القارئات والقراء الأعزاء،
شهدنا، في الأسابيع الأخيرة، كيف يُستدعى خطاب "حرية الشعوب" من جديد لتبرير الحرب. وقد أظهرت تقارير إعلامية، من بينها ما نشرته الجزيرة في 12 آذار/ مارس 2026، كيف تُقدَّم معاناة الإيرانيات بوصفها ذريعة وأداة خطابية، وكأنّ الصواريخ قادرة على إنجاز ما عجزت عنه عقود من النضال الاجتماعي. تطلُّ علينا هذه النغمة الغربية المألوفة، ويروّجُ لها أنصار التدخل العسكري الأمريكي-الإسرائيلي، في مفارقة تثير السخرية بقدر ما تثير الغضب. فكيف نصدّقُ أنّ من يرتكبُ إبادةً جماعية في غزة، ومن قصف مدرسةً في "ميناب" ليقتل أكثر من مائة وسبعين طفلة في إيران، ويقصف لبنان ليرتفع عدد الضحايا إلى 1094 منذ 2 آذار/ مارس، مُجبرًا أكثر من مليون شخص على النزوح، هو نفسه من سيُحرّر النساء بصواريخه؟
رأت المرأة الإيرانية كيف دخلت "جيوش التحرير" وخرجت من أفغانستان والعراق، تاركةً وراءها ركامًا من الأرواح والأحلام المدمّرة. وعن ذلك تقول الكاتبة الفرنسية-المغربية صفية عز الدين ببساطة مُدوّية: "النساء الإيرانيات يعرفن جيدًا أن هذه الحرب ليست لتحريرهن." وهو ما حذّرت منه الأستاذة الإيرانية- الأمريكية نرجس باجوغلي في منتصف عام 2025، حين نبّهت إلى وهم الربط بين الحرب والحرية، مؤكدةً أنّ النساء الإيرانيات يناضلن منذ عقود داخل مجتمعهن، منتقدةً استخدام وسائل الإعلام الغربية للشعارات النسوية لتبرير الحرب في المنطقة تحت ستار "إنقاذ النساء".
لقد تعلّمت النساء في منطقتنا الدرس جيدًا، فالاحتلال كان واقعًا قمعيًا يضاعف معاناة النساء لا محرّرًا يكتب حقوقهن. وكما تقول ناشطة نسوية إيرانية في مقطع متداول: "بعد الانتصار يمكننا أن نواصل نضالاتنا داخل إطار اسمه إيران، أمّا إذا احتُلّت وقُسّمت، فلن يبقى لنا شيء نمارس فيه عملًا مدنيًا". تُعيد هذه العبارة، على بساطتها، وضع النسوية في مكانها الصحيح: داخل التاريخ، لا خارجه؛ داخل المجتمع، لا بمعزل عنه.

في هذه النشرة، نحاول قراءة النسوية من داخل هذه التوترات، عبر مراجعات ثلاثة كتب تُضيء جوانب مختلفة من العلاقة بين النسوية والثورة والمكان والدولة. ففي "سيرة ثورة: الجذور النسوية لحقوق الإنسان في مصر"، تظهر النسوية بوصفها قوة كامنة في قلب الفعل السياسي؛ إذ يعيد الكتاب كتابة الثورة عبر تتبّع مسارات النساء في مواجهة طبقات متراكمة من السلطة. ومن هذا الزمن الممتد، ينتقل كتاب "الفضاءات والنوع الاجتماعي في العالم العربي" إلى اختبار الحضور النسائي في المكان، كاشفًا أن المرئية لا تعني بالضرورة القدرة على الوصول، وأن الفضاء العام يُعاد تشكيله وفق علاقات قوة تُنتج أشكالًا جديدة من الإقصاء حتى في لحظات الانفتاح. أمّا "النسوية والدولة"، فيضع هذه المسارات كلّها داخل إطار أكثر تعقيدًا، حيث تتبدّى الدولة حقلًا للتفاوض، تتداخل فيه إمكانات التمكين مع مخاطر الاحتواء، خاصة في سياقات مأزومة. وبين هذه المستويات الثلاثة - الثورة، والفضاء العام، والدولة- تتشكل صورة لنسويةٍ غير مكتملة ولا مستقرة، وإنما مشدودة دائمًا إلى شروطها التاريخية والسياسية، ومضطرة إلى إعادة تعريف نفسها كلّما تغيّر السياق.
في موازاة ذلك، نواصل في الفترة المقبلة العمل على مشروعنا حول مذكّرات النساء في المنطقة العربية عبر حلقات من "بودكاست المرآة"، إلى جانب التوسّع في مراجعات كتب عن نساء من ليبيا وتونس والسودان ولبنان واليمن، في محاولة لكتابة سردية لا تنفصل عن تجارب النساء الحيّة، ولا تُختزل في لحظةٍ أو في "اليوم العالمي للمرأة".
في الأغنية الإيرانية "از خون جوانان وطن لاله دمیده"، تنبت زهرة اللّاله من دماء الشهداء. استعارةٌ قديمة، لكنها لا تزال تُستعاد كلما أُعيد إنتاج الفقد. غير أنّ هذه الصورة، في منطقتنا وزماننا، لم تعد كافية لتجميل الخسارة، فالأرض التي تُنبت الزهور، هي نفسها التي تحمل، مرةً بعد أخرى، أجسادًا تبحث عن الحرية ولا تجد من يروي قصتها.
ثمة أسئلة تلحّ كلما نظرنا في ملامح النسوية اليوم: أيّ سردية نقبل أن تُقال باسمنا؟ ومن يملك الحق في تعريف حريتنا؟ وكيف يمكن الحديث عن الجسد والحرية والاختيار، في واقع تُقاس فيه الحياة بمعايير القصف والنجاة؟
دمتم بخير
رهام عمرو