يتناول كتاب "النسوية والدولة" إشكالية العلاقة المعقّدة بين الحِراك النسوي والدولة، انطلاقًا من حقيقة أنّ النضال من أجل تحسين الأوضاع القانونية والسياسية للنساء يجري اليوم، في كثير من الحالات، داخل حدود الدولة ومؤسساتها؛ من خلال آليات مثل الحصص الانتخابية وجماعات الضغط النسوية والسياسات العامة المستجيبة لقضايا النوع الاجتماعي. وفي الوقت ذاته، يطرح سؤالًا جوهريًا: هل تُشكّل الدولة أداةً للتحرر النسوي أم عائقًا أمامه؟ وتُقارب مقالات الكتاب هذه الإشكالية من سياقات متباينة تشمل دول الجنوب العالمي وأمريكا اللاتينية، مما يمنحه طابعًا مقارنًا يكشف عن التوترات المشتركة والمسارات المتعددة التي سلكتها الحركات النسوية في تعاملها مع الدولة.
عباس علي موسى[1]
يطرح كتاب "النسوية والدولة"،[2] الصادر باللغة الفارسية عام 2022، مجموعة من الأسئلة حول جدوى التعويل على دعم الدولة أو الابتعاد عنه والسير في مسارات مستقلة عبر المجتمع المدني وتمكين النساء، كما يتساءل عمّا إذا كان التعاون مع المؤسسات الرسمية يقود بالضرورة إلى الارتهان لها. تحاول نازنين شاهرُكني مقاربة هذه الأسئلة من خلال مجموعة مقالات لباحثات وكاتبات، تسعى إلى فهم حدود العلاقة بين الحراك النسوي والدولة وإمكانات الشراكة بينهما، إضافة إلى التفكير في استراتيجيات نسوية واقعية وفعّالة ضمن سياقات سياسية مختلفة. وتتمحور هذه المقالات حول ثلاثة محاور رئيسية: أولها النسوية الدولتية وآليات تضمين قضايا المرأة في السياسات العامة عبر الحصص الانتخابية والضغط المؤسسي، وثانيها التحولات من النماذج الدولتية نحو النماذج السوقية في التعامل مع قضايا النوع الاجتماعي، وثالثها التوترات التي تواجهها الحركات النسوية في سياقات متباينة مثل أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وأفريقيا وتركيا وأستراليا. وبهذا يغدو السؤال المحوري الذي يجمع هذه المقالات: هل تكون الشراكة مع الدولة مساراً للتمكين أم فخاً يُفضي إلى استيعاب النضال النسوي وترويضه؟
خطر التدجين وفخّ الموارد
تُقدّم المقالات الدولة بوصفها كيانًا متعدّد الطبقات، ابتداءً من مركز القرار وصولاً إلى امتداداته المتمثّلة في الخدمات العامة والاحتكاك اليومي مع الشرطة والقضاء والموظفين المحليين بوصفهم ممثّلين لسلطة الدولة، إذ يتبدّل شكل هذه السلطة بتبدّل مستوياتها؛ فالتفاعل معها أو مواجهتها يتشكّل عبر سلسلة متعدّدة الطبقات داخل المنظومة الواحدة. كما تضع المقالات مقاربةَ التعاون مع الدولة في منطقة رمادية قابلة للنقاش، تتفاوت بحسب نموذج كل دولة؛ فالتشريعات ومسارات السياسات العامة قد تفتح الطريق أمام إضفاء الشرعية على النظام القائم أو تحويل الحراك النسوي إلى ذراع إجرائية. وفي المقابل لا تبدو القطيعة خيارًا عمليًا دائمًا، خصوصًا عندما تضيق هوامش العمل المدني وتزداد سيطرة الدولة على الفضاء العام.
في هذا السياق تبرز مسألة التمثيل التي لا تُختزل في زيادة عدد النساء داخل المؤسسات. فالحضور قد يتحوّل إلى تمثيل شكلي إذا لم يقترن بقدرة فعلية على مساءلة السلطة وإعادة توجيه السياسات. والأهم أنّ هذا يقودنا إلى سؤال "الوساطة": أيّ نساء يُمثَّلن حين تُقدَّم المرأة فئةً واحدة متجانسة، بينما تُهمَّش فروق الطبقة والإثنية وغيرها من التمايزات داخل هذا التصنيف الجامع؟ من هذا المنظور، تغدو نقاشاتنا في الدول العربية حول الإصلاح القانوني، وتمويل منظمات المجتمع المدني، وحدود الممكن السياسي في ظلّ السلطوية أو النيوليبرالية، نقاشاتٍ تدور حول توازن بالغ الصعوبة: التفاوض مع الدولة دون الذوبان في منطقها، ومعارضتها دون الانعزال عن أدوات التغيير. فالمعيار الحقيقي للنجاح يقاس بقدرة الحركات النسوية على بناء تمثيل مسؤول يقاوم تحويل قضايا النساء إلى واجهات إجرائية.
يُمكن إسقاط هذه الأفكار على عدد من الدول العربية، غير أنّ الحالة السورية تبدو لافتة في هذا السياق، خصوصًا أنّ التجربة ما تزال في بدايتها. فبعد نحو خمسة عشر شهرًا على سقوط نظام الأسد في دمشق وتسلّم سلطة مؤقتة/انتقالية زمام الحكم، يظهر، حتى الآن، اتجاه واضح إلى إبعاد النساء عن المجال العام. ولا يقتصر الأمر على غياب المشاركة الفعلية، وإنما ينسحب على الحضور الرمزي؛ فمن يتابع الأخبار والصور الرسمية وخرائط التعيينات يقع على واجهات خبرية تكاد تقتصر على الرجال، وفي كثير من الأحيان تخلو من حضور النساء، إلى جانب ملامح متكررة لهيمنة الذكورية في بعض سلوكيات "الدولة" وخطابها.
وكما يرد في الكتاب: "الفكرة أو التعاطف – مهما كان صادقًا – لا يستطيع تجاوز التجربة المُعاشة"[3]. فعندما تدخل الحركة النسوية في علاقة تمويل أو شراكة مع الدولة، أو مع منظومات التمويل المرتبطة بها، لا يقتصر الخطر على "تلطيف" الخطاب، وإنما يمتد إلى إعادة تشكيل شروط الفعل السياسي نفسه: ما الذي يُسمح بقوله، وبأي لغة، ولأي جمهور، ووفق أي معايير للنجاح. ويبيّن الكتاب أنّ أنماط "الحوكمة الحديثة" تدفع الفاعلات النسويات إلى تكييف مطالبهنّ داخل قوالب تبدو تقنية ومحايدة، خاصة عبر السياسات المبنية على الأدلة. وهكذا تُعاد صياغة المطالب بوصفها تحسينات قابلة للقياس ضمن منطق اقتصادي. ويقود ذلك، كما تشير جوهانا كانتولا، إلى انتقالٍ من "نسوية الدولة" إلى "نسوية التسويق"، حيث تكتسب الحركة شرعيتها بقدر ما تتقن لغة الخبراء والمؤشرات، أكثر مما تطرح نزاعًا صريحًا مع السلطة وبناها.
وفي الوقت ذاته يلفت الكتاب إلى أنّ "التدجين" قد يحدث عبر مسار آخر يتمثّل في تخصّص العمل النسوي وتحويله إلى مشاريع خدمية تعوّض انسحاب الدولة من أدوارها الاجتماعية تحت ضغط سياسات "التكيّف الهيكلي" فتغدو بعض المنظمات جزءًا من إدارة آثار المشكلة بدل معالجة أسبابها، رغم نياتها المعلنة. ومع هذا التحوّل يتزايد خطر نزع الطابع السياسي عن الحركة وتقديمها بوصفها ملحقًا إداريًا داخل منظومة الحوكمة.
ومع ذلك لا يدعو الكتاب إلى قطيعة كاملة مع الدولة، بل يطرح نموذجًا تفاوضيًا يعبَّر عنه بـ "تمويل حكومي من دون تدخّل". ويعني ذلك قبول التمويل الذي يضمن استمرارية خدمات حيوية، مثل الإيواء ومناهضة العنف، مع بناء آليات واضحة تحمي الاستقلال وتمنع شراء الصمت أو فرض تعريف الدولة للمشكلات والحلول.
وتُقدَّم التجربة التركية مثالًا دالًا على هذا النمط من "التفاوض" مع الدولة دون الارتهان لها، عبر تجربة حركة مناهضة العنف المنزلي وبيوت الإيواء. فمنذ تظاهرات عام 1987 التي دشّنت حراكًا نسويًا واسعًا ضدّ العنف، تطوّر النقاش خلال التسعينيات حول مسؤولية الدولة عن توفير الملاجئ. وتعزّزت بعض الالتزامات القانونية لاحقًا مع مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وما رافقه من مطالب بتطوير البنية المؤسسية للحماية وسنّ تشريعات تُجرّم أشكالًا من العنف وتقيّد المعتدي. ومع ذلك ظلّ التحدي قائمًا؛ فبيوت الإيواء تحتاج إلى تمويل مستدام، لأن الاعتماد على تبرعات متقطّعة يُهدّد الاستمرارية. وفي المقابل قد يتحوّل التمويل إلى أداة ضبط إداري تفرّغ هذه البيوت من مبادئها النسوية الأساسية، مثل السرية، وتمكين الناجيات، وتقليص الهرمية، ومنع إعادة إنتاج السلطة الذكورية داخل فضاء الحماية.
ومن هنا بلورت التجربة التركية مطلبًا وسطيًا يقوم على تمويل حكومي من دون تدخّل مباشر؛ أي أن تتحمل الدولة عبء التمويل بوصفه واجبًا تجاه مواطناتها، في حين تُدار بيوت الإيواء وفق معايير تضعها الفاعلات النسويات ومنظمات المجتمع المدني. ومع ذلك يبقى المجال المدني عرضة لهشاشة دائمة، إذ قد يظل خطر الإغلاق أو الضغط القانوني قائمًا إذا تحوّل العمل إلى نقد سياسي مباشر للدولة.
نسوية الدولة والنسوية التسويقية
تنظر مقالات الكتاب إلى العلاقة بين الحركة النسوية والدولة بوصفها علاقة متحرّكة تتجاوز ثنائية التعاون والخصومة. فهذه العلاقة تتحدد عبر تفاعل عاملين أساسيين: حيوية الفاعلات والفاعلين النسويين من جهة، وبنية الفرص السياسية والمؤسساتية من جهة أخرى. ففي السياقات التي تمتلك فيها الحركة النسوية قدرة تنظيمية ومعرفية على بلورة مطالب واضحة، وتوجد فيها قنوات مؤسسية داخل الدولة، مثل وحدات سياسات النساء أو آليات التشاور أو أدوات "إدماج النوع الاجتماعي"، يمكن أن يصبح التواصل مع الدولة وسيلة لإدخال قضايا المساواة إلى أجندة السياسات العامة، وخلق لغة حقوقية مشتركة، وتحويل الضغط الاجتماعي إلى أدوات تنفيذ ومساءلة.
غير أنّ الكتاب يلفت إلى أنّ هذا المسار لا يُلغيه التحوّل النيوليبرالي بقدر ما يُعيد تشكيله جذريًا؛ إذ تنتقل السياسة تدريجيًا من مجال الصراع حول العدالة إلى مجال الإدارة المحكومة بمنطق الجدوى والكفاءة، فيما تُستدرج المنظمات النسوية إلى مفردات "الأدلة" و"العائد بالمنفعة" و"الكلفة"، مما يُفضي إلى تفضيل الخبرة التقنية الأقل صِدامًا على الفعل السياسي الخلافي. ولا يكمن الخطر هنا في التمويل بذاته، وإنما في انقلاب معيار الحقيقة العامة: فكل ما لا يُقاس ولا يُترجم إلى مؤشرات اقتصادية يفقد شرعيته في المجال العام. بهذا المعنى تبدو أطروحة كانتولا وجوديث سكوايرز لافتة حين تشير إلى أنّ مصطلح "نسوية الدولة" لم يعد يصف بدقة ما يجري، لأن الواقع أقرب إلى "نسوية سوقية"، أي من السوق، وتُعيد تعريف المساواة بوصفها مشروعًا قابلًا للتسويق والحوكمة، أكثر منه صراعًا سياسيًا حول توزيع السلطة والموارد.
وعلى صعيد آخر، تُضيء التجربة النسوية في إيران جانبًا حادًا من هذه الإشكالية. فبعد الثورة عام 1979 أُعيد تشكيل أدوار الجندر قسرًا، بدءًا بفرض الحجاب وإعادة تنظيم سوق العمل على نحو دفع كثيرًا من النساء إلى مغادرة وظائفهن أو الانكفاء إلى العمل المنزلي. وقد كان للاحتجاج المبكّر في الثامن من آذار/ مارس عام 1979 على الحجاب الإجباري دورٌ في تأجيل سنّ هذا القانون أو التراجع المؤقت عنه، قبل أن تُتيح الحرب العراقية الإيرانية هامشًا أوسع لقمع القوى المعارضة على مستويات متعددة وطوال سنوات النزاع.
ويستحضر الكتاب تجربة موازية، تمثّلت في حراك نسوي لنساء مقرّبات من العائلات والنخب السياسية الحاكمة، سعى إلى تأسيس جمعيات وترسيخ مفهوم متماهي مع رؤية الدولة، يتمحور حول "مكانة المرأة في الإسلام" وتقديم نموذج "إسلامي للمرأة". وقد ترتّب على ذلك أنّ أيّ حراك نسوي خارج عن هذا الإطار بات فعلًا مقاومًا للسلطة بالضرورة، بصرف النظر عن طبيعة مطالبه.
تكتسب هذه الإشكالية بُعدًا إضافيًا في الحالة الإيرانية، إذ تُظهر التطوّرات الأخيرة كيف تُعاد صياغة قضايا النساء ضمن سياق الأمن والسيادة في ظلّ الحرب الدائرة. ليبرز ملفّ لاعبات المنتخب الإيراني للسيدات اللواتي طلبن الحماية في أستراليا، والذي حظي بزخم عالمي وتضامنٍ تغذّيه أجواء التصعيد ضد إيران. وقد ترافقت هذه القضية مع تقارير عن ضغوط مورست على عائلاتهنّ داخل البلاد، الأمر الذي دفع معظمهنّ إلى إعلان العودة، بما يكشف هشاشة الحدود بين القرار الشخصي والإكراه السياسي.
وفي الوقت نفسه، تُشير تقارير أممية وصحفية إلى استمرار التضييق على الناشطات والمدافعات عن حقوق الإنسان، بما يشمل الاعتقال والمراقبة الرقمية، إلى جانب حظر شبه تام على استخدام الفضاء الإلكتروني. وتملك إيران سجلًا قمعيًا حادًا في ظروف مشابهة؛ إذ شهد صيف 2025 موجة من الانتهاكات الموثّقة التي طالت ناشطات، حيث سُجّلت ضغوط مكثّفة في بيئة اتّسعت فيها سياسات القمع تحت ذريعة الأمن القومي، ووصلت في بعض الحالات إلى تنفيذ أحكام الإعدام أو التلويح بها.
وفي حال انتهت الحرب وتمكّنت الأجهزة الأمنية من استعادة تماسكها، قد تتفاقم هذه السيناريوهات على نحو أشدّ قسوة. وعليه، لا تُجمّد الظروف العسكرية سؤال العلاقة بين النسوية والدولة، وإنما تعيد إنتاجه بحدّة أكبر، مع تقلّص المسافة بين إدارة الاختلاف السياسي واستهداف الأصوات النسوية.
في نقد التمثيل والكوتا
يُناقش الكتاب فكرة "التمثيل" بوصفها الوصفة الجاهزة لتحقيق الإنصاف، ويثير الشكوك حولها متسائلًا عمّا إذا كان حضور النساء في البرلمان أو مواقع صنع القرار يفضي فعلاً إلى سياسة نسوية. وينطلق النقاش من التمييز بين التمثيل الوصفي، الذي يركّز على تغيير الواجهة عبر زيادة عدد النساء، والتمثيل الجوهري الذي يستهدف التأثير في شبكات القرار ذاتها والسعي إلى تغييرها.
فالمقعد البرلماني أو الموقع في صنع القرار لا تُحدّد قيمته الفعلية بما يُتيحه من تأثير على قواعد اللعبة داخل مؤسسات تسير وفق منطقها الخاص، وبمدى قدرة شاغله على المقاومة والتغيير من الداخل. ومن هنا تظهر الكوتا أداةً ذات حدّين؛ فهي قد تفتح الباب أمام فاعلات يحملن مشروعًا حقوقيًا قادرًا على تحويل الحضور إلى تغيير حقيقي، وقد تتحوّل في الوقت ذاته إلى إدماج شكلي إذا كان ثمن "شرعية المقعد" هو الانضباط والارتكان إلى منظومة تُقيّد المبادرة وتُعيد إنتاج السائد.
ويزداد المشهد تعقيدًا عندما يوسّع الكتاب السؤال ليشمل الاختلافات بين النساء أنفسهن، مثل الفوارق الطبقية والإثنية ومواقع المركز والهامش. فليس هناك كتلة نسائية متجانسة يمكن اختزالها في صوت واحد. ويستدعي ذلك منطق التقاطعية كما صاغته كيمبرلي كرينشو، حيث تتداخل أشكال التمييز لتنتج تجارب ومصالح غير متطابقة، الأمر الذي قد يجعل "سياسات النساء" منحازة إلى فئة بعينها وتترك أخريات خارج الإطار.
وفي المحصلة، يخلص الكتاب إلى أن وجود النساء في مواقع السلطة لا يعني بالضرورة حلّ المشكلة. فالمعيار الأجدى ليس عدد المقاعد بقدر ما يمكن أن تُسهم به هذه المقاعد في تغيير السياسات، وما الذي تتيحه من إمكانات للتأثير، وما الذي قد يجري إسكاته تحت اسم تمثيل النساء.
خلاصة تقييمية
ينجح الكتاب في عرض العلاقة بين النسوية والدولة بوصفها علاقة متحركة لا تُختزل في ثنائية المعية أو الضدّية. فهذه العلاقة لا تحكمها صيغة واحدة، إذ تتبدّل تبعًا لتعريف الدولة والسياقين السياسي والاجتماعي. ومن هذا المنطلق يفكّك الكتاب الدولة بوصفها منظومة متعددة المستويات، تمتد من مجال السياسات إلى الحوكمة ثم إلى المستويات التنفيذية، وهو ما يتيح فهم العمل من داخل مؤسسات الدولة بوصفه استراتيجية ممكنة دون تبسيط أو تبرير شامل. كما يمتاز بدمج واضح بين البعدين النظري والتطبيقي، من خلال مفاهيم مثل "النسوية الدولتية" (State Feminism) و"الفيموقراطية/ مؤسَّسية العمل النسوي" (Femocracy)، التي تُقرأ عبر تجارب مؤسساتية فعلية.
كما يقدّم تشخيصًا مهمًا لأثر النيوليبرالية في توجيه الخطاب النسوي نحو لغة التمكين الفردي والمنفعة والأرقام بدل لغة الحقوق والعدالة. وقد يسهّل هذا التحوّل تمرير بعض المطالب داخل المؤسّسات، لكنّه قد يحوّل النسوية إلى عمل إداريّ "تقنيّ" ويُضعف بُعدها السياسي. ويُعزّز الكتاب أطروحته بأمثلة مقارنة حول الكوتا والتمثيل، وبحالات ملموسة مثل تجربة تركيا في التعامل مع العنف ومراكز الإيواء، حيث تظهر معضلة التمويل الضروري في مقابل الحفاظ على الاستقلالية، إضافة إلى إبراز دور الشبكات والتحالفات كما في التجربة البرازيلية.
ومع ذلك يظلّ عمق النقاش محدودًا في بعض المواضع، بحكم طبيعة الكتاب الذي يجمع مقالات لعدد من الباحثات والكاتبات. فبعض الأفكار تُعرض سريعًا من دون توسّع كافٍ في تفاصيلها أو مناقشة موسّعة للاعتراضات المحتملة. كما يثير الكتاب أسئلة عديدة أكثر مما يؤسّس لإطار نظري مكتمل. وقد يجد القارئ نفسه أحيانًا أمام ميل إلى البراغماتية المؤسّسية، بحيث يُعاد تعريف التغيير في صورة إجراءات إدارية قابلة للحلّ بدل مساءلة البنى الأعمق للسلطة. وعلى الرغم من إبراز مزايا الكوتا، يحتاج النقاش إلى مساحة أوسع لمساءلة التمثيل الشكلي وآليات المحاسبة، وكذلك لإشكالية النخبوية داخل المؤسسات النسوية. وفي النهاية تبقى معضلة الاستقلال والتمويل سؤالًا مفتوحًا: كيف يمكن بناء استدامة مالية لا تحوّل الحراك النسوي إلى مجرد مقدّم خدمات للدولة؟
[1] تعبّر وجهات النظر الواردة في هذا النص عن آراء كاتبها، ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر منصة "الصالون".
عباس علي موسى: كاتب وصحافي من سوريا
[2] شيرين راي، إيمي مازور، دوروثي مكبرايد، جوهانا كانتولا، وأخريات، النسوية والدولة/ فمينيسم و دولت، تحرير: نازنين شاهرُكني، (طهران: منشورات آسو، 2022).
[3] فمينيسم و دولت، ص 56.