يقدّم كتاب "جدّتي وأمي وأنا" لجين سعيد مقدسي سيرةً عائلية تتحوّل إلى تاريخٍ غير رسمي لفلسطين والمنطقة منذ أواخر العهد العثماني حتى مطلع القرن الحادي والعشرين. عبر حيوات الجدّة منيرة، والأم هيلدا، والحفيدة جين، يتقاطع الخاص والعام في سردٍ يوثّق محطات مفصلية مثل الحربين العالميتين، والانتداب، ونكبة فلسطين والشتات، وثورة 1952، والعدوان الثلاثي، والحرب الأهلية اللبنانية، ويرصد تحوّل الجغرافيا والهوية تحت وطأة الاستعمار والمشاريع الإمبريالية.
خالد منصور [1]
يأخذنا كتاب جين سعيد المقدسي، "جدتي وأمي وأنا: مذكرات ثلاثة أجيال من النساء العربيات"[2]، في رحلة مذهلة تضفر فيها المؤلفة حيوات ثلاث نساء: جدتها المولودة في حمص عام 1880 في ظلّ الإمبراطورية العثمانية، والأم المولودة في الناصرة عام 1914 مع بداية الاحتلال البريطاني، مع حياة جين المولودة في القدس عام 1940، قبيل سنوات قليلة من النكبة وبداية الشتات الفلسطيني مع تمكن المشروع الصهيوني من إنشاء دولة إسرائيل. وهكذا، يقدم الكتاب عرضًا معمّقًا لحياة الطبقة الوسطى العليا في فلسطين وبلاد الشام على مدى أكثر من مئة عام، بعيون نسائها ومن خلال خبراتهن ورؤاهن للعالم الذي شاركن في صنعه وإن بدَوْنَ أحيانًا على هامشه، حتى وإن لم تعكس كتب التاريخ الرسميّة، أو هيمنة الرجال على المناصب العامّة، هذا الدور وتلك الرؤية.
ويمثل الكتاب أيضًا استعراضًا لتاريخ من الفقد والخسائر والمقاومة، في سياق انهيار إمبراطوريات وتغلغل مشاريع استعمارية، وتحوّل الجغرافيا من مساحات مفتوحة تمتد من القاهرة إلى بلاد الشام (سوريا ولبنان وفلسطين)، إلى دول بحدود مغلقة. وفي هذا الواقع الجديد، وجد الفلسطيني، وإن كان من أبناء الطبقات العليا، نفسه في مواجهة قيود هائلة على الحركة والتنقل، بعد أن غدا محتاجًا إلى جواز سفر ومواطنة إثر ضياع فلسطين بوصفها وحدة سياسية عقب نكبة عام 1948، ثم هزيمة عام 1967.
تكاد الروائح والألوان تتهادى من صفحات هذا الكتاب، الصادر بالإنجليزية عام 2005، إذ يقدّم وصفًا دقيقًا متنوعًا لمشاهد الحياة اليومية، المترعة بالملاحظات والتفاصيل، في 376 صفحة من الترجمة العربية الصادرة عام 2023. هناك العشرات من مشاهد النساء وحياتهن اليومية في الشارع وفي البيت، حيث نكاد نلمس تعدد أدوار المرأة ونرى أثرها في حياة الأسرة من داخل البيت، وكيف تبرز لقيادتها عند الشدائد، أو تتعدى هذا لأداء أدوار عامة، رغم ما واجهته من تحديات مركّبة.
قساوسة وحروب
وُلدت الجدّة منيرة بدر في مدينة حمص عام 1880 تحت الحكم العثماني، وتلقت تعليمها في مدرسة إرسالية ببيروت قبل أن تتزوّج القس شكري موسى وتنتقل إلى الناصرة في فلسطين، حيث أسّس فرعًا للكنيسة المعمدانيّة الجنوبيّة، وهي العقيدة التي اعتنقها خلال سنوات شبابه في الولايات المتحدة. كانت منيرة ابنة قسيس وُلد في جبل لبنان وأُرسل إلى حمص لتأسيس كنيسة بروتستانتية هناك، مما جعل حياتها سلسلة من الترحال والخدمة الكنسية. ووُلدت الأم، هيلدا، في الناصرة عام 1914، سنة نشوب الحرب العالميّة الأولى، وعاشت في فلسطين سنوات عديدة، قبل أن تنتقل إلى مصر ومنها إلى لبنان.
وتفتح نشأة الجدة وأسرتها في القرن التاسع عشر نافذة على مشهد الإرساليات البروتستانتية، ولا سيّما الأمريكية في بلاد الشام، وهي من أول تجلّيات الدور الإمبراطوري الصاعد للولايات المتحدة. ففي زمن الاستعمار الأوروبي، كان القسيس يسير خلف الجندي بجوار التاجر وموظفي الإدارة. ومع خروج واشنطن من حربها الأهلية، وجّهت أطماعها الإمبراطورية الوليدة نحو الدين والتجارة أكثر من غيرهما. وصارت الإرساليات الأمريكية تدير مدارس في لبنان منذ أوائل القرن التاسع عشر، وفي إحداها في جبل الشوف درس جدّ جين الأكبر، يوسف. وكانت رواتب المبشّرين الأمريكيين تعادل عشرة أضعاف أجور السكان المحليين العاملين معهم. ولا يزال أثر تلك الإرساليات قائمًا في مجال التعليم، كما يتجلّى في الجامعة الأمريكية في بيروت التي تأسست عام 1866.
ومع أوائل القرن العشرين، برزت في المنطقة فئات من الأهالي باتوا على دراية بلغات الغرب وعاداته وأزيائه وتقاليده، وربما يرتاحون له أيضًا، خصوصًا في أوساط الطوائف المسيحية. وتحوّل كثيرون إلى البروتستانتية لا بفعل نشاط الإرساليات فحسب، بل أيضًا نتيجة أنهم كانوا "يعانون من القلق وضغوط عالمهم وغير راضين عنه بشكل ما أو بآخر. وعندما سمعوا وتبينوا ما رأوه بمثابة عالم جديد وأفضل، أخذت فجوة عملاقة تنمو بينهم وبين من أداروا هم ظهورهم تجاههم: كنيستهم القديمة ومجتمعهم القديم."
أمّا جين، فقد وُلدت في القدس عام 1940، في خضمّ تحوّلات كبرى وحروب، ففي عام ميلادها قصفت القوات الإيطالية مواقع بريطانية في فلسطين. ثم شهدت أفول الإمبراطورية البريطانية عام 1948، وانقلابًا صار ثورة في مصر عام 1952، فالعدوان الثلاثي عام 1956. وبعد استقرارها في لبنان في السبعينيات، ربّت أبناءها "وسط العنف اللانهائي العقيم المخيّب للآمال الذي اتّسمت به الحرب اللبنانية" التي اشتعلت عام 1975، ولم تنتهِ تمامًا إلا بعد خمسة عشر عامًا، حين صارت جين نفسها جدّة. كلُّ هؤلاء النساء كنَّ يصنعن الحياة بعد كلِّ مرّة ينهار فيها العالم من حولهنّ، وهو أمر تكرّر دون انقطاع، كلّ بضع سنوات، من سوريا إلى فلسطين فلبنان فمصر وما حولها.
لم تؤدي الجدّة أو الأم دورًا مباشرًا في الحياة العامة في الناصرة أو القدس أو القاهرة، لكنّ نساء أخريات في الأسرة والمجتمع المحيط قمن بذلك. فعلى سبيل المثال، شاركت العمة القوية نبيهة نساء فلسطينيات من الطبقة الوسطى المدينية في تأسيس اتحاد نسائي في العشرينيات، وفي تنظيم المظاهرات، وإرسال برقيّات الاحتجاج، وعقد المؤتمرات لمناهضة الاحتلال البريطاني والمشروع الصهيوني. وبينما انخرطت نساء البرجوازية في هذا النمط من العمل السياسي، وشاركت نساء الفلاحين في المواجهات ضدّ الميليشيات الصهيونية والقوات البريطانية، عبر نقل الطعام والسلاح إلى المقاومين الفلسطينيين، وتوفير الملاذ الآمن للهاربين.
كلّما ازداد العالم الخارجي خطورة
في حفرياتها عن حياة الجدة والأم، تتلمس جين جذور حياتها هي أيضًا، متخلّية تدريجيًا عن مقارنتها بحياتهم في مقابلة سطحية زائفة بين عالم تقليدي انهار في حياة منيرة وهيلدا، وعالم حديث شهدت هي ولادته وعاشته كامرأة عاملة. تكتشف جين "أننا نحن النساء قد صنعنا … التاريخ بقدر ما صنعنا هو أيضًا"، وصارت حكاية الجدة والأم تخصّها كما يخصّهما ماضيها هي. وتقول: "شعرت بأني أقل إحساسًا بالاغتراب، وأكثر اتصالًا بالعالم ... وأنّ الجوانب المتنوّعة لهويتي، والتي كنت أشعر بها متصارعة ومتقاتلة استقرت أخيرًا في مكانها وهو استقرار، لعلمك، ليس مرتبًا ولا صامتًا أو وديعًا ... هي كلها جوانب تعلمت أن أراها لا باعتبارها متناقضات أو فئات تقصي أحدها الأخر ... وإنما باعتبارها خلفية غنية للوضع الثقافي والتاريخي للحياة التي عشتها."
وعلى مستوى الحياة اليومية، ساد تقسيم جندري تقليدي للأدوار داخل العائلة، حيث تدير النساء شؤون المنزل والطعام والملابس وتربية الأطفال، بينما يتولى الرجال جلب المال وتثبيت المكانة الاجتماعية. أمام الجميع كان القرار الرئيسي يبدو بيد الرجل، ولكن داخل الأسرة، كما ترى جين، كان التأثير الحاسم للنساء اللواتي وجّهن القرارات الأساسية ودفعن نحوها.
ولم يكن ابتعاد النساء عن السياسة والعمل العام ناجمًا عن قهرهن واستيلاء الذكور على الفضاء العام فحسب، ولكنهم مثل ذكور العائلة كانوا يقرون جميعا بالهزيمة والعجز عن المشاركة العامة، مما جعل البيت "يكون أشبه بالشرنقة، ملاذًا حاميًا. وكلّما ازداد العالم الخارجي خطورة، ازداد الغلق إحكامًا... كان البيت أيضًا مكانًا للسلطة النسائية والتعبير النسائي ... بما يوفر السكينة والسعادة والصحة النفسية والكرم، في عالم متوحش ممنوع من دخول ذلك المكان".
هكذا تعلمت جين في صباها أنّ المفقود خارج جدران المنزل لا يعوّض إلا داخله، وأنّ "العالم ليس ملكًا لي أخلقه وأشكّله على هواي". ومن هنا نما في داخلها شعور "انفصال واغتراب رهيب" تجاه العالم وشؤون السياسة. وربما زادت هذه العزلة عن العالم الخارجي في القاهرة، كما تقّر هي وشقيقها إدوارد سعيد (1935-2003) في مذكّراته، "خارج المكان"،[3] إذ لم يتعرفوا على القاهرة جيدًا خارج أحياء الزمالك ووسط البلد والمزارات السياحية. وتقول أنها لم تستكشف المدينة قط، "ولم أقع على أسرارها ومواضع غموضها وحكاياتها الخفية وفقرها القاسي والعنف المكبوت الكامن تحت سطح حياة الحضر الاجتماعية." وربما كانت الخسارة الفادحة التي مُنيت بها فلسطين حاجزًا دفينًا حال دون الاندماج الكامل في مجتمع آخر.
في المقابل، لم يعان الوالد، وديع، من هذا الشعور الحاد بالفقد وهو الذي عاد مضطرًا من الولايات المتحدة في العشرينيات انصياعًا لرغبة أمّه المحتضرة. كان يرى المستقبل في الغرب و"حداثته"، أما القدس التي عاد إليها، فكانت في نظره ماضيًا مثقلًا بالمصاعب، ولم يهتم كثيرًا بزيارتها بعد أن غادرها في أواخر العشرينيات.
من الوطن إلى الشتات
مثلما صوّر الصهاينة قيام إسرائيل نهاية للشتات اليهودي، خلق قيام هذه الدولة الشتات الفلسطيني، إذ تركز معظمه في بداياته في الضفة الغربية وغزة، ثم في الأردن وسوريا ولبنان بعد أن نزح نحو 750 ألف فلسطيني مِن مناطق الاحتلال (الانتداب) البريطاني التي أُعلنت فيها دولة إسرائيل وذلك تحت تأثير أعمال العنف التي شنتها العصابات والميليشيات الصهيونية.
من عائلة جين وحدها، نزح الأقارب إلى الضفة الغربية والأردن ولبنان ومصر وسويسرا وكندا والولايات المتحدة. وتقول: "لقد تشتّتنا في أركان الأرض الأربعة. وقد استغرق الأمر بعض الوقت كي يدرك هؤلاء البشر المجبرون على ترك فلسطين أن رحيلهم هذا رحيل بلا عودة ... وقلة منهم من تمتعوا بالبصيرة والإدراك منذ البداية أن فلسطين ضاعت بلا رجعة، وأن مصيرهم أن يعيشوا منفيين ولاجئين."
وكالعادة، عانى الفقراء والمهمّشون أكثر بكثير من غيرهم، ولا يزالون، غير أنّ الخسارة طالت الفلسطينيين جميعهم. تقول جين: "في عام 1948 انتُزع قلب عائلتنا وانكسرت ركيزة وجودنا ... فمعظمنا، رغم أننا عشنا حياة طيبة ونجحنا وحققنا الكثير، ورغم أننا عقدنا صداقات عميقة عبر أرجاء العالم، ولكننا منذ 1948 ظللنا غرباء – ولا يقتصر ذلك على والديّ، وإنما على أبنائهم، بل وأخشى أنه على أبناء أبنائهم أيضًا."
خلق تاريخ منيرة
تصف جين ما جرى لجدتها منيرة في عام النكبة بقولها إنها "صارت منزوعة الملكية تمامًا، فكانت قد فقدت وطنها وبيتها وممتلكاتها، وفقدت مكانها في العالم والمجتمع. ولم تفقد حاضرها فحسب، وإنما ماضيها ومستقبلها أيضًا." وأُجبرت على رؤية أطفالها "وهم يتناثرون هنا وهناك دون أن تستطيع أن تفعل شيئًا ... في أعقاب نكبة 1948 انتزعها التغيير انتزاعًا تامًا (من العالم)، ولم يعد هنالك أي مكان لها فيه." وتضيف بأن الخوف من أن تلقى مصير الجدة والأم دفعها إلى الانغماس في عملها المهني والانكباب على حياة الجامعة مع مواصلة دورها داخل الأسرة، في الوقت نفسه الذي كانت تتابع فيه تطورات السياسة والمجتمع. وربما كلما أرهقتها هذه الطاحونة، كانت تنظر إلى الجدة والأم لتستمدّ منها قدرة على الاستمرار. كانت الجدة ماضية نحو موت وشيك وذاكرتها تشحب وتتلاشى، بينما صارت حياة الأم حزينة بعد ترمّلها ورحيل الأبناء عن البيت، ثم اندلاع الحرب الأهلية حولها في بيروت. وكانت جين تخشى أن تكون "ماضية على خطى جدتي وأمي نحو ما كنت أراه بمثابة التهميش الحتمي." وفي أكثر مقاطع الكتاب حزنًا، تصف جين شيخوخة منيرة والخرف الذي بدأ يتسلّل إليها، فنرى ذكريات السيدة القوية تنحل وتتداخل، وتعود أحيانًا إلى طفولتها، وتظن حفيدتها صديقة قديمة من الناصرة، وتسعى لزيارة أقارب وأصدقاء في دمشق رحلوا منذ عقود.
لجأت جين إلى كتب التاريخ لتعرف أكثر عن الظروف الاجتماعية والسياسية التي عاشت فيها منيرة لتكتشف أن المصادر التاريخية التقليدية نادرًا ما تلامس حياة النساء، إذ لم تقدّم سوى سجلّ للأحداث الخارجية المنفصلة عنهن "دون أي تدخّل منا أو رضانا عنها أو حتى وعينا بها". وهكذا اتجهت إلى مصادر أخرى، بعيدًا عن السجلات والكتب الرسمية والأكاديمية، منها مذكرات أمها المخطوطة، ورسائل عائلية متعدّدة، ومذكرات أقنعت خاليها أليف وإميل بكتابتها، لتكمل ما لم تحكه الجدة والأم.
وتستند في تقصيها لحياة جدتها منيرة ووالدة جدتها ليلى خلال القرن التاسع عشر، إلى مخزون من كتابات المبشّرين وسجلات الكنيسة، إضافة إلى كتابات الأقارب ورسائلهم، ومذكرات وسير، وحوارات مع كبار السن من أفراد عائلتها وأمها. ومع ذلك، تجد نفسها مضطرة للجوء إلى الخيال المرمّم لتملأ الفراغات الكثيرة، إذ لم تتح لها فرصة كافية لمحاورة جدتها حول تفاصيل حياتها وحياة أمها.
يمثل هذا المتخيل أداةً نسوية لاستنطاق التاريخ، وهو المنهج الذي تصفه الدكتورة هدى الصدة بلجوء النسويات إلى الخيال للكشف عن المشاعر في الأرشيف، عبر "نسج الحكايات حول الأحداث والمشاعر واللحظات المسكوت عنها". وهو ما نلمسه في تجارب معاصرة مثل كتاب إيمان مرسال "في أثر عنايات الزيات" وما تناوله عن حياة وانتحار الكاتبة المصرية (1936-1963)، أو ما قدمته رواية صادق في ورش عمل أنتج المشاركون فيها كتابات عديدة حول حياة المناضلة النسوية درية شفيق (1908-1975)، التي ماتت منتحرة أيضًا بعد الزيات بعدد من السنوات.[4] وهكذا، تطلق جين العنان لخيالها وهي ترسم صورة "مريم نخلة" (والدة جدها لأبيها)، تلك الشابة القوية التي كانت تركب الخيل مرتدية بنطالًا فضفاضًا وتعدو في ريف الجليل، وتخوض سباقات الخيل المعتادة في حفلات الزواج في فلسطين، وتسب بصوت عال خصومها الرجال ثم تذهب للإسطبل لتمشيط شعر الحصان وغسله وإطعامه. بهذا المزج بين الواقع والمتخيل، تستعيد جين "واقع مفقود في الزمان، ومدفون تحت ملايين الكلمات والصور لتراث مختلق تم فيه تصوير والدة جدي بوصفها محبوسة خانعة صامتة."
كما تقارن بين جدتها ونساء معاصرات لها انخرطن في الحياة العامة وشاركن في مظاهرات وتركن كتبًا، مثل عنبرة سلّام (1897-1986) في لبنان وهدى شعراوي (1879-1947) في مصر، وكلتاهما تنتميان لبيئات إسلامية محافظة. فترى أن الفتيات الثلاث نشأن على قيم الطاعة، غير أن شعراوي وسلّام جاءتا من عائلات سياسية يشارك رجالها في الشأن العام، بينما كانت جدتها "مكبوتة بقدر أكبر كثيرًا من الآخرين ... وكانت روحها الدفينة مغطاة بحجاب من السلوك المقبول والخوف من الاستهجان أكثر سمكًا و ثقلًا وكثافة من الحجاب الذي يغطي وجوه غيرها من الفتيات والذي كان يسهل بالمقارنة خلعه ورميه." ولذا، ظلت عبارة واحدة تتردد بلا انقطاع على لسان الجدة منيرة: "شو راح يقولوا الناس؟"، وهي العبارة التي اختزلت ذعرها المقيم من الاستهجان الاجتماعي.
ومن هنا، اعتمدت في هذا العمل على ذاكرتها، وعلى سيرة أمها هيلدا وحكايات جدّتها منيرة، إلى جانب مصادر منشورة وغير منشورة، منها دراسات تاريخية، ووثائق رسمية، وسجلات الإرساليات الأجنبية، وأرشيفات مؤسسات دينية وتعليمية، فضلًا عن تاريخ شفهي من أفراد العائلة، ومراسلات عائلية، ومذكّرات شخصية كتبها الأخوال بطلبٍ منها. كما زارت معظم الأماكن التي ترد في الكتاب، واستعانت بسجلٍّ وافر من الصور العائلية. ولعلّ من أرقّ ما يتضمّنه الكتاب الرسائل الغرامية المتبادلة بين الأم هيلدا والأب وديع في الثلاثينيات، ورسائلها اللاحقة إلى أبنائها من بيروت في الستينيات والسبعينيات.
التحديث الغربي والتطور المحلي: الصراع والتعاون
تقدّم جين، في قراءتها لعمل إليزابيث بوين-تومسون (1813-1869) في مجالي التبشير والتعليم في سوريا منتصف القرن التاسع عشر،[5] تحليلًا للعلاقة المركّبة بين رؤيتين مختلفتين للتحديث. فقد نظرت بوين-تومسون، المنتمية لمنظمة نسائية مسيحية إنجليزية، إلى نشاطها في سوريا الكبرى آنذاك بوصفه عملًا خيريًا يستهدف إدخال النساء في الحضارة الغربية ومساعدتهن عبر تقديم "مواساة الإنجيل" والتبشير بين أتباع الديانات الأخرى والطوائف المسيحية المختلفة. ومع مرور الوقت، تركّزت جهودها مع النساء في مجالات التعليم واكتساب المهارات، وإتاحة فرص عمل بسيطة في أشغال الإبرة، ثم أسّست مغسلة تجارية تعمل فيها النساء فقط. وقد صادف هذا التوجه احتياجًا مجتمعيًا لدى الطوائف المسيحية، لا سيما عقب المواجهات الطائفية الدامية ومذابح عام 1860. وتوسّعت الإرساليات في إنشاء المدارس استجابة لطلبات متزايدة من الأهالي في المناطق التي عملت فيها، فنشأت "المدارس السورية البريطانية". وقد تلقت الجدة منيرة تعليمها في إحدى تلك المدارس في بيروت.
أقامت بوين-تومسون علاقات وثيقة مع دبلوماسيين بريطانيين دعمت بها نشاطاتها المموّلة من لندن، والتي أسهمت بدورها في خدمة الجهود الإمبراطورية البريطانية وتعزيز الثقافة البروتستانتية واللغة الإنجليزية في مواجهة النفوذ الفرنسي الكاثوليكي. وقد حظيت مشاريعها بتقدير رسمي، فزارها أمير ويلز عام 1862، ولاحظ الطابع الإنجليزي لأعمال الطالبات، فأوضحت أن هدفها تمكينهن من كسب العيش إلى جانب ترسيخ تعاليم الكتاب المقدس. وبعد سنوات، ضغط الأمير على السلطان العثماني لإصدار فرمان يجيز للمدارس مواصلة عملها، ما ضمن استمرارها حتى يومنا هذا.
تقدم المذكرات وصفًا شائقًا لتفاصيل التعليم والمناهج والحياة في تلك المدارس، بما فيها قائمة تمتد لصفحات عن أشغال الإبرة التي كان يجب أن تتقنها الفتيات. وربما يفسّر هذا التركيز الشديد على تلك الحرفة وإتقانها أن الجدة منيرة، حين بدأ عقلها يتهاوى في سنوات عمرها الأخيرة، ظلّت "تقوم بلا نهاية بأعمال الكروشيه في صنع أكياسها الصغيرة وأغطية المخدات ومناديل المائدة وأغطية أذرع ورؤوس الكراسي، وهي تقوم بغرزة تلو الأخرى في التطريز والرتق، بينما كان العالم المحيط بنا يتهاوى، وهي تشعر بالعجز عن القيام بأي شيء حياله."
كان الدور الذي كرّسته الإرساليات للمرأة المحلية يتمحور حول خدمة الرجل والمجتمع، أو كما تقول بوين-تومسون: إن "المرأة السورية، التي طال إهمالها واحتقارها، شرعت في النهوض من جهلها وخنوعها البائس، وصارت ... زوجة في عون الرجل."
وتحذّر جين من النظر لتلك المرحلة عبر كتابات التبشيريين ومصادرهم وحدها، وذلك لأنها تهمل إرادة الفاعلين المحليين ورغباتهم وأفعالهم، ولا سيما النساء، كما تغفل دور الإمبراطورية العثمانية في صياغة مصير الشعوب ومسارات التحديث. فلم تفرض الإرساليات وحدها نمطًا من التغريب أبعد السكان، خاصة النساء، عن تراثهن التقليدي، ولم يكن ما جرى مجرد تحديث "أحادي الجانب لمجتمع عتيق بالٍ"، إذ لولا اهتمام ومشاركة المجتمعات المحلية ودور المثقفين والمعلمين المحليين، والتبرع بالأراضي والمجهود لإقامة المدارس، وإرسال البنات والأبناء إليها، لما ترسّخ هذا التحوّل في صيغة لم يكن الغرب هو الفاعل الوحيد فيها، وإن كان مهيمنًا.
وتقدّم جين خالتها إيميليا مثالًا على هذه العلاقة المركّبة في توليد الحداثة في المنطقة. فقد احتجّت الخالة على التفرقة في المعاملة بينها بوصفها معلمة محلية وبين المدرسات الأمريكيات، فتركت المدرسة التي كانت تعمل فيها ببيروت، وانتقلت إلى القاهرة عام 1897، ثم شاركت في تأسيس "كلية البنات الأمريكية"، التي افتتحها الرئيس الأمريكي تيودور روزفلت عام 1910. وصارت الكلية من المدارس المهمة في مصر في القرن العشرين، ولا تزال قائمة اليوم باسم "كلية رمسيس للبنات". وهكذا كانت إيميليا نتاجًا لتعليم الإرساليات، لكنها تمردت جزئيًا على منطقه التمييزي ضد شعوب المنطقة، وسلكت مسارًا مختلفًا. ويذكّرنا ذلك بشقيق جين، إدوارد سعيد، الذي تلقّى تعليمًا غربيًا رفيعًا، ثم جاءت أبرز إسهاماته الأكاديمية في كتاباته المؤسسة ضد الاستشراق والإمبريالية.
أما في زمن الانتداب/الاحتلال البريطاني، أسهمت السلطات في صوغ سياسات تعليمية استعمارية بالتعاون مع الإرساليات، فعملت المقررات البريطانية في مادتي التاريخ والجغرافيا، مثلًا، على مقاومة نشوء طبقة من المفكرين المستقلين، أو تقديم رؤى تاريخية متنوعة تشمل وجهات نظر المجتمعات المُستَعمرة. والمفارقة أن هذا النمط لا يزال قائمًا حتى الآن، إذ تصرّ إسرائيل على التدخل في المناهج الفلسطينية لتمنع ذكر النكبة أو المقاومة الفلسطينية، أو وضع خرائط لفلسطين قبل عام 1948، مدعية أن ذلك تحريض ضد دولة إسرائيل وحض على العنف. وعندما طالب فلسطينيون وفلسطينيات، قبل قيام دولة إسرائيل، بإنشاء مزيد من مدارس البنات، "أصرّت سلطة الانتداب على فرض المزيد من التركيز على التعليم الموجه للحياة المنزلية بدلًا مما أسموه جانب القراءة والكتابة".
انهيار العالم القديم .. مرة أخرى
بات واضحًا، مع حلول الخمسينيات ومطلع الستينيات، أن نمط حياة طبقة كاملة من الشوام، ولا سيما الفلسطينيين، قد شارف على النهاية، إذ باتت العودة إلى ما صارت تسمى إسرائيل مستحيلة، وتواترت الثورات والانقلابات في مصر والعراق ولبنان وسوريا. وعندما بدأت موجة التأميمات في مصر مطلع الستينيات، غادر معظم أصدقاء والدي جين، من عائلتي هيلدا وسعيد القاهرة، واستقر بعضهم في بيروت، لكن الأغلبية رأت أفول المنطقة حتميًا فانتهى بهم المطاف في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا.
غادرت عائلة جين القاهرة نهائيًا عام 1962، بعد تصفية أعمالها هناك متجهة إلى بيروت، التي كانت تنعم آنذاك باستقرار نسبيّ جعل منها قبلة لآلاف الفلسطينيين والعرب الذين ينشدون الحرية بمعنييها "الجاد والعابث"، وفق تعبير جين. ورغم تلاحق نُذر الحرب الأهلية مطلع السبعينيات، إلا أن التعايش مع الاضطرابات القائمة أو الوشيكة غدا أمرًا طبيعيًا. وتصف المؤلفة هذا الوضع قائلة: "أنّ الحرب الأهلية كانت على وشك الانفجار، بينما كان كبار الفنانين، نساء ورجالًا، يشاركون بالعزف والأداء والتمثيل والغناء في (مهرجان) بعلبك، وبينما كانت نساء بيروت يُقمن الحفلات الرائعة على شرف ضيوف المهرجان."
هكذا غدت الحرب، بكلمات الأم هيلدا، جزءًا طبيعيًا من مسار الحياة: "أنا فتحت عيوني على الحرب"، لتضيف الابنة متممة العبارة: "وأغلقتها على الحرب أيضًا". فقد ولدت هيلدا في الناصرة مع مطلع الحرب العالمية الأولى، وتوفيت في واشنطن في عام غزو العراق للكويت. تزوجت وهي في الثامنة عشرة من وديع سعيد، ليعيشا سويًا وينجبا أطفالهما بين القاهرة والقدس وبيروت، في حياة مفعمة بالتحوّلات الكبرى، جعلت من هيلدا مرآة لزمانها، "فالاغتراب والحزن والقلق العميق والاكتئاب الذي أصابها في سنواتها الأخيرة، وكذلك نفس القدر من الحماس والنجاح والبهجة التي عايشتها جاءت بشكل ما أو بآخر انعكاسًا مباشرا للحياة التي مرت بمجتمعها"، وانتهت مع سنوات الحرب الأهلية الطويلة في بيروت، بعد وفاة زوجها وصيرورتها أرملة وهي في منتصف خمسينياتها.
جين وإرث الأمهات
تقول جين بأنها، كلما أخرجت صور زفافها بعد سنوات طويلة على حدوثه، ينتابها شعور بأنها كانت تمضي "في ضبابية بلا اتجاه واضح، وأقوم بما أفعله بشكل آلي، ملتزمة بتوجيهات وأذواق وإرادة الآخرين." غير أن لحظة التحرر، ورحلة المواءمة بين أثر النساء اللواتي شكّلن وعيها، ثم اختيار طريقها الخاص، بدأت مع النضال السياسي الذي اشتعل في الولايات المتحدة في الستينيات، مع حركة الحقوق المدنية والحركة النسائية، اللتين زعزعتا "قلاع الحياة الأسرية، وذلك من خلال تعبيرها بشكل بسيط ومباشر وأمين عن مشاعر الشابات مثلي"، وعن حقهن في العمل، بل وفي تقاضي أجر مقابل العمل المنزلي وتربية الأطفال.
بيد أن هذه الطريقة الجديدة من التفكير كشفت لها، مع مرور الوقت، عن تشابهات وتقاطعات مع الأم والجدة، ولا سيما بعدما صارت أستاذة جامعية وأمًا عاملة تعيش في بيروت في السبعينيات، تلك المدينة الأكثر تحررًا في المنطقة كلها بالنسبة للنساء. وفي خضم تجربتها الأكاديمية، شعرت جين بأنها مستغلة ضعف ما كان عليه حال أمها وجدتها، إذ تقول: "أضفتُ أعباءً جديدة فوق الأعباء التي ورثتها". وصارت مهنتها مسألة ثانوية في نظر المجتمع والأسرة مقارنة بدورها كأم وزوجة داعمة لنجاح زوجها، وهو ما بدّل نظرتها للجدة تدريجياً، مخلّصًا إياها من إحساسها "الفوقي" القديم بأن الجدة لن تفهم معاناتها كـ "امرأة حديثة" لأنها قضت حياتها في حيز منزلي آمن؛ لتعترف جين بشجاعة: "كم كنت مغرورة في ذلك الوقت.. ظننت أن فرضياتي عن حياتها كانت هي حياتها."
وهكذا أخذ مفهوم التحديث يتفكك في تجربتها، إذ تصف حياتها كامرأة مكبّلة بأدوار اجتماعية رعائية تجاه زوجها وأبنائها وأفراد الأسرة الممتدة وضيوفها، بل وطلابها أيضًا. فقد فرضت على نفسها أن تشاهد كل فيلم، وتحضر كل حفلة، وتشارك في كل لجنة، منصاعةً "لتلك المعايير العليا لأدوار الأنوثة" الراعية، حتى صارت حياتها "جولة لا نهائية من الواجبات". ولم تفِ الحداثة بوعودها بالسعادة، بل "أرهقتني واستهلكتني تمامًا." وباتت ترى أهمية في الدفاع "عن أمي، جدتي اللتين عايشتا العديد من الحروب والتقلبات ... وتعرّضتا للظلم"، بعدما "اعتبرناهن مفتقرات للقوة أو الخيال أو الامتنان أو الإرادة أو الفكر أو شيء ما.... ولم نستوعب ما لديهن من قوة وعزم. لم ننسب لهن فضل نجاتهن وإيانا من الحرب ... كما لم نستوعب الثمن الدفين الذي دفعنه مقابل ذلك."
تقرّ جين بــأن الخوف من مصير الجدة والأم كان دافعًا أساسيًا لانغماسها في عملها المهني، وموازنتها بين متطلبات الجامعة والأسرة ومتابعة الشأنين السياسي والمجتمعي. وعندما بدأت التفكير في هذا الكتاب للمرة الأولى، كانت ذاكرة الجدة، الماضية نحو موت وشيك، تشحب وتتلاشى. بينما صارت حياة الأم حزينة ومقفرة بعد ترمّلها ورحيل الأبناء عن البيت، ثم اندلاع الحرب الأهلية حولها في بيروت. عندها أخذت تخشى أن تكون "ماضيةً على خطى جدتي وأمي نحو ما كنت أراه بمثابة التهميش الحتمي." ومن هنا، شجعت جين أمها على تدوين مذكراتها لمقاومة الاكتئاب وتداعيات الحرب الأهلية، لكن الأم توقفت قبل أن تكمل سرد حياتها، إذ لم تعد تحتمل استعادة الفقد. وقالت إن الكتابة تعيد الموتى إلى الحياة "من الظلال التي كانت قد دفنتهم فيها ... وكانت الآن وكأنها تواجه وفاتهم مرة أخرى ... بإحساس متجدد من الفراغ والألم." وعلى الرغم من إتقانها اللغة العربية، اختارت الأم تدوين مذكراتها بالإنجليزية، خشية "ألّا يتمكن أحفادها من قراءة مذكراتها إن هي كتبتها باللغة العربية"، بسبب ضعف لغتهم العربية.
ومع ذلك، حضرت العربية بقوة على فراش الموت، فكانت الأم تتحدث في معظم الوقت بالعربية؛ تارةً باللهجة المصرية التي اكتسبتها من سنوات إقامتها في القاهرة، وتارةً باللهجة اللبنانية حيث عاشت معظم حياتها بعد مغادرتها مصر، وكلّ ذلك مشوبٌ بكلمات فلسطينية وتعبيرات من الناصرة، حيث نشأت، ومن القدس، حيث أنجبت اثنين من أطفالها. وكانت الإنجليزية تتسلّل أحيانًا إلى حديثها، بل حتى الفرنسية التي تعلّمتها في القاهرة بلكنةٍ إيطالية. وفي الشهور الأخيرة قبل وفاتها، كانت "اللغات تتساقط عنها كما تتساقط البتلات عن الوردة الذابلة، وأخشى أنه مع تراجع اللغات وتغيرها سنصل إلى الجوهر، حيث لا يعود للغة أيّ وجود."
أما جين، فقد كتبت كتابها بالإنجليزية، على الرغم من أن العربية هي "لغة قلبي ولغة روحي، وهي اللغة التي تربطني أيضًا بحاضري"، لكنها ترى أن "استخدامي لها منقوص ومعيب". لذلك آثرت الإنجليزية، التي تعبّر بها عن "أعمق وأدق تجلّيات الإحساس والفكر"، بالرغم من شعورها بعدم الارتياح "لارتباطها بالإمبريالية وما سببته من آلام وأحزان"، إذ كانت "لغة السلطة القمعية وأصحابها الذين دمّرت قسوتهم حيواتنا".
الكتابات الأخرى
ينتمي كتاب جين سعيد إلى عائلةٍ واسعة من الأعمال السِّيرية الفلسطينية التي كتبتها نساءٌ من أجيالٍ وخلفيّاتٍ اجتماعية متقاربة، ومن بينها كتاب هالة السكاكيني (1924-2002) "أنا والقدس: سيرة ذاتية"[6]. وكما فعلت جين، وضعت هالة، المنتمية إلى عائلة برجوازية مقدسية، كتابها باللغة الإنجليزية قبل أن يُترجم إلى العربية. وتتقاطع إشارات جين إلى حياة البرجوازية الفلسطينية مع ما ترويه السكاكيني عن حياتها وأسرتها في ثلاثينيات القرن العشرين وأربعينياته في حيّ القطمون بالقدس؛ من تفاصيل الأحياء والشوارع والحارات، إلى أسماء المدارس والمسارح والمقاهي والمطاعم، ووصف الاحتفالات والتقاليد الاجتماعية.
وفي القطمون نفسه نشأت غادة كرمي (1939-)، التي أصدرت بالإنجليزية كتابها "البحث عن فاطمة" عام 2002، قبل أن يُترجم إلى العربية عام 2014.[7] وتستعيد فيه حياتها الاجتماعية في القدس حتى النكبة، ثم تجربة تهجيرها مع أسرتها إلى دمشق، ومنها إلى لندن، وصولًا إلى أواخر القرن العشرين.
وعن المرحلة ذاتها كتبت الشاعرة فدوى طوقان (1917-2003) سيرتها "رحلة جبلية، رحلة صعبة"،[8] متناولةً بصراحة وتفصيل حياتها في مجتمعٍ ذكوري في نابلس، وكيف حُرمت من التعليم وأُجبرت على البقاء في المنزل زمنًا، إلى أن ساعدها شقيقها. وتنتهي السيرة في الستينيات، حين غادرت فلسطين إلى إنجلترا للدراسة.
أما على صعيد العمل الفدائي والمقاومة المسلحة، فقد قدّمت ليلى خالد (1944-) شهادتها في كتاب "شعبي سيحيا"[9] الصادر عام 1973، متتبّعةً نشأتها وتجربتها في المخيمات في لبنان بعد تهجيرها من حيفا، ثم التحاقها بالعمل الفدائي في الستينيات، قبل انتقالها إلى النشاط السياسي لاحقًا. وقد ذاع صيتها عالميًا بوصفها أول امرأة تشارك في خطف طائرة.[10]
تغوص هذه السير جميعها في معاني الفقد والخسارة، لكنها تكشف أيضًا عن القدرة على التجاوز وابتكار حياة جديدة. فهي لا تكتفي بتوثيق إنجازات شخصية وتعليمية ومهنية وسياسية، وإنما تقدّم رؤى متعدّدة للواقع من منظور النساء، وتعبّر عن خبراتهن المسيجة أحيانًا بمفاهيم الذكورة والشرف، والمحاطات بحروب وقتال يخوضه في العادة الرجال، ومفاوضاتٍ وتسوياتٍ تولّوها كذلك. وفي المقابل، ظلّت أرشيفاتٌ كثيرة تُهمِل قصص النساء وأصواتهن، مع أن مهمتهن المتكرّرة كانت ترميم الحياة وإعادة نسجها في كل مرة، سواء شاركن في القتال نفسه، كما في حالة ليلى خالد، أو في مسارات التفاوض والعمل السياسي، كما فعلت الدبلوماسية الراحلة ليلى شهيد.[11]