هيئة تحرير الشام من الجهاد إلى السلطة
يتتبع باتريك هايني وجيروم دريفون في كتاب "تغيّروا بالشعب: طريق هيئة تحرير الشام إلى السلطة في سوريا"، مسار تحوّل هيئة تحرير الشام من تنظيم جهادي إلى سلطة سياسية، من خلال تحليل مراجعاتها الفكرية والتنظيمية وعلاقتها بالمجتمع السوري. ويستند المؤلفان إلى مقابلات حصرية مع قادة الهيئة، وفي مقدمتهم أحمد الشرع، لتفسير هذا التحول من خلال مفهوم "الثورة الصامتة". التي أعادت صياغة أولوياتها من الجهاد العابر للحدود إلى إدارة الحكم في السياق السوري.
يناقش محمود هلال[1] حدود هذه الأطروحة، متسائلًا: هل تجاوزت هيئة تحرير الشام بالفعل إرثها الجهادي، أم أن التحول الذي شهدته يعكس براجماتيةً سياسية أكثر مما يعكس مراجعةً فكريةً عميقة؟
في ديسمبر 2024، قادت "هيئة تحرير الشام" تحالفًا أطاح بنظام الأسد بعد حكمٍ دام نحو 54 عامًا. يطرح هذا التحول الدرامي تساؤلات يحاول كتاب "تغيّروا بالشعب: طريق هيئة تحرير الشام إلى السلطة في سوريا"[2] الإجابة عنها: كيف تحولت جماعة جهادية إلى حركة سياسية تقود سوريا؟ وإلى أي مدى يمكن فهم تطور الهيئة من خلال استكشاف المناطق الرمادية في مسارها الفكري والسياسي؟ وكيف أعادت الهيئة تعريف ذاتها عبر تبنّي شكل من الإسلام الشعبي البراجماتي؟ وما الآليات التي مكّنتها من تهميش التيارات الأكثر تشددًا داخلها؟ وهل أتاح لها ذلك بناء تجربة سياسية تتجاوز التصنيفات التقليدية التي ترى في الهيئة مجرد تنظيم جهادي؟
يحاول الباحثان، باتريك هايني وجيروم دريفون، الإجابة عن هذه الأسئلة بالاعتماد على مقابلات حصرية ومباشرة مع قادة الهيئة، وعلى رأسهم أحمد الشرع نفسه، بالإضافة إلى لقاءات مع دبلوماسيين ومعارضين. غير أن هذا الصعود الذي تُوِّج بإسقاط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، يثير تساؤلًا آخر لفهم مسار الهيئة: كيف ظهرت هيئة تحرير الشام؟
جذور هيئة تحرير الشام وصعود أحمد "الجولاني"
تبدأ قصة "هيئة تحرير الشام" من سجون العراق، وتحديدًا من الموصل، حيث صُقِلَت ملامح شخصية أحمد الشرع (الجولاني). كان الشرع حينها قائدًا ميدانيًا برتبة متوسطة في تنظيم داعش في العراق، وقد قضى خمس سنوات في سجني "بوكا" و"أبو غريب" خلال فترة الاحتلال الأمريكي للعراق. وفي عقر دار تنظيم داعش بالعراق، بدأت بذور الخلاف تنمو؛ إذ وجد الشرع نفسه في تضاد مبكر مع ثقافة "الغلو" السائدة في صفوف التنظيم، حيث عارض نهج التنظيم في التوسع في "التكفير" الذي طال فئات واسعة من الموظفين في مؤسسات الدولة.
وحين اندلعت الثورة السورية عام 2011، أدرك الشرع أن الساحة الشامية تتطلب نهجًا مختلفًا عن تجربة تنظيم داعش في العراق، إذ عانى التنظيم من فجوة واسعة بينه وبين السكان، حالت دون تكوين قاعدة دعم شعبي له. إثر ذلك، رفض الشرع أوامر أبو بكر البغدادي، قائد داعش في العراق، بشن هجمات عشوائية ضد المدنيين، واتجه إلى بناء "جبهة دعم" للشعب السوري، وهو ما شكّل بداية مسار الانفصال عن أيديولوجية "الجهاد العالمي".
عرض الشرع على قيادة داعش في العراق الانتقال إلى سوريا. ووافق التنظيم على إرساله في مهمة استكشافية إلى هناك؛ إذ كان يعاني حالة وهن شديدة بعد فقدان معظم قياداته. ومع أن الشرع طلب مائة فرد لمرافقته، فإن التنظيم لم يمدّه سوى بستة أفراد، بتمويل محدود تراوح بين خمسين وستين ألف دولار شهريًا لفترة وجيزة. وبسبب محدودية الموارد التي قدمتها قيادة داعش، تمتع الشرع بقدر من الاستقلالية. وكان أول مظاهر هذا الاستقلال شروعه في تكوين نواة تنظيم جديد، من خلال نسج علاقات مع أفراد من عائلات لها تاريخ في المعارضة الإسلامية للنظام السوري منذ ثمانينيات القرن الماضي.
برز نجم "جبهة النصرة" عام 2012. واشتكى البغدادي ومساعدوه من أن الشرع يتخذ قراراته منفردًا، وأنه أظهر مرونة زائدة في التعامل مع القوى المعارضة والمجتمع المحلي. كان تنظيم داعش يضغط على جبهة النصرة لتبنّي سياسة طائفية تقوم على شن هجمات عشوائية، وهو ما رفضه الشرع حرصًا على شرعية مشروعه داخل سوريا.
وعلى حد وصف هايني ودريفون، رأى الشرع ضرورة "سَوْرَنة" (Syrianization) التنظيم، وجعل الثورة السورية المحرك الأول له بدلًا من أجندات الجهاد العالمي العابرة للحدود. وبسبب هذا التباين، أوفد البغدادي نائبه أبا محمد العدناني لتقييم الوضع، فما كان من الشرع إلا أن همّشه وأبعده عن دوائر القرار، مما عمّق الهوة بين الطرفين.
بلغ الصراع ذروته في نيسان/أبريل 2013، حين أعلن البغدادي دمج الجبهة في تنظيمه الجديد "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (Islamic State in Iraq and Sham – ISIS)، وهو ما رفضه الشرع. وجد الأخير نفسه أمام مأزق؛ إذ انشق عنه نصف مقاتليه، وفقد السيطرة على الموارد الحيوية في شرق سوريا لصالح البغدادي. عندها لجأ إلى مبايعة أيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة، مباشرة.
لم تكن هذه البيعة نابعة من رغبة في الانخراط في مشروع الجهاد العالمي الذي أعلنه داعش، وإنما كانت بمثابة غطاء تنظيمي للحفاظ على ما تبقى من شرعية في مواجهة تغول مشروع البغدادي. واشترط الشرع في بيعته ألا تُستخدم سوريا منطلقًا لأي عمليات خارجية، مركزًا جهوده على مواجهة نظام الأسد فقط. هناك أسباب دفعته إلى ترك تنظيم الدولة والارتباط بتنظيم القاعدة بدلًا منه. فتنظيم الدولة الإسلامية يرى نفسه السلطة الشرعية الوحيدة للمسلمين عالميًا، ويرفض جميع الجماعات الأخرى. أما تنظيم القاعدة، فيقوم على شبكة من الفروع المرتبطة به عبر بيعة رمزية تمنح استقلالية أكبر لكل فرع في سياقه المحلي، وهو ما انسجم مع رغبة الشرع في بناء تنظيم يركز على الساحة السورية فقط.
ومع مرور الوقت، ونظرًا إلى أن الارتباط التنظيمي بالقاعدة تسبب في وصم تنظيم جبهة النصرة، وحال دون اندماجه في صفوف المعارضة السورية، فكّ الشرع الارتباط الكامل مع تنظيم القاعدة عام 2016. ومع فك الارتباط، أُعيدت تسمية التنظيم ليصبح "جبهة فتح الشام"، ثم لاحقًا "هيئة تحرير الشام".
تغفل هذه الرؤية العنف الذي مارسته "جبهة النُصرة" في بداياتها. كما أن التركيز على أن الخلاف مع البغدادي تمحور حول "رفض الهجمات العشوائية" يقدم صورة تجميلية عن الهيئة. فقد مارست جبهة النصرة، حتى في ذروة خلافها مع داعش، أشكالًا من "العنف الوظيفي" الممنهج، مثل التصفيات والاغتيالات والمحاكم الشرعية المتشددة. ويوضح تشارلز ليستر في دراسته عن القاعدة وداعش أن النصرة لم تكن أقل راديكالية في تطبيق فكرها المتشدد، لكنها كانت أكثر براعة في اختيار توقيت تطبيقه، بما يقلل من احتمالات استعداء المجتمع المحلي. [3]
التوجه البراجماتي لهيئة تحرير الشام: الثورة الصامتة والمسار "الترميدوري"
بعد أن تشكّلت هيئة تحرير الشام، مرت بعملية تخلّت خلالها عن طابعها الراديكالي، وأعادت تموضعها الأيديولوجي عبر الممارسة اليومية والإدارية والانخراط في شؤون الناس، من المخابز والمدارس إلى إدارة الحياة العامة، وليس عبر مراجعات فقهية أو وثائق رسمية أصدرتها الهيئة. وهو ما أطلق عليه الكتاب "الثورة الصامتة".
رأى المؤلفان أن مسار الهيئة في إدلب بين عامي 2016 و2024 يمثل انتقالًا إلى مرحلة "ترميدورية" (Thermidor)، في إشارة إلى التحول الذي خفّف من اندفاعها الراديكالي ودفعها نحو إعادة ترتيب علاقتها بالمجتمع. ويستند هذا المفهوم إلى الثورة الفرنسية، إذ يصف اللحظة التي تخبو فيها جذوة الراديكالية الثورية بفعل الاحتكاك بالواقع، فتتجه القيادة إلى الاستقرار والمساومة من أجل تثبيت أركان حكمها.
وكلمة "تيرميدور" مشتقة من الكلمة اليونانية Thermos، وتعني الحرارة، وهي اسم الشهر الحادي عشر في التقويم الفرنسي القديم. وارتبط المصطلح بانقلاب 9 تيرميدور، الذي وقع في 27 تموز/يوليو 1794، وأطاح بروبسبيير وجماعة اليعاقبة المتشددة. مثّل هذا الانقلاب نهاية مرحلة عهد الإرهاب الدموية، وبداية عودة الاستقرار والاعتدال النسبي. [4]
تتجلى المرحلة الترميدورية التي مرت بها الهيئة من خلال ثلاثة مؤشرات. أولًا، مرور الهيئة بما أسماه هايني ودريفون عملية "إعادة التوطين" (Relocalisation)، حيث فكّت ارتباطها بأيديولوجيا الجهاد العالمي، وانغمست في السياق المحلي السوري، مستجيبة لما يصفه الكتاب بـ"عطالة المجتمع". والمقصود هنا هو تلك القوة الكامنة في البنى الاجتماعية والتقاليد الراسخة التي تقاوم التغيير، مما دفع التنظيم إلى التكيّف مع المزاج الاجتماعي السائد عبر تبنّي أنماط تدين وسلوكيات اجتماعية مقبولة شعبيًا، بدلًا من السعي إلى فرض نمط عيش متشدد يرفضه الناس.
ثانيًا، احتواء التصوف وتحويله من تيار مُلاحَق إلى حليف يمثل "التدين الوجداني" للأغلبية، وذلك لمواجهة الراديكالية الشعبوية التي بدأت تظهر خارج الهيئة. ثالثًا، تفكيك نظام القواطع عام 2018، وهي النقطة الأهم في تطور الهيئة. فقد كانت القواطع تؤدي وظيفة إقطاعيات عسكرية دينية، يتمتع داخلها "الأمراء" المحليون والقضاة "الشرعيون" بسلطات شبه مطلقة، تُمارَس عبر أنماط حكم كاريزمية منفلتة وغير منضبطة مؤسسيًا.
أدرك أحمد الشرع (الجولاني) أن استمرار هذا النموذج يشكل عائقًا أمام بناء كيان سياسي مستقر يمكن توصيفه بـ"الدولة"، لذلك عمل على تقويض نفوذ هؤلاء الأمراء، واستبدلهم بطبقة جديدة من "التكنوقراط الإسلاميين"، وهم شبّان متعلمون يمتلكون كفاءات إدارية وقانونية، ويدينون بالولاء له.
وبهذا الانتقال، سعت الهيئة، على حد وصف هايني ودريفون، إلى "التحول من سلطة يحكمها الأمير ومسدسه على الطاولة إلى سلطة يديرها المسؤول بملفاته وقوانينه"، في إطار ما يسمّيانه "البونابرتية الإسلامية"، وهو نمط حكم يجمع بين الزعامة الفردية من جهة، والمؤسسية التكنوقراطية من جهة أخرى.
رغم التتبع الدقيق الذي يقدمه المؤلفان، فإنهما يسقطان جهازًا مفاهيميًا مستمدًا من تجربة الثورة الفرنسية على الواقع السوري. ويتجلى ذلك في توظيف مفاهيم مثل "الترميدور"، و"عطالة المجتمع"، و"البونابرتية الإسلامية". فعلى سبيل المثال، يختزل الاعتماد على مفهوم "عطالة المجتمع" الفاعلية الشعبية السورية في مجرد كتلة ساكنة تقاوم التغيير بالخمول، متجاهلًا أشكال الفعل المدني والاجتماعي التي مارسها السوريون، والتي أسهمت في دفع الهيئة إلى التكيّف مع الخصوصيات والقيود التي يفرضها الواقع السوري.
كما توجد نقطة عمياء لم يتطرق إليها الكتاب، ولا سيما ما يتصل بآليات القمع العسكري؛ ففي الوقت الذي يُسهب فيه المؤلفان في تفكيك مسار التحول البيروقراطي الذي عرفته هيئة تحرير الشام، يظل الجهاز الأمني والعسكري للهيئة مجالًا شبه مغفَل لم يحظَ بالمعالجة اللازمة.
إسقاط نظام الأسد
في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أطلق تحالف تقوده هيئة تحرير الشام عملية "ردع العدوان" ضد نظام الأسد. وكان التحالف منظمًا سابقًا تحت اسم غرفة عمليات "الفتح المبين"، قبل إعادة تسميته إلى إدارة العمليات العسكرية. وخلال أيام، أسفرت العملية عن انهيار دفاعات النظام، وتقدمت القوات بسرعة نحو حلب، قبل أن تتجه جنوبًا مرورًا بحماة وحمص وصولًا إلى دمشق. وسرعان ما انضمت فصائل أخرى إلى التحالف، بما فيها مجموعات مرتبطة بالجيش الوطني السوري في الشمال، وعدد من الفاعلين المسلحين في جنوب سوريا.
في 8 كانون الأول/ديسمبر، تولّت هيئة تحرير الشام رسميًا إدارة الحكومة الجديدة في سوريا. وتولى أحمد الشرع قيادة البلاد وشكّل إدارة مؤقتة. عُيّن مستشاره السياسي أسعد الشيباني وزيرًا للخارجية، فيما أصبح مرهف أبو قصرة، رئيس الهيئة العسكرية، وزيرًا للدفاع، وتولى أنس خطاب قيادة الاستخبارات الوطنية السورية قبل أن يصبح وزيرًا للداخلية. إلى جانب عبد الرحيم عتون، المرجع الديني البارز للهيئة والمستشار الديني للرئيس، تولّت القيادة المركزية للهيئة، وهي المجموعة نفسها التي قادت انفصالها عن تنظيم الدولة والقاعدة ووضعت استراتيجيتها الجديدة، زمام السلطة الفعلية. وبذلك أصبح هذا الفريق، المكوّن من العسكريين والسياسيين والدينيين الرئيسيين، صاحب التأثير الأكبر في صنع القرار وتوجيه مسار النظام الجديد.
في يوم الجمعة 21 شباط/فبراير 2025، كان الجامع الأموي يستعد لخطبة الشيخ ياسين علوش. ويُعدّ الأخير شخصية بارزة وعميدًا سابقًا لكلية الشريعة في إدلب، وهو من أبناء المدينة، وأحد المهندسين الأساسيين لاتجاهات السياسة الجديدة. عمل وسيطًا بين جبهة النصرة والفصائل الثورية الأخرى في إدلب بين عامي 2014 و2015، مع موقف لم يكن منحازًا إلى الطرق الصوفية أو السلفية. ومع سيفه التقليدي إلى جانبه، بوصفه رمزًا ارتبط تاريخيًا بخطبة الجمعة منذ عهد معاوية بن أبي سفيان، الخليفة الأموي الأول، تناول الشيخ علوش في خطبته الأحداث المحيطة، واصفًا حزب الله بـ"حزب الشيطان"، وهو مصطلح يستخدم في الخطاب الشعبي السني المعاصر للإشارة إلى الحزب بسخرية.
ورغم ذلك، حافظ الشيخ على موقف يقوم على "الحياد التاريخي"، متجنبًا الدخول في الخلاف اللاهوتي بين السنة والشيعة. تعكس هذه المشاهد واقع هيئة تحرير الشام الحالية باعتبارها العمود الفقري للحكومة الجديدة في سوريا: هيمنة على قاعدة إقليمية محددة من دمشق، وانفتاح على "الأغلبية الصامتة" السنية بما يشمل الصوفية، وتوظيف التراث الأموي لإثارة نشوة سنية مرتبطة بالمواجهة الجيوسياسية مع محور إيران، مع تجنب الخطاب الطائفي المباشر ضد الشيعة. وفقًا للكتاب، يشير وضع السيف إلى استعادة القوة السُنية وموقعها التاريخي في قيادة الدولة بعد عقود من سيطرة الشيعة العلويين.
لم يختفِ التطرف بعد سيطرة هيئة تحرير الشام على دمشق، لكنه انتقل من كونه تطرفًا تنظيميًا مركزيًا إلى تطرف شعبي قائم على الهوية السُنية. ففي الوقت الذي تبنّت فيه قيادة الهيئة خطابًا أكثر براجماتية وميلًا إلى التهدئة، برزت داخل المجتمع الثوري نفسه موجات من الاحتقان الطائفي والعنف الهوياتي غير الخاضع لسيطرة تنظيمية واضحة. وضع هذا التحول الهيئة أمام تحدٍّ جديد يتمثل في ضبط تطرف لا يصدر عنها مباشرة، وإنما ينشأ من قواعد اجتماعية تشعر بما أسماه جيروم دريفون "الفخر السُني"، وتسعى إلى التعبير عنه في مواجهة أي طائفة أخرى. واستجابة لذلك، عملت السلطة على تنظيم المجال الديني، مثل تعيين أسامة الرفاعي مفتيًا، والحد من الخطاب التحريضي، في محاولة لاحتكار تعريف الشرعية الدينية ومنع انفلاتها شعبيًا.
هل تستطيع "الحركة" أن تصبح "دولة"؟
بالنظر إلى الواقع السوري اليوم، وبعد مرور أكثر من عام على دخول الهيئة إلى دمشق في كانون الأول/ديسمبر 2024، نجد أن بنية السلطة في سوريا ما تزال تعاني مما وصفه هايني ودريفون بـ"فخ الهوية". ففي الوقت الذي يسعى فيه الشرع إلى نزع التطرف من الأعلى عبر خطاب وطني تصالحي مع مختلف الطوائف، تبرز "راديكالية شعبوية" من الأسفل تغذيها مشاعر الثأر تجاه الأقليات أو بقايا نظام الأسد. ويتجلى ذلك في الفجوة بين الخطاب الرسمي للشرع والممارسات على الأرض؛ إذ يبدو أن خطاب القيادة يسير في اتجاه، بينما تتخذ سلوكيات المسلحين في المستويات الدنيا اتجاهًا آخر، مع استمرار ارتكاب انتهاكات ضد الطوائف لا تختلف كثيرًا عن ممارسات نظام الأسد.
بعد مرور أكثر من عام على سقوط نظام الأسد، وبينما رأى باتريك هايني وجيروم دريفون في "المسار الترميدوري" للهيئة مؤشرًا على انتقالها من الراديكالية إلى البراجماتية الإدارية، يكشف الواقع السوري الراهن عن تحديات بنيوية أعادت إنتاج أزمات "المركز والهامش" بصور جديدة.
يرى الباحث زيد العلي أن القيادة السورية الجديدة، التي يقودها أحمد الشرع (الجولاني)، لا تزال عاجزة عن تجاوز منطق النظام المركزي القديم الذي هيمنت عليه الرئاسة القوية والتركيز الشديد للسلطة. ورغم أن الهيئة بدأت مسارها من "الهامش" في إدلب، فإنها ما إن تسلمت زمام السلطة في دمشق حتى تبنّت سياسات مركزية تهدف إلى إخضاع المناطق الطرفية بقوة السلاح، على نحو لا يختلف كثيرًا عن ممارسات نظام الأسد.[5]
ما وصفه الكتاب بـ"الثورة الصامتة" والتحول نحو التكنوقراط الإسلاميين اصطدم بواقع التعددية السورية. ففي عام 2025، شهدت المناطق الساحلية ذات الأغلبية العلوية، والمناطق الجنوبية، ولا سيما السويداء ذات الأغلبية الدرزية، موجات عنف طائفي دامية نفذتها قوات مرتبطة بالحكومة المؤقتة تحت ذرائع مثل "توطيد الأمن" أو "ملاحقة فلول النظام". هذا العنف يعكس محدودية نموذج "الاعتدال" الذي تبنته الهيئة؛ إذ تحول "الفخر السني" الذي أشار إليه المؤلفان من مجرد شعور بالهوية إلى أداة للإقصاء والتهجير، كما حدث في السويداء التي شهدت موجات نزوح واسعة.[6]
ويشير الواقع الحالي إلى أن "البونابرتية الإسلامية" التي تحدث عنها الكتاب، والتي تجمع بين الزعامة الفردية والبيروقراطية التكنوقراطية، نجحت في إدارة بعض مؤسسات الدولة الخدمية، لكنها أخفقت في تقديم عقد اجتماعي جديد. فبدلًا من توسيع المشاركة السياسية، نجد ما يصفه ياسين الحاج صالح بالحكم السُني الطائفي الذي يكرّس احتكار السلطة من قبل جماعة واحدة.[7]
وفوق ذلك، تظل أدوات جمع المادة العلمية للكتاب موضع تساؤل؛ إذ إن اعتماده الكثيف على مقابلات مع قادة الهيئة يثير شكوكًا جدية حول الصورة التي يسعى الكتاب إلى تقديمها عن هيئة تحرير الشام. فقد يكون إتاحة هذه المقابلات للباحثين جزءًا من محاولة لإبراز صورة محددة عن الهيئة والنظام الجديد. ويزداد هذا التساؤل عند مقارنته بتجربة مشابهة لجيروم دريفون، أحد مؤلفي الكتاب، في عمل سابق له،[8] حيث تمكن من حضور اجتماعات سرية لجماعات جهادية إسلامية في مصر خلال تسعينيات القرن الماضي. وهو ما يفتح أسئلة إشكالية حول آليات الوصول إلى هذه الحركات، والعلاقة بين الباحث والفاعلين الذين يدرسهم، وحدود التأثير المتبادل بين الطرفين.
[1] تعبّر وجهات النظر الواردة في هذا النص عن آراء كاتبها، ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر منصة "الصالون".
محمود هلال: باحث في العلوم السياسية.
[2] Patrick Haenni and Jerome Drevon, Transformed by the People: Hayat Tahrir al-Sham's Road to Power in Syria (London: Hurst Publishers, 2025)
[3] Charles R. Lister, The Syrian Jihad: Al-Qaeda, the Islamic State and the Evolution of an Insurgency, 1st Edition (New York: Oxford University Press, 2015), pp 63-85.
[4] للمزيد حول هذا المفهوم وعلاقته بالثورة الفرنسية، انظر:
Crane Brinton, The Anatomy of Revolution (New York: Prentice-Hall, 1952).
[5] Zaid Al-Ali, The New Syria Is Run Like the Old – Foreign Policy, Foreign Policy, April 17, 2025.
[6] Sean Lee, Center and Periphery in a post-Assad Syria, Project on Middle East Political Science. Retrieved from: https://is.gd/9u449L (Accessed Jan 23, 2026).
[7] Yassin al-Haj Saleh, The Unruly History That Weighs on the New Syria, New Lines Magazine, Dec 5, 2025.
[8] Jerome Drevon, Institutionalizing Violence: Strategies of Jihad in Egypt (New York: Oxford University Pess, 2022).