صراعات الهوية في مصر: كيف هندست الدولة صراعات معارضتها
يتناول هشام سلام، في كتابه "سياسة بلا طبقات: الحركات الإسلامية، واليسار، وإرث السلطوية في مصر"، تحوّل السياسة المصرية من قضايا الطبقة والعدالة الاجتماعية إلى صراعات الهوية. ويجادل بأن هذا التحول ارتبط بدور الدولة في إعادة تشكيل المجال السياسي، وبعلاقتها المتباينة باليسار والحركات الإسلامية منذ الخمسينيات، ولم يكن نتاج الانقسام الأيديولوجي وحده.
فكيف يقرأ يوسف حاتم[1] هذا التحول؟ وكيف أسهمت سياسات الدولة في إعادة تشكيل أولويات المعارضة، ولماذا تراجعت أسئلة الطبقة والاقتصاد أمام صراعات الهوية؟
انطلقت ثورة الخامس والعشرين من يناير في مصر بحالة مثالية من الاتحاد الشعبي؛ حيث انصهرت كافة الأطياف في مطالب موحّدة أثارت إعجاب العالم، لدرجة دفعت الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما إلى الإشادة بالشغف والكرامة اللذين أظهرهما الشعب المصري في ثورته.[2] لكن، وبشكل متسارع، انقشعت هذه الحالة المثالية عند أول استحقاق دستوري، في استفتاء آذار/مارس 2011 على التعديلات الدستورية التي أعدّتها لجنة شكّلها المجلس العسكري برئاسة المستشار طارق البشري. وبدلًا من أن يكون هذا الاستحقاق لحظة احتفالية بأول ممارسة ديمقراطية حرة منذ إنشاء الجمهورية، فقد فتح الباب مبكرًا أمام استقطاب حاد أضرّ بقدرة المجال العام على الحفاظ على الحد الأدنى من التوافق الضروري لأي انتقال ديمقراطي.[3] هذا الانقسام لم يتوقف عند لحظة الاستفتاء، بل اتسع خلال سنوات ما بعد الثورة حتى بلغ ذروته في صيف 2013. والأهم أنه انجذب إلى قضايا الهوية وموقع الدين من الدولة وحدود المدني والإسلامي، في معركة بدت أحيانًا وكأنها تبتلع ما عداها، ولم يتمحور حول السياسات الاقتصادية أو مطالب العدالة الاجتماعية التي خرج الناس من أجلها في الثورة.
في هذا السياق يأتي كتاب هشام سلام، "سياسة بلا طبقات: الحركات الإسلامية، واليسار، وإرث السلطوية في مصر،"[4] الصادر عن دار نشر جامعة كولومبيا، بوصفه محاولة لتفسير لماذا انزلقت النخبة السياسية والفكرية إلى صراعات هوية كثيفة، بينما تراجعت نقاشات الطبقة والاقتصاد والاجتماع إلى الخلفية. لا يكتفي سلام بإرجاع الانقسام إلى اختلافات أيديولوجية آنية أو سوء إدارة للمرحلة الانتقالية، لكنه يقدّم فرضية أكثر تركيبًا، يرى فيها أن الاستقطاب كان حصيلة هندسة سياسية طويلة الأمد مارستها الدولة على المجال العام والنخبة، أعادت عبرها ترتيب خطوط الصراع بحيث تصبح الهوية بؤرة النزاع، فيما تُهمَّش أسئلة الطبقة والمصلحة الاجتماعية التي كان يفترض أن تكون مركزية بعد ثورة رفعت شعار العدالة الاجتماعية.
تراجع اليسار أمام السياسات النيوليبرالية
في مقدمة الكتاب، يستدعي سلام واقعةً أثارت جدلًا واسعًا في مطلع تسعينيات القرن الماضي، حين بُثّ إعلان تلفزيوني لمحلّ أثاث تظهر فيه سيدة منبهرة بجودة الأثاث وهي تردد عبارتها: "محمود؟ إيه ده يا محمود؟". أثار هذا الإعلان البسيط موجة غضب داخل البرلمان، ووقف نواب يطالبون بإيقافه بدعوى أن نبرة الصوت والعبارة تحملان "إيحاءات جنسية" غير لائقة.[5]
وجه المفارقة أن بيانات البنك الدولي في العام نفسه تشير إلى أن ما يقارب ربع المصريين كانوا يعيشون تحت خط الفقر الأدنى، في ظل سياسات نيوليبرالية واسعة كانت الحكومة تتخذها آنذاك.[6] ومن هذه المفارقة ينطلق الباحث لطرح سؤاله المركزي: كيف تراجع دور اليسار في المجتمع بالتزامن مع ذروة تطبيق السياسات النيوليبرالية، من خصخصة وانسحاب للدولة، وهي ظروف يُفترض نظريًا أن تدفع اليسار إلى الصعود لا التراجع؟ وفي الوقت نفسه، صعد إلى السطح خطاب الإسلاميين وصراعاتهم حول الهوية، مع إفساح النظام المجال لهم.[7] وبالاعتماد على مقابلات شخصية مع قيادات سياسية من النظام والمعارضة، إلى جانب مذكرات ووثائق أرشيفية، يبني الكتاب سرديةً تاريخية جديدة يجادل من خلالها بأن السياسات النيوليبرالية كانت متورطة في صعود سياسات الهوية على حساب السياسة الاجتماعية والطبقية.[8]
لا يقدّم سلام الحالة المصرية بوصفها استثناءً معزولًا؛ إذ يضع هذا التحول في سياق عالمي شهد في الفترة نفسها تصاعدًا في جدالات الهوية بالتوازي مع اتساع الفوارق الطبقية، في مفارقة غريبة أثارت تساؤلات الباحثين؛ إذ كان من المفترض أن يستدعي هذا الاتساع نضالات يسارية حول الطبقة، لا أن يُزاحمها خطاب الهوية.[9] ويختلف الكاتب مع التفسيرات الشائعة التي تُرجع الظاهرة إلى تركيز اليسار الجديد على قضايا ثقافية، كالبيئة والمساواة الجندرية وحقوق الأقليات، بما همّش القضايا الاقتصادية التقليدية وأدى إلى رد فعل عكسي لدى قطاعات محافظة شعرت بتهديد ثقافي، فمالت إلى اليمين الشعبوي، أو إلى تبنّي اليسار بعض سياسات النيوليبرالية في الاقتصاد، بما جعل الناخبين يتجهون إلى صراعات الهوية.
يرى سلام أن كثيرًا من هذه التحليلات يميل إلى تبسيط المسألة، وكأنها مشكلة ناخب مخدوع يصوّت ضد مصلحته الاقتصادية لأسباب عاطفية وثقافية. وبدلًا من ذلك، يقترح أن الحالة المصرية تكشف آلية مختلفة؛ إذ إن صعود "الهوية" على حساب "الطبقة" لم يكن مجرد خيار من الناخبين، وإنما كان، في جانب مهم منه، نتيجة هندسة سياسية سعت الدولة عبرها إلى إطالة عمرها، خصوصًا مع رغبتها في تمرير سياساتها النيوليبرالية.
كيف هندست الدولة قضايا اهتمام معارضتها؟
بالعودة إلى نجاح حركة يوليو 1952، يشرح سلام كيف نشأ تقاربٌ وجيز بين النظام الذي أسسه الضباط الأحرار والإخوان المسلمين والشيوعيين، قبل أن يتفكك سريعًا. فمع الشيوعيين بدأ التوتر مبكرًا، منذ قمع إضراب عمالي في كفر الدوار انتهى بمحاكمة عاملين وإعدامهما، ثم تتابعت الاعتقالات والمحاكمات بحق كوادر الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني (حدتو). وتجدد القمع عام 1959 على خلفية دعم الشيوعيين للرئيس العراقي عبد الكريم قاسم ورفضهم الاندماج في التنظيم السياسي الحاكم.[10] ومع منتصف الستينيات، اتجه النظام إلى الإفراج عنهم واحتوائهم، مع الضغط لحل تنظيماتهم نهائيًا وضمّ أفرادها إلى الاتحاد الاشتراكي العربي، وهو ما يعدّه سلام الخطيئة الكبرى لليساريين.[11]
أما العلاقة مع الإخوان، فانقلبت إلى القمع بوتيرة أسرع، رغم وجود تقاطع سابق وتداخل جزئي، إذ انتمى بعض الضباط الأحرار إلى الجماعة في مرحلة ما. ومع حلّ الأحزاب السياسية، جرى استثناء الإخوان في البداية باعتبارهم جماعة دينية، لكن الخلاف تفجّر عام 1954 حين رفضوا الانضواء الكامل تحت راية النظام. عندها صدر قرار حلّ الجماعة عن مجلس قيادة الثورة، ثم جاءت حادثة المنشية في تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه -التي اتهمهم النظام فيها بمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر، بينما اتهموا النظام بتدبيرها- ليفتح الباب لحملة قمع ممتدة ضدهم.[12]
ويفسر الكاتب هذا التحول السريع في العلاقة مع شركاء الأمس بأن النظام سرعان ما أدرك أن الإخوان يريدون السلطة، ما جعل الصراع بينه وبينهم صفريًا، ومن ثم بدا القمع بالنسبة إليه ضرورة سياسية. وعلى الجانب الآخر، احتاج النظام إلى الشيوعيين غطاءً أيديولوجيًا، لا سيما مع تحوله إلى الاشتراكية في مطلع الستينيات ورغبته في تعميق العلاقات مع السوفييت. ومن هنا كان الإفراج عن الشيوعيين ومحاولة احتوائهم يوفران له كوادر فكرية وتنظيمية لدعم هذا التحول وتعبئة الجماهير.
وفي المقابل، كان الشيوعيون مستعدين لقبول هذه الصفقة، في ظل انبهارهم بقرارات يوليو الاشتراكية عام 1961، التي شهدت تأميم الصناعات وبدء بناء اقتصاد موجّه تقوده الدولة، من خلال خطة خمسية على النمط السوفيتي. ولعل الحكاية التي يوردها سلام عن الكاتب اليساري صلاح عيسى توضح طبيعة هذه العلاقة بأفضل شكل؛ إذ يروي أن أحد كبار المحررين في جريدة "الجمهورية" كان يعطي صلاح عيسى المقالات ويقول له حرفيًا: "يا صلاح، من فضلك رشّ على المقال شوية تاتش اشتراكية."[13]
مع وفاة عبد الناصر وصعود محمد أنور السادات، وسعيه إلى اجتثاث إرث الحقبة الناصرية والانحياز تدريجيًا إلى المعسكر الغربي، خصوصًا بعد حرب أكتوبر، يرى سلام أن الإخوان حصلوا على "ميزة" صنعها القمع السابق في عهد عبد الناصر، إذ ظلوا خارج مؤسسات الدولة كقوة مستقلة، ما أتاح لهم بناء تنظيم ذاتي وشبكات عمل منفصلة. في المقابل، دفع اليسار ثمن فقدان الاستقلالية؛ إذ اعتاد العمل عبر مؤسسات الدولة، من الصحافة والثقافة إلى التنظيم السياسي الحاكم، بدلًا من بناء قواعد جماهيرية مستقلة، فبدا أضعف وأكثر عرضة للارتياب، لا سيما لدى قطاعات من الشباب الراديكالي التي بدأت تنظر إليه باعتباره قريبًا من الدولة أو عميلًا لها.
ومع التحولات النيوليبرالية التي أطلقها السادات، خصوصًا في ظل وراثته ديون حقبة عبد الناصر، وانقلابه على "العقد الاجتماعي" الذي صاغه عبد الناصر، والقائم على الرعاية الاقتصادية والاجتماعية مقابل احتكار السلطة السياسية، تزايدت الإضرابات والاحتجاجات، وبرزت معارضة يسارية تمحورت حول حزب التجمع، وبلغت هذه الموجة ذروتها في انتفاضة الخبز. هنا يفسر سلام لماذا فتح السادات المنابر للإسلاميين ووسّع هامش حركتهم؛ إذ ساعد ذلك في إعادة توازن المجال العام وكبح تصاعد الاحتجاجات الاجتماعية ذات النَفَس الطبقي.
بالتوازي، يوضح سلام كيف "هندست" الدولة اليسار واحتوته عبر تقنينه داخل إطار حزبي مضبوط. فيقرأ تأسيس حزب التجمع بعمق، بوصفه لحظة استسلام ثانية بعد تجربة حل التنظيمات اليسارية ودمج أفرادها في الاتحاد الاشتراكي العربي. ثم يعرض كيف استُخدم قانون الأحزاب، رقم 40 لسنة 1977، لتقييد اليسار عمليًا، عبر الرقابة المالية وفقًا للقانون، وإتاحة إمكانات أوسع للاختراق الأمني بسبب فتح باب العضوية بموجب القانون، وفرض قواعد تنظيمية تُضعف الاستقلالية. ويقارن سلام ذلك بوضع الإخوان "غير القانوني"، الذي بدا، على نحو معاكس، نعمة مقنّعة؛ إذ حافظ على قدر من السرية المالية واستقلال الأعضاء، وقلّل كلفة الاندماج القسري في ترتيبات الدولة.[14]
لكن السادات، كما يلمّح سلام، لم يدرك أنه يوسّع هامش قوة قد تنقلب عليه. فبعد التقارب مع إسرائيل، انتفض الإسلاميون ضده، ومع القمع انتهى الأمر باغتياله في حادث المنصة. ومع مجيء محمد حسني مبارك، حاول الاستمرار في احتواء اليسار داخل حزب دجّنته الدولة، مقابل الإبقاء على وضع ملتبس للإخوان، لا هو شرعي كاملًا ولا هو مُستأصل، بما يسهّل قمعهم عند الحاجة واحتواءهم عند اللزوم. وخلال هذه الحقبة، توسع الإخوان تنظيميًا واجتماعيًا، مستفيدين من تراجع الدولة عن تقديم خدمات كانت تُعد جزءًا من العقد الاجتماعي، مثل العلاج والدعم وتيسير بعض السلع. وبالاعتماد على الزكاة والصدقات والتبرعات، تشكلت شبكة خدمات اجتماعية قوية وفرت للجماعة لاحقًا ميزة تعبوية في الانتخابات والعمل العام. وتتفق قراءة سلام هنا مع قراءة ماري فانيتزل، التي ترى، من خلال دراستها الإثنوغرافية، أن وضع الإخوان المضطرب في نظام مبارك يمكن تفسيره من خلال سياسة الخير التي تبنتها الجماعة، والتي قامت على بناء حضورها وتقديمه في صورة أعمال خيرية، وكيف حدث تداخل في هذا الخطاب بين نخب الإخوان والدولة في التنافس على الخير ودعم الدولة[15].
غير أن مبارك عاد إلى تشديد الخناق على الإخوان مع تصاعد العنف المسلح في صعيد مصر، ما ساهم، بحسب سلام، في تقوية التيار المحافظ داخل الجماعة على حساب الإصلاحيين. ويشير سلام إلى أسباب أخرى على عجل، فصّلها الباحث حسام تمام، ومنها ما يسميه «ترييف» الجماعة بفعل موجات الهجرة من الريف إلى المدن في سياق التحولات النيوليبرالية؛ إذ وفرت الجماعة إطارًا اجتماعيًا حاضنًا لهؤلاء القادمين في مواجهة اغتراب المدينة والتحديث السريع، ما أسهم في تعزيز سلطة التيار المحافظ. ويضاف إلى ذلك أثر السفر إلى الخليج، وما صاحبه من تأثر بعض أعضاء الجماعة بالتصورات والأنماط الدينية السائدة هناك، ما عزز الاهتمام بالتدين المظهري وأعاد ترتيب الأولويات في خطاب الحركة وعملها السياسي.[16]
في المحصلة، ومع تدجين اليسار وانفصاله عن قواعده الشعبية، والانقسامات الكبيرة التي حدثت داخل نخبه بسبب الاستيعاب داخل الدولة، ومع صعود تيار محافظ داخل الإخوان وتزايد نفوذ خطاب التدين والهوية، أصبح من الأسهل أن تدور صراعات النخبة المعارضة حول أسئلة "الإسلامي/العلماني" والهوية، وهو ما يسميه الباحث "المزاحمة"، إذ زاحمت هذه الخلافات الأزمات الطبقية والاقتصادية التي كانت تعيد تشكيل المجتمع على الأرض. وتراكمت هذه التحولات، بعد ذلك بسنوات، وصولًا إلى اندلاع ثورة يناير، التي دارت نسبة كبيرة من مطالبها حول المشكلات الاقتصادية.
إعادة إنتاج صراعات الهوية على أنقاض الثورة
مع نجاح ثورة يناير في الإطاحة بالنظام، يرصد سلام كيف أعاد المجلس العسكري إنتاج صراعات الهوية عبر فتح الساحة أمام الإسلاميين، الذين امتلكوا شعبية واسعة بفعل سياسات حقبتي أنور السادات وحسني مبارك. وبهذا حققوا مكاسب كبيرة في الاستحقاقات الانتخابية المختلفة،[17] ما أثار ذعر اليسار والقوى المدنية؛ إذ بدت الفجوة التنظيمية والشعبية بينهم وبين الإسلاميين واسعة إلى حد جعل فرص المنافسة المستقبلية شبه مستحيلة.
ومن ثمّ، اتجه اليسار إلى تحالفات انتخابية مع أحزاب رجال الأعمال النيوليبراليين، مثل تحالف الكتلة المصرية مع حزب المصريين الأحرار المرتبط بنجيب ساويرس، بهدف واحد هو مواجهة الخطر الإسلامي.[18] لكن هذا المسار أفقده، في نظر سلام، ثقة قطاعات من الفقراء والعمال، خصوصًا مع الاستنجاد بالمؤسسة العسكرية، لتكون النتيجة الحتمية صعود القوات المسلحة المصرية إلى السلطة بمباركة تلك القوى، وبقبول شعبي واسع لم يرَ بديلًا قادرًا على احتوائه سوى الخطاب الوطني للجيش حول إنقاذ هوية مصر. ثم ساعد هذا المناخ المؤسسة العسكرية على إقصاء شركاء الانقلاب والاستئثار بالسلطة وحدها.
ومع استقرار الحكم لعبد الفتاح السيسي بعد عام 2014، يرى سلام أن النظام عاد لترسيخ صراعات الهوية عبر تبنّي ما يصفه بـ"الهوية الوطنية المُفرِطة"، مع إعادة إنتاج ميراث الأسلاف بصورة أكثر جذرية، إذ يُوصم أي معارض للنظام بالإرهاب، بما يطمس الفوارق بين أطياف المعارضة المختلفة، إسلاميين كانوا أم ليبراليين أم يساريين.[19] يشير كذلك إلى توسع النظام في خطاب هوياتي يركّز على ما يسميه "قيم الأسرة المصرية"، ويقدّم نفسه حاميًا لها، بما يزحزح ساحة النقاش نحو الأخلاق والهوية، ويهمّش النقاشات الاقتصادية، خصوصًا مع تشديد السياسات النيوليبرالية والإصلاح الهيكلي بعد تعويم الجنيه، ومع أجندة صندوق النقد الدولي منذ 2016.
يمكن وضع هذه الاستنتاجات والرؤية المستقبلية في سياق أوسع من الأدبيات التي تناولت توظيف نظام السيسي لقضايا الهوية والمؤسسات الدينية لدعم شرعيته، مثل توظيف دار الإفتاء المصرية لدعم توجهاته في مواجهة الإسلاميين،[20] إلى جانب مغازلة القيم التقليدية لدى قطاعات واسعة عبر حملات أخلاقية وإعلامية، من بينها توقيف فتيات على خلفية نشر فيديوهات على تيك توك بدعوى الإساءة إلى قيم الأسرة[21] وبهذا لم يعد الإسلاميون هم من يحتكرون المجال العام بقضايا التدين في مواجهة اليسار، وأصبحت الدولة تقدّم نفسها راعية للدين[22] والهوية المصرية في مواجهة الإرهابيين الذين يُصوَّرون بوصفهم مهددين لثقافة المصريين وهويتهم ودينهم.
رغم أهمية الكتاب وما يفتحه من فهم جديد لصراعات الهوية في مصر، يظل فيه غياب ملحوظ للاهتمام بالأفكار بوصفها عاملًا مفسّرًا لاختيارات اليسار والإسلاميين، وكأن سلام يقع جزئيًا في المشكلة نفسها التي لام عليها بعض الأدبيات الغربية، حين مالت إلى تصوير الناخبين باعتبارهم سذّجًا، وإغفال البعد الأيديولوجي في تفسير اختياراتهم. ففي قراءة اليساري حسام حملاوي للكتاب،[23] يرى أن إغفال الطابع الستاليني الذي اتسمت به قطاعات من الحركة اليسارية عالميًا في تلك الفترة من تفسير الكتاب يجعل الصورة أقل اكتمالًا. ويأتي نقد قريب، لكن من زاوية أخرى، عند الأكاديمية الباكستانية حُمَيْراء إقتدار، التي ترى أن أثر الأفكار في تشكيل توجهات الإسلاميين واليساريين ظل غير واضح في الكتاب؛ وتتساءل: هل جعلت بعض تصورات اليساريين عن الدولة بوصفها أداة للتغيير عملية الاحتواء أسهل؟ وهل كان سلوك الإسلاميين "انتهازيًا" أم منسجمًا مع إطارهم الفكري؟[24]
وفي الوقت نفسه، ورغم أن صراعات الهوية في مصر كثيرًا ما تحجب صراعات طبقية تمسّ حياة المواطنين بصورة أعمق، لا يمكن إغفال أن ثمة أزمة هوية حقيقية في مصر وفي دول إسلامية عديدة لم تُحسم بعد، ومن الطبيعي أن تتقدم أحيانًا إلى واجهة الأولويات الشعبية. ويزداد هذا وجاهةً إذا أخذنا في الاعتبار أن المشروع التحديثي في هذه الدول لم يكن محايدًا تمامًا؛ إذ حاول فرض هوية علمانية من الأعلى، واتخذ هذا الفرض في أحيان كثيرة طابعًا قمعيًا،[25] بما أسهم في تأجيج الخلافات حول الهوية وإبقائها كجرح غائر يعود إلى الظهور بين الحين والآخر.
ومع ذلك، يظل الكتاب بالغ الأهمية، خصوصًا في مرحلة يتصاعد فيها توظيف الدولة لخطاب الهوية، وتتبنى فيها خطابًا دينيًا واسعًا يجتذب ملايين المصريين، مع توظيف أشكال من التدين الشعبي والصوفي في المجال العام.[26] ويبدو هذا جليًا في حالة الاحتفاء التي تحظى بها منشورات وزارة الداخلية المصرية اليومية حول ضبط مخالفين، إذ يرتبط جزء معتبر من هذه القضايا ببُعد أخلاقي وديني، وكذلك في التفاعل الشعبي مع حملاتها ضد مؤثرين على منصة "تيك توك"،[27] اعتبرتهم قطاعات واسعة متجاوزين لما يُنظر إليه باعتباره قيمًا دينية "مصرية".