البيت الذي لا نصل إليه: ثلاث مذكرات تعيد كتابة الذات في المنفى
يقدّم هذا النص قراءةً في ثلاث مذكرات معاصرة تتناول تجارب الهجرة والمنفى من زوايا مختلفة، هي: "سأخبرك عندما أكون في البيت" لهالة عليان، و"حجاب بوتش بلوز" للميا هـ، و"الطرف الخطأ من الطاولة" لآيسر سلمان. تكشف هذه القراءة كيف تتحول المذكرات من سرد لتجارب فردية إلى مساحة للتفكير في تشكّل الذات بين لغات وثقافات وذاكرات متداخلة، حيث تظهر الهجرة بوصفها حالة مستمرة من إعادة تعريف الهوية والانتماء.
وبين الذاكرة لدى عليان، والتأويل لدى لميا، والسخرية لدى سلمان، تطرح رشا فائق[1] سؤالًا مشتركًا: كيف تكتب الذات نفسها حين لا يعود المكان ثابتًا، ولا الهوية مكتملة؟
في أدب المذكرات المعاصر، لا تأتي الهجرة كحدث يمكن حصره في تاريخ محدد أو اختزاله في انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، وإنما تظهر كحالة ممتدة من التشظي وإعادة التكوين المستمر للذات. إنها ليست "رحلة وصول" بقدر ما هي شكل من أشكال الوجود يتشكّل داخل المسافة بين لغتين، وثقافتين، وذاكرتين لا تتطابقان.
هذا ما تكشفه بوضوح ثلاثة كتب تبدو مختلفة في أساليبها ومناخاتها السردية، لكنها تلتقي في العمق عند سؤال واحد يتكرر بصيغ متعددة: كيف تُكتب الذات حين تعيش بين عوالم لا تستقر فيها بالكامل؟
تتحول المذكرات في "سأخبرك عندما أكون في البيت" لهالة عليان،[2] و"حجاب بوتش بلوز"[3] للميا هـ، و"الطرف الخطأ من الطاولة"[4] لآيسر سلمان، من سرد فردي لحياة خاصة إلى مساحة تفكير أوسع في الهجرة بوصفها حالة شعورية ومعرفية معقدة، تتقاطع فيها الذاكرة العائلية مع الجسد، والنص الديني مع التجربة اليومية، والسخرية مع الألم، من دون أن تصل إلى شكل نهائي أو تعريف مستقر للهوية. تمثل هذه الكتب ثلاث زوايا مختلفة لرؤية الذات في المنفى، لكنها تلتقي أيضًا عند سؤال أكبر: كيف يمكن للإنسان أن يروي نفسه حين لا يعود المكان ثابتًا، ولا تصبح الذات مستقرة بما يكفي لتُروى حكايةً مكتملة؟
هالة عليان: البيت كاحتمال مؤجَّل
يروي كتاب "سأخبرك عندما أكون في البيت" مذكرات الشاعرة والكاتبة الفلسطينية-الأمريكية هالة عليان، التي تستكشف تجربتها مع الهجرة والتنقّل بين الكويت ولبنان والولايات المتحدة، في ظل إرث عائلي مثقل بالنكبة الفلسطينية وتاريخ طويل من التهجير. وتتقاطع هذه السيرة مع تجربة شخصية حساسة تتمثل في محاولات الحمل المتكررة، ثم اللجوء إلى الحمل البديل، وما رافق ذلك من فقد واضطراب عاطفي وإعادة تعريف لمعنى الأمومة.
تكتب عليان سيرة حياة تتجاوز السرد التقليدي، لتصبح نصًا عن الفقد المستمر لفكرة "البيت". فالعنوان نفسه لا يعد بالوصول، وإنما يعلّق إمكانيته، كأن البيت يتحول إلى وعد مؤجل لا يتحقق إلا في اللغة. ومن هذا المنطلق، يتجاوز الكتاب كونه مذكرات عن الأمومة ليغدو تأملًا في البحث عن مأوى داخل عالم لا يكف عن الانزلاق، حيث تتشابك موضوعات العقم، والحمل عبر أم بديلة، والذاكرة العائلية، والمنفى الفلسطيني-السوري، في محاولة لفهم معنى "العودة" أصلًا.
على المستوى البنيوي، يمزج النص بين السرد الذاتي والتأمل الشعري ضمن بناء غير خطي يعكس تفتّت الذاكرة. ولا يتحرك السرد في خط زمني مستقيم، إذ يتبع منطق الذاكرة، حيث يتداخل الماضي مع الحاضر من دون حدود فاصلة. وتتجاور الطفولة في الكويت مع المراهقة في بيروت والحياة في الولايات المتحدة من دون انتقالات حادة، في زمن يُبنى على هيئة طبقات متراكبة من الإحساس بالاقتلاع؛ فلا يلغي زمنٌ ما سبقه، وإنما يظل مفتوحًا عليه ويعيد تشكيله باستمرار.
في قلب هذا البناء، تتحول تجربة الحمل البديل، بما تحمله من انتظار وهشاشة وانكسار، إلى استعارة أوسع لمحاولة بناء حياة فوق طبقات من الغياب، وتبرز الأمومة من خلالها عدسةً لفهم الخلق في سياق الفقد، متجاوزةً المسار الشخصي المغلق. ومن هنا، يتجاوز الجسد الأنثوي حضوره البيولوجي الفردي، ليغدو أرشيفًا للهجرة، يحمل آثارها كما يحمل تاريخ العائلة عبر المنافي. كما تتخذ الأمومة بعدًا يتجاوز التجربة الفردية ليمس سؤال الهوية: من نكون عندما نُنتزع من أماكننا؟ وكيف نعيد تعريف العائلة في ظل الانقطاع؟
يحضر "البيت" بوصفه فكرة هشّة لا تختزلها الجدران أو العناوين، وإنما تتشكل من اللغة والذكريات والروابط المحمولة. لذلك، تتكثف في النص أصوات الأمهات والجدات والقصص الموروثة، والبلدان التي تُعاش في الوجدان أكثر مما تُعاش على الأرض، ما يمنحه بعدًا يتجاوز الخاص إلى الجمعي، ويجعله يلامس تجربة أوسع عن المنفى والنجاة وإرث الترحال.
أما على مستوى اللغة، فتكتب عليان بروح شعرية واضحة، مبتعدة عن السرد التقريري، لتصوغ جملًا تلتقط أثرًا عاطفيًا سريع الزوال. وتبدو بعض المقاطع أقرب إلى تأملات مكثفة منها إلى حكاية متصلة، غير أن هذا التقطيع ليس عيبًا بنيويًا، بقدر ما هو امتداد لمنطق النص ذاته، حيث تتجلى الذاكرة بوصفها ومضات وارتدادات وحالات شعورية متداخلة. ومع ذلك، لا يقدّم الكتاب نفسه بسهولة؛ فبنيته المتكسّرة، على الرغم مما تمنحه من كثافة وجمال، قد تخلق تشتتًا مقصودًا. وقد يُنظر إلى هذا الخيار على أنه تحدٍ للقارئ، لكنه ينسجم مع موضوع العمل، لأن الحياة تحت ضغط الفقد لا تأتي مرتبة.
في المحصلة، يبدو الكتاب محاولة لصياغة لغة لمشاعر يصعب التعبير عنها مباشرة. وهو ينجح، في أفضل لحظاته، في الجمع بين الصدق العاطفي والرهافة الأدبية والوعي السياسي الهادئ، محولًا التجربة الشخصية إلى سؤال مفتوح: هل يمكن حقًا العثور على بيت، أم أننا لا نملكه إلا بقدر ما نرويه؟
لميا هـ: الإيمان فعلُ تأويل
إذا كانت عليان تكتب المنفى ذاكرةً، فإن لميا تنقله إلى ساحة التأويل في كتابها "حجاب بوتش بلوز"، حيث تستعيد رحلتها من الطفولة إلى الرشد كامرأة/شخص غير مطابق للجندر، ومسلمة محجبة، ومهاجرة كويرية، في محاولة لفهم ذاتها عند تقاطع الدين والهوية والجندر والانتماء. ولا يقدّم النص سيرة تقليدية بقدر ما ينسج تجربة شخصية وفكرية تتشكل عبر التنقل بين بيئات مختلفة وصولًا إلى الولايات المتحدة، حيث تواجه الكاتبة الإسلاموفوبيا والعنصرية وأشكالًا متعددة من الإقصاء داخل المجتمع وخارجه.
يقوم الكتاب على فكرة مركزية مفادها رفض الاختيار القسري بين الإيمان والهوية الكويرية. فالعنوان نفسه يحيل إلى هذا التوتر، لكنه لا يقدّمه صراعًا ينبغي حسمه، وإنما مساحة معيشة مفتوحة للتأويل. تقترح لميا مسارًا أكثر تعقيدًا من سردية الخروج من الدين إلى الكويرية، فتكتب كويريةً تبحث عن المعنى داخل القرآن، ومسلمةً ترى في الإيمان أفقًا للتفكير والمقاومة، لا قيدًا مغلقًا. ومن هنا، لا ينشغل النص بإثبات الذات بقدر ما يسعى إلى تفكيك الشروط التي جعلت هذه الذات موضع مساءلة أصلًا، سواء داخل الأسرة، أو المدرسة، أو المسجد، أو الفضاءات الكويرية، أو حتى في سياق الدولة.
ضمن هذا الإطار، تستعيد الكاتبة عددًا من القصص القرآنية المرتبطة بموسى، ومريم، ونوح، ويونس، وهاجر، وتتعامل معها كأفق تأويلي تعيد من خلاله قراءة تجربتها الخاصة، بعيدًا عن تقديمها مرجعيات ثابتة تمنح الشرعية. وتتحول هذه القصص إلى مساحات للتفكير في الخوف والنجاة والاختيار والكرامة، بحيث يصبح النص الديني جزءًا من عملية إنتاج المعنى، لا سلطة خارجية تفرضه. وهنا تبرز إحدى أهم إضافات الكتاب: إعادة بناء العلاقة مع الدين بوصفها علاقة حية ومفتوحة، لا تقوم على الامتثال أو القطيعة.
على مستوى التجربة، يعالج الكتاب مسألة الانتماء بوصفها سؤالًا يوميًا معقدًا. وتعبر لميا فضاءات متعددة تصرّ على تصنيفها: في البيت، والجامعة، والشارع، والمطار، وحتى داخل المساحات الكويرية. ويصبح الجسد هنا موقعًا تتقاطع فيه السلطة مع الخوف؛ مرئيًا بقدر ما هو مستهدف، ومطالبًا بالتفسير بقدر ما هو محكوم بسوء الفهم. وتظهر الإسلاموفوبيا والعنصرية والطبقية، لا كمفاهيم مجردة، وإنما كتجارب يومية دقيقة: نظرة، أو سؤال، أو افتراض جاهز، أو محاولة لإخضاع الهوية لقوالب لا تشبهها.
أسلوبيًا، يعتمد النص نبرة تمزج بين الصراحة والاقتصاد، بلغة واضحة من دون تبسيط، تترك مساحة للتأمل بقدر ما تقدّم من اعتراف. ولا تسعى الكاتبة إلى إثارة الشفقة أو الاتكاء على الصدمة، إذ تراهن على قدرة السرد الصادق على تحويل الألم إلى معرفة. كما أن البنية لا تتبع خطًا زمنيًا تقليديًا، وإنما تقدّم الحياة في طبقات متزامنة: طفولة في سياق مسلم، وهجرة إلى الغرب، واكتشاف الهوية الكويرية، جميعها حاضرة في آن واحد.
في هذا السياق، لا تُقدَّم السيرة كقصة اعتراف مكتملة أو إعلان هوية نهائي؛ فهي عملية تفكيك مستمرة لفكرة الاعتراف نفسها، تظل فيها الهوية سؤالًا مفتوحًا يُعاد تشكيله باستمرار. ومن خلال هذا المنظور، يعيد الكتاب ترتيب العلاقة بين الإسلام والهوية والذاكرة والنجاة، مقترحًا أن الانتماء المسلم والكويري ليسا بالضرورة متنافرين، وأنهما يمكن أن يتجاورا ضمن شروط معقدة حين يُرفَض اختزالهما في ثنائيات جاهزة.
في المحصلة، لا يقدّم "حجاب بوتش بلوز" إجابات نهائية، وإنما يفتح أفقًا للتفكير: الهوية تجربة تُعاش وتُعاد صياغتها باستمرار، وليست معادلة تُحل. أما "البيت"، فلا يظهر مكانًا ثابتًا، بل حالة تأويل مفتوحة، أو مساحة تستطيع الذات أن تعيد فيها تعريف نفسها من دون أن تغلق احتمالاتها.
آيسر سلمان: السخرية كمعرفة يومية
إذا كانت عليان قد كتبت المنفى بوصفه ذاكرة متشظية، ونقلته لميا إلى ساحة التأويل وإعادة قراءة الذات، فإن آيسر سلمان تأخذه إلى مساحة الحياة اليومية، حيث يصبح الاغتراب مادة للسخرية، وأداة لفهم ما لا يُحتمل عبر الضحك.
في كتابها "الطرف الخطأ من الطاولة"، تستعيد سلمان رحلتها من بغداد إلى الولايات المتحدة في ثمانينيات القرن الماضي، بعد هجرة عائلتها هربًا من النظام العراقي. ومن خلال هذا المسار، تتابع الكاتبة محاولاتها المستمرة للاندماج في المجتمع الأمريكي، وسط شعور دائم بالاغتراب كامرأة عربية مسلمة تحمل ملامح واسمًا يضعانها في موقع الاختلاف الدائم.
ينطلق الكتاب من استعارة العنوان "الجلوس في الطرف الخطأ من الطاولة" ليعبّر عن حالة وجودية يعيشها المهاجر، حيث يبدو دائمًا قريبًا من المركز، لكنه لا ينتمي إليه بالكامل. ويتكرر هذا الإحساس عبر تنقلات العائلة بين أوهايو وكنتاكي، ثم لفترة في السعودية، حيث تتقاطع تجارب المراهقة مع اختلافات ثقافية حادة ومواقف يومية تتراوح بين الطرافة والارتباك.
لا يتعامل النص مع الهجرة بوصفها مأساة مباشرة، فهو يقدّمها من خلال حياة يومية مليئة بالمفارقات. فالمواقف العائلية، والصداقات، والتجارب العاطفية، وحتى تفاصيل مثل جلسات العلاج أو إزالة الشعر، تتحول إلى مادة سردية ساخرة. غير أن هذه الخفة تخفي توترًا أعمق: شعورًا دائمًا بأن الذات موضوعة تحت المراقبة، وأن الاندماج ليس سوى عملية تفاوض مستمرة قد تتطلب التنازل عن أجزاء من الهوية.
وتزداد حدة هذا التوتر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حين تتحول الهوية من مجرد اختلاف ثقافي إلى موقع اشتباه سياسي. وهنا، تُرى الكاتبة من خلال صورة نمطية جاهزة، ويغدو الجسد نفسه حاملًا لدلالات مفروضة. ومع ذلك، لا تنزلق السردية إلى خطاب الضحية؛ إذ توظّف السخرية أداةً للمعرفة والمقاومة، تتيح للكاتبة استعادة تجربتها من دون أن تُختزل فيها.
يعتمد الكتاب لغة خفيفة وإيقاعًا سريعًا، مع اقتصاد واضح في التعبير وحس حكائي يعرف كيف يوازن بين التصريح والتلميح. وتخفي هذه البساطة وعيًا دقيقًا بتعقيدات الهوية العربية-الأمريكية، حيث تتشكل الذات عبر احتكاكات يومية مع العائلة والمجتمع وصور الآخر. لا تُقدَّم الهوية هنا حالةً ثابتةً، وإنما تظهر كعملية مستمرة من التشكّل، تتأرجح فيها الكاتبة بين الرغبة في القبول والحفاظ على ذاتها. وفي هذا السياق، يبدو الاندماج وعدًا غير مكتمل؛ فهو مسار دائم من التفاوض والخسارة الجزئية، لا نهاية مستقرة.
في المحصلة، ينجح "الطرف الخطأ من الطاولة" في الجمع بين الفكاهة والمرارة، مقدّمًا نصًا سهل القراءة وعميق الدلالة. ولا يقدّم الكتاب دليلًا للاندماج بقدر ما يكشف حدوده، ويحوّل التجربة اليومية للمهاجر إلى سردية ذكية تُظهر أن البقاء على "طرف الطاولة" لا يعني دائمًا فشلًا؛ فقد يكون أحيانًا الطريقة الوحيدة لرؤية الصورة كاملة.
الذات في المنفى: بين الذاكرة والتأويل والسخرية
ما يجمع هذه الكتب الثلاثة يتجاوز الموضوع إلى الطريقة التي تُعاد بها صياغته من الداخل. فالهجرة هنا ليست خلفية للسرد؛ إنها شرطه الأساسي. وفي الكتب الثلاثة، تتشكل الذات داخل تجربة المنفى وتتغير معها باستمرار، فلا تظهر ككيان مسقر يمر بهذه التجربة من الخارج.
وثمة خيط مشترك واضح: كل نص يرفض الحكاية المكتملة، فلا أحد هنا يصل. يظل "البيت" عند هالة عليان وعدًا مؤجلًا، وتبقى الهوية عند لميا هـ سؤالًا مفتوحًا، أما الاندماج عند آيسر سلمان فينكشف كعملية لا تنتهي. وفي الحالات الثلاث، تُكتب السيرة كحركة دائرية أو متكسرة، تعيد الذات من خلالها النظر في نفسها، بعيدًا عن مسار تقدّمي يقود من الفقد إلى الاستقرار وينتهي بتعريف نهائي للذات. ويبرز اختلاف زوايا النظر إلى جانب هذا التقاطع. فتكتب عليان من داخل الذاكرة، حيث يتكثف المنفى في علاقته بالزمن: الماضي لا يمضي؛ يظل حاضرًا يعيد تشكيل الحاضر. والكتابة هنا أقرب إلى محاولة ترميم ما لا يمكن ترميمه، أو على الأقل تسميته.
في المقابل، تنقل لميا المنفى إلى مستوى آخر: ليس ما نتذكره، وإنما كيف نفسّره. فالتجربة عندها لا تُفهم إلا عبر إعادة قراءة النص الديني، وكأن المنفى يتجاوز بعديه الجغرافي والعاطفي ليصل إلى مستوى معرفي يتعلق بمن يملك حق تفسير المعنى. أما سلمان، فتأخذ المنفى إلى أكثر مستوياته يومية ووضوحًا: لحظات عابرة، ومواقف محرجة، ونكات عائلية، وسوء فهم مستمر. هنا، لا يبدو المنفى فكرة كبيرة بقدر ما هو شعور صغير يتكرر كل يوم.
يتجلى الاختلاف أيضًا في اللغة؛ فلغة عليان مشبعة بالشعر، تميل إلى الكثافة والتشظي، كأنها تحاكي ذاكرة يستحيل الإمساك بها كاملة. أما لميا، فتكتب بلغة أكثر هدوءًا وتأملًا، توازن بين الوضوح والعمق، وتفتح النص على أسئلة تتركها معلّقة. وتعتمد سلمان خفة محسوبة، تأتي السخرية فيها وسيلة لكشف الألم والتقاطه بوضوح أكبر، لا مجرد طريقة لتخفيف وطأته.
ومع ذلك، لا تُلغي هذه الاختلافات تقاطعًا أعمق؛ ففي الكتب الثلاثة، يتحول الجسد إلى موقع أساسي للتجربة. عند عليان، هو أرشيف للفقد والهجرة؛ وعند لميا، مساحة للصراع والتأويل؛ وعند سلمان، علامة مرئية تُقرأ قبل أن تُفهم. ويغدو الجسد هنا أكثر من حضور بيولوجي، فهو وسيط بين الذات والعالم، يحمل آثار الانتماء والاقتلاع معًا.
من جهة أخرى، تعيد هذه النصوص تعريف فكرة "البيت". فلا يعود مكانًا جغرافيًا يمكن العودة إليه، وإنما يتحول إلى مساحة تعيد فيها الذات صياغة علاقتها بالانتماء. عند عليان، يُبنى عبر اللغة والذاكرة؛ وعند لميا، عبر التأويل وإعادة اكتشاف إمكان التوفيق بين الدين والذات؛ وعند سلمان، عبر السخرية التي تتيح لها أن ترى تجربة الاغتراب من مسافة وأن تستعيد امتلاكها. كأن "البيت" لا يوجد خارج السرد، وإنما يُبنى داخله، ويظل قابلًا للانهيار وإعادة التشكيل.
في النهاية، تكشف قراءة هذه الكتب معًا أن المنفى ليس تجربة واحدة؛ إنه طيف من الخبرات التي يصعب اختزالها. هو ذاكرة، وتأويل، ويوميات؛ وهو فقد، وسؤال، ومفارقة. والأهم، أنه لا يحدث وينتهي، وإنما يظل حالة مستمرة تُعيد فيها الذات كتابة نفسها: مرّة عبر اللغة، ومرّة عبر الإيمان، ومرّة عبر الضحك.