مساحة دورية نسلّط فيها الضوء على عناوين حديثة الصدور تتناول شؤون المنطقة العربية وجوارها الجغرافي. نقدّم للقارئ لمحة أولية عنها، بوصفها نوافذ مفتوحة وفق ثيمة أو موضوع يختلف في كل عدد.
عبد الرفيع زعنون[1]
تقدّم هذه الإصدارات الإسبانية الحديثة قراءات نقدية متقاطعة للمنطقة العربية، تتجاوز السرديات الغربية المهيمنة، وتعيد التفكير في المنطقة بوصفها فضاءً تتشابك فيه السياسة بالتاريخ وإنتاج المعرفة. يجمع هذا العدد ستة مؤلفات تتناول محاور متداخلة: من تفكيك بنية الاستعمار الاستيطاني، إلى رصد تحوّلات القوة والهيمنة في الخليج العربي، وصولًا إلى استكشاف "الحروب المعرفية" بوصفها أداة لإعادة تشكيل الوعي وموازين الصراع. كما يعيد العدد قراءة الإرث الأندلسي، ويتتبّع التعقيدات الأمنية في الفضاء الأورومتوسطي، بما يكشف عن ترابط الأبعاد الجيوسياسية والثقافية في فهم تحوّلات المنطقة.
فلسطين: الاحتلال، الاستعمار، والفصل العنصري

Itxaso Domínguez de Olázabal, Palestina: Ocupación, colonización, segregación, Madrid, Catarata, 2022.
يقدّم الكتاب إطارًا تفسيريًا جديدًا لفهم ديناميات الاستعمار الاستيطاني في فلسطين التاريخية، في ترابط مع تحوّلات الجغرافيا السياسية والديناميكيات الاجتماعية والاقتصادية في الشرق الأوسط المعاصر، وذلك في ضوء الاهتمامات البحثية والمهنية لإتشاسو دومينغيز دي أولازابال، التي تعمل منسّقةً لمنطقة الشرق الأوسط والمغرب العربي في مرصد السياسة الخارجية الإسبانية.
يضمّ كتاب "فلسطين: الاحتلال، الاستعمار، والفصل العنصري" سبعة فصول تتناول بالتفصيل المنعطفات الكبرى في تطوّر الاحتلال الصهيوني، وديناميات الحركة الوطنية الفلسطينية والشتات الفلسطيني في القرن الحادي والعشرين، كما يناقش حدود تأثير المجتمع الدولي. ويختتم الكتاب بنص للأكاديمية التشيلية من أصل فلسطيني، نادية شاهين، حول سبل تطوير أشكال جديدة من المقاومة لإسناد نضال الشعب الفلسطيني.
تسعى الكاتبة، على امتداد هذه الفصول، إلى تفكيك عدد من الأوهام في المقاربة الغربية للقضية الفلسطينية، التي تتأرجح بين تقديم دعم إنساني محدود ومشروط لضحايا الآثار الحربية التي تخلّفها إسرائيل، وطمس أشكال المقاومة المشروعة التي يمارسها الفلسطينيون دفاعًا عن أرضهم ومستقبلهم، انطلاقًا من كون الأمر يتعلق باحتلال استيطاني يمارس أنماطًا حادّة من الإبادة والفصل العنصري، وينفلت باستمرار من قيود الشرعية الدولية.
تنطلق إتشاسو دومينغيز من منظور نقدي لإبراز الروابط بين فلسطين التاريخية والسياق العالمي، سعيًا إلى فهم الخلفيات المحرّكة للدعم الغربي غير المشروط لإسرائيل، ضمن خرائط مصالح متداخلة جعلت ملايين الفلسطينيين حول العالم محكومين بحالة انتظار دائم.
وفق هذا التصوّر، ترى الكاتبة أنّ فلسطين قضية عالمية من منظور حقوقي وسياسي، داعيةً إلى تطوير أشكال من النضال العابر للحدود، مثل حركات مقاطعة البضائع الإسرائيلية، والفعاليات الأكاديمية والمدنية المناهضة للحضور الإسرائيلي، والترافع عبر الشبكات والمؤسسات الحقوقية. وتخلص إلى أنّ التعاطف الغربي مع المنظور الصهيوني بدأ يتآكل تحت تأثير تحوّلات هيكلية في الرأي العام، الذي بات ينفلت تدريجيًا من "السرد المهيمن" الذي كرّس طويلًا تفسيرًا انتقائيًا للقانون الدولي يخدم المشروع الاستيطاني الإسرائيلي. كما تشير إلى البعد المؤسسي لهذا التحوّل، مستشهدةً بتصاعد تأثير حركة المقاطعة (BDS) وبعض قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
الحروب المعرفية: كيف تستخدم الدول والشركات والجواسيس والإرهابيون عقلك ساحةً للمعركة

Daniel Iriarte, Guerras cognitivas: Cómo estados, empresas, espías y terroristas usan tu mente como campo de batalla, Barcelona, Arpa Editores, 2025
يُعدّ دانييل إيريارتي صحفيًا وباحثًا إسبانيًا بارزًا، متخصصًا في الشؤون الدولية والجيوسياسية، وخبيرًا في تحليل "الحروب الهجينة" (Hybrid Warfare) وحملات التضليل الإعلامي المؤثرة في المسار الديمقراطي. وتتركّز اهتماماته على رصد تغلغل التطرف والأفكار السلطوية داخل الديمقراطيات الغربية، وهو ما يشكّل الجوهر التحليلي لكتابه "الحروب المعرفية".
يتألف الكتاب من اثني عشر فصلًا، يعالج فيها مفاهيم الحرب المعرفية، والجيوش الافتراضية، وحرب العصابات الرقمية، ومرتزقة المعلومات المضلِّلة، إضافة إلى التلاعب الخوارزمي بالانتخابات، ومسار الانتقال من الفضاء الرقمي إلى الشارع، وآليات زعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي منخفضة التكلفة.
ينطلق إيريارتي من تجربته مراسلًا صحفيًا في أكثر من خمسين دولة، ليكشف عن "الجغرافيا السياسية للبيانات"، وكيف توظّف الدول القوية الحرب المعرفية ضمن استراتيجيات الهيمنة، بحيث تتحول البيانات التي تعالجها شركات متخصصة إلى عنصر حاسم في إدارة الصراعات العسكرية والسياسية عالميًا، بما يعزّز أدوات القوة الصلبة القائمة على التدخل العسكري والحصار وفرض العقوبات. ويتجلى ذلك، وفق طرحه، في النموذج الإسرائيلي في غزة، حيث استعانت تل أبيب بشركات خاصة، محلية ودولية، لتجنيد "كتائب إلكترونية" تروّج للسرديات الصهيونية، إلى جانب توظيف أدوات رقمية متقدمة للسيطرة على "العقول" عبر منصات التواصل الاجتماعي، مثل برمجية "كلمات من حديد"، المتخصصة في تضخيم الرسائل المؤيدة لإسرائيل وتكرار نشر الردود في حسابات المستخدمين على الشبكات الاجتماعية.
كما يناقش الكاتب آليات "الهندسة التقنية" للفعل الانتخابي، من خلال الجيوش الافتراضية، والروبوتات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، مبيّنًا كيف تُستثمر البيانات الضخمة المستخلصة من منصات التواصل الاجتماعي في التلاعب بالمسارات الديمقراطية، وإحداث ما يسميه "زعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي منخفضة التكلفة". ويولي اهتمامًا خاصًا بدور بعض الشركات الإسرائيلية، ولا سيما شركة "أرخميدس"، التي أدت دورًا محوريًا في "فبركة" نتائج ما يقارب ثلاثين عملية انتخابية في دول العالم الثالث؛ ناهيك عن شركات أخرى تابعة لـ "اللوبي الصهيوني"، تسعى باستمرار إلى توجيه السلوك السياسي للناخبين الأمريكيين بما يتواءم ومصالح إسرائيل.
تكمن قيمة الكتاب في تحذيره من تصاعد "حرب البيانات" في ظل التوظيف المتسارع للتكنولوجيا الرقمية، وما يرافقه من اختراق للسيادة السياسية والاقتصادية للدول، فضلًا عن كشفه أوجه استخدام الذكاء الاصطناعي في إسناد آلة القتل المنهجي، وفضحه لدور المنصات الرقمية والشبكات الاجتماعية في إدارة المحتوى، بما في ذلك تقييد أو حذف المحتوى المناصر للقضية الفلسطينية.
المملكة العربية السعودية والهيمنة في الشرق الأوسط

David Hernández Martínez, El reino de Arabia Saudí y la hegemonía de Oriente Medio, Madrid, Los Libros de la Catarata, 2020
يضم الكتاب مقدمة تتمحور حول معضلات السلطة في المملكة العربية السعودية، وثلاثة فصول تحلّل الوضع الداخلي، بما في ذلك توترات انتقال السلطة السياسية، والنموذج الاقتصادي للمملكة، والتباينات داخل المجتمع السعودي. ويُضاف إلى ذلك خمسة فصول ترصد تحولات الوضعين الإقليمي والدولي، وتشمل: مساعي قيادة العالمين العربي والإسلامي، وعقيدة بن سلمان وأزمة الهيمنة، وتحدي الأمن الثلاثي في الخليج، وتحديات النظام السعودي في مواجهة الأزمات الإقليمية. ويأتي أخيرًا فصلٌ عن العلاقات مع القوى الأجنبية، خصّصه المؤلف لعرض الآليات المُوظَّفة لتعزيز دورها القيادي في المنطقة، سواء في علاقتها مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول المحيطة، أم مع الجهات غير الحكومية التي تستعين بها لتعزيز قوتها الناعمة.
يتتبّع ديفيد هيرنانديز مارتينيز، الأكاديمي الإسباني المتخصص في العلاقات الدولية، محاولات المملكة العربية السعودية لترسيخ حضورها فاعلًا إقليميًا، ولا سيما منذ تأسيسها عام 1932، معتبرًا أن تحليل التطور التاريخي "للدولة الوهابية" يسهم في فهم أعمق للأحداث الكبرى التي شكّلت مسار العالمين العربي والإسلامي خلال العقود الأخيرة. ويركّز النص على التطورات التي أعقبت عام 2011، تحت تأثير ارتدادات انتفاضات الربيع العربي، التي مثّلت تحديًا كبيرًا لطموحات توسيع النفوذ الدولي للسعودية؛ إذ اندفعت نحو توظيف مواردها الدينية والاقتصادية والسياسية لترسيخ موقعها الهيمني، في مواجهة تنامي نفوذ قوى إقليمية أخرى، ولا سيما إيران وتركيا والإمارات.
تكمن قيمة الكتاب في مقاربته التقاطعية التي تجمع بين حقول التاريخ والاقتصاد والجيوسياسة والعلاقات الدولية، بما يتيح الإحاطة بالتعقيدات التي تحكم تحالفات السعودية ضمن سياق إقليمي ودولي يتسم بتصاعد التنافس على مسارات النفوذ الاستراتيجي في الخليج العربي والشرق الأوسط عمومًا. كما يستشرف الكاتب تأثيرات الدور السعودي في إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، في ظل الديناميكيات الجديدة التي تعيد تشكيل طبيعة التحالفات بين القوى المهيمنة.
عندما كنا عربًا: الأندلس

Emilio González Ferrín, Cuando fuimos árabes: Al Ándalus, Córdoba, Editorial Almuzara, 2018.
يبرز إميليو غونزاليس فيرين بوصفه أحد المؤرخين الإسبان المعنيين بالتاريخ الإسلامي الوسيط وبالعلاقات العربية الأوروبية. أسّس وأدار كرسي الأندلس في مؤسسة "الثقافات الثلاث في البحر الأبيض المتوسط"، وعُرف بإنتاجه الغزير على مدى ثلاثة عقود، وبمواقفه المناصرة للقضايا العربية والإسلامية، فضلًا عن معارضته الصريحة للمنظور "القشتالي" التقليدي للتاريخ الإسباني. وقد تجلّى ذلك في مؤلفات مرجعية، مثل: "التاريخ العام للأندلس"، و"الأندلس: النموذج والاستمرارية"، و"طرق الإسلام بالأندلس".
يضم كتابه "عندما كنا عربًا"، إلى جانب المدخل المفاهيمي والمنهجي، ثمانية محاور كبرى تتمثل في: القرن العشرين، والحداثة السائلة، وعندما كنا عربًا، والجمود الإبستمولوجي، ومفاهيم الإسلامولوجيا، وخيوط اللغة الإسبانية، والحيرة والعزلة، وريكس هيسبانيا. ويرى الكاتب، على امتداد هذه المحاور، أن التراث العربي الإسلامي في الأندلس شكّل نواة النهضة الأوروبية على مختلف المستويات العلمية والفنية والعمرانية، وحتى الفلسفية؛ إذ تعود أصول الفكر التنويري إلى أعمال مفكرين أندلسيين، مثل ابن رشد وابن سينا. وفي المقابل، تتكرّس حالة من الإقصاء تجاه تعبيرات الحضارة الإسلامية. ولتفكيك هذه المفارقة، يدعو الكاتب إلى الاستناد إلى المناهج ما بعد الحداثية للاعتراف بالحدود السائلة بين أوروبا والإسلام، والإحاطة بتعقيدات المصادر الثقافية المشتركة، بما يتيح تقديم تفسيرات أكثر شمولًا وإنصافًا للواقع الإسلامي في أوروبا، وما يترتب على ذلك من مكاسب، من خلال تعزيز روح التسامح والانفتاح، وتقوية فرص اندماج المهاجرين من أصول إسلامية.
في هذا السياق، يوجّه إميليو غونزاليس فيرين خطابه إلى إسبانيا، داعيًا إياها إلى الاضطلاع بدورها التاريخي جسرًا للتلاقح الحضاري بين العالمين العربي والإسلامي من جهة، ودول الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى. ويتجلّى ذلك عبر مراجعة النموذج السائد في التعامل مع الامتدادات المستمرة للإرث الأندلسي، والانتقال من مقاربة قومية تسعى إلى طمس آثار الحضارة الإسلامية في الأندلس إلى مقاربة منفتحة تقاوم نزعات اليمين المتطرف.
تكمن قيمة هذا الكتاب في تقديمه قراءة تجديدية لتاريخ الأندلس تفصل بين البعدين الديني والثقافي، وتعيد صياغة الهوية الإسبانية بوصفها جزءًا من الموروث العربي. كما يسعى إلى تجاوز السرديات التقليدية وتفكيك الأحكام المسبقة، من خلال التأكيد على أن الحضور العربي في شبه الجزيرة الإيبيرية كان تعبيرًا عن حضارة وتاريخ مشتركين، قبل أن تكون مجرد عقيدة.
غزة: تأريخ لنكبة معلنة
Ignacio Álvarez-Ossorio y José Abu-Tarbush, Gaza: Crónica de una Nakba anunciada, Madrid, Los Libros de la Catarata, 2024
يستند هذا العمل إلى مرجعية أكاديمية رصينة يمثلها الباحثان جوزيف أبو طربوش وإغناسيو ألفاريز أوسوريو. فأبو طربوش، أستاذ علم اجتماع العلاقات الدولية في جامعة "لا لاغونا" بإسبانيا، تتركز اهتماماته البحثية على القضية الفلسطينية، ومن أبرز كتبه: "القضية الفلسطينية: الاستعمار والنكبة والاحتلال والإبادة الجماعية"، و"فلسطين: من اتفاقيات أوسلو إلى الفصل العنصري"، و"بين إسبانيا وفلسطين: مراجعة نقدية للعلاقات". أما ألفاريز أوسوريو، فهو أستاذ الدراسات العربية والإسلامية في جامعة كمبلوتنسي بمدريد، ومن مؤلفاته: "شبه الجزيرة العربية وإيران في وجه المسألة الفلسطينية"، و"لماذا فشل السلام؟ مفاتيح لفهم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي".
يشتمل الكتاب على ثلاثة فصول: "غزة: النكبة الفلسطينية الثانية"، و"نزعة إسرائيل الكبرى"، و"تقاعس المجتمع الدولي" ودوره في تعزيز إفلات إسرائيل من العقاب وفي حالة الفوضى التي يشهدها الشرق الأوسط في ظل تعاظم الغطرسة الإسرائيلية، إضافة إلى خاتمة يستشرف فيها ثلاثة سيناريوهات للصراع الفلسطيني الإسرائيلي: سيناريو كارثي يتمثل في طرد السكان والتصعيد الإقليمي، وسيناريو الاستمرارية المرتبط بإعادة إعمار غزة وعودة السلطة الفلسطينية، وسيناريو متفائل يتعلق بحل الدولتين.
تتمحور أطروحة الكتاب حول إبراز الطابع المستمر للنكبة، بوصفها ظاهرة لا تقتصر على البدايات الأولى للاحتلال الإسرائيلي، وإنما تتجدد بأدوات وأساليب مختلفة، وصولًا إلى الحرب الأخيرة على قطاع غزة في أعقاب "طوفان الأقصى"، حيث تجاوزت إسرائيل القيود القانونية الدولية، في انتهاك واضح لأحكام القانون الإنساني الدولي، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية المتعلقة بحماية المدنيين زمن الحرب.
يرتكز الكاتبان في تحليلهما على السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 بوصفه لحظة فارقة في تطور الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، سواء من حيث حجم ونوعية الأسلحة المستخدمة، أم من حيث اتساع نطاق التأييد الدولي لإسرائيل. وفي مقابل تواطؤ القوى الغربية الكبرى في الإبادة الجماعية المستمرة، برزت مواقف غير مسبوقة من التعاطف مع الشعب الفلسطيني في بعض دول الجنوب العالمي، واتخذت أشكالًا أكثر تأثيرًا، من بينها الدعوى القضائية التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية.
تتجلى قيمة الكتاب في توثيقه الدقيق للأوضاع في قطاع غزة بوصفها "سجنًا مفتوحًا"، حيث يحلل جذور الصراع وصولًا إلى أحداث "7 أكتوبر"، مسلطًا الضوء على سياسات الأبرتهايد ومعاناة الفلسطينيين من "نكبة ثانية". كما يقدّم نقدًا للصمت الدولي وتواطؤ القوى الكبرى، انطلاقًا من رؤية تقاطعية تجمع بين الأبعاد الإنسانية والحقوقية والسياسية للتحولات الراهنة في القضية الفلسطينية.
الأمن والدفاع: العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والمغرب العربي

Batista Cordova, Reinaldo dir., Ricardo Gómez Laorga dir., y María Hernández Moreno coord. Seguridad y defensa. Relaciones entre la Unión Europea y El Magreb. Madrid, Dykinson, 2024
يستعرض كتاب "الأمن والدفاع: العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والمغرب العربي" نتاج جهدٍ جماعي لنخبة من الباحثين المتخصصين في العلوم السياسية والعلاقات الدولية والجغرافيا السياسية. ويتناول الأبعاد الأمنية والدفاعية التي تحكم العلاقات بين إسبانيا ودول المغرب العربي في ظل التقلبات الجيوسياسية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة منذ عام 2020، ولا سيما مع الطفرة التي عرفتها تدفقات الهجرة من منطقة الساحل والصحراء وما تطرحه من تحديات في إدارة الحدود، فضلًا عن المعضلات المرتبطة بالشبكات الإرهابية وأمن الطاقة. ويتطرق الكتاب إلى سبل صياغة استراتيجيات دفاعية مشتركة للتصدي للتهديدات العابرة للحدود، وتثبيت التوازنات الاستراتيجية في حوض البحر الأبيض المتوسط. كما تناقش محاور أخرى تأثير الثقافة السياسية في طبيعة الموقف الأوروبي من منطقة المغرب العربي، وانعكاسات الصراع بين المغرب والجزائر على استدامة التعاون الأورومغاربي.
تتقاطع محاور الكتاب في التأكيد على أن الاستقرار في الضفة الجنوبية للمتوسط يمثل ضرورة حيوية للأمن القومي الأوروبي، إلى جانب كونه خيارًا دبلوماسيًا. ويخلص إلى أن المقاربة الأمنية الصرفة تجاه قضايا الإرهاب والهجرة أظهرت محدوديتها، بما يستدعي تبنّي مقاربة بديلة تقوم على بناء شراكات تنموية حقيقية تستهدف معالجة الجذور المنتجة لهذه الظواهر، والتقليل من حدة التوترات في منطقة الساحل. كما يشير إلى أن التحولات الجيوسياسية الراهنة، خاصة في ظل تصاعد التنافس الدولي على الموارد، تفرض على الطرفين الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق الاندماج الاستراتيجي، ولا سيما في مجالات الاقتصاد الأخضر والتعاون الدفاعي المشترك، بما يعزز القدرة على الاستجابة للمخاطر الهجينة.
تتجلى أهمية هذا الكتاب في تقديمه رؤية استراتيجية نقدية تتجاوز القراءات التقليدية للعلاقات الأورومغاربية، التي تعيد إنتاج المنظور الاستعماري في تعامل المركز الأوروبي مع الهوامش الأفريقية. كما تتبدى قيمته العلمية في قدرته على تفكيك التداخلات المعقدة بين الأزمات الأمنية العابرة للحدود، مثل الإرهاب والتهريب والهجرة والتغيرات المناخية، وبين المصالح الجيوسياسية المرتبطة بالطاقة والشراكة الاقتصادية والاستقرار الإقليمي، فضلًا عن استشراف السيناريوهات المحتملة لمستقبل الشراكة بين ضفتي المتوسط في ضوء التحديات الهجينة والتحولات الدولية الراهنة.
[1] تعبّر وجهات النظر الواردة في هذا النص عن آراء كاتبها، ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر منصة "الصالون".
عبد الرفيع زعنون: باحث في القانون العام والعلوم السياسية، باحث مشارك بالمعهد المغربي لتحليل السياسات.