياهو، وليسا مجرّد نتيجة "سوء تقدير" من جانبه. فسياساته التي سبقت السابع من أكتوبر وأسهمت في وقوعه كانت، وفقًا لراز، بمثابة "مخاطرة محسوبة" أقدم عليها نتنياهو بهدف ضمان استمرار حكمه من جهة، واستمرار حكم حماس من جهة أخرى.

עדי שורץ ועינת וילף، שיבה באוקטובר: שורש הסכסוך, הדרך לפתרון (תל אביב: התחנה, 2025)
استخدم المُؤلّفان عدي شوارتس وعينات ويلف في عنوان كتابهما "العودة في أكتوبر: جذور الصراع والطريق إلى الحلّ" تلاعبًا لغويًّا بين كلمة "شِيڤا" (التي تعني العودة، في إشارة إلى حقّ العودة)، وكلمة "شِيڤعا" (التي تعني السابع، في إشارة إلى السابع من أكتوبر). وهذا التلاعب اللغويّ هو أوّل إشارة يقدّمها الكتاب إلى ادّعائه المركزيّ، إذ يُعيد تفسير جذور "الصراع" الإسرائيليّ–الفلسطينيّ وأحداث السابع من أكتوبر انطلاقًا من أطروحة تعدّ تمسّك الفلسطينيين بحقّ العودة العقبة الأساسية أمام إنهاء "الصراع" وتحقيق "السلام".
يعبّر المؤلّفان عن تفاجئهما حين اكتشفا أنّ الفلسطينيّين، عندما يُصرّون على حقّ العودة، يتخيّلون تحقيقه على أرض الواقع، من خلال حزم حقائبهم والانتقال للعيش في الأراضي الواقعة داخل الخطّ الأخضر. ومن هذا المنطلق، شكّلت هجمات السابع من أكتوبر مُحاولة لتحقيق حلم العودة، ما أدّى إلى تبدّد الأوهام الإسرائيليّة "البريئة" التي تعاملت مع التوق الفلسطينيّ إلى العودة باستخفاف وتعالٍ، وعدّته مجرّد "ورقة مساومة في المفاوضات"، لا طموحًا فعليًا.
من جهة أخرى، يصف المُؤلّفان أنّ الأهمّ من ذلك هو فهمهما للمعنى "الأسطوريّ" الذي يضفيه الفلسطينيّون على العودة، بمعنى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، إلى الواقع الذي سبق ظهور الصهيونيّة و"قيام دولة إسرائيل"، أي العودة إلى زمن لم يكن "اليهود" يتمتّعون فيه بالقوّة والحقّ في تقرير المصير في البلاد. وبالتالي، يعتبران أنّ فكرة "العودة" تُمثّل في جوهرها نفيًا للصهيونيّة، ما يجعلها رؤية "راديكاليّة" و"متعصّبة". ويستنتج المؤلّفان أنّ الهدف الأسمى للجماعة الفلسطينيّة، والغاية من وجودها، والمبدأ الناظم لها، هو إنهاء السيادة اليهوديّة على "أرض إسرائيل"، وإعادة السيطرة عليها من النهر إلى البحر. وعليه، يعتقد شوارتس وويلف أنّ إسرائيل، كلّما تغافلت عن هذه "الحقيقة"، عرّضت نفسها لهجمات وأعمال عنف قاتلة، كما تجلّى ذلك في السابع من أكتوبر.
ويقدّم الكتاب سردًا تاريخيًّا للدور الذي أدّاه العالم العربيّ والمجتمع الدوليّ في ترسيخ فكرة "العودة" وتعزيزها. ويستهلّ ذلك بالإشارة إلى رفض الدول العربيّة والقيادة الفلسطينيّة الاعتراف بالسيادة الإسرائيليّة بعد عام 1948، وإخفاق محاولتهما استعادة فلسطين وإعادة اللاجئين إليها عام 1949. ثمّ يدّعي الكتاب أنّ الغرب أسهم في إدامة حرب الفلسطينيّين ضدّ إسرائيل، عبر تشجيع تطلّعاتهم إلى العودة للأراضي الواقعة داخل الخطّ الأخضر بصورة منهجيّة، ولا سيّما من خلال وكالة الأمم المتّحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيّين (الأونروا)، المموّلة من دول غربية. ويدّعي المؤلفان أنّ الأونروا، من خلال خدماتها التعليميّة والاجتماعيّة والصحيّة والاقتصاديّة، كانت "الشرير المركزيّ" في بلورة هويّة وطنيّة فلسطينيّة تتمحور حول حقّ العودة ورفض الوجود الإسرائيليّ. وقد تجلّى ذلك لاحقًا، وفقًا للكتاب، في اعتراف الأمم المتّحدة عام 1974 بحقّ الفلسطينيّين غير القابل للتصرّف في العودة إلى ديارهم. وفوق ذلك، يدّعي الكتاب أنّ الفلسطينيّين نجحوا في إحكام سيطرتهم على الوكالة وتحويلها بما يخدم احتياجاتهم، حتى صارت "الرحم الذي نشأت في داخله هويّة فريدة قائمة على النفي والتدمير، ونمت وتطوّرت وتغذّت فيه سياسة نفي الصهيونيّة وتدمير السيادة اليهوديّة. [...] فيما أصبحت التنظيمات الإرهابيّة [...] الذراع التنفيذيّة للهويّة الفلسطينيّة. وهكذا، غدا ارتباط الأونروا بالإرهاب سمة أساسيّة تميّز الوكالة".
ويرى الكاتبان أنّ حقّ العودة شكّل عقبة أمام مفاوضات "السلام"، ولا سيّما اتفاق أوسلو عام 1993، إذ لم تعترف منظّمة التحرير الفلسطينيّة، بإسرائيل دولةً يهوديّة، ولم تقبل فعليًّا بتقسيم فلسطين أو التخلّي عن حقّ العودة. ويربطان كذلك بين تصاعد المطالبة بهذا الحقّ خلال التسعينيّات وإخفاق مفاوضات كامب ديفيد عام 2000، معتبرَين أنّ تجاهل هذه القضية الجوهريّة حال دون التوصّل إلى تسوية نهائيّة وأسهم في استمرار "الصراع".
ويرى شوارتس وويلف أنّ حقّ العودة يحظى بإجماع فلسطينيّ، ويحتلّ مكانة مركزيّة في الهويّة والمنظومة القيميّة الفلسطينيّة، وأنّ قلّة فقط تقبل بالعيش إلى جانب "إسرائيل"، لا على "أنقاضها". وبذلك، لا يميّز الكاتبان بين حماس والسلطة الفلسطينيّة، إذ يعتبران أنّ كلتيهما تسعى إلى القضاء على إسرائيل. وعليه، يخلصان إلى أنّ السابع من أكتوبر لم يكن حدثًا عشوائيًا ارتكبته قيادة حمساويّة "مختلّة نفسيًا"، بل كان تعبيرًا عن "وعي عميق تضرب جذوره في تاريخ الصراع الإسرائيليّ-الفلسطينيّ نفسه. [...]". وخلافًا لما اعتقده الإسرائيليون، فإنّ "حماس تمثّل الفلسطينيّين بالفعل، وأنّ المشكلة تتعلّق بالفلسطينيّين جميعًا [...]"، وأنّ "الهويّة الفلسطينيّة لا تتضمّن رؤية بنّاءة ومتمايزة ومستقلّة، كالتطلّع إلى إقامة دولة مثلًا".
وفي الختام، يرى المؤلّفان أنّ إنهاء الحرب مرهون بالطرف العربيّ الرافض "للسلام"، ويعتبران أنّها حرب "فُرضت" على الصهيونيّة، دون أن يُبدي الفلسطينيّون أيّ استعداد للتنازل من أجل تحقيق "السلام". كما يريان أنّ إسرائيل لن تنعم بالهدوء ما دامت فكرة العودة قائمة، ولذلك يدعوان إلى اجتثاث هذه الفكرة واستئصالها تمامًا، وتفكيك الوعي الفلسطينيّ القائم على نفي الصهيونيّة، وحلّ الأونروا. وهكذا، عوضًا عن اقتراح إنهاء الاحتلال وضمان حقوق الفلسطينيّين السياسيّة والإنسانيّة، يرى الكاتبان أنّ الحلّ يكمن في المزيد من قمع حقوقهم وتطلّعاتهم، بل وفي احتلال الوعي الفلسطينيّ إلى جانب الأرض، وإخضاعه وضبطه وفق قوالب الفكر والأيديولوجيا الصهيونيّة.
[1] تعبّر وجهات النظر الواردة في هذا النص عن آراء كاتبها، ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر منصة "الصالون".
أفنان كناعنة، كاتبة مُحتوى وباحثة مستقلّة في دراسات الإعلام والاتّصال، من الداخل الفلسطينيّ المحتل.