إعادة تخيّل ابن تيمية مجددًا
يعيد رائد السمهوري في كتابه "ابن تيمية التاريخي والمُستعاد" قراءة ابن تيمية من داخل عصره، متتبعًا مواقفه من المختلف دينيًا ومذهبيًا في سياق الصراعات السياسية والاجتماعية والفكرية التي عاشها. ويناقش الكتاب كيف تشكّلت هذه المواقف وتباينت باختلاف السياقات والأحداث، وكيف أُعيد تخيّل تراث ابن تيمية وتوظيفه في أزمنة لاحقة.
فكيف يقرأ أشرف الشريف[1] محاولة السمهوري وضع ابن تيمية في سياقه التاريخي، وما الذي يضيئه الكتاب ويغفله في فهم حضور الفكرية التيمية في الحاضر؟
"إن التاريخ عدو الأيديولوجيين، وأحسب أنه قد آن أن يُعاد النظر في تراث ابن تيمية في سياق عصره هو لا في سياق عصرنا، وفي تاريخه هو لا في تاريخنا".
يضم كتاب "ابن تيمية التاريخي والمُستعاد: مقاربة تاريخية تحليلية في موقف ابن تيمية من المختلف الديني"[2] مقدمة وخمسة فصول يناقش فيها رائد السمهوري أطروحته عن الفقيه وعالم الأصول والكلام والمصلح الديني والسياسي والاجتماعي تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني الدمشقي، الذي عاش في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين، ومواقفه الواقعية من "المختلف الديني" في عصره على مستويين من الطرح. ويحرر السمهوري مواضع اتفاق ابن تيمية واختلافه مع رجالات عصره وفرقه وحكامه في شأن المختلف الديني داخل الإسلام وخارجه، مع تحليل كيفية إعادة توطين مواقفه وتوظيفها من أطراف متعددة في سياقات حديثة مختلفة جذريًا. وتأتي الخصائص الفكرية التيمية الفريدة، من تكريس النفس للمفاصلة الشاملة مع الأعداء، والتضارب الظرفي والعرضي، والنزعة الإحيائية النهضوية، لتمنحها جاذبية كبيرة لدى استراتيجيات سياسية متعددة، عبر الدولة والمجتمع العربي والإسلامي، منذ القرن التاسع عشر وحتى العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. ومن هنا تأتي أهمية فهم الكيفية التي أُعيد بها تخيّل ابن تيمية في العصر الحديث، ومن ثم إعادة تخيّل هذا الفقيه الحراني الدمشقي، صاحب الظل الطويل في مسائل التعدد الديني والمذهبي، والمعارضة السياسية، والحرب والسلم في العلاقات الدولية، وعلاقات الدولة والمجتمع في العالم العربي والإسلامي المعاصر.
القديم والجديد في الإشكالية التيمية
"أزعم أن تراثه ما يزال أرضًا بكرًا لمزيد من الأبحاث... وأن علينا دراسته وفق مناهج علمية، باستقلال لا تقليد، متحررين من الانحيازات والإسقاطات الأيديولوجية".
الهدف المعلن من الكتاب هو سد فجوة واضحة في البحث المتعلق بابن تيمية، الذي اهتم عادةً بالجانب الشرعي على حساب التاريخي، ورصد المواقف العقدية على حساب المنطلقات والدوافع. وتزخر الدراسات عن ابن تيمية برصد أحكامه بشأن الخلافات الدينية والشرعية بين الفرق الإسلامية وغير الإسلامية، من دون تحرير منهجي لتصوره لأنواع الخلافات، الأصولي والعرضي منها، والكامن والمحتمل، أو تصنيف مدى خطورتها بناءً على قربها من المعتقدات السنية أو بعدها عنها، ومدى اتصالها بمصالح الملة والدولة آنذاك، في إطار العلاقة المعقدة بين الأمراء والعلماء. فالدافع لدى أغلب الدراسات عن ابن تيمية هو الاحتجاج بصحة المذهب السني وتخطئة المذاهب الأخرى في سياق السجال الطائفي والمذهبي، لا تفسير نمو هذه المعتقدات تاريخيًا وسياسيًا في إطار عصرها.
لكن بعض الدراسات الرائدة اتخذت منحًى آخر كان له تأثير في السمهوري، وفقًا لسرده، مثل كتاب جمال باروت "حملات كسروان: في التاريخ السياسي لفتاوى ابن تيمية"، على الرغم من محدودية موضوع الكتاب، الذي يركز على التاريخ السياسي لجبل كسروان. كما يشير السمهوري إلى دراسات اقتربت من أطروحته، مثل دراسة عائض الدوسري "ابن تيمية والآخر"، على الرغم من نزعتها الذاتية والانتقائية، وكتاب محمد أبو زهرة "ابن تيمية: حياته وعصره- آراؤه وفقهه"، الذي عرض العصر الاجتماعي والسياسي والعلمي لابن تيمية، لكنه لم يؤرّخ فتاواه وأحكامه إلا في واقعة جبل كسروان، مستندًا إلى قائمة محدودة من المصادر.
ويذكر السمهوري أيضًا كتاب عزمي بشارة "في الإجابة عن سؤال: ما السلفية؟"، الذي يتناول التحليل السوسيولوجي للسلفية، ودراسة عبد الحكيم أجهر "التأسيس الفلسفي للتسامح في الإسلام بين ابن عربي وابن تيمية"، ذات الصلة بموضوع الكتاب، ولا سيما ما يتعلق بتضارب مواقف ابن تيمية بين الغلو والاعتدال في مسائل العقيدة والمشيئة الإلهية والحرية والتبديع. ويشير كذلك إلى دراسات أجنبية، منها كتابات الفرنسي هنري لاوست "نظريات شيخ الإسلام ابن تيمية في السياسة والاجتماع"، ودراسة الأمريكي دونالد ليتل "اعتقال ابن تيمية ودلالته في التاريخ والتأريخ"، و"هل كان في عقل ابن تيمية لوثة؟"، وكتاب جون هوفر "ابن تيمية وتبرير العناية الإلهية القائم على التفاؤل الدائم"، وكتاب "ابن تيمية وعصره"، الذي أعدّه مجموعة من الباحثين في جامعات بريطانية وأمريكية، واهتم بعرض الجانب التاريخي لمواقف ابن تيمية.
مشروع السمهوري البحثي: التأسيس التاريخي للسلفية عبر تخيّل الأَحمدَين، ابن حنبل وابن تيمية
يتجاوز اشتباك السمهوري مع السؤال التيمي هنا دراسة ابن تيمية من زاوية عقائدية، كما فعل في كتابه السابق "نقد الخطاب السلفي: ابن تيمية نموذجًا"،[3] ليتناول الفكرية التيمية في سياقها السياسي، وجسور التواصل والانقطاع بينها وبين نسختها المتخيّلة في أزمنة لاحقة، في إطار الأدلجة السياسية التي تعمل مرآةً لتخيّل ابن تيمية وأنصاره وخصومه وفق متطلبات جدليات العصور اللاحقة. ويستكمل السمهوري هنا مشروعه البحثي عن "الأحمدين" والتخييل السلفي التأسيسي، الذي بدأ بدراسته عن أحمد بن حنبل، بعنوان "السلف المتخيل: مقاربة تاريخية تحليلية في سلف المحنة؛ أحمد بن حنبل وأحمد بن حنبل المتخيل"، الصادر عن المركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات.[4]
والمحنة هنا هي محنة "خلق القرآن" الشهيرة في القرن التاسع الميلادي، التي حافظ فيها ابن حنبل على موقفه من السنة في مواجهة التدخل القسري للسلطة العباسية وعلماء الكلام والعقيدة الملتحقين بها، لفرض عقيدة خلق القرآن الجهمية. وقد اكتسبت القصة طابعًا تأسيسيًا ميثولوجيًا في السردية المتخيّلة لفرقة فقهية وحديثية معينة، هيمنت لاحقًا على تيار "أهل الحديث" المتنازع على تمثيل "أهل السنة والجماعة". وتلخّص ذلك مأثورة شهيرة للمحدّث الأصولي علي بن المديني: "إن الله أيد هذا الدين بأبي بكر الصديق يوم الردة، وبأحمد بن حنبل يوم المحنة". وإذا مددنا المقولة على استقامتها، أمكن القول إن الله عزّز هذا الدين بأحمد الثاني، التيمي الحراني، أحد أغزر علماء المسلمين تأليفًا وشرحًا وردًا. وقد أُحيي موروثه في القرنين التاسع عشر والعشرين، بعد مرحلة من الخفوت النسبي خلال العصر العثماني، الذي أعقب شهرته المثيرة للجدل في عصره.
عاش ابن تيمية في حقبة المماليك البحرية، زمن الحروب الصليبية والمغول، وفرق الباطنية والشيعة، وفي عصر التدوين الثاني للعلوم الأصولية والشرعية واللغوية، الذي شهد ترسّخ المذاهب الفقهية الأربعة، وسجالات علماء الكلام المعتزلي والأشعري والإسماعيلي، وانتشار المنطق الصوري اليوناني، والفلسفة المشائية الرّشدية والإشراقية السينوية، والطرق الصوفية. فصراع حنابلة بغداد مع الجهمية والمعتزلة في العصر العباسي الأول، في القرن التاسع الميلادي، تجاوزه الزمن، ليحل محله صراع متعدد الجبهات في العصر المملوكي، يخوضه أحمد الثاني باسم "أهل السنة" ضد الفلاسفة والفقهاء والمتكلمين والشيعة والصوفية والمسيحيين وفقهاء المذاهب الأخرى، بمن فيهم حنابلة من أبناء مذهبه، وحواضنهم السياسية. وتصبح مهمة أحمد الثاني وأنصاره محاربة "أهل البدع والأهواء والعقائد الفاسدة"، وتنقية منهج السلف الصالح، أو إعادة بنائه، باعتباره عقيدة أهل السنة الصحيحة، بما يدعم سلطة الدولة في مواجهة أعداء الملة من الخارج، مثل الصليبيين والمغول الإيلخانيين ، ومن الداخل عبر العالم الإسلامي. ومن هنا استحق ابن تيمية وتلامذته لقب "سلف المفاصلة"، الذي صكّه السمهوري.
استكشاف سلف المفاصلة
"لقد كان ابن تيمية معاصرًا لعصره، متحركًا في تاريخه، مبدعًا في اجتهاداته، أعجبتنا أم لم تعجبنا. فهل نكون نحن معاصرين لعصرنا، مبدعين في اجتهاداتنا؟"
عبر فصول الكتاب المختلفة، يستكشف السمهوري سيرة ابن تيمية الشخصية، وحوادث زمنه، ومكانته بين أقرانه، وتقعيده لمفهوم "السلف"، ومنهجيته الشرعية في التعامل مع المذاهب الدينية المختلفة، ومع مخالفيه في الرأي من رؤساء الفرق والطرق والملل، وعمال الدولتين المملوكية والإيلخانية، في مناسبات وأحداث محددة، وكيف أسّس هذا منهجًا للتعامل السلوكي والحركي قابلًا لإعادة البناء والتوظيف في العصر الحديث.
قدّم كتاب السمهوري سردًا لحياة ابن تيمية بطريقتين رئيسيتين. الأولى هي تحقيب حياته إلى فترات زمنية مختلفة، ودراسة أقواله وأفعاله في كل فترة، مع مراعاة قلة المعلومات المتاحة عن تواريخ كتبه، وعدم وجود انقطاعات واضحة في مسيرته العلمية وآرائه الكلامية. والثانية هي استقراء سيرته الذاتية كسيرورة تشرح علاقاته المعقدة مع الحكام ورجال الدولة، وكيف سُجن عدة مرات، وكيف كان له أنصار من الأمراء النافذين المتصارعين مع أمراء آخرين، يؤيدهم علماء متنافسون.
يفرد الكتاب مساحات واسعة، ربما أكثر من اللازم، لشرح الجماعات المختلفة التي جادلها ابن تيمية، لتمكين القارئ من فهم دوافعه. والسياق التاريخي الذي يتناوله الكتاب هو عهد المماليك البحرية في مصر والشام، في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، وما قبله بقليل، بما في ذلك المعارك مع الصليبيين والباطنية الإسماعيلية، ولاحقًا مع المغول الاثني عشريين في إمبراطوريتهم الإيلخانية. كما يشرح الكتاب كيفية الإحياء السني بعد عهد أبي حامد الغزالي، في عصر الدولة السلجوقية خلال القرن الحادي عشر، حين سعت مدارس سنية مختلفة إلى مواجهة الباطنية والصليبيين والتشيع عبر مؤسسات تعليمية وبيروقراطية ووقفية متسننة في المشرق الإسلامي.
ويتناول الكتاب ما كتبه ابن تيمية وأقرانه وتلاميذه عن أعداء الإحياء السني، مسلمين وغير مسلمين، في سياق التفاعل مع الأحداث الجارية آنذاك. ويسهم ذلك في فهم آرائه المتضاربة حول أطراف بعينها، مثل المغول الذين اعتنقوا الإسلام على المذهب الشيعي الاثني عشري في القرن الرابع عشر، في سياق الحروب بين الدولة الإيلخانية المغولية الشيعية ومملكة المماليك السنية. كما يسهم في فهم أفكار ابن تيمية حول النصيريين، الذين تعاونوا أحيانًا مع المغول والصليبيين ضد المماليك.
ويحاجج السمهوري بأن القراءة التاريخية السياقية لابن تيمية تضع القراءة الشرعية له على أسسها. بعبارة أخرى، تحتاج المكتبة العربية إلى نظرة تحرر ابن تيمية من عصرنا وتضعه في عصره هو، للوصول إلى مقاربة أدق لموروثه، يجري فيها تجاوز ما ينبغي تجاوزه من مسائل ومواقف ظرفية لم تعد تهم زماننا. ومن ثم، يدعو السمهوري إلى وقفة نقدية مع عملية توظيف ابن تيمية وإسقاط أحكامه، منزوعة من سياقها التاريخي، على منتجات الحداثة السياسية، من حكومات ومؤسسات وحركات وطوائف حالية، في سياق ما بعد دولة الخلافة، وما تنتجه هذه التبيئة الحديثة من عطب والتباس.
لماذا الآن؟ وهل كانت إعادة تخيّل ابن تيمية كافية؟
"ليس ابن تيمية هو المشكلة، وليس ابن تيمية هو الحل، وليس التراث هو المشكلة، وليس التراث هو الحل".
هنا تبدو الأهمية السياسية لدعوة السمهوري. فلقد أثار الموروث التيمي اهتمام قطاع كبير من أطياف "الصحوة الإسلامية" منذ سبعينيات القرن العشرين، بمساراتها الدعوية والعلمية والحركية، الإخوانية والسلفية والجهادية، عبر ساحات نشاطها في مصر وشبه الجزيرة العربية والمشرق العربي وشمال أفريقيا وأفغانستان وشبه الجزيرة الهندية. ووفّرت فتاوى ابن تيمية مادةً يستند إليها أصحاب المواقف المعاصرة المتباينة، سواء في تكفير الشيعة وأهل البدع والفلاسفة والمتصوفة، أو في تأييد الخروج على الحكام الفسقة أو الظلمة أو المتساهلين في تطبيق الشريعة، أو في تحريمه واعتباره بدعة.
ويخوض الكاتب، عبر صفحات الكتاب، في فتاوى ماردين، ونصيرية كسروان، وحكم الياسق، ومواقف ابن تيمية من المغول الإيلخانيين أثناء هجماتهم على دمشق، والفروق بين قانون الياسق لدى المماليك والمغول من حيث النوع والحكم، والتباينات الظرفية والتطبيقية في مواقفه من النصارى والشيعة والإسماعيلية والصوفية، التي تأثرت بظروف الهجمات على مدن الشام أكثر من تأثرها بالموقف العقدي من المذاهب نفسها.
وتبدو راهنية إشكالية ابن تيمية في طرح قضية "المختلف دينيًا" في عالمنا العربي المعاصر، في ضوء ترسخ الطائفية المذهبية في البلاد العربية بين السني والشيعي والعلوي والدرزي والإباضي، والأشعري والسلفي والصوفي، فضلًا عن غير المسلمين، من المسيحيين واليهود واليزيديين وطوائف أخرى قديمة في المنطقة.
لكن راهنية الكتاب تبقى محدودة بسبب قصوره عن توسيع نطاق البحث في تأثير الفكرية التيمية، أو تخيّلها، في عالمنا المعاصر. فالجزء الأخير من الكتاب يقتصر على دراسات حالة كلاسيكية مشهورة، مثل تنظيمات الجهاد والتيارات السلفية الحركية والعلمية، من دون أن تحظى هذه الحالات بمساحة تتناسب مع الحجم الضخم للأجزاء الأولى من الكتاب، التي أسهبت في شرح الأحكام التيمية في سياقها التاريخي.
ومع ذلك، يبقى القصور المنهجي الأهم في الكتاب هو غياب الحالات الأخرى الأقل شهرة لتوظيف الفكرية التيمية، وإن لم تكن أقل تأثيرًا، على يد قوى واستراتيجيات أخرى داخل مؤسسات الدولة الحديثة الدينية والتشريعية والتنفيذية والأيديولوجية، بل وداخل تيارات السياسة والثقافة الحداثية أيضًا، من اليمين إلى اليسار، في القرنين التاسع عشر والعشرين. ويشمل ذلك طيفًا من الأسماء يمتد من محمد عبده إلى طه حسين ومحمد حسين هيكل، وهو ما يستحق الاهتمام لإضفاء مزيد من المصداقية على ادعاء الجدة في الطرح.
[1] تعبّر وجهات النظر الواردة في هذا النص عن آراء كاتبها، ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر منصة "الصالون".
أشرف الشريف، محاضر في العلوم السياسية والتاريخ والدراسات الإسلامية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وباحث في علاقات الدولة والمجتمع والإسلام والاجتماع السياسي والأيديولوجيا في العالم العربي الحديث.