بين صفحات الكتب: روايات الواقع العربي المأزوم
نُسلّط الضوء في "بين صفحات الكتب" على إصدارات حديثة تتناول قضايا المنطقة العربية ومحيطها الجغرافي، إلى جانب أعمال تقترب من تجارب عالمية تتقاطع معها ثقافيًا وأدبيًا. ونقدّم في كل عدد قراءات أولية لكتب يجمعها محور أو ثيمة مشتركة، وتفتح نقاشات تمتد إلى السياسة والمجتمع والثقافة والتاريخ.
حنان سليمان[1]
لطالما كانت الرواية العربية مرآةً ترصد التحولات السياسية والاجتماعية، وإن جاءت كتابتها على نحو غير مباشر. فالرواية الواقعية ليست مجرد سردٍ للأحداث، وإنما مختبرٌ لاستكشاف أزمات الوجود في ظل واقعٍ عربي مأزوم. في هذا العدد، نقف أمام أربعة نصوص روائية حديثة صدرت بين عامي (2024-2026)، تُشكّل فسيفساء نقدية لحال الإنسان العربي المعاصر، سواء داخل أوطانه التي تنهشها الأزمات الاقتصادية، والفساد، والحروب، والسياسات الاستبدادية، أم في المنافي القسرية التي يطارد فيها حلم "الخلاص". من بيروت المحتضرة إلى دهاليز السلطة في مصر، مرورًا بوجع الهوية في ليبيا، ووصولًا إلى هوامش المهاجرين في فرنسا؛ تكشف هذه الأعمال كيف يتفاعل المكان مع الجسد، وكيف يطحن الواقع أحلام الفرد، محولًا إياه إلى ضحيةٍ صامتة، أو إلى كائنٍ متمردٍ يبحث عن ذاته بين أنقاض التاريخ.
من واقع بيروت

نجوى بركات، غيبة مي، دار الآداب، 2025.
تتجلى في هذا النص ثنائية الإنسان والمدينة باعتبارهما توأمي الذبول. ننفذ إلى قلب بيروت لنشهد لحظات التلاشي والاحتضار، والتحول الذي طال الجسد والعمران معًا، عبر إطلالة بانورامية من شرفة سيدةٍ مسنّة قاربت التسعين، تحمل في تجاعيدها تاريخًا كاملًا من التحولات. نصٌ يقول إن الإنسان والمكان روحان حيّتان تواجهان الاختناق وتتوقان إلى الحرية. يتفاعلان ويتطبّع كلٌ منهما بالآخر، ويؤثر فيه ويتأثر به، فهما شريكان في الحياة والفناء؛ إذ "ليس سهلًا على من يُقبل على الموت أن يعيش في مدينةٍ مقبلة على الحياة".
نصٌ يبرز تأثير المكان حين تذبل المدينة وتتفكك على امتداد عقود حتى تتهاوى، فلا يبقى الإنسان بمنأى عن هذا الخراب. تبدأ حينها اللغة بالانحسار، ويضيق العالم الواسع، وتتآكل الذاكرة، ويتحول الجسد إلى صدى لما يصيب الشارع من انكسارات. وربما بدأ الخراب بالإنسان نفسه فعمّ المدينة، كما يقول ابن خلدون في مقدمته: "الظلم مؤذن بخراب العمران"، في إشارة إلى انهيار الحضارات وسقوط الدول إثر اعتداء الحكام على أموال الرعية وحقوقهم.
بلغةٍ بليغة، مشبعة بصور إنسانية شديدة الحساسية لحياة العجزة، وبإيقاعٍ بطيء ينسجم تمامًا مع نبض الراوي المتعب، تمضي مي في خريفها الأخير نحو النهاية، كما تمضي المدينة المنهارة معها، عبر مونولوج جنائزي لا يغفل استحضار ذاكرة خصبة لأيامٍ مضت، حين كانت بيروت مدينةً نابضة بالحياة، تنهض بسكانها، ومنهم البطلة، من القوقعة. رفعتها من الأرض، وغذّت روحها حتى امتدت أغصانها نحو السماء، قبل أن تبلغ عمرًا يترقب الخرف وتآكل الذات أمام مرآة الزمن، وتنتهي نهايةً تليق بفنانة مسرح، فيما تتحول أضواء بيروت الساحرة وحلمها الجميل إلى كابوس لا عودة منه. وتنسدل الستارة على حياة مي وحياة بيروت معًا، فكلاهما ينتمي إلى زمنٍ مضى.
نرى بيروت التي لم تعد تشبه نفسها ولا سبيل لنجاتها من الأفول؛ بيروت الغارقة في عتمة انقطاع الكهرباء، وانهيار المؤسسات، وسياسات الإفقار الممنهج التي دفعت الناس إلى التخبط بين انهيار العملة وضياع مدخرات العمر. نقرأ في الرواية: "بين ليلة وضحاها أفقرونا جميعًا دون تمييز"، في إشارة إلى قرار المصارف احتجاز أموال المودعين لمواجهة أزمة السيولة، ووضع حد أقصى للسحب الشهري من المدخرات الدولارية بدأت بنحو 200 دولار ثم ارتفعت لاحقًا إلى 400، في وقت تمكّن فيه أصحاب النفوذ من تهريب أموالهم إلى الخارج.
تذكرنا سياسات الإفقار هذه بقصة اقتحام سالي حافظ قبل سنوات قليلة لأحد المصارف للمطالبة بسحب وديعتها كاملة من أجل علاج شقيقتها. وفي ظل غياب الدولة واستشراء الفساد، تتردد هتافات "الشعب يريد إسقاط النظام" و"كلّن يعني كلّن"، لأن "بات كنس الكل مطلوبًا، لا بل ضرورة للاستمرار في العيش، فنحن مواطنون يتامى، لا دولة تهتم بنا ولا مؤسسات… نحن أبناء بلاد تعيش فوق صدوع، لكن بيروت، مثلها مثل القطط، تمتلك سبع أرواح، ولستُ أدري كم استهلكت منها إلى الآن وكم تبقّى لها". غير أن جائحة كورونا ألزمت الناس بيوتهم فهدأ الحراك، ثم تجذّر الأسى بانفجار مرفأ بيروت. يعزز الانفجار غيبة البطلة -كما يقول عنوان الرواية- غيبة اختيارية، معتصمة بالعزلة عن واقع بيروت المرير، فـ"البشر هنا كلهم مشاريع قتلى، معروضين للذبح، للنسف". ولم ينسف الانفجار الحجر وحده، وإنما نسف ما تبقى من روح في مدينة كانت تنازع، لكنها لم تكن قد ماتت بعد.
من واقع مصر
أشرف العشماوي، السيمفونية الأخيرة، الدار المصرية اللبنانية، 2025.
ينظر هذا العمل في نفسية بطلٍ مأزوم عاش حياته مفعولًا به، كما أرادها له الآخرون منذ طفولته في ستينيات القرن الماضي، مرورًا بالدراسة والزواج والعمل. يرصد النص منظومة صناعة القهر منذ النشأة، التي تُنتج البطش لاحقًا، فتتحول الضحية إلى طاغية عبر سيرة موظف مراسم وعالمه غير المطروق المثير للفضول، فهو أيضًا عازف للكمان. تتنقل به الأحداث من انتفاضة الخبز إلى اغتيال السادات وصولًا إلى ثورة يناير، وتضعه الظروف في موقع نفوذ واسع، حيث يحظى بسلطة مطلقة داخل أحد الأجهزة الأمنية.
يأتي هذا النص بهذه الأحداث الكبرى كقدرٍ يٌحرّك شخصية مشوهة أسهمت الظروف في صناعتها وتكوينها، ثم تكشف طريقة تفاعلها مع ما يحيط بها. فالسياسة ليست بطل الحكاية، ولا التاريخ هو مركزها، وإنما البعد النفسي هو محور النظر في شخصية سامي عرفان أو العقيد سلطان الذي أفل نجمه في مصر مع قيام الثورة، وانتهى به الحال طريدًا في باريس، قبل أن يسطع نجمه تحت سماء الفن محاولًا البدء من جديد وطي صفحة الماضي على ما ارتكب فيها بحق باهر سعيد. عبر مسارين زمنيين مختلفين نرى كيف يتسرب القمع الذي شكّل شخصية سامي عرفان طيلة حياته بدءًا من نشأته وتحكمات جدّته إلى أن يصل به إلى حياة الرعب في المهجر بسبب ما فعله في حق من يقع تحت إمرته متمثلًا في شخص واحد يُمثّل كل جُرمه. نرى كيف تخرج ألحان الذنب والندم والطغيان والخوف في عزف الفنان للموسيقى فتفضحه، وكيف يجتمع الفن مع البطش في شخصية واحدة، والأدهى من ذلك: كيف تحب؟
في قرابة 350 صفحة ينصب الكاتب محكمة حياتية تنظر في قضية باهر سعيد الذي صار فزّاعة للبطل وقد اجتاحه الذنب وشعر "ببعض الخوف بعدما رأى الأرض تبتلع إنسانًا حيًا، بلا صوت، بلا شهود، بلا دم ليختفي فجأة". البطل الذي حين قرر قول الحقيقة والاعتراف على نفسه، قالها "في عتمة، بعيدًا عن الورق الرسمي، بعيدًا عن المحاكم"، كمن "ينقش حروف صك البراءة على صفحة الماء"، فلا يجد القضاء ما يُحاسبه عليه. يهرب بعدها إلى الخارج طمعًا في الخلاص، لكنه يظل عالقًا بين الحقيقة والهلوسة، وبين مطاردة شبح الماضي الذي يلاحقه ليقتصّ منه على ما اقترف. غير أن الخوف ينهشه أينما كان موقعه على الأرض بعد أن "عرف أن الذاكرة لا تموت، وأحيانًا تحجز لنفسها مقعدًا في الصف الأول".
يتماس هذا الشبح المنسي مع الواقع المصري في واقعة اختفاء الصحفي رضا هلال، التي يذكرها الكاتب صراحةً ليعيد التذكير بسببٍ غير تقليدي للتنكيل وقتل الأرواح وإذابة الأجساد في مستويات السلطة العليا. ليس الدافع سياسيًا كما جرت العادة في هذه الممارسات بل يتخذ الدافع منحى عاطفيًا في هذا النص يرتبط بامرأة تُدعى دينا يعقوب يتنافس عليها رجلان فيبطش الأرستقراطي فيهما بالآخر اليساري مستغلًا نفوذه. ويكثف الكاتب هذا المعنى في قوله: "أثقل ما يحمله المرء في قلبه من أوجاع ليس هو الخسارات الصريحة، إنما الأحلام بالنجاح التي لامست الواقع ثم تراجعت إلى العدم دون أن تكتمل".
إلى جانب ذلك، يورد الكاتب على لسان الرئيس المصري السابق حسني مبارك جُملًا حوارية مقتطعة من حوارات سابقة له يمكن تأويلها وإسقاطها سياسيًا على الواقع الراهن، مثل: "زمن الانقلابات العسكرية انتهى للأبد ومستحيل يحصل تاني... والنهاردة عندنا تداول سلمي للسلطة في مصر". كما تحضر اقتباسات أخرى لمبارك تتعلق بالقروض، وهي سياسة اقتصادية اعتمدها النظام المصري الحالي بكثرة خلال السنوات الأخيرة. ومن ذلك قوله: "...إنما قروض من البنك الدولي عمال على بطال... لا يا حبيبي بطلنا حكاية القروض، أنا لو سلمت رقبتي للبنك الدولي يجبرني تاني يوم الصبح أرفع الأسعار، والمواطن بتاعنا ما يستحملش، ثم مين إن شاء الله اللي هيسدد الفاتورة بعد كده؟ أولادي وأولادك؟".
الرواية أشبه بمراجعة إنسانية لمرحلة مهمة من تاريخ مصر المعاصر، عبر بطلٍ كان شاهدًا على كواليس عصر كامل؛ إنسانًا عاديًا فتك به الجاه والمنصب، حتى لاحت لحظة القصاص، غير أن الفساد أعاد إبطالها من جديد.
من واقع ليبيا

كوثر الجهمي، ولد بلاد، دار الفرجاني، 2024.
يتعرض النص لإشكالية قانونية واجتماعية ممتدة لا تقتصر على ليبيا، وإن كانت ليبيا هي موضوع الرواية. تعود جذور الأزمة إلى عقود مضت، حين حصرت الدولة الجنسية الليبية في النسب إلى الأب ضمن معظم التشريعات المتعاقبة منذ قانون الجنسية لعام 1954، استنادًا إلى مبرر ديني جرى تأويله على نحو مغلوط: "ادعوهم لآبائهم".
يأتي هذا العمل الموجع والمُفعم بالمشاعر والمعاناة ليسلط الضوء على معاناة الأبناء غير المُجنّسين، الذين لا تعدهم الدولة "وِلْد بلاد"، فتحرمهم من حقهم في شراء منزل أو سيارة، وحتى الحصول على خط هاتف، وتخرجهم من دائرة التعليم المجاني الذي يستحقه الليبيون، ولا تضمن لهم حقوقًا لدى جهات العمل فهم لا يعملون بعقود من الأساس إلا إن كانوا سعداء الحظ وجرى توظيفهم كعمالة وافدة.
يدفع هذا الوضع المأزوم العديد من العائلات الليبية إلى رفض زواج بناتهم من أجانب، خشية أن تواجه الأسرة الجديدة مصيرًا بائسًا إذا قررت الاستقرار في ليبيا أو وقع الطلاق لاحقًا. فكيف يكون مستقبل المواطنات الليبيات إذا تزوجن من خارج البلاد ولم يتمكن أبناؤهن من الحصول على فرصة عمل كريمة؟
ارتضت الأم الليبية في الرواية هذا الوضع بعد أن أُصيبت بإعاقة أخرت فرصها في الزواج، فقبلت الارتباط برجل مغربي خوفًا من أن تُصاب أرضها الخصبة بالبوار. وهكذا انتقلت من سجل المواطنين في بلدها إلى سجل الأجانب. تزداد الأزمة في النص تعقيدًا حين يجد الابنان نفسيهما مجردين من أي هوية: "رجل وامرأة لا محل لهما من الإعراب في هذا العالم اللا مبالي.. نكرتان لا تجدان ما يُعرّفهما فوق الخريطة". ولأن والدهما كان يواجه مشكلة مع الشرطة اضطرته إلى مغادرة البلاد، ثم توفي خارجها، فقد حُرما من الحصول على الجنسية المغربية أيضًا، وأصبحا يُعاملان بوصفهما من الرعايا الأجانب، يعيشان في ليبيا كلاجئين في وطنهم، لا يستطيعان مغادرتها، ويجددان تصاريح الإقامة كل سنة، وكأن حياتهما توقفت عند هذا الشلل.
تبلغ العقدة ذروتها مع وقوع مجدي (الابن) في حب فتاة ليبية. حينها يرتكب خطيئة الأمل، حتى أنه يلجأ إلى القضاء طلبًا للجنسية لكي يُلبي شرط أهل فتاته. وعندما يلوح اليأس، لا يجد مخرجًا لزواجه ممن أحب، ولا سبيلًا إلى سفر أمه ذات الإعاقة للعلاج، سوى شراء الهوية ودفع ثمن باهظ مقابلها، عبر الانضمام إلى كتائب مسلحة والانخراط في حرب أهلية لا يؤمن بها. إنها عملية التوحش التي يمر بها الإنسان المهمش الذي عاش "في الخفاء كأولاد الزُناة". إنسان كان يصنع بيديه الكعك، ثم تحول إلى الزناد بحثًا عن حق حُرم منه.
وحتى اليوم، ورغم التحولات السياسية الكبيرة التي شهدتها ليبيا بعد سقوط نظام القذافي، ما يزال أبناء الليبيات المتزوجات من أجانب محرومين من حقهم الأصيل في الحصول على الجنسية بالتبعية، وكأنهم ارتكبوا خيانةً ما بزواج أمهاتهم من غير الليبيين. وقد منحت حكومات مختلفة بعض الامتيازات لهؤلاء الأبناء، مثل التعليم والعلاج المجانيين، غير أن مشكلة التجنيس ما تزال قائمة وعمومًا "حال غير الليبيين هنا كل يوم في شأن". ولا تقتصر أزمة منح الأبناء جنسية الأم على ليبيا، وإنما تمتد إلى لبنان وقطر أيضًا، في حين تسمح دول أخرى في المغرب العربي ومصر والسودان واليمن للأم بنقل جنسيتها إلى أبنائها.
من واقع الاغتراب

لنا عبد الرحمن، ليالي سان دوني، دار العين للنشر، 2026.
يرسم هذا العمل لوحةً بانورامية لعالم المهمشين البائس من المهاجرين واللاجئين العرب الذين محَت الغربة الفواصل بينهم، فصاروا لبعضهم بعضًا أهلًا وعزوةً في سان دوني، مدينة الرحَّل والغرباء في فرنسا. هجر هؤلاء واقعهم المرير في المشرق والمغرب العربي وما يجاورهما من بلادٍ تئن تحت وطأة الحروب والاستبداد، أملًا في حياةٍ أكثر انتظامًا، وبحثًا عن "السيستم" الذي تفتقده أوطانهم؛ ذلك النظام الذي يوفر للعاطلين عن العمل إعانة بطالة تكفي أساسيات العيش، في حين قد لا يجد بعضهم في بلادهم قوت يومهم.
لكن التوقعات تتحطم على صخرة الواقع حين ينتهي بهم الحال إلى جانب المشردين الفرنسيين الهاربين من النظام العام، ليعيشوا معًا قرب العاصمة باريس حياة القاع في بلاد النور. يجمعهم هاجس مشترك: الملاحقة والتهديد بالطرد. يختلطون جميعًا في مكان تتجاور فيه الأوراق والأرواح والفنون والطبقات والهويات في تداخل عجيب يحمل الحرية والفوضى معًا... إنه قصر "لو شاتو" التاريخي المغطى بالغبار والجرافيتي.
البطولة في هذا النص جماعية وليست فردية؛ إنها بطولة المهمشين في أوطانهم، الذين ظلوا مهمشين حتى في المهجر. أولئك الذين سعوا وتطلعوا إلى غدٍ أفضل، ولعبوا الحياة كرقعة شطرنج، لكنهم خسروا الرهان ولم يبرحوا موضعهم في الدنيا، وإن ارتحلوا. فنقرأ في الرواية: "ربما جوهر الحياة أن نظل نلاحق أحلامنا. هذا يكلفنا الكثير، لكن علينا فعله كي لا نموت بحسرتنا من مرور العمر، ونحن قابعون في مكاننا".
ويُعبّر أحد أبطال الرواية عن الفكرة ذاتها من زاوية أخرى حين يقول: "الدنيا لا تعطينا ظهرها، وإنما نحن من نجلس في الاتجاه المعاكس، وعلينا تغيير زاوية الرؤية، وهذا ما أفعله دائمًا". يذكّرنا هذا النص برواية الكاتبة المصرية ميرال الطحاوي "أيام الشمس المشرقة"، التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية عام 2023، إذ ارتكز عالمها الروائي أيضًا على المهمشين.
يبرز المكان، القصر، باعتباره مأوى للمهاجرين واللاجئين، ففيه كل شيء مباح، لأن كل شيء مفتوح ويحدث على رؤوس الأشهاد، فالأبواب لا تُوصَد في الليالي الساهرة. ويشبه القصر بوتقةً تنبض بالحرية والحيوية، وتحتضن حياة ساكنيه من الفنانين الصعاليك الذين يدفعون إيجاره الزهيد، وينضمون إلى مجتمعه ليعيشوا حيوات فنية متعددة وغير مستقرة، ويدخلوا في علاقات عابرة، من دون التفكير في غدٍ غير مضمون، لأنهم لا يحملون إقامات قانونية في فرنسا.
يدرك هؤلاء أن لا بيت يدوم، لكن القصر يمنحهم شعورًا بالانتماء، فلا يشعرون فيه بالغربة. كما يدركون أن الهوية متغيرة، لا تعرف الجمود، وإنما تتشكل وتتحول مع كل تجربة وخبرة جديدة. يعمّهم الخراب، لكنهم في جلسات العزاء يتندرون: "أحيانًا يأتي الخراب كي يعيد البناء".
يحمل تمثال القديس سان دوني، رمز المدينة، دلالة تتقاطع مع النص؛ فالأسقف الذي قُطع رأسه في القرن الثالث الميلادي، ويقف اليوم حاملًا رأسه المقطوع بين يديه مواصلًا مسيره، ليس مجرد أسطورة دينية، وإنما تجسيد بصري لأسمى درجات الصمود، وقدرة الإنسان على الاحتفاظ بهويته، وحمل ذاكرته ووعيه حتى حين يحاول الجلاد وقوى القهر بتر هذه الجذور، وعدَّه جسدًا بلا هوية.
هكذا يتحول قصر "لو شاتو" إلى "بازيليكا"[2] للشهادة الإنسانية. ويُسائل النص نظام الجنسية في العالم المعاصر، طارحًا سؤالًا جوهريًا، وإن جاء ضمنيًا، حول مدى عدالة النظام العالمي المعمول به، القائم على الحدود السياسية، وتقييد حرية الحركة والتنقل، وتصاريح الإقامة، وسياسات الهجرة، وأنظمة اللجوء. كل ذلك يتردد في الذهن حين تقول فرنسية مقيمة في القصر: "من حق الإنسان العيش في أي بلد يريده، ما دام لا يسبب الدمار للأرض ولإخوته من البشر".
