تستعرض هدى العطاس في كتابها "المرأة المثقفة في الرواية العربية" صورة المرأة المثقفة في الرواية العربية، من خلال حضورها بوصفها فاعلًا في المجال العام، صحفيةً أو كاتبةً ومنتجةً للمادة الأدبية، وكذلك بوصفها بطلةً في النص الروائي. وبالاستناد إلى تحليل أحد عشر عملًا روائيًا لكاتبات وكتّاب عرب، صدرت في إطار زمني يبدأ من نهاية الخمسينيات وحتى عام 2015، تتتبع العطاس التحديات والإخفاقات والمكتسبات التي تواجهها المرأة المثقفة. كما تسلّط الضوء على الجانب الجنساني لكل بطلة، بين استعراض الأنوثة رغم التحديات، أو التخلي عنها لصالح الوجود في حيز الرجال.
فكيف تقرأ كارولين كامل[1]، في مراجعتها لهذا الكتاب، مسارات المرأة المثقفة في الرواية العربية، بين القيود المفروضة عليها ومحاولات إثبات ذاتها وتحرير جسدها؟
تستهل الكاتبة والباحثة اليمنية هدى العطاس كتابها "المرأة المثقفة في الرواية العربية: انتحال الذكورة وتحرير الجسد"[2] بسيرتها الذاتية التي تبدأ من وعيها، أي إدراكها أن والدتها كانت نموذجًا فريدًا لامرأة في قرية يمنية، حين كانت تُسمى آنذاك "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية". كانت والدتها تستقبل نساء القرية لتكتب لهن الخطابات إلى أزواجهن وذويهن الذين سافروا للعمل في الخارج، وفي المساء تستقبل الفتيات الصغيرات وتعلّمهن القراءة والكتابة.
توضح العطاس أن الفضل فيما حصلت عليه والدتها من قدر وافر من التعليم يعود إلى جدها، الذي كان يعمل في المدينة وسمح لابنته بتحصيل العلم، حتى بلغت في السن وبرزت معالم أنوثتها، فقرر إعادتها إلى القرية وتزويجها. ورغم عودتها وحياتها التقليدية، إلا أنها تمتعت بموقع متميز وفريد بين نساء القرية، لما تملكه من نفوذ متمثل في قدرتها على القراءة والكتابة. تقول العطاس إن ولادتها ونشأتها في ظل نظام سياسي وطني اشتراكي، بعد استقلال اليمن عن بريطانيا عام 1967، ومناخ المساواة بين الجنسين، هما ما أتاحا لها فرصة التعليم مثل أشقائها الذكور، فواصلت دراستها الأكاديمية والبحثية.
تُشيد الكاتبة بتجربة اليمن الشعبية في جعل التعليم إجباريًا حينها، منوهة إلى أن التعليم لطالما كان السلاح الأول لتمكين المرأة، وهو ما ذكرني شخصيًا بنكتة شديدة الغرابة، هي في الحقيقة نظرية فلسفية كانت مرتبطة بالفيلسوف البريطاني هربرت سبنسر، أحد أشهر المفكرين في العصر الفيكتوري، وصاحب مقولة "البقاء للأصلح"، التي تُنسب خطأً إلى العالم الإنجليزي تشارلز داروين.
أثرى سبنسر المجتمع الإنجليزي بأفكاره، ومن أهمها أن الهدف الأسمى لتعليم الفرد لا يقتصر على المعرفة، وإنما يشمل العمل بها. وأوضح في السياق ذاته أن الحفاظ على النوع، أي النسل، أهم من تثقيف الفرد، لذلك لا ضرورة لتعليم الإناث القراءة والكتابة، مفسرًا أن التعليم يستهلك طاقة حيوية تحتاجها المرأة للقيام بالوظائف الإنجابية ورعاية شؤون الأسرة والبيت والرجل، بالطبع، وأن الذكاء، بل التفكير بشكل عام، حسب زعمه، يؤثر في القدرات الإنجابية للإناث، لوجود تضاد بيولوجي بين التفكير ونمو ثدي الأنثى، الأمر الذي ينعكس سلبًا على دورها الطبيعي كأم.
تواصل العطاس سرد رحلتها التعليمية التي أفضت إلى هذا الكتاب، إذ كان بحثها في الماجستير بعنوان "صورة المرأة في الرواية اليمنية"، واستمرت أبحاثها للوقوف على الخلط السائد بين مفهوم المرأة المثقفة والمرأة المتعلمة، وانتهت إلى هذا الكتاب الصادر عن دار رياض الريّس عام 2026.
"المرأة المثقفة" هي النموذج ذاته الذي اهتمت به العطاس في كتابها، موضحة أن الرجال احتكروا لأنفسهم حيازة صفة "المثقف" فترة طويلة، وأن من أرادت من النساء خوض هذا المجال حتى يشملها هذا المفهوم، كان عليها أن تجد المسلك المناسب إلى "عالم المثقفين" الرجال، إما بالتشاكل والتصادم ونقض سردياتهم، أو من خلال موافقتها ومجاراتها لتصوراتهم النمطية عن المرأة بشكل عام، والمثقفة بشكل خاص.
في فصول الكتاب
يتكون الكتاب من سبعة فصول، بالإضافة إلى فصل ختامي. تقدم الكاتبة في الفصل الأول نماذج من نساء التراث الإسلامي والنهضة العربية، ممن وصلن إلى حد الزعامة، إلا أنهن بقين نماذج فردية لا تعكس الواقع على نطاق واسع. ومع ذلك، كان لهن تأثير واضح في تغيير أوضاع المرأة في مجتمعاتهن، والنضال من أجل حقوق النساء.
في الفصل الثاني، تستعرض بالتحليل والمقارنة شخصية المرأة المثقفة كبطلة رئيسية ومحرك للأحداث في أحد عشر عملًا روائيًا لكاتبات وكتّاب مصريين وعرب، صدرت في إطار زمني يبدأ من نهاية الخمسينيات وحتى عام 2015. وتتقاطع حياة هذه الشخصيات واختياراتها مع الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي في المجتمعات التي تدور فيها أحداث الروايات.
تشمل النماذج الروائية مجتمعات عربية مختلفة، من المغرب العربي مرورًا بمصر وبلاد الشام وصولًا إلى دول الخليج، بواقع سبع روايات لكاتبات وأربع لكُتّاب. وتوضح العطاس أن حضور المرأة يطغى بالفعل على معظم كتابات الرجال، إلا أن حضور المرأة المثقفة في دور فاعل ليس بهذه الكثافة. كما تُشرح شخصيات الروايات الإحدى عشرة وخلفياتها الاجتماعية والسياسية والدينية والثقافية، وتصل في ختام الفصل إلى عدة جداول تتضمن حصيلة تحليلها، وتؤسس هذه النتائج لما تتناوله الفصول التالية. لكن بداية، لنلقِ نظرة على بعض أعمدة هذه الجداول والنتائج التي استخلصتها الكاتبة.
توزعت أماكن نشأة البطلات، إلا أن الريف كان الأكثر حضورًا مقارنة بالمدينة، وحلّ الانتقال من الريف إلى المدينة والعيش فيها كثيمة أساسية في أغلب الأعمال المبحوثة. وكانت هذه التجربة جزءًا أساسيًا من الخبرة الحياتية للشخصيات وتكوين وعيها.
وشمل الانتماء الديني مختلف الأطياف والمذاهب والأقليات الدينية، بينما كان الانتماء السياسي، على عكس المتوقع، أقل حضورًا مما قد يوحي به التصور النمطي للمرأة المثقفة باعتبارها بالضرورة مسيّسة. فست من أصل إحدى عشرة بطلة لم يكن يحفلن بالانتماء سياسي، فيما توزع انتماء أربع بطلات بين اليسار الماركسي والقوى الاشتراكية. ولجأت بعضهن إلى الانتماء السياسي طلبًا للحماية والشعور بالانتماء إلى رابطة تُتيح لها الوجود في الحيز العام، وليس لأغراض فكرية أو سياسية. أما الشخصية الحادية عشرة، فلم يُعرف انتماؤها السياسي.
أخيرًا، كان التعليم الرابط شبه الأساسي بين البطلات في الأعمال الروائية، بدءًا من التعليم الجامعي وصولًا إلى ما بعد الجامعي، إذ مثّل تذكرة أساسية للخروج من المجتمع الضيق إلى العالم الأوسع، وخوض تجربة الوجود في عالم المثقفين أو الفاعلين في مجالات مختلفة، مثل الصحافة والكتابة.
"إن الاضطهاد في مجتمعاتنا ثلاثة أنواع: اضطهاد الفقير، واضطهاد الطفل، واضطهاد المرأة"، يقول الدكتور هشام شرابي في كتابه "مقدمة لدراسة المجتمع العربي"، المصدر الذي تستعين به العطاس في فصل بعنوان "المثقفة والعنف"، موضحة أن أوضاع المرأة العربية، بشكل عام، شهدت منذ مطلع القرن العشرين تطورًا على مستويات مختلفة، إلا أن هذه التطورات لم تقضِ إلى حد كبير على العنف الممنهج والمشرعن ضد النساء.
ويجدر بالذكر، تعقيبًا على كلام العطاس، أن المجتمعات العربية شهدت مؤخرًا تسارعًا في وتيرة العنف ضد النساء. ووفقًا لتقارير حقوقية حديثة، ارتفعت معدلات قتل النساء بذريعة الشرف في دول مثل مصر والعراق والأردن، فيما تُسجّل بعض هذه الجرائم باعتبارها قتلًا خطأً أو ضربًا أفضى إلى الموت، وينال القاتل، سواء كان الزوج أو الأب أو الأخ أو غيرهم من الأقارب الذكور، أحكامًا مخففة لا تتجاوز الحبس عدة أشهر.
من "ملاك البيت" إلى انتحال الذكورة
تسترشد العطاس بكتاب فيرجينيا وولف "غرفة تخص المرأة وحدها"، التي انتقدت أوضاع بلدها في القرن الخامس عشر، حين كان الرجال يضربون زوجاتهم من دون خجل أو تحفظ في كافة الطبقات الاجتماعية. إلا أن مثل هذه الأفعال صارت مجرّمة بالقانون في مجتمعها الآن، ولم تشهد وولف هذه التغيرات الضخمة، بينما لا نزال في مجتمعاتنا نناضل من أجل تجريم العنف ضد المرأة بشكل عام.
استحضر ذكر فيرجينيا وولف في ذهني خطابها الشهير "مهن للنساء"، المرتبط فحواه بشكل وثيق بكتاب هدى العطاس، الخطاب الذي ألقته أمام الجمعية الوطنية لخدمة النساء (National Society for Women’s Service) في 21 كانون الثاني/ يناير 1931، وفاجأت الحاضرين باعترافها بجريمة قتل، ضحيتها امرأة أخرى تُسمى "ملاك البيت"، وهي النسخة الداخلية التي تتشكل بالتربية، وتهمس للنساء بالتضحية بذواتهن من أجل الرجال والأسرة.
تقول وولف: "في كل مرة أجلس لأكتب مقالًا أتلقى عنه أجرًا.. تهمس لي تلك المرأة: عزيزتي، أنتِ شابة وتكتبين مقالًا عن كتابٍ كتبه رجل.. كوني رقيقة.. تملّقي.. لا تدعي أحدًا يظن أن لكِ رأيًا خاصًا بكِ.. وقبل كل شيء، كوني نقية.. لأن النقاء والخجل جوهر جمال النساء.. حتى انقضضتُ عليها وأمسكتُ برقبتها.. وبذلتُ قصارى جهدي لقتلها. وعذري، لو قُدِّمتُ إلى المحاكمة، هو أنني تصرفتُ دفاعًا عن النفس. لو لم أقتلها لكانت قتلتني..".
تستكمل وولف حديثها عن ضرورة قتل "المرأة الملاك"، معتبرة أن ما حدث معها تجربة حقيقية لا مفر منها أمام الكاتبات في ذلك الوقت. ومن المدهش أن ما خلصت إليه هدى العطاس في فصل بعنوان "جنس الكاتب/ة وتأثيره في شكل صورة المثقفة" يوضح أن حضور المرأة المثقفة في الرواية العربية يعكس جدلية "المدنس والمقدس"، ويتجلى ذلك بخاصة عندما يكون الكاتب رجلًا. وتقول: "الازدواج لدى الكاتب الرجل الذي يضع بطلاته في هذا التحدي الضخم.. وهو ما يجعل خط سير المرأة المثقفة مطابقًا للوهم الاجتماعي".
وتشرح العطاس أن الكاتب الذي ينتقد في الحكاية قيود المجتمعات وتخلفها فيما يخص المرأة الحرة في امتلاك جسدها، يعود ويلقي عليها لاحقًا أحكامًا على لسان شخصياته. وهكذا تحتاج المرأة المثقفة إلى الرجل المثقف حتى يرشدها أو يعلمها معنى الحرية أو العمل السياسي، وكأن وجودها لا يكتمل من دونه؛ فهي لا تعرف الطريق بمفردها، بينما يولد الرجل المثقف وهو يعرف. ولا ينتهي هذا الإرشاد عند حدود الثقافة والسياسة، وإنما يصل إلى إرشادها في معرفة جسدها من خلال ممارسة الجنس. وفي بعض الروايات المبحوثة، ينال المثقف ما يريده جنسيًا بالقوة، فتجد المرأة المثقفة نفسها محاصرة بين البوح بما تعرضت له والنبذ الذي قد تواجهه عقابًا لها.
عودة إلى خطاب فيرجينيا وولف الذي أعلنت فيه قتل الملاك حتى تصير كاتبة، تقول: "كان قتل الملاك في المنزل جزءًا من عمل الكاتبة.. إذ يعيقهنّ التمسك الشديد بالتقاليد السائدة لدى الرجال. فمع أن الرجال يمنحون أنفسهم، عن حق، حرية كبيرة في هذا الشأن، إلا أنني أشك في إدراكهم أو قدرتهم على ضبط النفس أمام شدة إدانتهم لهذه الحرية لدى النساء".
وهو ما انتهت إليه العطاس من تحليل مضمون إحدى عشرة رواية عربية: "إن المرأة التي تحمل عقلًا سليمًا، لا يمكن إلا أن تحمل جسدًا مدنسًا، ويُعاقَب بالانتهاك والتبخيس". وفي الفصل السابع والأخير بعنوان "الحب والجنس بين الضياع والتدجين.. وامتلاك الجسد"، توضح أن غالبية الشخصيات النسائية في الروايات موضوع البحث كنّ يبحثن عن مساحتهن الشخصية، ولم تشغلهن في الغالب القضايا الكبرى، حتى إن السياسة لم تكن هاجسًا لديهن، باستثناء عدد محدود من الروايات.
وتوضح أيضًا أن المؤسسة الزوجية كانت بنية نقد أساسية في حياة المرأة المثقفة في مختلف المجتمعات العربية، وهو ما شكّل لديهن الصراع الأول حول حرية صنع القرار وامتلاك أجسادهن، ورفض أشكال استغلالها، من زواج مدبّر أو الرضوخ لمساومات، خاصة في ظل ممارسات مثل الزواج القسري، والجنس بالإكراه، وفض البكارة بالعنف، والاغتصاب الزوجي. إلا أنها تؤكد أن هذه التحديات تواجهها النساء عمومًا، فيما تصطدم المرأة المثقفة أيضًا بمجتمع المثقفين، حيث الرجل المثقف ابن البيئة ذاتها. فالرجال، مع سيطرتهم على الحيز العام، يواجهونها بالمساومات الجنسية ذاتها، فتجد نفسها أمام خيارين: إما أن تجاريهم حتى تنال ما هي جديرة به من فرصة للعمل في المجال الثقافي، والإشادة والثناء على جودة عملها، أو أن ترفض الابتزاز والخضوع، فلا يُسمح لها بالوجود، وتواجه بالنبذ والتجاهل حتى تتخلى عن سعيها بالكامل وتختفي من المشهد.
وعلى الوجه الآخر، سعت بعض الشخصيات إلى انتحال الذكورة لإقناع الرجال بأنهن جديرات بالوجود بينهم، وأن يفسحوا لهن مكانًا، وذلك بالتخلي عن الأنوثة حتى يأخذهن الرجال على محمل الجد. مثلما تقول شهلا، بطلة رواية "وردة" للكاتب صنع الله إبراهيم، إحدى الروايات الإحدى عشرة: "قصصت شعري وأظافري، وداعًا للأظافر المصبوغة.. كنت الوحيدة في ملابس عسكرية.. تطلعوا إليّ، ولحظت في النظرات استهانة.. نظر البعض الآخر مباشرة إلى صدري في محاولة لقياس حجمه، لكني قد أخفيته جيدًا، فكرت أني أواجه امتحانًا حاسمًا".
جدير بالذكر أن العطاس استرشدت في أكثر من موضع بكتاب "المبتسرون.. دفاتر واحدة من جيل الحركة الطلابية" للكاتبة المصرية وأحد أعلام الحركة الطلابية في أوائل السبعينيات أروى صالح، وهو الكتاب الذي لا يزال يثير الجدل بسبب الحدة والجرأة التي انتقدت بها صالح أوضاع المرأة في المجال السياسي، وبخاصة في عالم المثقفين أو ما يعرف بتيار اليسار.
واعتبر البعض أن الكتاب كان رسالتها الأخيرة، وأن نقدها للمثقف اليساري المصري وأوضاع المرأة داخل هذه التيارات السياسية كان ابن تجربتها الشخصية، فبينما كانت الشعارات تتحدث عن المساواة واحترام المرأة، كانت الذكورية والرجعية تسيطران على أداء الرجال داخل هذه التيارات.
تختتم هدى العطاس كتابها "المرأة المثقفة في الرواية العربية: انتحال الذكورة وتحرير الجسد" بعدد من الملاحظات والنتائج المهمة التي توصلت إليها على مستويين: الأول، المرأة المثقفة كموضوع أدبي؛ والثاني، المرأة الفاعلة في المشهد الثقافي، سواء كانت صحفية أو كاتبة، موضحة أن التحدي الأكبر الذي يواجه النساء في سعيهن إلى عالم الأدب في البلدان العربية هو اضطرارهن إلى مواجهة ذكورية مزدوجة؛ فمن جهة، يواجهن رجعية المجتمع الذي لا يزال يوصم النساء في عالم الفنون بشكل عام، ومن جهة أخرى، يواجهن ذكورية ورجعية شريحة كبيرة من رجال عالم الأدب، الذين يؤدون دورًا، سواء عن عمد أو من دون، في عرقلة مسيرتهن بشكل كبير.